islamaumaroc

الحسين بن منصور الحلاج

  دعوة الحق

118 العدد

 كان الحسين بن منصور الحلاج، فارسي الأصل، من بلدة « البيضاء » التي ينسب إليها المفسر « البيضاوي».
و قد ولد الحلاج في منتصف القرن الثالث الهجري، و نشأ بالعراق، و قتل في سنة ثلاثمائة و تسعة هجرية.
و في سن مبكرة جدا، و هو بعد غلام في السادسة عشرة من عمره، اتصل بالصوفية، و لبس حرفتهم، و تتلمذ على أعلامهم، كالجنيد، و سهل التستري، و من إليهم.
ثم أصبح له هو نفسه مع مرور الأيام مريدون كثيرون، كان يعبر عنهم في قصائد بقوله : « أصحابي و خلاني ».
و لم يلبث الخلاف أن بدأ ينشب بين الحلاج و بين أعلام الصوفية في عصره.
فقد كانوا هم يبتون أمرهم على تكتم مشاعرهم و وجدهم و أفكارهم و أسرارهم، و كانوا يؤثرون العزلة على الناس، تاركين أمر تدبير الخلق لله.
إما هو فقد تملكته نشوة التعبير، فجهر بأفكاره و إحساساته في الأسواق و لعامة الناس.
كما تملكته نزعة إصلاحية، حملته أخيرا على أن يطرح خرقة الصوفية، و أن يكثر من التنقل في البلاد، يلقى الناس، و يسمع منهم، و يتحدث إليهم بكلام مفهوم حينا و غير مفهوم في كثير من الأحيان، و لكنهم – على كل حال – افتتنوا به افتتانا كبيرا، جعل البعض منهم يرفعه عن أن يكون إنسانا عاديا، إلى حد أنهم عندما قتل، لبثوا ينتظرون أوبته زاعمين أن أعداءه لم يقتلوه هو بعينه، و إنما شبه لهم !!.
كان الحلاج في تجواله في البلاد، و في تطوافه في الأسواق، و في لقائه الناس، ينتقد الأوضاع السائدة في عصره، فأوغر ذلك عليه الصدور، و دبرت له المكيدة، وحوكم محاكمة صورية سريعة، بتهمة الزندقة و الإلحاد، و صدر الحكم في شأنه بالإعدام، و قتل شر قتلة.
و عندما أحس الحلاج بالخطر، خاطب قضاته بقوله : « ظهري حمي، و دمي حرام، و ما يحل لكم أن تتهموني بما يخالف عقيدتي، و مذهبي السنة، ولي كتب في الوراقين تدل على سنتي، فالله الله في دمي !!»
و لعل هذه كانت من المرات القلائل التي تكلم فيها الحلاج بكلام واضح مفهوم، و لكن ذلك لم يغن عنه شيئا، فقد جلد ألف سوط، و قطعت يداه و رجلاه، و أحرقت جثته، و رمي برمادها في نهر الفرات، و علق رأسه بباب الكرخ !
تلك باختصار هي قصة حياة الحلاج.
أما هو نفس، فقد كان و لا يزال مشكلة، كان و لا يزال شيئا غامضا يستعصي على الرؤية الواضحة و على الفهم الصحيح.
و الذين كتبوا في شأنه أو تحدثوا عنه، سواء من القدامى أو المحدثين، لم يقولوا شيئا محددا، و إنما تكلموا عنه بكلام يوحي بالخوف من الخوض في شأنه، كما يوحي بتفضيل بعضهم ترك أمره لله، فهو أعلم بحقيقة حاله.
                                            -•-
و كمثال لذلك نسوق هنا ما قاله ابن خلكان في شأنه، فقد قال عنه : « و الناس في أمره مختلفون، فمنهم من يبالغ في تعظيمه، و منهم من يكفره ».
و لم يذكر لنا ابن خلكان رأيه الخاص هو في الحلاج، و إنما اكتفى بأن ينقل لنا كلاما لأبي حامد الغزالي فصلا طويلا في حاله، و قد اعتذر عن الألفاظ التي كانت تصدر عنه، مثلا قوله : « أنا الحق » و قوله « ما في الجبة إلا الله » و هذه الإطلاقات التي ينبو السمع عنها و عن ذكرها، و حملها كلها على محامل حسنة، و أولها، وقال : هذا من فرط المحبة و شدة الوجد ».
                                            -•-
و نسوق مثالا آخر، لكاتب قريب العهد منا، هو المرحوم أحمد أمين، فقد كتب ترجمة موسعة للحلاج شيئا ما في الجزء الثاني من كتابه « ظهر الإسلام » و لكنها مجرد ترجمة، و ذكر أخبار، و تفصيل لمحاكمته و إعدامه، و تفصيل لحقيقة التهمة الموجهة إليه، أما رأي أحمد أمين نفسه في الحلاج فلم يعبر عنه بأكثر من قوله في بساطة متناهية : « و يظهر أن الحلاج كان حاد المزاج، غريب الأطوار شبه الناس الذين عندهم هستيريا »!!!
                                          -•-
و هناك كاتب آخر، كان معروفا بجرأته إلى حد بعيد، هو المرحوم الدكتور زكي مبارك، و قد عقد للحلاج فصلا خاصا في الجزء الأول من كتابه « التصوف الإسلامي » تكلم فيه ما شاء أن يتكلم، و إن كان لم يفدنا بشيء محدد في شأن الحلاج، ثم ختم كلامه الطويل بقوله : « لا تسألوني عما أودعت في هذا الفصل من المعاني، فأنا أحب أن أكون أعقل من الحلاج، و إن كنت أصغر من الحلاج »!!
و معنى هذا أن زكي مبارك في كلامه عن الحلاج، قد تحرج على غير عادته، و كنى و لم يصرح، و رمز و لم يفصح، و هو شيء غريب من رجل كزكي مبارك، لم يكن يتحرج من شيء ، و لم يكن يتورع عن أن يقول كل ما في نفسه، كيفما كان.
                                        -•-
أما المستشرقون فيبدو أن الأستاذ ماسينيون كان أكثرهم جميعا اهتماما بأمر الحلاج، و الكتابة عنه، و محاولة النفاذ إلى حقيقة عمله و مذهبه.
و كل الذين كتبوا عن الحلاج من المحدثين يشيرون إلى الأستاذ ماسينيون أو ينقلون عنه.
يرى الأستاذ ماسينيون أن الحلاج كان مشغولا بإصلاح واقع عصره، و أنه كان بالنسبة للعامة أكثر من رائد صوفي، كان داعية سياسيا و اجتماعيا.
و هذا التقرير له – في الواقع – ما يؤيده من إشارات الذين تناولوا الحلاج بالحديث في المراجع العربية القديمة، و هو الذي اتخذه في الأخير الشاعر صلاح عبد الصبور، قاعدة بنى عليها مسرحيته الشعرية       « مأساة الحلاج ».
                                       -•-
هذه أمثلة من الأساليب التي تناول بها الناس قضية الحلاج في القديم و الحديث معا، فهل خلف لنا الحلاج نفسه من آثاره النثرية أو الشعرية، ما يساعدنا على معرفته حق المعرفة ؟
لم يخلف لنا الحلاج إلا كتابا غريب الإسم غريب الموضوع، كما قال عنه الأستاذ أحمد أمين، هو كتاب « الطواسين » و إلا بضعة أبيات من الشعر متفرقة هنا و هناك، إن كان لنا أن نستفيد منها شيئا، فهو أن الحلاج كان مغرقا في إيمانه بوحدة الوجود، و بالحلول، و أنه كان جريئا إلى أبعد حدود الجرأة في التعبير عن إيمانه بذلك، و هي جرأة جرت عيه كثيرا من البلايا، و جعلت حتى مريديه، و المتعاطفين معه من صوفية عصره، يقفون منه و من شأنه مواقف غامضة، متناقضة، في كثير من الأحيان.
لم يكن الحلاج شاعرا من درجة ابن الفارض أو عمر الخيام أو غيرهما من الشعراء الفلاسفة المتصوفين، فشعره لم يكن في قوة شعر الأول، و لا في نصاعة شعر الثاني، و إنما كان يصطنع الشعر بين الحين و الحين، للتعبير عن حالات غامضة لا يمكن التعبير عنها إلا بشعر غامض، مثقل بالرمز.
و نضرب هنا صفحا عن إيراد نماذج من شعره، و في استطاعة من شاء أن يرجع إليه في بعض المراجع التي أسلفنا الإشارة إليها.
                                          -•-
و ننتقل الآن إلى الحديث عن المسرحية الشعرية التي كتبها الشاعر صلاح عبد الصبور عن « مأساة الحلاج » و قد سبقت الإشارة إليها من قبل.
يبني صلاح عبد الصبور مسرحيته هذه على القاعدة التي قررها الأستاذ ماسينيون، و يمكن تلخيصها في هذه العبارة الموجزة، و هي أن الحلاج إلى جانب صوفيته التي تشهد بها أحواله، و إلى جانب أفكاره الدينية التي يترجم عنها شعره و ما خلفه من آثار مكتوبة، كان معنيا بمحاولة إصلاح واقع عصره، و قد جره ذلك إلى التورط في علاقات مريبة مع بعض الشخصيات، فكان ذلك هو السبب الحقيقي في محنته أو مأساته، و لكن خصومه استطاعوا على كل حال أن يجدوا في أقواله ذات الطابع الديني، ما يكفي لإحكام المكيدة له، و الانتقام منه.
                                          -•-
كان الصوفية كما أسلفنا يبنون أمرهم على تكتم مشاعرهم و وجدهم، و كانوا يعتزلون الشؤون العامة، و لكن الحلاج خالفهم في ذلك، فطرح خرقتهم،و انغمر في الحياة، يلقى الناس، و يتحدث إليهم، و يثيرهم بكلامه الغامض، و قد جر عليه ذلك لوم صوفية عصره.
هذا صلاح عبد الصبور، ينطلق الشبلي، أحد كبار الصوفية في عهد الحلاج، بقوله مخاطبا الحلاج، و هو على صليب الموت :
يا صاحبي و حبيبي
« أو لم ننهك عن العالمين » ؟
فما انتهيت !
قد كنت عطرا نائما في وردته
لم انسكبت ؟
وددة مكنونة في بحرها
لم انكشفت ؟
و هل يساوي العالم الذي وهبته دمك
هذا الذي وهبت ؟
                                       -•-
و في فصل آخر، نقرأ حوارا بين الحلاج و الشبلي، يصر فيه الحلاج على سلامة موقفه في وجوب مواجهة الشر، و لكن الشبلي يقول له :
يا حلاج !
الشر قديم في الكون/
الشر أريد بمن في الكون،
كي يعرف ريبي من ينجو ممن يتردى،
و علينا أن يتدبر كل منا درب خلاصه،
فإذا صادفت الدرب فسر فيه،
و اجعله سرا،
لا تفضح سرك !
                                     -•-
و ينقل بعض مريدي الحلاج إليه، و هو في جلسته تلك مع الشبلي، أن هنالك أمرا يدبر ضده، و أنه متهم بالاتصال بفلان و فلان، فلا ينفي الحلاج التهمة عن نفسه، و إنما يجيب بقوله :
هم بعض وجوه الأمة
و هم أيضا خلاصائي، أحبائي،د
وعدوني إن ملكوا الأمر
أن تحلو سيرتهم، و يعفوا عن سقط الفعل
هم زهرة آمالي في هذا العالم
و لهذا أرويهم من خطراتي، و أندبهم برفيق القول.
                                    -•-
فيجيبه الشبلي "
يا حلاج
لا أدري للصوفي صديقا إلا نجوى الليل
و بكاء الخوف من الدنيا
و أناشيد الوجد المشبوب، و آهات الذل
فإذا ثقلت في جنبيه الوحدة
فليلزم أهل الخرقة، أبناء الفاقة
ممن قنعوا باليأس عن الآمال،
قل لي يا حلاج!
أوثقت بأن وجوه الأمة من تعرف
أن ولوا، ظلوا أهل مودة ؟؟
و هكذا نرى في شخصية الشبلي، ذلك الصوفي الذي لا يشغله عن وجده شيء من أمور الدنيا،و نرى في الحلاج صوفيا من نوع آخر، نادر المثال بين الصوفية، و نرى فيه رجلا معنيا بأحر الخلق، متورطا من أجل ذلك في علاقات مريبة، و قد جره ذلك إلى النهاية المحزنة التي تمثلت في تعذيبه أسوأ تعذيب، و قتله شر قتلة.
                                     -•-
و نمضي في المسرحية إلى أن نصل إلى المحاكمة، حيث يواجه الحلاج بتهمة الزندقة، فينبري للدفاع عن نفسه، دفاعا يشرح فيه أحواله منذ نشأته، ذاكرا أن هدفه كان دائما هو طلب الحقيقة، و قد طلبها في العلم، فنال منه حظا و أقرأ و لكنه لم يجدها فيه، و طلبها في العبادة خوفا من النار و رغبة في نعيم الجنة، و لكنه ما لبث أن اكتشف أن هذا النوع من العبادة، لا يعدو في تقديره أن يكون نوعا من التجارة، و ظل يهيم إلى أن لقي الصوفية، فلقنوه أورادهم، و ألبسوه خرقتهم، و جعلوه يكتشف أن الحقيقة الحق، لا توجد إلا في حب الله و الفناء فيه :
تعشقت حتى عشقت،
تخيلت حتى رأيت،
رأيت حبيبي، و أتحفني بكمال الجمال،
بجمال الكمال،
فأتحفته بكمال المحبة،
و أفنيت نفسي فيه،
                                    -•-
و لو وقف الحلاج عند حد هذا الذي قاله في شأنه نفسه، لما زاد على أن يكون صوفيا من الصوفية، و لكنه كان متهما بنشاط مريب، و قد وجه به، فلم يستطع دفعه عن نفسه، و إنما أوله تأويلات لم تغن عنه شيئا، و لم تحل بينه و بين المصير الذي كان ينتظره.
                                    -•-
هذه هي القاعدة التي بنى عليها صلاح عبد الصبور مسرحيته الشعرية، « مأساة الحلاج » و هو بناء لا يكشف كل الغموض الذي يحيط بشخصية الحلاج، بل إنه يرتكز على غموض هذه الشخصية، و تعدد جوانبها إلى حد الإشكال، و لكن من الواضح من خلال المسرحية أن الحلاج لم يكن صوفيا فقط، أو صاحب آراء و خطرات في الدين قد تعتبر دخيلة عليه، و لكنه إلى جانب ذلك، كان – كما يقول الأستاذ ماسينيون - « معنيا بإصلاح واقع عصره » مخالفا بذلك شأن الصوفية، متعرضا بذلك للغضب عليه و الانتقام منه,
و لعل أحسن تلخيص للقاعدة التي بنى عليها صلاح عبد الصبور مسرحيته، هي التي يقدمها لنا هو نفسه في هذه العبارة المركزة، و ذلك حيث يقول : « لقد تشابكت طرق الصوفي الحلاج، مع طرق رجال السياسة في عصره، و وقف وقفة الحائر، هل يحمل الحقيقة التي هي كشف خاص و يمضي بها بين الناس، فتضيع خصوصيتها عندئذ، و يغضب صاحب الحقيقة، أم يكتمها متلذذا ؟ تلك هي مأساة الحلاج ».
                                        -•-
بقي أن نقول كلمة تتصل بالشكل الذي صاغ فيه صلاح عبد الصبور مسرحيته عن الحلاج، فهو قد كتبها شعرا، و قدمها للناس على أنها مسرحية شعرية، و من المعلوم أن صلاح عبد الصبور يكتب معظم شعره على طريقة الشعر الحديث الذي لا يلتزم القافية و الأوزان التقليدية المعروفة، بل يلغي الوزن و القافية إلغاء كاملا في بعض الأحيان.
و لكن المعروف عن صلاح عبد الصبور أنه يكتب شعره أحيانا أيضا، و عندما يريد، على الطريقة العمودية القائمة على البحر و القافية، بل أنه يبدو من خلا بعض كتاباته، متضلعا في العروض، كما هو الشأن في نازك الملائكة و فدوى طوقان.
و معنى ذلك أنه لا يلجأ إلى الطريقة الحديثة عن عجز أو ما يشبه العجز، و إنما يعمد إليها عن اختيار.
هكذا فعل في مسرحيته « مأساة الحلاج » فأنت تقرأ فيها أحيانا مقاطع قائمة على وحدة الوزن، و إن كانت مكتوبة بشكل يوحي بخلاف ذلك، كما تقرأ فيها مقاطع أخرى قد يبدو لأول وهلة، أنها لا تقوم على أي وزن من الأوزان، مع أنها في الواقع قائمة على وحدة التفعيلة، على نحو ما أرسى عليه، أو بدأ يرسى عليه، اتجاه الشعر الحديث من حيث الشكل.
و قد علم صلاح أن هنالك قوما معنيين بالعروض أو الشكل الخارجي للشعر، فلم يبخل عليهم بشرح الطريقة أو الطرق العروضية التي نهجها في مسرحيته هذه، و ذلك في التذييل الذي ختم به هذه المسرحية الشعرية.
                                     -•-
و بعد، أفما كان الأولى أن تكتب هذه المسرحية نثرا، خصوصا و أن عهود المسرحية الشعرية قد ولت، و خصوصا أيضا و أن تجربة الشعر الحديث على المسرح قد تعتبر مغامرة أدبية غير مضمونة النتيجة ؟؟
و نجيب على كل ذلك، بأن الطبيعة المأساوية الشعرية لموضوع هذه المسرحية، و الغموض الذي يلف بطلها و هو الحلاج، كل ذلك قد يجعل من الأحسن أن تكتب شعرا، و شعرا على الشكل الحديث، ضبابيا في معناه، ضبابيا في مبناه، نتقصه النصاعة و الصقل، و يفتقر إلى الإشراق و الوضوح، و يلفه الضباب الذي يلف موضوع المسرحية نفسه.
يضاف إلى كل ذلك أن صلاح عبد الصبور، قد استغل موضوع المسرحي، فحملها أشياء كثيرة في نفسه، لا يمكن له التعبير عنها إلا في لمحات شعرية قصيرة خاطفة، و إلا في شيء كثير من الغموض و الإبهام و التعمية، و كل ذلك قد لا يتأتى إلا في إطار شعري، وفي إطار الشعر الحديث بالذات.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here