islamaumaroc

مرونة الفقه الإسلامي: ابتناء الحكم على العوائد

  دعوة الحق

118 العدد

لما رأيت كثيرا من الناس يتناول ما في كتاب الفروع و النوازل على أنه فقه صالح لكل زمان و منطبق على كل حادثة في أي أوان من غير التفات إلى ما كان من النصوص مبنيا على عادة حكمت أو مصلحة اعتبرت، أو لسد ذريعة تنوسبت و أغفلت، و ما هو سبب خاص قد زال و ما هو في قضية عينية كان ذلك فيها هو مقتضى الحال على أن كثير من الروايات ورد على موضوع مخصوص يجب أن يقصر عليه و يساق حديثه إليه و أخذ النصوص مع قطع النظر عن مواردها من الخطأ العظيم في الدين و انظر إلى ما ذكروه في شروط العمل بالعمل مما هو منظوم في قول القائل :
   و الشرط في عملنا بالعمل
      ثبوته عن ثقة مؤهل
   معرفة الزمان و المكان
      وجود موجب إلى الأوان
و لقد كان أهل العلم رضي الله عنهم يبحثون عن سبب وروج الحديث كما يبحثون عن أسباب النزول ليهتدوا بذلك إلى مواقعه، و المراد منه، و قصارى القول أنه لا يجوز للقاضي و المفتي أن يكتفي من المنقول بمجرد المفهوم و المدلول، بل لابد له من معرفة كاملة و زماع تام ليفق على مقاصد الايمة و الغايات التي تضمرها أفكارهم و ترمي إليها أنظارهم رأيت أن أجمع بهذا التقييد ما تيسر الوقوف عليه من النصوص المصرحة بوجوب مراعاة الأعراف المختلفة و إمعان النظر في تطبيق الروايات على النوازل المتجددة حتى يكون الناظر فيها وضع الهناء موضع النقب و الساه صدر الدست. و سميته نجعة الرائد في ابتناء الحكم و الفتوى على المقاصد و العوائد. و الله المستعان و هو حسبنا و نعم الوكيل.

ما هو العرف ؟..
العرف غلبة معنى من المعاني على جميع البلاد أو بعضها و هو معمول به في الشرع لقوله تعالى :
« و أمر بالعرف »  و قوله سبحانه : « و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف »، و قوله صلى الله عليه و سلم لهند بنت عتبة زوج أبي سفيان حين قالت له عنه أنه مسيك لا يعطيها ما يكفيها و ولدها : ( خذي من ماله ما يكفيك و ولدك بالمعروف ) أي المعتاد من النفقة عند الناس أخرجه البخاري و غيره. و قالت عائشة رضي الله عنها : لو رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد أخرجه مالك و البخاري رحمهما الله. و قال شريح للغزالين : سنتكم بينكم، أورده البخاري أيضا، و في الأحكام لابن العربي لدى قوله تعالى : « و إن تعاسرتم فسترضع له أخرى »، الآية في المسالة الرابعة في تقدير الإنفاق قال قد بينا أنه ليسر له تقدير شرعي و إنما أحاله الله سبحانه على العادة و هي دليل أصولي بنى الله عليه الأحكام و ربط به الحلال و الحرام و قد أحاله الله على العادة فيه فقال : « فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم » و قال : « فإطعام ستين مسكينا » و قد تكلمنا عليه في موضعه (هـ). و في جمع الجوامع و إن العادة محكمة و في الأحكام أيضا العرف و العادة أصل من أصول الشريعة يقضي به في الأحكام (هـ). ثم أن محل العمل به ما لم يخالف دليلا شرعيا و إلا وجب نبذه و العمل بالشريعة لأنها لا تنسخ به، و قد أنكر العلامة الأمير تقييد الونشربي و متبوعه إلا في الجمع ليلة المطر بما إذا لم يجر العرف بتركه في موضع كالجامع الأعظم بتونس و جامع القرويين و الأندلس بفاس و قال إنما يحكم العرف في أمور المعاملات و لا ينسخ له سنة و قد جمع صلى الله عليه و سلم و هو صاحب الشرع (هـ) كلامه و هو حسن إلا ما ذكره من الحص غير صحيح كما تعلمه مما يأتي :

المواضيع التي يحكم فيها العرف :
هي الأحكام الفرعية التي وكل الشارع أمرها إلى العرف كمعرفة أسباب الأحكام من الصفات الإضافية كصغر ضبة الفضة و كبرها و غالب الكثافة في اللحية و نادر العذر و دائمه و طول الفصل في السهو و قصره و قرب منزله و بعده و كثرة فصل أو كلام و قلته في الصلاة و ثمن مثل و مهر مثل و كفؤ نكاح و كتقدير نفقات الزوجات و الأقارب و كسوتهم و ما يختص به الرجال عن النساء و متاع البيت و ما يختص به النساء عن الرجال و كالرجوع إليه في المقادير كالحيض و الطهر و أكثر مدة الحمل و سر اليأس و كالرجوع إليه في فعل غير مضبط تترتب عليه الأحكام كإحياء الموات و الإذن في الضيافة و دخول بيت قريب و تبسط مع صديق وما يعد قبضا و إيداعا و هدية غصبا و حفظ وديعة و انتفاعا بعارية و كالرجوع إليه في أمر مخصص كألفاظ الإيمان و الوقف و الوصية و التفويض و مقادير المكاييل و الموازين و النقود و غير ذلك (هـ) من الفتح بتصرف حسن، و في لامية الزقاق :
   بيان و تخصيص و تفسير مبهم
      شهيد و تمييد لعرف جرى حلا
   به الحكم و الفتوى فإن صح ما جرى
      من العرف فاحكم ناظرا و منحلا
و في العمليات :
   واعتبر الأعراف في الفتوى و في
      الحكم لكن بانتفالها نفي
و فيها أيضا :
   و روعي المقصود في الأحباس
      لا اللفظ في عمل أهل فاس
و النصوص في هذا المعنى متواترة متطابقة و في مبحث القضاء بقول المدعي لرجحانه بالعوائد، و فصل القضاء بالعرف و العادة من تبصرة ابن فرحون و في هذا الموضوع تنبيهات ( الأول ) احتلفوا هل يتنزل العرف منزلة الشاهد الواحد و عليه فلا يعتبر فيما لا يثبت إلا بشاهدين و يحلف معه من شهد له فيما يثبت بالشاهد و اليمين و ينزل منزله الشاهدين و الام المشهور و عليه قول التحفة :
   و ها هنا عن شاهد قد يعني
      إرخاء ستر و احتياز رهن
و قول اللامية و كملا باحلاق ذي عرف صحيح،و المسألة على طرف الثمام ( الثاني ) إذا تعارض العرف و الأصل قدم العرف قال ابن عبد السلام إذا تعارض الأصل و الغالب فالحكم للغالب و الغالب و العرف مترادفان كدعوى الزوج على ولي الأمة أنه غره بحريتها فالأصل عدم الغرور و الغالب عدم رضى الزوج بنكاح الأمة، فالقول له و كدعوى الزوجة على زوجها الحاضر عدم الإنفاق فهي متمسكة بالأصل و هو بالغالب فالقول به، و كدعوى العبد الحوز بالملك أنه حر، فهو مدع للأصل مخالف للعرف و في ذلك يقول ابن عاصم في مرتقى الوصول :
   و غالب أن عارض الأصل رجع
      و قيل عكسه و أول أصح
نعم يستثنى من هذا الأصل مسائل ألم القرافي بعشرين منها في الفرق التاسع و العشرين بعد المائتين، فراجعه ( الثالث ) العادة تنزل منزلة الشرط المدخول عليه و قد بنوا على ذلك عدة أحكام في عدة أبواب ( الرابع ) ذكروا أنه ينبغي في القاضي أن يكون بلديا ليجري الناس على أعرافهم و عوائد بلدهم قال بان رشد من خصال القاضي المستحبة أن يكون بلديا و كذا المفتي، ففي كتاب الأحكام للقرافي رحمه الله ما نصه ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفت لا يعلم أنه من أهل البلد الذي مه المفتي و موصع الفتيا فلا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسله عن بلده و هل حدث لهم عرف في تلك البلد في هذا اللفظ اللغوي أم لا و إن كان اللفظ عرفيا فهل عرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا و هذا أمر متعين واجب لا يختلف فيه علماء و إن العادتين متى كانتا في بلدين ليسا سواء أن حكمهما ليس سواء إنما اختلفت العلماء في العرف و اللغة : هل يقدم العرف على اللغة أم لا ؟ .. و الصحيح تقديمه لأنه ناسخ و الناسخ مقدم على المنسوخ إجماعا فكذلك ها هنا (هـ) منه بلفظه قال في التبصرة أثر ما نقله أيضا تنبيه. و نقلت من الرحلة لأبي عبد الله بن راشد فيمن حلف بالأيمان اللازمة و حنث هل يلزمه الطلاق الثلاث أو واحدة ثم قال و المعتبر في ذلك عرف الحالف لا عرف المفتي فلو دخل المفتي بلدا لا يكون عرفهم فيه أنه يراد به الطلاق الثلاث لم يجز له أن يفتي فيه بذلك، و لا يحل أن يفتي بما يتوقف على المعرف  إلا بعد معرفة المعرف و لو تغير المعرف لتغير الجواب، هذا من الأمر المهم معرفته (انتهى ) و هذا يعضد كلام القرافي مع كلام التبصرة و إذا انتهينا إلى هنا فلنسق من النصوص ما هو شاهد لموضوع التقييد قال ابن عبد السلام أكثر العلماء لا يقول بسد الذرائع و لا سيما في البيع و قد علمت أن المنع في البيع و السلف إنما نشأ عن اشتراط السلف نصا و بيعات  الأجل لا نص فيها، باشتراط أن البائع يشتري السلعة التي باع و إنما هو أمر يتهمان عيه و يستند في تلك التهمة إلى العادة، ثم قال وهب أن ملك العادة وجدت في قوم في المائة الثالثة بالمدينة أو بالحجاز فلم قلتم أنها وجدت بالعراق و المغرب في المائة السابعة ثم قال ,و أنا أتوقف في الفتيا في هذا الباب و فيما أشبهه من الأبواب المستندة إلى العادة بما في الكتب لأن الذي في الكتب من المسائل لها مستوى من السنين و تلك العوائد التي هي شرط في تلك الأحكام لا يعلم حصولها الآن و الشك في الشرط شك في المشروط ( و من الذخيرة ) قاعدة كل حكم مرب على عرف أو عادة يبطل عند زوال تلك العادة فإذا تغير تغير الحكم (هـ) نقلهما المواق، و من كتاب الأحكام في تمييز الفتيا عن الأحكام في السؤال التاسع و الثلاثين ما نصه أن إجراء الأحكام التي تدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع و جهالة في الدين بل كل ما في الشريعة يتبع العوائد يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة و ليس تجديد الاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد بل هذه قاعدة اجتهد فيها من غير استئناف اجتهاد، ألا ترى أنهم لما اجتمعوا على أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن بحمل على غالب النقود فإذا كانت العادة نقدا معينا حملنا الإطلاق  عليه فإذا انتقلت العادة إلى غيره عينا ما انتقلت العادة إليه و ألغينا الأول و انتقال العادة عنه و كذلك الإطلاق في الوصايا و الأيمان و جميع أبواب الفقه المحمولة على العوائد إذا تغيرت العادة تغيرت الأحكام في تلك الأبواب و كذلك الدعاوي إذا كان القول قول من ادعى شيئا لأنه العادة ثم إذا تغيرت العادة لرسيق القول قول مدعيو بل يعكس الحال فيه بل و لا يشترط تغيير العادة بل و لو حرجنا نحن من تلك البلد إلى بلد آخر، عوائدهم على خلاف عادة البلد الذي كنا فيه و كذلك إذا قدم علينا أحد من بلد عادته مضادة للبلد الذي نحن فيه لمن نفته إلا بعادة بلده دون عادة بلدنا و من هذا الباب ما روى عن مالك إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول أن القول قول الزوج مع أن الأصل عدم القبض قال القاضي إسماعيل هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض جميع صداقها و اليوم عادتهم على خلاف ذلك فالقول قول المرأة مع يمينها لأجل اختلاف العوائد (انظره) و في أنوار الفروق له في الفرق الثاني بعد كلام فإذا أحطت به علما ظهر لك الحق في هذه الألفاظ و هو أنا لا نجد أحدا في زماننا يقول لامرأته عند إرادة تطليقها حبلك على غاربك، و لا أنت برية و لا و هبتك لأهلك هذا لم نسمعه قط من المطلقين و لو سمعناه و تكرر ذلك على سمعنا لم يكف ذلك في اعتقادنا أن هذه الألفاظ منقولة كما تقدم تقريره، و أما لفظ الحرام فقد اشتهر في زماننا في أصل إزالة العصمة فيفهم من قول القائل أنت علي حرام أو الحرام يلزمن أنه طلق امرأته أما أنه طلقاها ثلاثا فإنا لا نجد في أنفسنا أنهم يريدون ذلك في الاستعمال هذا قوله فيما يتعلق بمصر و القاهرة فإن كان هناك بلد آخر تكرر الاستعمال عندهم في الحرام أو غيره من الألفاظ في الطلاق الثلاث حتى صار هذا العدد هو المتبادر من اللفظ فحينئذ يحسن إلزام الطلاق الثلاث بذلك اللفظ، و إياك أن تقول إنا لا نفهم منه إلا الطلاق الثلاث لأن مالكا رحمه الله قال أو لأنه مسطور في كتب الفقه لأن ذلك غلط بل لابد أن تكون ذلك الفهم حاصلا لك من جهة الاستعمال و العادة كما يحصل لسائر العوام كما في لفظ الدابة و البحر و الرواية فالفقيه و العامي في هذه الألفاظ سواء في الفهم لا يسبق إلى أفهامهم إلا المعاني المنقولة إليها فهذا هو الضابط لا يهم ذلك من كتب الفقه، فإن النقل إنما يحصل باستعمال الناس لا بتسطير ذلك في الكتب بل المسطر في الكتب تابع لاستعمال الناس فافهم ذلك، و إذا تقرر ذلك فيجب علينا أمور أحدها أن نعتمد أن مالكا و غيره من العلماء إنما أفتى في هذه الألفاظ بهذه الأحكام لأن زمانهم كان فيه عوائد اقتضت نقل هذه الألفاظ للمعاني التي أفتوا بها صونا لهم عن الزلل ( و ثانيها ) أنا إذا وجدنا زماننا عريا عن ذلك وجب علينا أن لا نفتي بتلك الأحكام في هذه الألفاظ لأن انتقال العوائد يوجب انتقال الأحكام كما نقول في النقود و في غيرها فإنا نفتي في زمن معين بأن المشتري تلزمه سكة معينة من النقود عند الإطلاق لأن تكل السكة هي التي جرت العادة بالمعاملة بها في ذلك البلد في ذلك الزمان، فإذا وجدنا بلدا آخر و زمانا آخر يقع التعامل فيه بغير تلك السكة تغيرت الفتيا إلى السكة الثانية و حرمت الفتيا بالأولى لأجل تغير العادة، و كذلك القول في نفقات الزوجات و الذرية و الأقارب و كسواتهم تختلف بحسب العوائد، و تنتقل الفتوى فيها و تحرم الفتوى بغير العادة الحاضرة و كذلك تقدير العواري بالعوائد و قبض الصدقات عند الدخول أو قبله أو بعده في عادة نفتي أن القول قول الزوج في الإقباض لأنه العادة وتارة بأن القول قول المرأة في عدم القبض إذا تغيرت العادة أو كانوا من أهل بلد ذلك عادتهم و تحرم الفتيا لهم بغير عادتهم، و من أفتى بغير ذلك كان خارقا للإجماع، فإن الفتيا بغير مستند مجمع على تحريمها و كذلك التلوم للخصوم في تحصين الديون للغرماء و غير ذلك مما هو مبني على العوائد مما لا يحصى عدده متى تغيرت فيه العادة تغير الحكم بإجماع المسلمين و حرمت الفتيا بالأول، و في الفرق الثامن و العشرين، منه أيضا بعد كلام لأن الأحكام المترتبة على العوائد تدور معها كيف دارت و تبطل معها إذا أبطلت كالنقود في المعاملات و العيوب في الأغراض في البياعات و نحو ذلك فلو تغيرت العادة في النقد و السكة إلى سكة أخرى لحلم الثمن في البيع عند الإطلاق على السكة التي تجددت العادة بها دون ما قبلها، و كذلك إذا كان الشيء عيبا في الثياب في عادة رددنا به المبيع فإذا تغيرت العادة و صار ذلك المكروه محبوبا موجبا بزيادة الثمن لم ترد به، و بهذا القانون تعتبر جميع الأحكام المرتبة على العوائد، و هو تحقيق مجمع عليه العلماء لإخلاف فيه بل قد يقع الخلاف في تحقيقه، هل وجد أم لا ، و على هذا التحرير يظهر أن عرفنا اليوم ليس فيه الحلف بصوم شهرين متتابعين فلا تكاد تجد أحدا بمصر يحلف به فلا ينبغي الفتيا به و عادتهم يقولون عبدي حر و امرأتي طالق و علي المشي إلى مكة، فتلزم هذه الأمور و على هذا القانون تراعى الفتوى على طول الأيام فمهما تجدد في العرف اعتبره و مهما سقط أسقطه، و لا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تجره على عرف بلدك و اسأله عن عرف بلده و أجره عليه،و أفته به، دون عرف بلدك و المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح و الجمود على المنقولات أبدا ضلال ضلال في الدين،و جهل بمقاصد علماء المسلمين و السلف الماضين، وعلى هذه القاعدة تتخرج أيمان الطلاق و العتاق و صيغ الصرائح و الكنايات فقد يصير  الصريح كتابة يفتقر إلى النية و قد تصير الكناية صريحة مستغنية عن النية، و كما نقل الهلالي في شرح المختصر كلام القرافي المذكور، آنفا، قال و من أمثلة هذا القانون مسائل اختلاف المتبايعين في قبض العوضين و في الصحة و ضدها و غير ذلك و مسائل التناول في المبيعات و مسائل التهمة في بيوع الآجال و مسائل المرابحة و مدلولات الألفاظ في الأيمان و غير ذلك، ألا ترى أن المنصوص عليه في المدونة و غيرها في لفظ اليمين عند عدم النية أن اللازم فيها كفارة يمين بالله فقط، و الذي به الفتوى هو لزوم الطلاق، و ما ذاك إلا أن السلف حملوها على اليمين الشرعية إذ لم يكن في عرفهم إرادة الطلاق بلفظ اليمين و العرف المطرد لا إرادة الطلاق بها (انظره ) و إلى ذلك يشير صاحب العمل بقوله ( وفي اليمين طلقة رجعية ) إذ هي قد حصلت الماهية أفتى به والدنا كالقصار كابن مؤلف كتاب المعيار و من فتوى والده سيدي عبد القادر التي أحال عليها اللفظ اليمين أصله في اليمين بالله لكن عرف الناس في هذه الأعصار و فيما قبلها صرفه لعصمة الزوجة فيعمل على مقتضاه لأن الأيمان أبدا دائرة مع عرف الحالف أو بلده و تختلف الفتاوي باختلاف الأعراف و العادات، و في أوائل نوازل الأحباس من المعيار أثناء جواب لسيدي عبد الله العبدوسي ما نصه ينبغي للمفتي أن ينظر في مقاصد الناس و مقتضى خطاباتهم فيبني عليها الحكم و يرتب عليها الجواب و كل من ينظر إلى الروايات فيفتي فيما تختلف فيه الأحكام باختلاف المقاصد و العوائد فقد أخطأ و كان ذلك منه فسقا إن عنى ذلك و قصده (هـ) جواب لابن منظور و ما نصه لا شك أن أحكام الأقضية و الفتاوي تتبع عوائد الزمان و عرف أهلها و في نوازل الجهاد منه بعد كلام إذا الحكم في القضايا و الفتيا في النوازل يختلف كثيرا و بحسب العوائد و الحال الحاضرة، و فيه أيضا قال أهل العلم : أن الفتوى في المسائل الفقهية تكون بحسب النازلة و الحال الحاضرة فيوخذ في بعض القضايا ببعض الأقوال بعض من غير خروج على المذهب ، و في نوازل العلامة الوزاني أن الواجب على القاضي و المفتي النظر إلى جزئيات المسائل في كل نازلة نازلة و إلى العوائد و الأعراف لأنه أسلوب معتاد في الشريعة فلا يعتمد في جميع النوازل على فقه مجمل به لابد من النظر في الصور الجزئية و ما اشتملت عليه من الأوصاف الكلية، و قد طرق هناك هذا الموضوع في عدة مباحث و كذا أيضا صاحب البهجة في مواضع في سبع المنيا و الدماء و غيراهما و الشيخ الرهوني في مبحث تنازع الزوجين و راجع أيضا ما لهم في تعازير الجناة  عند عدم التمكن من إقامة الحدود و ما لسيدي العربي الفاسي في ذلك تأليف أورده أبو حفص في شرح السلامية قال الولاتي في شرح مرتقى الوصول مبحث الكلام على العرف و العادة و متى انتقل العرف في هذه المسائل تبعه الحكم و حكى المقري على ذلك الإجماع (هـ) . و قال أيضا مبحث الإفتاء، و أما كتب النوازل فلا يجوز لهم الإفتاء بها لأن الغالب فيها فتاوى المتأخرين التي لا نص فيها للأقدمين و تلك لا تكون مبنية إلا على مصلحة مرسلة أو عادة محكمة أو سد ذريعة إلى مفسدة و نحو ذلك فلا يجوز الإفتاء بها إلا لمن نظر في أصلها المبنية عليه فإذا كان باقيا أفتى بها و إذا ارتفع رماها و التمس للنازلة حكما باجتهاده (أنظر ) و قال البساطي على قول مالك رحمه الله في أهل الذمة أرى أن توضع عنهم اليوم الضيافة و الأرزاق لما حدث عليهم من الجور، و اعلم أنه لا يوخذ قول الأئمة مع قطع النظر عن المقاصد لأنه إذا انتفى الظلم و كانوا هم الظلمة كما في نصارى مصر فالواجب أن يغلظ عليهم و أن يزاد على ما كان مقررا عليهم (هـ) ثقله الدسوقي في الجزية، و في شرح الزرقاني للموطأ على قول عائشة لو أدرك رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أحدث النساء الخ .. ما نصه و استنبط من قول عائشة أيضا أنه يحدث للناس فتاوي بقدر ما أحدثوا كما قال مالك، و ليس هذا من التمسك بالمصالح المباينة للشرع كما توهمه بعضهم، و إنما مراده كمراد عائشة أن يحدثوا أمرا تقتضي أصول الشريعة فيه غير ما اقتضته قبل حدوث ذلك، و لا غرو في تبعية الأحكام للأحوال (هـ) . و من مسامرة للعالم الأستاذ محمد الخضري الحسين التونسي نشرتها مجلة البدر التونسية بالجزء الثامن ما نصه : و من وفاء الإسلام بحق المصالح أن جعل للعرف و العادة اعتبارا في تفاصيل الأحكام ما يبنيه الشارع على رعاية حال مستمرة. و سبب لا ينقطع، فيتعين العمل به في كل مكان و زمان كالمنع من الربا و مطالبة المدعي بالبينة، منها ما يبينه على رعاية أحوال تتغير و عادات تتجدد، و هذا النوع من الأحكام لا يلزم طرده في كل عصر و لا أجراؤه بكل مواطن بل يجري العمل فيه على ما يقتضيه العرف السائد سن الناس، قال شهاب الدين القرافي في قواعده : إن الأحكام تجري مع العرف و العادة و ينتقل الفقيه بانتقالها، و من جهل المفتي بعوده على النصوص في الكتب غير ملتفت إلى تغير العرف فإن القاعدة المجمع عليها أن كل حكم مبني على عادة إذا تغيرت العادة تغير الحكم و القول باختلاف الحكم عند تبدل الأحوال و العادات لا يستلزم القول بتغيره في أصل وضعه و الخطاب به كما توهمه بعضهم، و إنما  الأمر تدعو إليه الحاجة عند قوم أو لم تقتضه عاداتهم و لا تعلقت به مصلحتهم دخل تحت أصل من أصول الإباحة أو التحريم.
و ممن حقق أن في أحكام الشريعة ما يجري بحسب اختلاف الزمان شهاب الدين القرافي حيث قال أن التوسعة على الحكام في الأحكام السياسية ليس مخالفا للشرع بل تشهد له القواعد و من جملتها أن الفساد قد كثر و انتشر بخلاف حاله في العصر الأول، و مقتضى ذلك اختلاف الأحكام بحيث لا تخرج عن الشرع و يوافق هذا قول عمر بن عبد العزيز تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، و قول عز الدين ابن عبد السلام تحد3 للنا أحكام بقدر ما يحدثون من السياسات و المعاملات و الاحتياطيات فيحدثون أسبابا فتستدعي أحكاما تنتزع لها من دلائل و من هنا ألزم أن يكون المقرر لأحكام السياسة و غيرها ممن أوتي العلم بقوانين الشريعة و الفهم الراسخ في مداركها حتى لا تخرج في تقديره عن الرسوم المطابقة لمقاصدها (هـ). و قال الحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله في الحبل الوثيق أن المفتي حكمه حكم الطبيب ينظر في الواقعة و يذكر فيها ما يليق بها بحسب مقتضى الحال و الشخص و الزمان، فالمفتي طبيب الأديان و ذاك طبيب الأبدان. و قد قال عمر بن عبد العزيز : تحدث للناس أحكام بحسب ما أحدثوا من الفجور. قال السبكي : ليس مراده أن الأحكام الشرعية تتغير بتغير الزمان بل باختلاف الصور الحادثة فإنه قد يحصل بمجموعها يقتضي الشرع له حكما خاصا (هـ). و قال السبكي أيضا في فتاويه ما معناه يوجد في فتاوي المتقدمين من أصحابنا أشياء لا يمكن الحكم عليها بأنها المذهب في كل صورة لأنها وردت على وقائع فعلهم رأوا أن تلك الوقائع يستحق أن يفتى بها بذلك و لا يلزم اطراد ذلك و استمراره (هـ). و في كتاب تلبيس إبليس لابن الجوزي رحمه الله في نقد مسالك الصوفية في الغناء و السماع و إنما ينبغي للمفتي أن يزن الأحوال كما ينبغي للطبيب أن يزن الزمان و السن و البلد ثم يصف على مقدار ذلك (أنظره). و في كشف الظنون في بحث الاحتساب ما نصه و فائدته إجراء أمور المدن في المجاري على الوجه الأتم، هذا من أدق العلوم و لا يدركه إلا من له فهم ثاقب وحدس صائب، إذ للأشخاص و الأزمان و الأحوال ساسة خاصة، و ذلك من أصعب الأمور فلذلك لا يليق بمنصب الاحتساب إلا من له قوة قدسية مجردة عن الهوى كعمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان عالما في هذا الشأن (انتهى). و قال الحافظ شمس الدين بن القيم الحنبلي في أعلام الموقعين، فصل في تغير الفتوى و اختلافها بحسب تغير الأزمنة و الأمكنة و الأحوال و النيات و العوائد، هذا فصل عظيم النفع جدا وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج و المشقة و تكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة مبناها و أساسها على الحكم و مصالح العباد في المعاش و المعاد، و هي عدل كلها و رحمة كلها و مصالح كلها و حكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور و عن الرحمة إلى ضدها و عن المصلحة إلى المفسدة و عن الحكمة إلى العبث. فليست من الشريعة أن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده و رحمته بين خلقه و ظله في أرضه و حكمته الدالة عليه، و على صدق رسوله صلى الله عليه و ءاله و سلم أتم ضلالة و أصدقها، و هي نوره الذي أبصر به المبصرون و هداه الذي به اهتدى المهتدون و شفاؤه التام الذي به دواء كل عليل و طريقه المستقيم الذي استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهي قرة العيون و حياة القلوب و لذة الأرواح فهي بها الحياة و الغداء و الدواء و النور و الشفاء و العصمة و كل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها و حاصل بها و كل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها. و لولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا و طوى العالم و هي العصمة للناس، و قوام العالم و بها يمسك الله السماوات و الأرض أن تزولا فإذا أراد الله سبحانه و تعالى خراب الدنيا و طي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم و قطب الفلاح و السعادة في الدنيا و الآخرة و نحن نذكر تفصيل ما أجملناه في هذا الفصل بحول الله و توفيقه و معونته بأمثلة صحيحة و الله الموفق سبحانه و هو  حسبنا و نعم الوكيل. و قد تم تبييضه في خواتم ذي الحجة الحرام متم عام 1346 بعد تسويد، و الحمد لله أولا و أخيرا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here