islamaumaroc

صفحات ناصعة من تاريخ المغرب الذهبي يسجلها دبلوماسيون أجانب

  دعوة الحق

118 العدد


عاش المغرب أياما زاهرة خالدة من تاريخه المليء بالمآثر و المزايا في شتى المجالات الحضارية، و كان مطمح الأنظار في العلم و السياسة و الاقتصاد و الاجتماع و غيره، و مضرب الأمثال عند كثير من الأمم و الشعوب في ذلك كله، شهد بهذه الحقيقة أصدقاؤه كما أقرها أعداؤه منهم الذين اتصلوا به مباشرة بدافع المتاجرة أو المخاطبة، أو الذين أغاروا عليه تبعا لتقاليدهم الصليبية أو الذين بقوا يكيدون له من بعيد، و كثيرهم أولئك الذين يموتون حنقا و غيظا حينما يسمعون أن أول جامعة في أوربا كان يدرس فيها مغاربة أمثال العلامة الفيلسوف ابن رشد، فمنذ أن كان المغرب دولة لها مفهومها الدولي، و هو يقطع الأشواط البعيدة المرمى في مجال الحضارة و العلم و البناء في المجال العالمي، و إذا كان الأدارسة قد عملوا على بناء كيانه الدولي، و حددوا مفهومه السياسي، و إذا كان المرابطون بعدهم قد جددوا من معالمه الدينية و وسعوا رقعته بإضافة الأندلس إليه، و قاموا أيضا بتوسيع حدوده إلى أواسط القارة الإفريقية، و لذلك فوائده من النواحي الاجتماعي و الاقتصادية على الخصوص، فإن الموحدين و السعديين و العلويين يعتبرون من الذين خلدوا بالمغرب عصورا ذهبية أنجبت للعالم رجالا أكفاء مقتدرين، و أفذاذا برزوا في حقول العلم و الاكتشاف و الابتكار لا يتسع المجال للتحدث عنهم بل لسرد أسمائهم. و المطلع على تاريخ المغرب يجد في ذلك ما يكفي و يفي بالمرام.
لقد ظلت حالة المغرب العلمية و الحضارية على هذا النمط من التقدم و السمو، و مجاراة تيارات الحضارات العالمية على سنة الأخذ و العطاء لا عن طريق الاستهلاك وحده، كما يبغي ذلك أعداء المغرب و الأنانيون من بني الإنسان، و إذا كان للتاريخ أن يحكي و إذا كان لأحداثه أن تنطق بما هو كمين فيها، فإنا نرى أن المغرب أمة عظيمة مهما قيل و مهما يقال، و إنها غالبت الزمان و الأحداث و أنها سارت في عالم الحضارة و العلم مع العظماء الخالدين، و كانت لها شخصيتها و سمتها العلمية و عباقرها في جميع الميادين.
إن أول من صنع خريطة في الجغرافيا هو مغربي و إن أول من حول في الحساب و أحدث الطرق السهلة هو مغربي، و إن المغربي أيضا هو أول من قسم الأرض إلى فراسخ  و أميال قبل أن تهتدي أوربا إلى الطريقة المترية بقرون، و أحدث طريقة للكشفية العالمية و مدرسة إدارية تهتم بتخريج الموظفين و البحارة و رجال الأعمال الذين يسهرون على تسيير الشؤون و يضطلعون بالأعباء الجسام، لا أقول كثيرا و كثيرا من هذا النوع و لكن الذي يعنيني هنا أن أسجله حتى على لسان أعدائنا المستعمرين هو أن المغرب هاته البلاد الغنية بخيرها و خيراتها، ظل محافظا على استقلاله و كيانه و قوميته العربية منذ إدريس الأول الذي جعل منه دولة عربية و أمة موحدة المطامح و المشاريع و الأهداف إلى الفترة الأخيرة من تاريخه حيث دهاه ما دهى إخوانه العرب و المسلمين في مشارق الأرض و مغاربها من الغزو الاستعماري الذي خلفته للعالم تلك الأزمنة المتأخرة المقيتة.
لقد قال المشير ليوطي في مدينة ليون يوم 29-2-1916 في تصريح له :
« .. بينما وجدنا أنفسنا في الجزائر إزاء مجتمع في حكم العدم، و أمام وضعية مهلهلة قوامها الوحيد هو نفوذ الرأي التركي الذي انهار بمجرد وصولنا إذا بنا قد وجدنا بالمغرب على العكس إمبراطورية تاريخية و مستقلة تغار إلى النهاية على استقلالها، و تستعصي على كل استعباد، و كانت هذه الدولة إلى حد السنين الأخيرة تظهر بمظهر دولة قائمة الذات بموظفيها على اختلاف مراتبهم و تمثيلها في الخارج، و هيئاتها الاجتماعية التي لا تزال معظمها موجودا بالرغم عما لحق السلطة المركزية أخيرا من انحطاط ، و تصوروا أنه لا يزال بالمغرب عدد من الأشخاص كانوا منذ ست سنوات خلت سفراء المغرب المستقل في بترسبورغ و لندرة و برلين و مدريد و باريز يحف بهم كتاب و ملحقون، و كان هؤلاء السفراء رجالا ذوي ثقافة عامة تفاوضوا مع رجال الدول الأوربية كالأنداد، و كان لهم اطلاع على المسائل السياسية و تذوق لها، و إزاء هذا الجهاز السياسي توجد هيأة دينية لا يستهان بها، فوزير العدل الحالي قد سبق له أن ألقى مدة سنوات دروسا في جامع الأزهر بالقاهرة و في اسطنبول، و قبرس، و دمشق، و هو يتراسل حتى مع علماء الهند، و ليست له وحده علائق مع النخبة الإسلامية في الشرق، و أخيرا توجد جماعة من رجال الاقتصاد من الطراز الأول تتألف من تجار كبار لهم دور تجارية في منشستر و هامبورغ و مارسيليا، و كثير منهم ذهبوا إلى هذه المدن بأنفسهم .. أضيفوا على هذا – كما يعلمه جيدا كل من ذهب منكم إلى المغرب – أن هناك جنسا له مقدرة في الصناعة و نشاط و ذكاء و استعداد للتصور يمكن أن نستفيد منه كل الفائدة بشرط أن نحترم بكل دقة كل ما يريد أن يراه محترما ».
كما كتب السيد كولييز من عباقرة الاستعمار الفرنسي سنة 1930 م في كتابه (حمايتنا) فيما بين ص 258-268 يقول : عند إمضاء عقد الحماية وجدنا أنفسنا أمام حالة واقعية، إذ وجدنا أمامنا بفاس جامعة القرويين التي زودت دول الإسلام الإفريقية طوال عشرة قرون بقادة الفكر، و التي لا يزال فيها سبعمائة طالب مغربي يتخصصون في القضاء أو العدالة كما وجدنا أيضا في الحواضر و البوادي عددا كبيرا من الكتاتيب القرآنية يمدها السلطان و الأوقاف أو مطلق الناس بما تحتاج إليه.
نعم وجدنا أنفسنا أمام مجموعة زاهرة بديعة من المدارس صغرى و كبرى، تعمل تحت ظلال الأحياء الحضرية أو تحت خيام المداشر ».
و قد أقام الأستاذ كلينار بفاس عام 1540 م يكتب رسائل باللغة اللاتينية يصف فيها حالة التعليم أيام العباس الأعرج السعدي سنة 948 هـ؟ و قد تناول بإسهاب دروس القرويين و عوائد الطلبة و المدرسين و أسلوب التدريس و أنواع العلوم المدروسة من عقلية و نقلية من شرعية و عربية و رياضيات و علوم طبيعية و اجتماعية، و تحدث عن حالة الإجازة التي تقوم مقام الشهادة اليوم و أيام العطل الأسبوعية و السنوية.
كما ذكر المؤرخون أن جيلبير و هو البابا سلفستر الثاني درس بالقرويين و منها أدخل الأرقام العربية إلى أوربا، و قد درس بالقرويين أيضا عدد كبير من الأوربيين، و من الأفارقة.  و فكر المولى الحسن الأول قدس الله روحه في القرن الماضي في تكوين أطر بالمغرب في العلوم الحديثة متغلبا على جميع العراقيل الداخلية و الخارجية فكون مدرسة مركزية للمدفعية بالجديدة و معملا للسلاح بفاس و وجه كثيرا من البعثات الدراسية إلى انجلترا و إسبانيا و أمريكا و فرنسا و إيطاليا و ألمانيا للدراسة في معاهد هاته الدول من أجل تحقيق التكوين العام، ثم التكوين الهندسي و العسكري، و يقال أن بعثة خرجت من المغرب في الوقت الذي خرجت فيه أول بعثة يابانية و لكن بكل أسف لاقى هؤلاء المتخصصون المغاربة بعد رجوعهم اضطهادات كثيرة من لدن إخوانهم المسؤولين على الحكم آنذاك بدافع الخوف على مراكزهم و بدافع تثبيط الهمم و التمهيد للغزو الأجنبي حتى أن بعضا من المتخصصين في الهندسة وظفوا تحت تأثير ضغط السلطان على المباشرين في الإدارة، و لكن في المكاتب الجمركية و بأجرة زهيدة لا تتعدى (14 سوردي) في اليوم، و قد تحدث عن هذا بتطويل السيد كامبو في كتاب، المغرب الحديث مملكة تنهار في طبعة 1866 م ص 16، و قد نقلت مجلة هسبريس ( عام 1945 م مجلد 31 ص 121 ) بحثا بقلم الأستاذ كابيي المدرس بكلية الحقوق بالرباط، تحدث فيه عن اهتمام المغرب بالتكوين الهندسي و العسكري في مدرسة مونبيليي بفرنسا من عام 1885 إلى عام 1888 إذ أرسلت أولا بعثة تحتوي على 12 مغربيا توجهوا يوم 24-6-1885 صحبة ميكيل دوكاسترو، قنصل البرتغال الذي أسلم و دخل خدمة السلطان آنذاك، و قد درسوا اللغة الفرنسية و الحساب، و الهندسة التطبيقية و التدريب العسكري و الهيئة و الرياضيات و الكيمياء و التيلغراف و التيلفون و البصريات و الكهرباء و الضغط الجوي و ترصيف الطرق و السكك الحديدية و مساحة الأراضي و تحرير التصميمات الهندسية، و بعد رجوعهم اقتبلوا من طرف ممثل السلطان و تقرر تعويضهم بخمسة عشر آخرين و لكن هذا التقرير لم ينجز لأسباب مجهولة.
و قد ردد المشير ليوطي أيضا في تقاريره للحكومة الفرنسية و لاسيما عام 1920 م هاته العبارات لقد وجدناها دولة و شعبا، و كانت البلاد تجتاز حقا أزمة فوضى و لكنها أزمة حديثة العهد نسبيا، و هي أزمة حكومية أكثر منها اجتماعية.
و إذا كان المخزن قد عاد عبارة من مظهر – لا أكثر، فهو لا يزال على الأقل قائم الذات، و يكفي أن نرجع بضع سنوات إلى الوراء لنجد حكومة حقيقية تظهر في العالم بمظهر دولة ذات وزراء كبار، و سفراء احتكوا برجال الدول الأوربية، و منهم من لا يزال حيا إلى الآن، و لكن تحت المخزن كانت معظم المؤسسات لا تزال قائمة، و هي تختلف حسب النواحي، و لكنها تمثل حقائق ملموسة، و في 17 أبريل 1921 صرح بالدار البيضاء قائلا : لا ننسى أننا في بلد ابن خلدون الذي جاء إلى فاس و هو ابن عشرين سنة، و في بلد ابن رشد، و ليس خلفهما غير جديرين بهما، و ما زلنا لا نعلم تماما ما تضمنه بين جدرانها تلك الدور العتيقة، في فاس و الرباط و مراكش من رجال جعلوا منها مآوي للدراسة و التفكير و البحث و في كل مرحلة اكتشف من جديد رجالا لهم شغف بخزائنهم العلمية، قد تفتحت عقولهم لكل ما يجري في العالم، واشتد طموحهم لمشاهدة بلادهم تساهم في الحركة الفكرية ، و صرح في سابع دجنبر 1922 بقوله، كلما ازددت اتصالا بالمغاربة، و كلما طال مكثي في هذه البلاد إلا و ازددت اقتناعا بعظمة هذه الأمة، و في خامس دجنبر 1923 أعاد إلى الأذهان اندهاشه الأول فقال : لما ذهبت إلى المغرب للمرة الأولى عام 1908 مبعوثا من طرف الحكومة إلى الجنرال دامال اندهشت عندما شاهدت أراضي شاسعة جيدة للزراعة واضحة الحدود تنتظم حول ضيع حقيقية على خلاف أراضي الجزائر المنقسمة إلى قطع غير منتظمة، و كان ذلك من عمل أهل البلاد، فكان عندي مثار دهشة عظيمة.
هذه شهادة واضحة من هؤلاء القادة و الكتاب، في أن المغرب كان قبل الحماية الفرنسية مجهزا بنظام خاص للتعليم، يعمل على نشر الثقافة الوطنية و تعميمها، و يضمن تكوين الموظفين اللازمين لتسيير دواليب الأمور في جميع مرافق الحياة بالبلاد، و لم يكن هذا التعليم يحتاج لشيء إلا إلى إدخاله في قالب عصري، بتجديده و تحويره تبعا لأساليب الحضارة الحديثة، كما أن الإدارة كان يعوزها فقط شيء من التحرير و التهذيب، تبعا لمقتضيات الظروف العصرية التي يجب أن يعيشها المغرب متعاونا مع الدول الأخرى التي تتكون منها الأسرة الإنسانية، و لكن يجب هنا أن نساءل ماذا فعلته الحماية بعد بسط نفوذه على المغرب ؟ هل طورت التعليم و حافظت على روحه القومية ؟ هل أدخلت عليه من التحسينات ما يجعله خليقا بأن يسمى تعليما وطنيا ؟ هل حافظت على الجهاز الإداري المغربي في روحه ؟ هل أعانت المشرفين عليه حتى يتخصصوا في فروع الإدارة المختلفة تبعا لروح العصر أم ضربت بكل ذلك عرض الحائط، و أنشأت بالبلاد المغربية نظاما عنصريا جديدا جريا على سنة الغزو الاستعماري ؟
لقد امتدت حركة التعليم قبل الحماية بكيفية تتلاءم و وضعية المغرب، من الناحيتين الداخلية و الخارجية، و كان المغاربة يقومون إزاء أبنائهم بكل ما يفرضه واجب الأبوة و الولاية في التربية و التعليم، تبعا للتعاليم الدينية أولا، و عملا على تحقيق رغبتهم قي تقدم البلاد و ازدهارها، ولم تخل مدينة أو قرية من هاته الروح، حتى أنك لتجد على قمم الجبال العالية، و في المغاور البعيدة المظلمة، أشخاصا قطعوا أنفسهم لتعليم القرآن و العلم، الذي تقوم به مصلحة الدين و الدنيا، كما بسط ذلك كثير ممن وردوا على المغرب من سواح و قواد أجانب في مذكرات لهم أمثال كرانفال و دولاتور و كاسترو و كما ثبت في تصريحات المشير ليوطي و الأستاذ كولييز الأنفة الذكر.
نعم كانت بالمغرب كتاتيب بالمدن و القرى و المداشر و الخيام المتفرقة تعد بالآلاف، مهمتها تعليم القراءة و الكتابة و تحفيظ القرآن الكريم، وما لا بد منه من قواعد العلوم الأولية، في اللغة و الدين و الأدب و الأخلاق و إلى جانبها كما نشاهد زوايا و جوامع كثيرة تمثل دور المعاهد في عصرنا، و بالإضافة إلى ذلك كله كانت جامعة القرويين التي أسست سنة 245 هـ. بفاس و كانت جامعة ابن يوسف بمراكش، و كانت جامعة سبتة أيضا، يقصد هاته الجامعات الطلاب من كل حدب و صوب، و يتهافتون عليها طلبا للعلم و المعرفة و رغبة في تكوين أنفسهم ليكونوا مواطنين صالحين، يعملون للصالح العام، و يقومون بما يفرضه الواجب الوطني و الديني،و كانت الأحباس و عامة الشعب يقدمون إلى هاته المؤسسات العلمية و الدينية كثيرا من العطايا، و يتقدمون إلى معلميها و اساتذتها بجزيل الهدايا و التحف، اعترافا لهم بالفضل، و تقديرا لخدماتهم الجليلة، و قد كان الطلبة يجدون المآوي الصالحة، و الطعام المقوي و المساعدة اللازمة لتتبع الدروس على أحسن ما يرام، و بمجرد تخصصهم في شعبة من الشعب العلمية أو إنهاء دراستهم كانوا يوزعون على المعاهد أو الوظائف، بعد أداء الباريات و اجتياز الامتحانات كما هو الشأن عند الأمم الأخرى. هكذا كان العلم و هكذا كان التعليم يسير وفق سياسة مدروسة معروفة، و على خطط محكمة مدققة و هي تكوين المواطن المغربي العربي المسلم العامل في الحقلين الوطني و العالمي، كعضو في أسرة واحدة من الناس، يفيد و يستفيد، و يأخذ و يعطي جريا على سنن الكون، و تبعا لمقتضيات التعاون الثقافي بين الأمم،و قد وجد الاستعمار في هذا العمل بالطبع ما يتنافى مع خطته الاستعمارية و ما يريده من المغرب الذي قرر أن يضغط عليه حتى يسير في ركابه حسب فلسفة فرنسا فيما وراء البحار، تلك السياسة التي تفرض على المغرب أن يقنع بالدون من العيش و يرضى بأن يكون مسودا دائما يعتبر في رؤسائه الأجانب قدوة سامية، يجب أن يحتذى، و أشخاص تفرض عيه قوانين المدنية و الترقي تقديسهم و احترامهم، و اعتبارهم في كل شيء، لقد أعد الاستعمار العدد و خطط التخطيطات  و وضع برنامجا مدققا موقوتا يسير عليه من أجل القضاء على روح العروبة و الإسلام في المغرب و خلق جو من التشكيك في القيم الدينية و الوطنية حتى تتعدد الاتجاهات و تنفصم عرى الوحدة المغربية التي كانت خير ضمان لنجاح هذا الشعب في جميع مطامحه و مقاصده و غاياته.
و بذلك يكون الغزو الفكري شاملا حتى تسهل باقي النواحي الأخرى لأن كل شيء إنما يأتي عن طريق الفكر الذي هو المقوم للأشياء، و لكن المغاربة فطنوا لذلك، و أدرك المتنورون منهم ما يبيته لهم الاستعمار و أذناب الاستعمار فشمروا على ساعد الجد و الاجتهاد و قاموا ينشرون العلم، و يؤسسون المدارس و المعاهد و الكتاتيب، و ينظمون الحلقات الكثيرة في المساجد من أجل نشر العلم و تعليم العامة و الخاصة لإخراجهم من ظلمات الجهالة الحالكة إلى نور العلم المبين عملا بتعاليم دينهم التي تقول : « فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم إذ رجعوا إليهم لعلم يحذرون ». طلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة، تعلموا العلم و لو بالصين، كن عالما أو متعلما.
و هكذا شرع المغاربة عن بكرة أبيهم في العناية بشؤون الكتاتيب القرآنية و تنظيمها، و رفع مستوى التعليم فيها بإضافة دروس في مبادئ الدين و العربية و الحساب و التاريخ و الجغرافية، و الأخلاق و التربية الوطنية كما صاروا يتبارون و يتفننون في تأسيس المدارس الحرة التي كانت ثقتهم بتعليمها و اعتمادهم على رجالها و القائمين عليها من أهم الواجبات الوطنية عندهم، لأنهم رأوا أن الاستعمار الأجنبي بالبلاد قد بدأ يركز الأسس للغة و يوطد لها لتغزو الأفكار و العقول، و تسيطر على جميع الميادين الحيوية، و تستحوذ على كل ما دب و درج من الأشياء، ليخلق رجالا على الكيفية التي يرتضيها، لا كما يبغي عامة الشعب و تقتضيه المدارس الحرة التي بلغ تلاميذها 250.000 حسب تقرير مجلس شورى الحكومة ( القسم المغربي دورتي يبراير و يوليوز 1948) – أقول كان يتعزز – بجامعتي القرويين و أبن يوسف و بالزوايا و المساجد المنبثة في القرى و المدن الصغيرة، و التي كانت هي الأخرى تهتم للجهاز التعليمي المغربي، الذي أنشأه المغاربة ليكون مقابلا للجهاز الذي يعمل الاستعمار على بنائه بهذه البلاد العربية المسلمة، و الذي يهدف إلى خلق أجيال كافرة بدينها و متنكرة لمقوماتها الوطنية.
و قد عمل الاستعمار بمقتضى مرسومي 15-18-1938 و ما بينهما فكان تخطيطه في ميدان التعليم يعتمد على التفرقة بين الطبقات عملا بمبدأ ( فرق تسد ) حيث كانت هناك مدارس لأبناء الأعيان و أخرى لأبناء الفقراء إلى جانب المدارس البربرية التي كان عليها أن تخرج متعلمين لا يعرفون العربية و لا يدينون إلا للأعراف البربرية و التقاليد الفرنسية. و قد أسهب الدكتور كودفروا دومنيين في بيان الأسس التي تنبني عليها المدارس البربرية و ذلك في أطروحته سنة 1928 م التي خصصها  لبيان عمل فرنسا الإنساني في المغرب في حقل التعليم.
و هاته المدارس التي أسسها الاستعمار منها ما كان يسمح لها بإعطاء ساعة في الأسبوع أو ساعتين للعربية و منها ما كانت العربية محرمة عليها و لا يمكن أن تدرس فيها إلا بعد رخصة من الاستعلامات الفرنسية أو المراقب المدني أو القائد – و لم يخل حتى جانب التأليف و جانب النشر و الإعلان من هذا التقنين و التوجيه، ففي ميدان التأليف و النشر مثلا لا يسمح بإصدار أية صحيفة إلا إذا خضعت للرقابة الحكومية و التزمت تطبيق مبادئ السياسة الاستعمارية و لا يسمح بطبع أي كتاب عربي و خصوصا في الحساب و الجغرافيا و التاريخ و العلوم التي كانت تعتبر وقفا على اللغة الأجنبية و محرمة على المدارس الحرة التي تدرس باللغة العربية اللهم إلا ما كان من كتب يدونها متعاونون منقولة عن الروح الأجنبية – و قد كان التفتيش من قبل الحكومة جاريا على قدم و ساق فكل مدرسة حرة يجب أن تخضع للرقابة الشديدة و إلا تكون مهددة بالإغلاق أو احتلال الحكومة لها كما وقع في مدرستي ابن غازي بفاء و فيكيك و غيرهما من المدارس ، التي أغلقت بأمر من المراقب المدني أو  القائد فقط، دون علم للإدارة بذلك.
و على العكس من هذا كان يسمح للفرنسيين القاطنين بالمغرب، أو يقوموا بأي نشاط يريدونه في حقل التأليف و النشر أو الطبع، حيث كانت صحافتهم معززة محترمة زيادة على المغريات الكثيرة، و بالإضافة إلى ذلك كان تدريس العلوم بالقرويين و المساجد الأخرى لا يسمح به إلا برخصة من الاستعلامات الفرنسية  حتى لا تتسرب روح الإصلاح إلى نفوس المواطنين و للإيغال في تحقيق الفرنسية بالبلاد المغربية، حتى تصبح كاملة شاملة و قد صدرت المراسيم و القرارات المقيمية، بفرنسة أسماء الشوارع و واجهات الدكاكين و المصانع و الإدارات العمومية و الخصوصية، من أجل تركيز اللغة الفرنسية و فرنسة الأمة المغربية، و حصر التوظيف على الحاملين للشهادات الفرنسية، على مختلف المستويات حتى الشواش لا يمكن توظيفهم إلا بشرط تفانيهم في خدمة المستعمر قلبا و قالبا.
أما حاملوا الشهادات العربية، فجزاؤهم التشريد و التنكيل، و الضغط المتوالي و هذا بعد الاعتراف بخلق شهادة عربية. تلك صورة مصغرة لوضعية التعليم في عهد الحماية، و ليست وضعية الإدارة المغربية أيضا بأحسن منها فقد كانت أشبه بإدارات فرنسية أقل مستوى في أرض مغربية من حيث الأسلوب و اللغة و الاتجاه.
هكذا عاشت البلاد المغربية زهاء نصف قرن من الاحتلال الأجنبي، و لكنها بعد الاستقلال عزمت على التخلص من هاته التركات المثقلة، و صار رجال المغرب يبحثون عن الحلول التي تصحح الأوضاع في الحقل الثقافي، و يبذلون أقصى جهودهم لتسترجع الوطنية مكانتها، و رغم وجود اتجاهات متعارضة بعضها يشرق، و بعضها يغرب، فقد أمكن التوصل الآن إلى وجوب سيادة النزعة التي ترمي إلى خلق ثقافة مغربية، تأخذ أحسن ما عند الشرق و أجمل ما عند الغرب، على أساس التعاون لا على أساس التقمص، لأن المغرب منذ كان – كما قدمنا له مميزات الثقافة، أيضا فهو بالنظر إلى لغته و تقاليده و دمه يتجه إلى الشرق العربي، و بالنظر إلى تمسكه بمبدأ الثقافة ليس لها حدود، و هي عالمية قبل أن تكون إقليمية أو بلدية يرى أنه يجب أن يعمل على تكوين الفرد المغربي تكوينا عالميا يأخذ و يعطي في كل شيء، و لذلك فهو في ثقافته يعمل على تحقيق الشخصية العلمية المغربية، و يريد أن يكون اندماجه ثقافيا في العالم العربي لتحقيق الوحدة الفكرية من جهة، مبنيا على أساس توحيد المصطلح العلمي العربي، و الكتاب العربي و تطويره و ترقيته، حتى يكون موازيا لزميله في العالم العربي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here