islamaumaroc

ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا

  دعوة الحق

118 العدد

القرءان الحكيم أكبر معجزة ثابتة خالدة حققت رسالة محمد صلى الله عليه و سلم و هدت المسلمين لما فيه الخير لهم و للبشر جميعا.
ينبوع القرءان لا ينضب، فيه من الحكمة و الموعظة الحسنة و التوجيه السليم و الإرشاد الرائع البديع ما لا يحد بحد و لا يقتصر على زمن و لا يختص بفئة دون فئة أو جيل دون جيل فهو نور الله الذي لا ينطفئ و كلام الله الذي يطمئن النفوس و يرغب في الخيرات و يبعد عن الشرور و الآثام.
و ليس من الطبيعي أن يكون المسلم مسلما حقيقيا إذا انحرف عن تعاليم الله و صد عن تعاليم القرءان و غفل عن تشريعاته المثلى و عن مبادئه في الأخلاق ذلك لأن القرءان يعد المصدر الأساسي في أصول الدين و الأحكام من سار على نهجه نجا و من اهتدى بهديه رشد.
و هذا هو السر في كون الله تبارك و تعالى امتن علينا بتركه القرءان فينا و اعتبر ذلك فضلا كبيرا فقال « ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا، فمنهم ظالم لنفسه، و منهم مقتصد، و منهم سابق بالخيرات بإذن الله، ذلك هو الفضل الكبير »(1)
و المتدبر في هذه الآية يجد أن المؤمنين بالنسبة للقرءان ثلاث طبقات :
الطبقة الأولى : طبقة المقصرين في تطبيق تعاليمه و المهملين لبعض أحكامه و هؤلاء هم الذين ظلموا أنفسهم فلم يزجروها و لم يهذبوها  فتغلبت عليهم و سطت بهم و أصبحوا ملكا لها، لا يستطيعون خلاصا من مفاتنها و لا انفكاكا من شهواتها إلا إذا أخذ الله بيدهم فهداهم إلى الخير و تابوا من ظلمهم و مخالفتهم.
الطبقة الثانية : طبقة المقتصدين و هم الذين يعملون بالقرءان أكثر الأوقات و تتغلب حسناتهم على سيآتهم، و يجدون في ضبط أنفسهم و يتمسكون بدين الله و بتعاليم القرءان، و هؤلاء تكون لهم الغلبة على النفس في غالب الأحيان كلما أرادت أن تستبدهم أو حاولت أن تستميلهم إليها قاوموها و لم يستسلموا لها.
أما الطبقة الثالثة : فهي  طبقة السابقين بالخيرات قال الجلال المحلي و هز الذين يضمون إلى العمل التعليم و الإرشاد إلى العمل.
و لا شك أن هذا القسم الثالث هو أسمى الأقسام و أعلاها و أكثرها صلاحية لرفع مستوى الإسلام و المسلمين.
و لذلك نرى أن هذا القسم يمثل الدرجة الرفيعة في الأمة الإسلامية و لا يصل إليه الإنسان إلا إذا اعتاد الطاعة و مارس العبادة و آمن بالله حق إيمانه و سعى إلى نشر الإسلام بكل الوسائل التي يجدها بين يديه فيتخلق بالأخلاق الفاضلة و يتحلى بالصفات الحميدة، و ينشر المعرفة بين الناس، و يدعو إلى العلم و يهيئ للقرءان الذيوع و يرفع من مستوى الإيمان في النفوس، و يربط بين القرءان و العزة، و بين الإيمان والقوة، و يرشد الناس للتي هي أقوم، و يجادلهم بالتي هي أحسن، حتى يبقى الإسلام دينا محبوبا، و تصبح تعاليمه قوانين عامة،  يطمئن إليها تابعوها، و يميل إليها مطبقوها، و يدافعون عنها في كل مجال.
و لا يتيسر ذلك في العصر الحاضر إلا إذا أصبح المسلمون حريصين على التقيد بقيود الدين، و على الانشراح لمبادئه و أسسه، و على العمل على إذاعة محاسنه، و على نشر القرءان في جميع المجالات حتى تعود الوحدة بين النفوس،و الألفة بين الأرواح، و الأخوة بين المسلمين.
و من أقوى الوسائل على تحبيب القرءان في النفوس تقريب اللغة العربية إلى المسلمين ليتذوقوا بذلك الأساليب البيانية التي ما زالت لمّاعة في القرءان منذ نزول الوحي على محمد صلى الله عليه و سلم إلى الآن، و ليتدبروا الأحكام الصادرة عن القرءان، و ليستطيعوا بذلك أن يعملوا بها، و أن يعلموها الناس و يرشدوهم إليها من جديد ليدخلوا تحت لواء الآية الكريمة التي تجعلهم من السابقين بالخيرات.
و ليس معنى نشر القرءان هو وجوده بين طبقة لا تعرف له معنى و لا تستطيع أن تتصرف فيه إلا في إطار ضيف لا يكسب للقرءان جلاله و لا يبين للقارئين أو السامعين جماله، بل إن القرءان يحتاج إلى طبقة من المتعلمين و المثقفين و المطلعين على القوانين البشرية و العلوم المختلفة حتى إذا قارنوا بينه و بين ما يعرفون و ربطوا بين معرفتهم و بين إيمانهم استطاعوا أن يضعوا القرءان في مكانه و أن يجعلوه رأسا لكل تشريع و جوهرة لكل حكمة و لسانا لكل حق، أما أن يبقى القرءان في إطار قد يبعده عما هو أهل له، فإن ذلك لا يسمح به الذوق السليم و الإيمان الطاهر.
أليس من الغريب أن يكون هناك اقتران شرطي في أذهان بعض الناس يجعلهم لا يتذكرون القرءان ولا يتصورونه إلا إذا حضروا جنازة من الجنائز أم مأتما من المآتم  حينما يرون جماعة من المتسولين و البؤساء يتسابقون على القبور بثياب رثة، و وجوه شاحبة، و أرجل مغبرة أو حافية، و هم يرفعون أصواتهم و يخفضونها في غير انسجام، فيطنون أن القرءان لا يقترن إلا بالفقر و البؤس، أو هو الذي يؤدي إلى الفقر و البؤس و الحرمان.
و هذا أمر يجب أن ننبه إليه و أن نعمل على تلافيه و ذلك بجعل القرءان أساسيا في جميع المدارس الإسلامية، في المشرق و المغرب، و يحفظ و يشرح و يرشد به إلى الإيمان والطاعة، و يضاف إليه ما نحتاجه في هذا العالم من علوم حديثة، و من الإطلاع على مختلف الثقافات حتى لا نكون عالة في الوجود، لا نملك ما نثبت به وجودنا.
و معنى هذا أن القرءان بجب أن يكون حماية لنفوسنا و مرشدا لأحكامنا، و أن نذيعه بين طبقات المتعلمين و المثقفين، فيكتسبوا منه تهذيبا لأرواحهم، و حرزا لنفوسهم من الضياع، و تبقى له بسبب ذلك هيبته التي منحها الله له، و حكمته التي جاء من أجلها، و آنذاك نشعر بجلال القرءان، و نخشع لتلاوته، و نخضع لمعانيه، و نطمئن إليه إذا ما تلى أمام موتانا، لأنه يوحي إلينا حينئذ بالرحمة و الحكمة، و يحرك فينا نزعة الإيمان بالله لنتجنب غضبه و عصيانه.
إن نشر القرءان بين طبقة المثقفين و نشر الوعي الديني بينهم يرفع من قيمة الإسلام في العصر الحاضر، و لا يدعه غريبا عند طوائف من المسلمين ينتمون إليه و لا يعرفونه، و ينسبون إليه و هم جاهلوه.
أن المعرفة القرءانية لا تقتصر على معرفة الأحكام أو معرفة الجوانب الخلقية فيه،و إنما يجب أن يضاف إليها الاعتزاز بالإيمان حتى تكون تعاليم القرءان منبعثة من النفس، هادفة إلى إصلاحها، جامعة بين الطاعة و الدعوة، و بين الخنوع لله والاستبشار بآياته، و الاستئناس بأحكامه و أوامره و نواهيه،  وبذلك نستطيع أن نجمع بين التربية الإسلامية و بين المعرفة القرءانية، لأن المعرفة المجردة عن العلم، إنما هي مظهر من مظاهر العجز، لا تؤدي إلى نتيجة و لا تصل بنا إلى غرض شريف.
و أنا على يقين أننا إذا استطعنا أن نسير بالتعاليم القرءانية قدما إلى الأمام،و أن نربط بينها و بين النفوس الطامحة إلى المعرفة لأمكننا بذلك أن نهيئ أجيالا لها من القوة  النفسية و القوة الخلقية ما نستطيع أن نتحدى به جميع معالم الضعف و لتخلف، لأن هذه التربية و هذه التعاليم تقوي العقيدة، و تمحو من النفس آثار التواكل الذي أضعف الأمم الإسلامية حينا من الدهر لم يكن يسرا.
و إذا أصبح القرءان شعارا للحق و الخير و العدل في نفوس العلماء و المثقفين فإنهم بدورهم سيعملون على نشره بين العامة بطريقة عملية تهدف إلى إصلاح النفوس و تهذيب الطباع، فيلقنونه تلقينا سليما، و يؤثرون بأعمالهم و أقوالهم في مختلف المقلدين و الأتباع، و هذا أمر واضح تمام الوضوح، تقره أسس التربية، و لا يتنافى مع أسس الأخلاق، ذلك أن العوام يكتسبون من العلماء و المثقفين كثيرا من الخصال  الحميدة، كما يكتسبون منهم – إن كان هؤلاء منحرفين – كثيرا من العيوب و المساوئ و الآفات.
و أن اهتمام العامة بما عند الخاصة من المثقفين و العلماء لا شك أنه يظهر في التقليد أكثر مما يظهر في تلقي التحليلات و التفسيرات، لذا كان من الواجب على المثقفين أن يظهروا أمام العامة متحلين بمكارم الأخلاق، معتزين بالقيم العلمية و القيم المثلى التي لا تتجلى فيما يربحه العالم من علمه، و إنما تتجلى فيما تستفيده الدولة منه، لأن مجال الربح عند العالم بجب أن يكون مجالا جماعيا أكثر منه مجالا ذاتيا، و هذا هو الفرق ألكبر بين الجاهلين و العلماء. « و هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون »!
و بالتحام المعرفة القرءانية بالأخلاق الفاضلة يستطيع العلماء أن يكتسبوا قيمتهم في المجتمع، و يستطيعون أن يحققوا ما يرجى منهم من توجيه، سواء كان داخل إطار الأعمال الإدارية، أو كان في مجال الإطارات الحرة، لأن الغاية هي السعي في تنمية الأمة و ازدهارها،و إبعاد شبح الجهل و الذل و الفقر و المرض عنها.
و هكذا رأينا أن التربية القرءانية ضرورية في التوجيه، يجب أن لا تقتصر على طائفة دون أخرى ، بل يجب أن تكون عامة بين جميع الاتجاهات الثقافية، لا فرق بين شعبها العلمية أو شعبها الأدبية أو التشريعية، لأن هذه التربية تعد مقوما أساسيا لكياننا، و رابطا متينا بين طبقات الأمة الواعية المثقفة و بين باقي الطبقات.
و من المعلوم أن الدراسات القرءانية و المعرف الدينية لن نجعلها في البرامج العامة في درجة واحدة، فالمختص في الدين الإسلامي يحتاج إلى دراسات قرءانية مختلفة، تتصل بمختلف علوم القرءان، و تمزج بين دراسة الأحكام و دراسة القوانين و دراسة الأصول العامة التي يستطيع بها القارئ استنباط بعض الأحكام، ما يحتاج إلى دراسة عميقة واسعة لأحاديث الرسول. و هو دون ريب في حاجة إلى معرفة الناسخ من المنسوخ في الآيات،و إلى معرفة الصحيح من غيره في الأحاديث، حتى يستطيع بذلك استخلاص الأحكام السليمة الموافقة للدين، التي يمكنها أن تتلاءم مع روح الإصلاح البشري.
أما غير المختصين فيكفيهم الاطلاع على بعض الأحكام و تلقي البادئ العامة التي تطبع اتجاههم الفكري بالدين و الأخلاق.
و من هنا تستطيع جامعاتنا أن تكون علماء المسلمين، متأثرين بالأخلاق الإسلامية التي لا تتنافى مع التقدم العلمي و التقني و لا تضيق في الوقت نفسه بالانسجام مع الاتجاهات الفكرية العامة.
و بهذه الخطة لا يبقى الفرق بين رجال الدين و غيرهم إلا من حيث الاطلاع العام المتصل بالاختصاصات العلمية، أما من حيث التمسك بالأخلاق القرءانية فيكون أمرا مشاعا بين علماء الدين و علماء الدنيا، لأن هدفهم جميعا هو الإصلاح و الخير.
و حيث أن تحقيق هذه البرامج يحتاج إلى زمن و إلى تدرج بالفكر من حيز النظريات إلى حيز التطبيق نرى أن الدعوة إليها أصبحت ضرورية، و أن تهيئ النفوس أصبح من أكد الواجبات.
و من أهم الناسبات التي تحققت فيها هذه الدعوة مناسبة ذكرى مرور أربعة عشر قرنا على نزول القرءان، فلقد اكتست في بلاد المغرب – بصفة خاصة – روحا دينية قوية جمعت بين علماء الإسلام على اختلاف أقطارهم و طبقاتهم و وجهاتهم، و جعلتهم دعاة و مرشدين و شارحين لأسس القرءان و أحكامه و أهدافه.
و كنا نرى في هذه المناسبة قلوبا مصغية و نفوسا خاشعة، و أسماعا تتلهف إلى تلك الأحاديث عساها تجد عند الباحثين ما يطفئ غليلها.

و كم كنا في حاجة إلى هذه الذكرى لتصحيح الأوضاع الفكرية التي طغت عليها اتجاهات أخرى و فلسفات دخيلة جعلت كثيرا من الناس لا يعرفون من الإسلام شيئا فأحيت الذكرى في نفوسهم عزة الدين و ذكرتهم بمعجزة القرءان، و كانت سببا في التأمل و النظر، و من هيأ نفسه للتأمل و النظر فقد فتح بابا من العلم لا يغلق،و أذكى شعلة من الإيمان لا تنطفئ.
و كل ما نرجوه هو أن تكون هذه الذكرى حافزة للمسلمين جميعا على التأمل في كتاب الله و على العلم على نشر فضائله و التحلي بها حتى تكون محبتهم في الله ثابتة تستمد أصولها من الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه.
و مما لا يخفى على القراء أن ركون النفس إلى القرءان لا يتأتى إلا بخلق ذوق ديني و أدبي في نفوس المسلمين من جهة، و في العمل على تقريب المعاني القرءانية إلى النفس و ربطها بالعقل من جهة أخرى.
و بهذه الوسيلة تستمر المعجزة القرءانية إلى عصرنا هذا و لا تقتصر على العصر الذي نزل فيه القرءان، و بها يمكن للمقارنين بين المصالح التشريعية أن يروا ما يتجلى في القرءان من محاسن، و في الدين من آيات، و يستطيعون آنذاك أن يشرحوا فضاءل هذا الدين للشباب الإسلامي المتعطش إلى المعرفة، الطامح إلى اليقين،  الراغب فيمن يبعد عنه كابوس الشك و الارتياب.
و تحتاج هذه المرحلة إلى تبسيط في الأفكار و إلى تحليل للمعاني و إلى تفسير للقرءان عن طريق التحليل النفسي الذي يجمع بين الذوق و الإقناع، و بين العلم و الإيمان.
و ما أجدر علماء التفسير في هذه المرحلة أن يكون لهم إطلاع كبير على علم النفس، وعلى الفلسفة، و على  الدراسات الاجتماعية، و على تطور الأحداث التاريخية و على أثر المفاهيم الاقتصادية في معنى التطور، و على ما بلغت إليه العلوم الطبيعية من أبحاث و نظريات و تطبيقات.
إنهم بذلك يستطيعون أن يتصلوا بالشباب الإسلامي اتصالا ليس غريبا عن الواقع الذي يحياه هؤلاء الشباب، فإذا شرحوا إليهم القرءان لم يجدوا فيهم نفورا، و لم يجدوا بينهم معرضين.
و آنذاك يمكننا أن نقول أن هؤلاء المفسرين الحريصين على تفسير القرءان و توجيه الشباب إلى مضمونه سيكون لهم الفضل في هذا العصر ، لأنهم سيكونون من المقربين كتاب الله إلى خلقه، و من العاملين على إرشاد الناس لما فيه الخير، و قد يندمجون حينئذ في مضمون القسم الثالث من الآية التي سبق لنا الاستدلال بها في صدر هذا المقال.

(1)  سورة فاطر الآية 32.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here