islamaumaroc

مدخل إلى علم العروض

  دعوة الحق

118 العدد

إن الإنسان يحس بجاذبية سحرية نحو الأنغام الموسيقية التي تعبر عن انفعالاته و عواطفه و التي تترجم ما يحتدم في شعوره الباطني إزاء الحياة و مظاهرها و غزاء الطبيعة و تلون أحداثها و تنوع أشكالها و تجدد صورها و تعدد ألوانها الباعثة على الحزن و الفرح واليأس والأمل والخضوع والمقاومة والعزة والذلة والحب والبغض وغير ذلك من الانفعالات والغرائز.
إن هذه الحاسة الموسيقية نمت مع نمو الإنسان وارتبطت بتكوينه وتألفت مع حاسته الفنية التي كانت ترفض التعبير العقلي المجرد وتركن الى التعبير العاطفي المصور للخلجات الباطنية التواقة الى الإفصاح عن كل ما يحس به الفرد عن طريق الشعور المشترك الذي يعتبر أساسا في التكوين البشري وفي تحقيق الإنسانية الشاعرة بوجودها والمنفعلة مع الأحداث.
وحين أحس الإنسان بأن الموسيقى لغة معبرة عن خلجاته الباطنية اطمان إليها وأصبح يلون إلحانها ويغير طرق تعبيرها ويضفي عليها من نفسه القوة والعنف حينا واللين والإشفاق حينا أخر واستطاع أن يجعل من الآلات الموسيقية ألسنة معبرة عن غضبه ورضاه وعن كراهيته وحبه فبينما تسمع دقات الطبول في صفوف الحرب تنذر الأعداء و تقوي معنوية الجيش إذا بك تسمع مرة أخرى الناي يرسل أهاته و ينفث أحزانه كأنه عاشق يائس أو جريح مكلوم.
و من الطبيعي أن المرحلة التعبيرية عن طريق الأصوات المجردة عن المعاني لم يكتف بها الإنسان وحدها حين استطاع أن يستعمل الكلمة في التعبير عن إحساساته ، و لما كان شاعرا بأن التعبير الموسيقي كان قويا في إيجاد التجاوب بينه و بين غيره إضافه إاى اللغة و مزحها به و صار تعبيره آنذاك يكتسب الجمال و القوة من النغمات المسموعة و من الصور الجذابة التي يحور بها الكلمة من مدلولاتها المجردة إلى مدلولات أخرى يتصرف فيها الخيال و تنصهر فيها العاطفة و تذوب فيها النفس لتصبح تعبيرا جميلا لا امت فيه و لانشوز.
و لقد كانت هذه التعبيرات في أول أمرها بسيطة سواء في مدلولها اللفظي أو في نغماتها الموسيقية ولكن يعد ممارسة الإنسان لفنه أصبح يحس بأن هناك أنغاما خاصة تنسجم مع أحزانه و انغاما أخرى لا تنسجم إلا مع سروره و استبشاره و من ثم تنوعت ألحانه و تعددت تعبيراته، و كل هذا التنوع أساسا أوليا لوضع النغمات الشعرية.
و من المعلوم أن الشعر العربي عرف في تاريخ الشعر العالمي قديمه و حديثه بأنه أكثر النغمات عدا و أقواها تكيفا مع الإنفعالات الصادرة  عن الإنسان في كل المناسبات. يقول الدكتور البهبيتي عن الشعر العربي(1) : « و إذا كانت أوزان الشعر قوالب للإنفعالات التي تجيش بنفس الشاعر تتناسب مع حالاتها و تجانس صورتها فإن هذه الإنفعالات كثيرة جدا منوعة أشد التنوع مركبة أعقد التركيب فإننا لا نعرف للغة من اللغات عددا من أوزان الشعر يقارب هذا العدد الضخم من الأوزان و ما  يتفرغ إليها و ما ينحدر منهم جزءا أو تشطيرا و تأليفا ».
و من هنا يظهر أن تعدد الأوزان لم يكن  في الشعر العربي عبثا بل كان ذلك راجعا إلى تعدد الإنفعالات و اختلاف الدوافع التي تدفع الإنسان إلى التعبير و التصوير، و لقد تنبه نقاد الأدب إلى ذلك و كادوا يستقرئون الأوجه العاطفية التي كانت تبعث على اختيار وزن دون غيره و إيثار لحن على آخر، و في الجزء الأول من كتاب المرشد إلى فهم أشعار العرب للدكتور عبد الله الطيب المجدوب دراسة وافية لهذه الأنغام و أمثلة حية تجعل القارئ العربي يعتز بالقوة الفنية التي كانت متمكنة من نفوس شعرائنا الأقدميين.تلك القوة التي تدل على رقة إحساسهم و دقة عواطفهم و رفاهة شعورهم الفني حتى أصبحت الحاسة الفنية متصلة بطبعهم و صاروا يختارون لشعرهم أجمل الألحان و أحسن الألفاظ التآما مع الغايات التي يقصدونها.
و كان الشعراء العرب في الجاهلية و صدر الإسلام يحرصون أشد الحرص على المحافظة على نسق القصيدة العربية و على طبيعة اوزانها وعلى المحافظة على الاسس الموسيقية فيها وينتفون من الالفاظ ما يكون مؤثرا في صورتها ومبناه بحيث لم يكونوا يعتمدون على الصور والمعاني فقط بل كانوا حريصين على ان يكون الغالب ايضا جذابا مؤثرا ، ولعل هذا يوافق المنحى الذي كان يسير عليه الادب العربي والذي عبر عنه الدكتور طه حسين في مناسبة تتعلق بالاعراب والافصاح فقال(2)  : « إن أدبنا العربي لا يهمل الاسماع إهمالا قليلا أو كثيرا وإنما يعتني بها أشد العناية فهو أدب منطوق مسموع قبل أن يكون أدبا مكتوبا مقروءا وهو من أجل هذا حريص على أن يلذ اللسان حين ينطق به ويلذ الأذن حين تسمع له ثم يلذ بعد ذلك النفوس والأفئدة حين تصغي اليه ».
وظل الشعر العربي على أوزانه ونغماته يتناقله الرواة ويحفظه كثير من الأدباء فيعينهم على تقليده وتأثره وتتبع أشكاله وأوزانه وينتقلون من طور التقليد إلى طور الإبداع المعنوي والتصويري فيسجلهم الأدب في سجله الخالد الذي لا يفني.
وكان العرب يعتزون بفنهم ويعتبرون الشعر ديوانهم وميزتهم التي يمتازون بها عن باقي الأجناس وكأنهم بذلك كانوا يعلمون أن لهم بالشعر معرفة تتجاوز القدر الذي يوجد عند غيرهم من الأمم.
وكان العرب في الجاهلية يتذوقون الشعر ويقدرون الشعراء لما لهم من المكانة الاجتماعية والسياسية لذلك كانت تقام الأفراح والحفلات المتواصلة عند كل قبيلة إذا ما نبغ فيها شاعر لأنهم يعلنون أنهم وجدوا لسانا مدافعا يحمي القبيلة من أعدائها وبرفع رأسها عاليا في ميدان المفاخرات والمنافرات .
وكان اعتزازهم هذا بالشعر يدعوهم إلى تعليمه بطرقهم الخاصة أهمها طريقة التلقين الفني الذي كان يعتمد على وضع شخص في بيئة شاعرية يستأنس بأشعارها فيرونها ويحفظها ويدرب ملكته على  تذوقها ثم على محاكاتها إلى أن تسند قناته ويمتحنه مربوه ومعلمه وآنذاك تعطى له الإجازة الفنية. ومما يدل على أن العرب كانوا يعلمون الشعر ويعتنون بتلقينه قول الشاعر الجاهلي :
 اعلمه الرماية كل يوم
 فلما اشتد ساعده رماني
 وكم علمته نظم القوافي
  فلما قال قافية هجاني
  وإذا كان العرب في الجاهلية يحتاجون الى تعلم الشعر عن طريق التلقين الأدبي واستغلال السليقة العربية في المحاكاة والتقليد فإنهم بطبيعة الحال بعد انتشار الإسلام وتعدد الفتوحات الإسلامية واتصالهم بغيرهم من العجم الذين أسلموا وأصبحت اللغة العربية لغتهم كانو أحوج إلى هذا التلقين والتعليم ولكنهم وجدوا أنفسهم مضطرين إلى تحديد هذه الاوزان والتعريف بها والتحدث عما يلائمها من القوافي والمعاني والصور .
ولذلك نجد الخليل بن أحمد الفراهيدي 100هـ – 170 هـ   قد تنبه إلى ضرورة حصر هذه الأوزان وبذلك يصير الشعر علما يلقن كما تلقن العلوم ويدرب عليه الفرد حتى يستطيع السير في شعره على النغمات الأصلية التي ورثها المجتمع الإسلامي عن المجتمع العربي والجاهلي .
وكان الخليل بن أحمد ذا عقل رياضي يحسب لكل شيء حسابه فاستقرأ الشعر الجاهلي واطلع على الشعر الأموي وربط بين ذلك وبين الأنغام والإيقاعات التي كان قد تعلمها عن طريق الثقافة اليونانية(3)  و أوجد تفاعيل حدد بها المقاطع الصوتية فوازن بين حركة اللغة و سكناتها و بين حركات النغم و سكناته و استطاع بذلك أن يضع في يد القارئ العربي علما سماه بعلم العروض.
و لقد اختلف الأدباء في تسمية هذا العلم بالعروض. و لعل سبب التسمية راجع إلى كون هذا العلم ليس بالسهل بل يحتاج إلى إمعان النظر و إلى كثرة التدبير و إلى محاولة تطبيق قواعده و يكون آنذاك مشتقا من العروض بمعنى الطريق الصعبة و قد يكون السبب راجعا إلى معارضة هذه التفاعيل بما يقابلها في البيت الشعري و يكون الاشتقاق في هذه الحالة من معارضة الشيء بالشيء أي مقابلته به.
و قد اختلف علماء العروض أيضا في تحديد هذا العلم و في موضوعه حيث ذكروا أنه علم بأصول يعرف بها صحيح أوزان الشعر و فاسدها و ما يعتريها من زحافات و علل و لكن أكثرهم خص موضوعه بالأوزان العربية المخصوصة التي حدها الخليل بن أحمد بخمسة عشر بحرا و التي تدارك عليه فيها الأخفش ببحر الخبب. في حين أن بعض النقاد ذكروا أن كل شعر تتحد إيقاعاته و تتناسب أجزاؤه و يحافظ على نغمة من النغمات الموسيقية  يجوز أن تدخله في إطار علم  العروض و لو لم يكن من الأوزان المعهودة لدى العرب و قد كان الزمخشري من أنصار هذا الرأي لأنه ترك الحرية للأدباء في تطوير الألحان الشعرية.
ورأي الزمخشري هذا في الحقيقية مساعدة فنية لا تسد باب الاختراع الفني في وجه الشعراء و الأدباء و لكنها مساعدة لا تصل إلى حد الابتذال الذي بلغ إليه الشعر عند طبقة من الأدباء تحررت عن الأوزان مطلقا فضاعت تلك النغمة الموسيقية التي اتضح لها منذ البداية أنها مرتبطة بالتعبير الشعري الجميل و أنها متصلة بالجانب الموسيقي المتناسق الذي لا يثور أيضا على طبيعة التوازن الفني فيصبح ضجيجا و ثورة و جلبة.
و من الواضح أن دراسة علم العروض لا تخلق في الشخص البعيد عن الإطار الأدبي شاعرية و إنما تعين ذوي المواهب و تدلهم على القوالب المختلفة التي كان العرب يصوغون عليها شعرهم. فالمادة الخام في الحقيقة ترجع إلى الشعر نفسه، فالذي لا يعيش مع الشعر و لا يدرس النصوص العربية دراسة نقدية تذوقية لا يستفيد منها هذا العلم مطلقا.
إن دراسة علم العروض دون النظر إلى الجانب الأدبي تكون دراسة جافة لا تؤتي أكلها فعلى من يرغب في معرفة هذا العلم أن يهيئ نفسه له بالإطلاع على أحسن ما طبع من دواوين شعرية رائعة تعبر عن النفس و تصور المجتمعات و ترفع الإنسان من درجته العادية لتجعله شاعرا بمسؤوليته مصورا للحياة تصويرا جذابا ينفعنا و يحدث فينا لذة و متعة.
فالشعر لا يصير ملكة فنية بدراسة قواعده الأساسية فقط و إنما يصير ملكة بالانصهار معه و بالامتزاج به في شتى صوره و بحفظ قصائد مختلفة تترك أثرها في نفس الشاعر و ترسم نغماتها في طبعه. و قد نبه ابن خلدون في مقدمته عن هذه الظاهرة حين قال(4)   : « أعلم أن لعمل الشعر و أحكام صناعته شروطا أولها الحفظ من جنسه أي من جنس شعر العرب حتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ».
و لا شك أن الشاعر حينما تصبح الآلة مطواعا في يده لم يبق له آنذاك إلا أن يستخدمها في تصوير مشاعره و تقديم خيالاته و إحساساته و يمكنه آنذاك أن يستفيد مما أنتجته القرائح البشرية في الآداب العالمية فيضيف إلى تجاربه تجارب غيره من الأدباء و يضفي على صورهم صورة مستمدة من شخصيته التي بها سيأخذ طابعه الفني المؤثر.
و بهذه الوسيلة نستطيع إحياء الشعر العربي و حفظه من الضياع في هذا العصر الذي غزت فيه بعض الفنون الأخرى ميدان الأدب فأصبحت القصة و المسرحية و المقالة تلعب دورا عظيما في الاستئثار بميول القراء زيادة على الغزو العلمي الذي كاد يبعد الناس عن الأدب نفسه.

(1) تاريخ الشعر العربي للأستاذ الدكتور نجيب محمد البهييتي.
(2) ألوان لطه حسين صفحة 14.
(3) رجه الدكتور محمد مندور قي بحث له عن الشعر العربي أن الخليل بن أحمد كان ملما بالموسيقى اليونانية بفرعيها : علم الإيقاع Rythmique و علم الانسجام  Les harmoniques  و أنه لم يكن له إلمام بالعروض اليوناني أنظر « في الميزان الجديد » صفحة 234.
(4)  المقدمة صفحة 422.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here