islamaumaroc

العربية الفصحى-2-

  دعوة الحق

118 العدد


                                                   -2-
اللغة العربية : من أعرق اللغات العالمية مثبتا، و أعزها جانبا، و أقواها جلادة، و أبلغها عبارة، و أغزرها مادة، و أدقها تصويرا لما يقع تحت الحس، و تعبيرا عما يجول في النفس، و ذلك لمرونتها على الاشتقاق، و قبولها للتهذيب، و سعة صدرها للتعريب.
نزل القرآن الكريم بلسانها فجعلها أكثر رسوخا و أشد بنيانا و أقوى استقرار، و بفضل القرآن صارت أبعد اللغات مدى و أوسعها أفقا و أقدرها على النهوض بتبعاتها الحضارية عبر التطور الدائم الذي تعيشه الإنسانية.
و استطاعت في ظل عالمية الإسلام، أن تتسع لتحيط بأبعد انطلاقات الفكر، و ترتفع حتى تصل أرقى اختلاجات النفس.
فليس هناك معنى من المعاني ولا فكرة من الأفكار و لا عاطفة من العواطف و لا نظرية من النظريات، تعجز اللغة العربية عن تصويره بالأحرف و الكلمات تصويرا صحيحا حي المقاطع واضح السمات بارز القسمات.
هذه اللغة فتحت صدرها لتراث الإنسانية الخالد، و معارف البشرية الرائعة كما اتسعت لمقومات الأمة الإسلامية التي شرقت بالحضارة و غربت.
برزت إلى الوجود قوية تتمتع بقوة لغة بالغة أشدها. فما عرف التاريخ لها طفولة و ما بدت إلا لتكون لسان الحضارة الإسلامية في ظلال القرآن.
و لقد اشترك مع اللغة العربية لغتان أخريتان بكونهما لغتين عموميتين لأفكار دينية و عقائدية و مذاهب سياسية انتشرت بين شعوب مختلفة. و هاتان اللغتان هما اللغة اليونانية و اللغة اللاتينية.
فقد كانت اللغة اللاتينية تستعمل من « كمبانيا » في إيطاليا الجنوبية إلى الجزر البريطانية و من نهر الراين إلى جبل الأطلس.
و استعملت اليونانية من أقاصي صقلية إلى شاطئ دجلة و من البحر الأسود إلى تخوم الحبشة. لكن ما أضيق ذلك الانتشار إذا ما قوبل بانتشار العربية التي امتدت إلى إسبانيا و إفريقيا حتى خط الاستواء و جنوب آسيا و شمالها إلى ما وراء بلاد التتار فقد استولت لغة العرب الكتابية على جميع أنحاء الشرق الإسلامي.
لقد أمست اليونانية و اللاتينية في صف اللغات الميتة منذ هبطت مدنيتها فيما الذي حفظ اللغة العربية حية ؟
قالت الكاتبة « مي » إن الذي كان باعثا على قيام الحضارة العربية الإسلامية، هو الذي ما زال حافظها إلى اليوم، و هو القرآن لبد كان الإسلام يرمي إلى التوحيد سواء في الدين و السياسة و اللغة، و اللغة العربية هي لغة الإسلام(1) .
لذا ستظل اللغة العربية حية ما دام الإسلام حيا. فمن ذا الذي لا يعرف للقرآن فضله في بقاء العربية حية ؟ و من ذا الذي يجهل أن اللغة العربية باقية ما بقي الإسلام ؟ من ذا الذي لا يعترف بما أدته هذه اللغة من خدمة للإنسانية و بأنها كانت الصلة الوحيدة بين حضارات الماضي و حضارات اليوم.
لقد اندثرت جميع إخوانها السامية من أرامية و كنعانية و كلدانية و سريانية و آشورية و عبرانية قديمة و غيرها، في حين بقيت هي على رغم ما مر بها من عصور الركود و ما فتئت تفيض قوة و حيوية.
إنها الرابطة النفسية التي تربط بين أهل البلاد و الصيغة الجميلة التي نودعها مكنونات العقول و القلوب جيلا بعد جيل.
هذه اللغة وسعت مبادئ و مثلا عليا، لم تضق بها و لم تنكل عن احتمال أعبائها، بل في ظل حضارة الإسلام مرنت و امتصت و تفاعلت و نمت نمائها الطبيعي المتطور من داخلها، و هضمت خلاياها القوية كل ما قدم لها من خارج محيطها حتى تعملقت و اتسعت أفاقها و انتشرت ظلالها و طوت في دورانها العظيم كل ما يقف في طريق انبعاثها و تفوقها، و كل ما يعرق انطلاقها و يثقل أجنحتها عن التحليق و الارتفاع، و استطاعت بقوتها الذاتية أن تقشع اللهجات الغامضة و تخرج من كل جولة جالتها – في صراع – بغذاء مفيد و دماء جديدة و قدرة فائقة و طاقة خلاقة.
هذه اللغة دعمها القرآن إذ أخذت تفرض سلطانها في بيئات جديدة في أقطار الأرض و لم تمض حقب طويلة حتى غدت لغة للشعوب من أواسط آسيا حتى جبال البرانس في شمال إسبانيا، و لم تستطع لغة من لغات هذه البيئات أن تثبت لها أو تحول بينها و بين سيادتها.
و قد يكون من أسباب ذلك أنها لغة القرآن، و قد يكون من أسبابه قوتها و جمالها الفني بحيث لم تستطع أن تقف لها لغة من لغات هذه البيئات، و مهما تكن الأسباب فإنها أصبحت لغة قوية لأمم و شعوب قد تختلف و تتباين في أجناسها و أصل نشأتها، و لكنها تأتلف و تتحد في عروبتها و تنضوي تحت لوائها و تعب من قرآنها و شعرها و بيانها، و لا تلبث أن تعيش لها و بها و تحيا فيها حياتها المعنوية الأدبية و العقلية.
و العربية ما تزال لغة الشرق الإسلامي من الخليج إلى المحيط الأطلسي و تتوهج جذوتها و ترسل أشعتها و شررها إلى كل مكان حتى في أمريكا تناول منها المهاجرون إلى تلك الديار النائية اقتباسا لا تزال تضيء في المجلات و الآثار الأدبية.
و واضح أنها اجتازت أمادا و أحقابا متطاولة من الزمن و قد ألمت بها خطوب كثيرة، لكنها وقفت في طريقها كالصخرة في مجرى السيل يلم بها ثم يزايلها، و ليس معنى ذلك أنها ظلت جامدة لا تتطور بل لقد تطورت أطوارا كثيرة بحكم ما التقت به من ثقافات الفرس و اليونان و الهند و مصر و إسبانيا اللاتينية. فوسعتها جميعا و تمثلتها تمثلا منقطع النظير و كأنما أصبحت نهرا كبيرا تتدافع إليه جداول شتى من المعرفة و الفكر، و هو لا ينحرف و لا يغير وجهته بل يجري غزيرا زاخرا متدفقا مقتحما كل ما يصادفه من حواجز و سدود بين الأمم و الشعوب و لقد وحدت العربية بين هذه الأمم و الشعوب، فإذا هي عالم عربي واحد مهما تدانت أو تباعدت و مهما شرقت أو غربت(2) .
لغة كريمة أنضجها الزمان المتطاول و أخرجتها الفطرة السليمة و الإحساس المرهف و الإدراك النافذ.
لغة تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة و تمثل كلماتها خطرات النفوس و تتجلى معانيها في أجراس الألفاظ و تتمثل في نبرات الحروف كأنما كلماتها نبضات القلوب و مشاعل الحياة. فالمعاني المحسة و المعقولة مبنية في ألفاظ تدرك الفروق الدقيقة بين الأشياء المتشابهة فتضع للشبيه لفظا غير ما وضعته لشبيهه إدراكا للفرق الدقيق بينهما، فإذا وضعت بعض اللغات للضرب مثلا كلمة واحدة وضعت العربية كلمات تختلف باختلاف آلة الضرب و موضعه من الجسم،و إذا دلت اللغات على صفات الوجه الإنساني مثلا بكلمات مركبة لكل صفة، دلت العربية على كل حلية في الإنسان و كل صفة في عينيه و حاجبه و أنفه و فمه و أسنانه و غيرها بأسماء خاصة و ليس هذا مقام التمثيل و التفصيل.

.......ناقص........ المفردات يتجلى في التركيب مدهشا، فكل كلمة لها في الجملة مكان يحس بها المتكلم و إن شئت فقل تحس بها الكلمة نفسها، فتعطي أو تأخذ صوتا مكافئا لهذه المكانة فالكلمة الأصلية لها أقوى الأصوات و هو الضم و الأخريات لها الفتح و الجر.
و ما أرى هذا إلا ضربا من الحياة في الألفاظ و التركيب يبين عن أدق الإحساس و ألطفه، و إذا اشتملت اللغات على كلمات هي مادتها، ففي اللغة العربية مادة و قوالب يستعملها صاحبها حين الحاجة، فيها مادة و وزن، فخذ المادة أو أخلقها أو استعرها من لغة أخرى، ثم صبها في قالب من قوالب الأسماء و الأفعال، و صورها بالقوالب أو الأوزان فمن سمع فاعلا أو مفعولا أدرك أن هذا الوزن في حركاته و سكناته له معنى يلازمه في المواد كلها، و بهذا امتازت العربية و استبانت خصائصها حتى نفت عن نفسها كل كلمة أجنبية ما لم تخضع لأوزانها و قوانينها و للأسماء أوزان و للأفعال أوزان، فما لا تزنه هذه الأوزان فهو أجنبي و بهذا بقيت على الدهر المتطاول نقية.
و لقد اختبرها التاريخ الطويل فلم تعجز و لم تعي و لم تضق بكل ما أدركه الإنسان من علم و ثقة من صناعة، بل وسعت حضارة القرون المتطاولة و الأمم المختلفة غير كارهة و لا مكرهة.
و قد أراد الله لها أن تكون لغة كتابه و ترجمان وحيه و بلاغ رسالته فاشتملت على العالم الحسي و العقلي مصورا في كلمات و آيات، و جوزيت على هذا خلودا ما خلد للإنسان عقل و قلب، و ما ستقلم له إدراك و إحساس.
و تقلب الزمن و توالت المحن و ثارت الفتن و العربية ثابتة ناضرة، و محت لغت و خلقت لغات و بدلت لغات و حرفت لغات، و العربية هي العربية لم تمح و لم تتغير و لم تبدل.
ما آية الخلود بعد هذا ؟
و لم تبق العربية لغة العرب وحدهم بل ثقفتها الأمم الأخرى و أولتها من العناية و الحفاوة أكثر مما أولت لغاتها أحيانا، فصارت لغة العلوم و الآداب  للعرب و غير العرب حقبا طويلة ما بين أقصى المغرب ........ناقص ......... و علم في كثير من الأمم الإسلامية غير العربية.
و ما تزال لغات هذه الأمم مترعة بألفاظ العربية و ما تزال تستمد من العربية الحروف و الكلمات.
و قد حوت العربية على مر العصور أدبا لا تحويه لغة، أدبا مواطنة ما بين الصين إلى بحر الظلمات كما يقول العلماء – و زمانه أربعة عشر قرنا من الزمان.
و لا نعرف في آداب العالم قديمها و حديثها أدبا اتسعت به المواطن هذا الاتساع و امتدت به الاعصار هذا الامتداد.
فالعربية بأهلها و موطنها و خصائصها و آدابها و تاريخها. العربية بقرآنها خالدة خلود الأبد باقية على الخطوب و العصور لغة دين و علم و أدب و حضارة(3) .
و ليس في اللغات القديمة لغة بلغت ما بلغته اللغة العربية من القوة و الأيد، و من السعة و الانتشار، و من القدرة على السيطرة على العالم القديم في أكثر أجزائه.
و قد كانت قبل العربية لغات قديمة أخرى انتشرت في الشرق و سطرت على سياسته و إدارته و ثقافته و لكنها لم تبلغ في أي وقت من الأوقات أعماق الشعوب الشرقية و لم تستطع أن تغير من نفوس الشرقيين و لا أن تغير من لغاتهم شيئا، و إنما فرضت نفسها هذا الفرض السياسي المعروف، فكانت لغة الحكام و كانت لغة الإدارة و كانت لغة الثقافة  و ظلت الشعوب مع ذلك تتكلم لغاتها الخاصة و تتوارث آدابها الخاصة، لم تغير لغتها.
فالأمة اليونانية فرضت لغتها على الشرق عشرة قرون منذ عهد الاسكندر إلى الفتوح الإسلامية و كان الحكام في أول أمرهم من اليونانيين، و كانت إدارة البلاد الشرقية، و لاسيما مصر و ما إليها إدارة يونانية، و كانت اللغة الإدارية و السياسية هي اللغة اليونانية، و كانت لغة الثقافة الرسمية في المدارس و في المعاهد و في الأديرة بعد انتشار المسيحية هي اللغة اليونانية، و لكن الشعوب التي كانت تسكن هذه البلاد ظلت محتفظة بلغتها الخاصة فكان المصريون محتفظين بلغتهم القبطية، و كان السوريون و أهل الجزيرة و العراق محتفظين بلغاتهم السامية و الآرامية  و ما يتفرع منها و لم تستطع هذه اللغة اليونانية أن تؤثر في هذه اللغات.
و جاء الرومان بعد اليونان و لغتهم اللاتينية لم تستطع أن تنتشر في الشرق بحال من الأحوال، كان الحكام من الرومانيين و لغة الإدارة و السياسة و الثقافة هي اللغة اللاتينية و ظلت الشعوب مع ذلك محافظة على لغاتها الموروثة و على تقاليدها كلها إلى أن جاءت اللغة العربية و دون أن يتخذ السلطان العربي أي قوة لفرض هذه اللغة و دون أن تتخذ الحكومات العربية على اختلافها أي إجراء لحمل الشعوب على أن تتكلم اللغة العربية(4).
ننظر فإذا هذه اللغة تنتشر شيئا فشيئا في شرق الدولة الإسلامية و في غربها، و في بلاد إيران و في جزء من الهند و في المغرب و الشام و في مصر و شمال إفريقيا و في الأندلس.
انتشرت العربية وحدها بقوتها الخاصة و بقوة الإسلام و قوة القرآن و بهذا استطاعت العربية أن تكون لغة عالمية لأول مرة في التاريخ الإنساني.
و لأول مرة نجد في التاريخ لغة تنتشر بهذه القوة فقد انتشرت اليونانية في جميع البلاد الشرقية ولكنها لم تصل إلى أعماق الشعوب و لم تغير لغة من اللغات التي كانت قائمة في تلك الأيام في بلاد الشرق و لكن اللغة العربية غلبت كل هذه اللغات غلبتها و تعمقت شعوبها.
و الرومانيون استطاعوا أن ينشروا اللاتينية في المغرب، في المغربي الأوربي، و في فرنسا و في بريطانيا في إسبانيا و حاولوا أن يجعلوها لغة منتشرة في شمال إفريقيا فلم يفلحوا(5).
و لكن العربية استطاعت أن تقهر اليونانية في الشرق و أن تقهر اللغات الشعبية التي كانت منتشرة في هذه البلاد و أن تقهر اللغة الفارسية نفسها، ثم أن تقهر اللاتينية في المغرب العربي و في الأندلس، و أن تصبح هي اللغة العالمية التي ستكلمها الناس في الشرق  و الغرب جميعا.
هذه اللغة منذ تم لها الانتشار لم تكن لغة حديث فحسب و لكنها كانت لغة حديث و لغة سياسة و لغة إدارة و لغة الدين، و كانت في الوقت نفسه لغة التفكير و الإنتاج الأدبي و العصري، و في أقل من قرنين كانت هذه اللغة قد استطاعت أن تسيغ كل الثقافات التي كانت معروفة في العصور القديمة.
أساغت ثقافة اليونان على سعتها و عمقها و صعوبتها و أساغت فلسفتهم و علومهم و طبهم و فنونهم، و أساغت ثقافة الفرس و ثقافة الهند و أساغت بعد ذلك الثقافات التي كانت متوازنة بين الأمم السامية.
فالعربية : أداة الفكر الحي نقل الناس إليها كتب السماء المنزلة مثل التوراة و الإنجيل و الزبور و سائر كتب الأنبياء من السريانية و العبرانية.
و نقلوا إليها ما جاء به الحكماء، و سائر ذلك من كتب الفلسفة و الطب و النجوم و الهندسة و الحساب(6).
و نخلص من هذا إلى أن اللغة العربية لغة واسعة تتفاعل مع حركة الحياة و تساير الزمان في تطوره و لذلك أسباب منها التاريخي و منها الذاتي ، و منها الديني.
اللغة العربية لغة واسعة عميقة، ذات أصالة و عراقة، سايرت الزمن و لم تتخلف يوما عن منطقه، و تفاعلت و تعملقت و شرقت و غربت، و لهذا كله أسباب : منها التاريخي و منها الذاتي و منها الديني.
فالسبب التاريخي : يرجع إلى كون اللغة العربية آخر لغة انفصلت عن اللغة السامية « الأم » الأمر الذي مكنها من أن تأخذ ما في السامية من مزايا، و تتجنب إلى حد بعيد كثيرا من مزالق، مما لم يحصل للسريانية و العبرية، اللتين سبقتا اللغة العربية في الانفصال هن السامية  الأم.
و مما هو معروف مما تقدم أن اللغة العربية تنتمي إلى طائفة اللغات السامية، فهي على حد قول الكاتبة (مي) أن اللغة العربية ثالث أصول جوهرية ثلاثة، الآرامية و الكنعانية و العربية، فالآرامية : تشمل الكلدانية و السريانية و لآشورية، و هي لغة عامية يقال أن السيد المسيح كان يخاطب بها تلاميذه، و تتألف الكنعانية من العبرية و الفينيقية، فالعبرية لغة اليهود المقدسة و ما أنها تختلف اليوم كثيرا عن العبرانية الأصلية فإنها ما زالت مستعلمة عندهم في الطقوس الدينية.
أما العربية: فتشمل العربية الفصحى و لهجات مختلفة تكلمتها القبائل القاطنة في جنوب بلاد العرب و بلاد الحبشة و غيرها، و هي اللغة التي سعدت بنصيب البقاء، على حين أن أخواتها و بنات عمها دخلن في عالم النسيان، منذ أمد بعيد و بعض خصائصها اللغوية « كجمع التكسير مثلا » يميزها عن العبرية و الآرامية فيجعلها أوسع منهما معنى و أتم نظاما(7).
أما السبب الذاتي : فهو نابع من صميم العربية، من طبيعتها صوتا و حرفا أو حركة و حرفا، إذ أن لهذه الطبيعة مجالا أرحب، و شمولا أوسع ارتضته أو ارتضاه لها الناطقون بها، أعني به المجاز و المراد ف و الاشتقاق.
فالحرف العربي حرف مرن مطواع يمكن تركيبه على صور و هيئات تخرج منها الألفاظ و الكلمات و قد نمت هذه المرونة و الطواعية منذ نشأة اللغة.
و الشكل و هو حرف صغير يتغير موضعه من اللفظ فيحدث تلفظا جديدا يحمل معاني جديدة.
أما المجاز و الاشتقاق و المرادف : فإنها منابع رئيسية لرونة اللغة العربية، كما أنها ثروة رائعة من الجمال التي تتحلى به.
فالمجاز و هو استخدام اللفظ لغير ما وضع له بسبب علاقة ذات قرينة تمنع من أن يفهم اللفظ بمعناه الأصلي.
هذا المجاز قد فسح للعربية ميدانا لا يحد بسهولة فلو قلت أن محمدا يلقي الدرر أدرك السامع مرادك و هو أن محمدا يتكلم كلاما فصيحا بليغا جميلا.
و لو قلت : لقد جادت السماء و لبست الأرض حلة قشيبة، أدرك السامع أن مطرا قد هطل و نباتا ظهر.
و الاشتقاق : و هو أخذ كلمة من أخرى تتشابه فيها بعض الحروف فإذا تشابهت الحروف الأصلية أسفرت عن معاني قد تكون قريبة و قد تكون بعيدة عن المعنى الأصلي.
و هذا الاشتقاق قد أضاف إلى اللغة العربية ما أضافه المجاز فلفظة « بصر » التي هي النظر و الرؤية كذلك الخبرة و الدراية لك أن تشتق منها وفق قواعد الاشتقاق أفعالا و أسماء لكل منها معناها الخاص فإنك تشتق من « بصر » باصرة، بصيرة، متبصر، تبصر، مبصر. و كل هذه أسماء تختلف فيما بينها اختلافا معنويا واضحا.
أما الأفعال فهي لا تقل عن هذه الأسماء كثرة و تنوعا، فلك أن تقول يبصر، يتبصر، يتباصر، يستبصر، و لكل منها معنى مختلف عن معنى الفعل الآخر فالأول ينظر و يرى، و الثاني يستعمل و يتحقق، و الثالث : يدعي الرؤية و الخبرة، و الرابع : يحاول النظر و الإدراك فلو أحصينا ما اشتققنا من اللفظة « بصر » لوجدناها عشرة ألفاظ، لها عشرة معان، بل لعل المعاني في حقيقتها تفوق العشر.
و هذا كله غير تصريف الفعل الذي لم نذكره لأنه ليس من الاشتقاق و هو التصريف الذي يتناول اثني عشر صيغة موزعة على الضمائر.
و المرادف : و هو اللفظ الذي يؤدي نفس المعنى و يختلف عن مرادفه في النطق و الحرف اختلافا قد يكون كليا، و هو باب واسع من أوسع أبواب اللغة العربية و ليس أدل على هذا مما صنعه بعض المؤلفين القدامى، مثل عبد الرحمن بن عيسى المهمداني المتوفى عام 320 هـ في كتابه « الألفاظ الكتابية » و الذي جعله في ثلاثمائة و ستين بابا، جمع في كل باب من الألفاظ المختلفة حرفا، المتقاربة معنى ذخيرة حية و على سبيل المثال نذكر باب « حسن المنظر » منظر حسن و نضير و بهيج و بهي و رائع و زاهر و رائق و قسيم و وسيم و مونق، ففي هذه الألفاظ المترادفة و صفنا منظرا حسنا.
أما جمال العربية فإنه ناجم عن الدقة و الجرس و تجانس التركيب و قد يكون من السهل تحديد هذه الصفات و قد يكون من الأسهل إيراد الشواهد عليها و لكن الصعوبة تكمن في تصويرها للسامع تصويرا ماديا يمسك بأنامل، و لعل هذا التصوير المادي ليس من متطلبات التدليل على جمال اللغة – أية لغة كانت و لكنه مطلب يلح عليه البعض ممن لا يدرك أو لا يريد للعربية أن تكون جميلة.
و القول في جمال لغة ما عند أهل تلك اللغة يعتمد مقاييس ذوقية و مادية تتنظمها مشاعر و قواعد هي الأدوات المصنوعة لإجراء القياس و نحن حين نطبق هذه المقاييس على جمال اللغة العربية نخرج بنتائج مدهشة رائعة.
قال لله تعالى « و النجم إذا هوى ما ضل صاحبكم و ما غوى و ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى و هو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ».
جرس أخاذ في تقطيع لفظي عجيب يصوران موضوعا جليلا ببراعة معجزة بدأت الآية الكريمة بالقسم بالنجم الذي كان بعض العرب يحلونه محل الإله و لكن القسم ليس بالإله المزعوم فحسب بل به حين يهوى و يهبط من عليائه فهذا السقوط الذي يجرح الألوهية و الذي أورده القرآن الكريم مع القسم له أبعاد معنوية خارقة ثم نفت الآية الكريمة عن الرسول العربي صفة الضلال التي اتهمه بها الجاحدون أولئك الذين بلغ الضلال بهم أن عبدوا النجم الذي ليست له مناعة ضد السقوط، و مضت الآية في تنزيه القرآن الذي نزل على الرسول الأمين عن الهوى و العاطفة و بينت الآية أن ما جاء به الرسول وحي من الله الخالق القوي الذي أمر رسوله بحمل رسالة القرآن فصدع بالأمر و نهض يبشر قومه بهداه، و ينذرهم في تنكرهم لرشاده.
و لم يكن هذا الوحي الكريم في حالة تدعو إلى التشكك أو التشكيك لا بل كانت و الرسول أقرب ما يكون إلى ربه أنه كان على بعد ما بين طرفي القوس و العرب يعرفون قصر المسافة بينهما حق المعرفة لأن القوس تعيش بين أيديهم و تصحبهم طول الوقت.
هكذا استطاعت اللغة العربية أن تقسم بالمقدس جهلا و ضلالة وتجرح تقديسه و تنفي عن الرسول مزاعم المشركين و تسمي الوحي، و تصف قرب النبي من خالقه في حالة الوحي، و تبين أن الدعوة ليست من هوى و عاطفة إنسان بل إرادة ربانية.
كل هذه المعاني صورتها اللغة العربية تصويرا هو من جمال القوة في الذروة(8).
و إذا أردنا المزيد من التدليل على جمال العربية فالشواهد ميسورة في كل ضرب من ضروب الكلام في الشعر و النثر و الحكمة و الخطابة.
قال المتنبي يصف جيش سيف الدولة الحمداني :
   خميس يشرق الأرض و الغرب زحفه
      و في أذن الجوزاء منه زمام
   تجمع فيه كـل لبسـن و أمـــة
      فما تفهم الحداث إلا التراجم
و قال البحتري يصف الربيع :
   أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا
      من الحسن حتى كاد أن يتكلما
   و قد نبه الفيروز في غسق الدجى
      أوائل ورد كن بالأمس نوما
   يفتحها قطر الندى فكأنمـــا
      يبث حديثا كان قبل مكتما
هاتان صورتان من صور التعبير الشعري في الأولى تجد الفخامة و القوة و السبك، وفي الثانية تجد العذوبة و الرقة و الرخامة، صورت اللغة في ألفاظهما ما أراده الشاعران، أو صور الشاعران في كل منهما ما أراده، تصويرا تمازجت فيه الألفاظ بالمعنى فكانت روعة التعبير في الصورتين اللتين رسمتا موضوعين مختلفين : أحدهما الجيش و ضخامته و جلبته و الثاني الربيع و نعومته و بهاه(9).
و لا بأس من إيراد شاهدين آخرين و ليكونا في موضوع واحد، هو الرثاء أجاد فيه كل من الشاعرين اللذين رسما صورة للحزن على الفقيد و مكانته.
قال أبو تمام يرثي محمد بن حميد الطوسي و قد قتل في معركة فر فيها جنده و بقي هو في وجه عدوه بابك الخرمي :
   فتى مات بين الطعن و الضرب ميتة
      تقوم مقام النصر إن فاته النصر
   و قد كان فوت الموت سهلا فرده
      إليه الحفاظ المر و الخلق الوعر
   فأثبت في مستنقع الموت رجله
      و قال لها من تحت أخمصك الحشر
   كأن بني بنهان يوم وفاتــه
      نجوم سماء خر من بينها البدر ...
و قال جرير يرثي زوجته :
   لولا الحياء لها جنى استعبار
      و لزرت قبرك و الحبيب يزار
   ولهت قلبي إذ علتني كبرة
      و ذوو التمائم من بينك صغار
   و إذا سريت رأيت نارك نورت
      وجها أغر يزينه الاسفـــار
   كأن الخليط هم الخليط فأصبحوا
      متبدلين و بالديــار ديــار(10)
و لا شك أنك حين سمعت أبيات أبي تمام في رثاء الطوسي استشعرت الإباء و الجلد و الأنفة و الشجاعة، و حين سمعت رثاء جرير زوجته، أحسست بالأسى و اللوعة و الألم، و كلتا الصورتين الشعريتين لمصور واحد هو الرثاء، و إن استخدمت الريشة من قبل رسامين هما : الشاعران الراثيان أبو تمام و جرير.
أما السبب الدين فهو في القرآن العظيم و أسلوبه المعجز. و اللغة العربية بفضل القرآن الكريم صارت أبعد اللغات مدى و أبلغها عبارة، و أغزرها مادة، و أقواها جلادة و أدقها تصورا لما يقع تحت الحس، و تعبيرا عما يجول في النفس، تتسع لتحيط بأبعد انطلاقات الفكر، و تصعد حتى تصل أرقى اختلاجات النفس و الضمير، واسعة سعة السماء، عميقة عمق البحر(11) .
و قال م. فنتيجوا مؤلف كتاب « المعجزة العربية » أن سرعة انتشار اللغة العربية ترجع إلى الثمار المادية و الروحية التي جنتها من الإسلام أكثر منها إلى القرار الذي اتخذه الأمويون بجعل العربية إجبارية في الوثائق الرسمية. و خلال القرن الثاني الهجري بدأ انحلال مراكز الثقافة اليونانية في الشرق الأدنى و تمخض هذا الانحلال عن أكبر فوضى في اللغات و الأديان فقد بدأت شعوب عريقة في الحضارة كالمصريين و الهنود تتحلل من تراثها الخاص لتعتنق على أثر احتكاكها بالعرب معتقداتهم و أعرافهم و عوائدهم. أن العربية أمست في فارس اللغة الرسمية و اتخذها الشعراء أنفسهم أداة لصياغة القريض في حين ظلت اللهجة البهلوية مستعملة في الجبل، و قد استمرت نفوذ العربية في القرون التالية بل صارت العنصر الجوهري في الأوردية التي هي لغة الثقافة عند الهندوس و التي يعتبر نصف مفرداتها تقريبا من أصل عربي(12) .
قال جورج ريفوار : لقد ظل نفوذ أتباع محمد لازما لم يتغير، ففي نواحي إفريقيا و آسيا التي دخلوها من المغرب إلى الهند تغلغل ذلك النفوذ في الأعماق إلى الأبد و لم يستطع فاتحون جدد استقصاء دين العرب و لغتهم(13) .
إن اللغة العربية التي بلغت مبلغا كبيرا من المرونة و الثروة في العهد الجاهلي كأداة للتخاطب، و كمصهر لصقل التعبير عن أدق الإحساسات و أرق العواطف، أدركت في القرن الرابع الهجري في عنفوان العصر العباسي أوج كمالها.
و قد وصف زكي مبارك روعة النثر الفني العربي في القرن الرابع الهجري و وصف « فيكتور بيرار » اللغة العربية في ذلك العصر بأنها أغنى و أبسط و أقوى و أرق و أمتن و أكثر اللهجات الإنسانية مرونة، فهي كنز يزخر بالمفاتن و يفيض بسحر الخيال و عجيب المجاز، رقيق الحاشية، مهذب الجوانب، رائع التصوير و أعجب ما في الأمر – و هو شيء لا نظير له عند الشعوب الأخرى – أن البدو كانوا هم سدنة هذه الذخائر و جهابذة النثر العربي جبلة و طبعا. و منهم استمد كل الشعراء تراثهم اللغوي و عبقريتهم في القريض(14).

هذا و قد عربت أهم المصنفات اليونانية في عهد الخلفاء العباسيين حيث انكب العرب و العلماء على دراسة الآداب الأجنبية بحماس شديد، و قد خضعت العربية لمقتضيات الإصلاح  الجديد، فانتشرت في مجموع أنحاء آسيا، و استأصلت نهائيا اللهجات القديمة، و قضت على اللاتينية في شبه الجزيرة الإبرية (إسبانيا و الأندلس).
إن نفوذ اللغة العربية أصبح بعيد المدى حتى أن جانبا من أوربا الجنوبية أيقن بأن العربية هي الأداة الوحيدة لفهم و نقل العلوم و الآداب و سائر أنواع الفنون. و أوضح ( جورج ريفوار ) أن رجال الكنيسة – في أوربا الجنوبية – اضطروا إلى تعريب مجموعاتهم القانونية لتسهيل قراءتها في الكنائس الإسبانية و أن « جان سيفيل » وجد نفسه مضطرا إلى أن يحرر بالعربية معارض الكتب المقدسة ليفهمها الناس.
أما في فرنسا فقد أكد ( جوستاف لوبون ) في كبابه « حضارة العرب » أن للعربية آثارا مهمة في فرنسا نفسها. و قد لاحظ المؤرخ الفرنسي « سديو » عن حق أن لهجة ناحيتي : أوفيرني، وليموزان، زاخرة بالألفاظ العربية و أن أعلام تتسم في كل مكان بالطابع العربي.
و كان من الطبيعي أن يزود العرب كلا من فرنسا و إيطاليا، في القرن الثامن الميلادي بمعظم مصطلحاتها البحرية، على أنها تركت أثرها في مصطلحات الجيش و الإدارة و الصيد و العلوم و غيرها. و قد لوحظ نفس التأثير في صقلية.
و مما يجد ذكره أن أول اتجاهات أوربا من الاقتباس العربي كان في الميدان العلمي و لقد قال المستشرق « ماسينيون » أن المنهاج العلمي قد انطلق أول ما انطلق باللغة العربية و من خلال العربية في الحضارة الأوربية، أن اللغة العربية أداة خالصة لنقل بدائع الفكر في الميدان الدولي، و أن استمرار حياة اللغة العربية دوليا لهو العنصر الجوهري للسلام بين الأمم.
و قد أوضح « جوستاف لوبون » أن العربية أصبحت اللغة العالمية في جميع الأقطار التي دخلها العرب حيث خلفت تماما اللهجات التي كانت مستعملة في تلك البلاد كالسريانية و اليونانية و القبطية و البربرية.
و قال المستشرق ماسينيون أن العربية بقيمتها الجدلية و النفسية و الصوفية استطاعت أن تضفي سريال الفتوة على التفكير الغربي.
و مما لا يسوغ إنكاره أن الكثير من المصطلحات في أنواع الفنون المختلفة – في أوربا – تستمد عناصرها من اللغة العربية مثل الكحول و الإكسير و الجبر. و قد ذكر « اليفي بروفنصال » أن الأسبان استمدوا معظم أسماء الرياحين و الأزهار من اللغة العربية، و من جبال البرانس انتقلت مصطلحات العلوم الطبيعية إلى فرنسا مثل البرقوق و الياسمين و القطن و الزعفران و مجموعة مصطلحات الراي تقريبا – كما قال الأستاذ عبد العزيز بنعبد الله عضو مجمع اللغة بالقاهرة  - هي من أصل عربي كما تحمل الحلي في إسبانيا أسماء عربية و يتجلى نفس التأثير في الهندسة المعمارية و بالجملة فقد استمدت إسبانيا و باسطتها أمريكا اللاتينية من اللغة العربية الشيء الكثير من مقوماتها اللغوية ثقافيا و اقتصاديا و اجتماعيا.
و قد لاحظ عالم إيطالي : أن معظم التعابير العربية التي تغلغلت بكيفية مدهشة في لغة روما لم تنتقل عن طريق التوسع الاستعماري و لكن بفضل إشعاع الإسلام الثقافي(15) .
و أن اللغة العربية هي بلا شك أداة الفكر. و هي تعتمد على المناخ الفكري لأداء المعاني الحضارية إذ أن الحضارة و المدنية و الثقافة، لابد لها من الأداة و أن المقومات الثقافية لأي أمة من الأمم تتمثل في اللغة التي تستوعب ألفاظها و مدلولات كلماتها و العبارات المستعملة فيها القيم العليا، و قضايا المعرفة.
و هذه القيم، و هاته القضايا، هي التي توجه الأفراد و تحدد علاقة بعضهم ببعض كما تحدد علاقتهم بالمجتمع سواء المجتمع القومي أو المجتمع الإنساني.
إن حضارتنا العربية وليدة اللغة العربية و اللغة العربية وليدة الحضارة العربية و الحضارة العربية هدفت إلى الخير و المعرفة و إفادة الإنسانية.

(1) المقتطف. المجلد 52 ص 399 مقال الكاتبة « مي »
(2)  العربي. العدد 58 مقال الدكتور شوقي ضيف « الكويت »
(3)  كتاب « مهد العرب » للدكتور عبد الوهاب عزام ص 19 القاهرة.
(4)  مجلة ( المغرب ) العدد الخامس ص 62 المغرب
(5)  المصدر السابق ص 63.
(6)  كتاب الزينة لأبي حاتم الرازي ج 1 ص 61 دار الكتاب العربي بمصر.
(7)  أنظر مجلة « المقتطف » المجلد 52 ص 393
(8)  أنظر مجلة « اللسان العربي » العدد الرابع ص 24 المغرب – الرباط 1386 هـ.
(9)  نفس المصدر السابق ص 25.
(10)  أنظر المصدر السابق.
(11)  أنظر مقالنا ص 40 بمجلة اللسان العربي العدد الرابع. المغرب.
(12)  راجع مقدمة اللسان العربي ع 3 ص 3.
(13)  المرجع السابق ص 3
(14)  المصدر نفسه، ص 4.
(15)  أنظر العدد الرابع من اللسان ص 6.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here