islamaumaroc

وقفة في محراب التصوف الإسلامي؛ السعادة عند الفارابي وابن سينا

  دعوة الحق

118 العدد

بزغ الفارابي في النصف الأخير من القرن الثالث الهجري فردا فدا، حاول بكل ما لديه من دهاء فكري، و من تصرف  عملي فريد أن يلفت إليه نظر النخبة الغالمية من أبناء الأمة الإسلامية ، و نتيجة طموحه إلى إقرار فكره «النبي الفيلسوف» شيد مذهبا برمته شمل جميع الجوانب التي تهم الإنسان : الإجتماعية منها و الدينية و الأخلاقية و السياسية فكان عمله مبكرا بالنسبة إلى عصره الذي يعمه في الخلافات الدنيوية ... و امتد أثر الفارابي إالى ما بعده ، و كان من أشهر من تلمذ عليه من كتبه معترفا بكل الفضل له : أبو علي الحسين بن عبداالله ابن سينا. و إذ يهمنا هنا أن نستعرض « السعادة » كفكرة فلسفية لدى هذين الفيلسوفين الإسلاميين نبادر بأن نقول كلمة عن مدلولها :
فالسعادة في أصلها، كانت نظرية أخلاقية تحولت على يد فلاسفة الإسلام إلى أبحاث صوفية ،و سأذكر مصادرها لدى الفارابي و غيره. و لكلمة السعادة بديل هي كلمة «الاتصال» و سرعان ما سنفهم أن هذا الإتصال هو الإتصال بالله، بعد شوق مخلص، و انجذاب متفان من العبد إلى خالقه .. يقول الفارابي في كتابه آراء أهل المدينة الفاضلة : « السعادة هي أن تصير نفس الإنسان من الكمال في الوجود إلى حيث لا تحتاج في قوامها إلى مادة و ذلك أن تصير في جملة الأشياء البريئة عن الأجسام و في جملة الجواهر المفارقة للمواد، وأن تبقى على تلك الحال دائما أبدا». ولا يبعد مفهوم  السعادة لدى ابن سينا عن هذا المفهوم في شيء بل هو هو، إنه شوق السيد الى ربه والاتصال به، احترازا من الامتزاج به والحلول فيه. وسنورد الفرق في ذلك، هذا الاتصال يكون بواسطة ضرب من الاشراق صادر عن العقل الفعال او العقل العاشر، يقول ابن سينا : « وليست السعادة مجرد لذة جسمية، بل هي غبطة روحية وسمر معنوي واتصال بالعالم العلوي هي عشق وشوق مستمران، وما العشق الحقيقي إلا الابتهاج بتصور حضرة الحق وما الشوق إلا الرغبة الدائمة في كامل هذا الابتهاج « والنفوس البشرية اذا نالت الغبطة العليا في حياتها الدنيا، كان اجل أحوالها أن تبقى عاشقة مشتاقة لا تخلص من علاقة الشوق، اللهم إلا من الحياة الأخرى ».
وكما قلت آنفا أنه لن يتيسر لنا أن نجد فرقا حقيقيا بين مفهوم السعداة لدى الفيلسوفين بل حتى في نسقهما الفلسفي الصوفي بأجمعه و أبادر بالقول أن تصوف الفارابي كان سميميا يباشر بالفكر والعمل وقد تجلى ذلك في ملبسه الدائم وفي ارتياده للغياط والأحراش واختلاله بنفسه إلا من معاشرة الطيور والمياه، الشيء الذي لم يشبهه فيه ابن سينا إذ كان يقيم مجالس اللهو هو وتلامذته بعد الفراغ من الدرس. وشيء ثان : هو وضوح التلميذ وغموض الأستاذ، فلقد كتب ابن سينا بلغة مشرقة لا إبهام في كلامها، ولا يعاب على الفارابي عكس ذلك، فقد كانت نتيجة طبيعة كما نقول، لحياته التأملية المحض. كما أن ابن سينا كان يستعمل مصطلحات كالعشق و الوجذ و الزاهد و العارف و العابد و غيرها : و نتساءل الآن، هل السعادة و ما قال فيها الفارابي و ما قيل فيما بعده هو ابتكار فارابي خالص، أم لها أصول و جذور قبله. يقول الدكتور ابراهيم مذكور في كتابه : « في الفلسفة الإسلامية » : .. « إذا شئنا أن نعرف هذا المتبع، وجب علينا أن نصعد إلى أرسطو و إلى كتاب :« الأخلاق النيقوماخية » بوجه خاص  كما يقول أن الأديموفيا الأرسطية عماد لنظرية السعادة الفارابية، و الأديموفيا هاته كلمة يونانية معناها السعادة، و قد أطلقها أرسطو على نظرية الخير الأسمى. كما أننا نجد شبها آخر بين السعادة عند الفارابي و ابن سينا و بين « الأكستايس » أو الجذب، كما جاء في مدرسة الإسكندرية و سنورد هذين النصين للمقارنة و الإيضاح : فالفارابي يقول : « أن لك منك غطاء، فضلا عن لباسك من البدن، فاجتهد أن ترفع الحجاب و تتجرد و حينئذ تلحق، فلا تسل عما تباشره ، فإن المت فويل لك، و إن سلمت فطوبى لك، و أنت في بدنك تكون كأنك لست في بدنك، و أنت في صقع ملكوت، فترى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، و لا خطر على قلب بشر  فاتخذ لك عند الحق عهدا ، إلى أن تأتيه فردا »  و سنرى الآن هذا التشابه في الفكرات و التعبير عندما نستعرض هذا النص من كتاب الربوبية »  ربما خلوت أحيانا بنفسي، و خلعت بدني، لذاتي و راجعا إليها و خارجا من سائر الأشياء سواي، و أكون العلم و العالم و المعلوم جميعا، و أرى في ذاتي من الحسن و البهاء ما أبقى معه متعجبا، و أعلم عند ذلك أنى من العالم الشريف جزء صغير، وحين أوقن بذلك أرقى بذهني إلى العالم الإلهي و يخيل إلي كأني قطعة منه، عند ذلك يلمع لي من النور و البهاء ما تكل الألسنة عن وصفه و الآذان عن سمعه. و من الغريب أني أشعر بأن روحي مملوءة و مع أنها « تفارق البدن » و أعتقد أن هذين النصين يدلاننا على الصلات الرحمية بين الجذب لدى مدرسة الإسكندرية و بين الإتصال الفارابي، أما ابن سينا فله ما يقرب من ذلك في وصفه للعارف يقول : « أن للعارفين مقامات و درجات يخوضون بها في حياتهم الدنيا دون غيرهم، فكأنهم في جلابيب من أبدانهم قد نضوها و تجردوا عنها إلى عالم القدس، و لهم أمور خفية فيهم، و أمور ظاهرة عنهم، يستنكرها من ينكرها، و يستنكرها من ينكرها » و قيل أن نصل إلى بسط موضوع السعادة و المراحل التي تنبع للوصول  إليها و الظفر بنعيمها نعرض الفرق بينها و بين الحلول الذي كان شائعا للمتصوفة حينئذ.
فنظرية الحلول هذه كان يتزعمها الحلاج و الجنيد و جماعة من أتباعهما، و أبرز فارق بينهما هو أن نظرية السعادة عند الفارابي و ابن سينا تجعل النظر في المرتبة الأولى، و يأتي بعده العمل، أي أنها تعتمد على التأمل الفكري و التحليل العقلي للقضايا و المشاكل الفلسفية، أما نظرية الحلول فتعتمد على الزهد و التقشف، و الاقتصار على الخشن من اللباس و المأكل و التخلي عن الشهوات الجسمانية. يقول الجنيد :
« ما أخذنا التصوف عن القيل و القال، لكن عن الجوع و ترك الدنيا، و قطع المألوفات و المستحسنات ».
و هناك فارق أخطر من هذا، و هو ما يوجد بين الإتصال و الحلول، فالحلاج و أتباعه يقولون بحلول اللاهوت في الناسوت، و ذلك عندما يصل الإنسان إلى أعلى درجة من الإشراق أو الهيام أو السمو الصوفي.
أما الاتصال الفارابي السينوي فهو سمو إنساني يحاذي العقل الفعال ، و العقل الفعال هذا ليس إلا العقل المفارق العاشر الذي يحتل القمر و يفيض بإشراق على ما تحته،  و هي الكائنات الأرضية و في  مقدمتها يأتي الإنسان ذو العقل المستفاد، و يتصدى ابن سينا للرد على نظرية الحلول هذه بدراية كاملة و أسلوب منطقي دامع يقول : « قد يقولون أن النفس الناطقة إذا عقلت شيئا فإنما تعقل ذلك الشيء باتصالها بالعقل الفعال، و هذا حق، قالوا و اتصالها بالعقل الفعال هو أن تصير هي نفس العقل الفعال، لأنها تصير العقل المستفاد. و العقل الفعال هو نفسه يتصل بالنفس فيكون العقل المستفاد و هؤلاء بين أن يجعلوا العقل الفعال متجزئا قد يتصل منه شيء دون شيء، أو يجعلوه متصلا بكليته بحيث يصير النفس كاملة و أصلة إلى كل معقول ( و كلا الفرضين باطل ). أعي أن الأصالة في قولهم أن النفس الناطقة هي العقل المستفاد حينما يتصورونه قائما ». و يستمر ابن سينا في مناهضته لمن يقولون بالحلول « إن قول القائل، أن  شيئا ما يصير شيئا آخر، و لا على سبيل منع شيء آخر ليحدث شيء ثالث ، بل على أنه كان شيئا واحدا فصار واحد آخر. قول شعري غير معقول، فإنه إن كان واحد من الأمرين موجودا فهما اثنان متميزان، و إن كان أحدهما غير موجود فقد بطل الذي كان موجودا ». أما الفارابي فيشدد على دور العلم في الإتصال، و أساس السعادة عنده هي الإرادة، و هي عنده ليست مطلقا إرادة، فهناك إرادة تكون عن إحساس و تخيل و هذه يشترك فيها الإنسان و الحيوان، أما الإرادة المقصودة فهي ما يمكن أن يطلق عليها الإختيار كذلك و هذه تحصل لدى الإنسان  « بتأمل و روية و ذكرى وتشوق إلى الإستنباط، و نزوغ إلى  بعض ما عقله و شوق إليه و إلى بعض ما يستنبطه أو كراهته ». و قد آن لنا في الأخير أن نبسط القول في نظرية السعادة و نعرض للمراحل الموصلة إليها :
قلنا قبل الآن : « أن السعادة عند الفارابي و عند ابن سينا هي سمو بالروح للإتصال بالعقل الفعال و نضيف إنها غاية الغايات التي لا غاية بعدها و إنها السعادة الخالدة المطلقة، و إنها شوق إلى ذلك متعال، و هي ليست في متناول الجميع، فلا تصلها إلا الأرواح القدسية التي تطهرت من جميع مفاسد الحياة و انقطعت إلى التأمل في صنعة الصانع ، فما هي الروح القدسية هاته ؟ .. يقول الفارابي : « الروح القدسية لا تشغلها جهة تحت عن جهة فوق، و لا يستغرق الحس الظاهر حسها الباطن، و قد يتعدى تأثيرها من بدنها إلى أجسام العالم و ما فيه، و تقبل معلومات من الروح و الملائكة بلا تعليم من الناس. و الأرواح العامية الضعيفة إذا مالت إلى الباطن غابت عن الظاهر. و إذا مالت إلى الظاهر غابت عن الباطن ... و إذا اجتمعت من الحس الباطن إلى قوة غابت عن أخرى، مثل البصر يخيل بالسمع، و الخوف يشغل عن الشهوة، و الشهوة تشغل عن الغضب، و الفكرة تصد عن الذكر، و الذكر يصد عن التفكير. أما الروح القدسية فلا يشغلها شأن عن شأن » هذه هي الروح القدسية فإحساساتها فوق الإعتبارات البشرية، أي لا يشغل بعضها عن بعض بل تحتفظ بتذكرها و تفردها و انفصالها .
قلنا فيما قبل السعادة عند ابن سينا كما هي عند الفارابي شيء واحد و فصلنا القول في الفرق الموجود بين الفيلسوفين على المستوى الفلسفي الصوفي بوجه لا فيما يخص نظرية السعادة و هذا ما أرغمنا على النظر على السعادة  و كأننا نراها من وجهة نظر واحدة، فلقد أفاض ابن سينا و شرح و وضح و لكنه لم يخرج عن خط السير العام لدى أستاذه، و نتيجة لذلك فإننا نشمل رأي الفيلسوفين في السعادة من هذا النص الذي نأخذه من كتاب آراء أهل المدينة الفاضلة : فالسعادة « إنما تبلغ بأفعال إرادية، بعضها أفعال فكرية، و بعضها أفعال بدنية، و ليست بأي أفعال اتفقت، بل بأفعال ما محدودة مقدرة تحصل عن هيئات و ملكات ما مقدرة محدودة ، و ذلك أن من الأفعال الإرادية ما يعود إلى السعادة. و السعادة هي الخير المطلوب لذته، و ليست تطلب أصلا و لا في وقت من الأوقات لينال بها شيء آخر، و ليس وراءها شيء يمكن أن ينال الإنسان أعظم منها، و الأفعال الإرادية التي تنفع في بلوغ السعادة هي الأفعال الجميلة. و الهيئات و الملكات التي تصدر عنها هذه الأفعال هي الفضائل. و هذه خيرات هي لا لأجل ذواتها بل إنما هي خيرات لأجل السعادة ، الأفعال القبيحة. و الهيئات و الملكات التي عنها تتكون هذه الأفعال هي النقائص و الرذائل »

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here