islamaumaroc

حركة الفكر الإسلامي في مواجهة التحدي

  دعوة الحق

118 العدد

كانت رحلة الفكر الإسلامي منذ ظهوره إلى العصر الحديث رحلة طويلة نحو أحد محورين : التكامل و التجزئة – الوسطية و الانحراف – الحركة و الجمود. في مراحل نمو و انصهار و ضعف و تجدد، يجري مجرى دورة التاريخ بين طرفين، القوة و الضعف.
و قد قام الفكر الإسلامي أساسا منبثقا من « القرآن » بحسبانه المصدر الأول الذي حدد إطاره و رسم منهجه و مقوماته الأساسية.
و لما كان طابعه قائما على « التكامل و الوسطية و الحركة » فقد كان دوما منفتحا للفكر البشري قادرا على الالتقاء به أخذا و عطاء، و قادرا على التفاعل معه : تقبلا و رفضا، فيه طابع الصمود و القدرة على تأكيد القاعدة و ثباتها، و فيه طابع القدرة على حركة الأطراف و حيويتها. و من حيث أنه فكر إنساني فهو مرن الجوهر قادر على الحياة و التعامل مع مختلف الحضارات و جميع البيئات و على توالي العصور.
و قد صادفته في طريقه الطويل صراعات و معارك و أزمات و تحديات حاولت إخراجه عن جوهره، أو إيقافه، أو تجميده أو إعلاء عنصر من عناصره على العنصر الأخر ، و لكنه كان دوما قادرا عن طريق المصلحين و المجددين و مصححي المفاهيم أن يستعيد أصالته و مفهومه و قوته و توازنه، و أن يلتمس طابعه الأساسي من « القرآن » المصدر الأول و الإطار الأكبر لحركته، و كان هذا الالتماس مصدره الأساسي من القرءان هو العامل الوحيد القادر على تحويل أزمته إلى نهضة، و صموده إلى حركة، و ضعفه إلى قوة.
و لقد واجهت حركة الفكر الإسلامي تحديات داخلية و تحديات خارجية خلقت كليهما أحزابا و نحلا و مذاهب و دعوات. و كان بعض هذه الدعوات داخل إطار الإسلام، في اجتهاد و اختلاف حول الفرعيات و التفاصيل، أو محاولات هدامة خارج إطار الإسلام تحاول القضاء عليه و تحطيم مقوماته، مصطنعة ظاهرا منه و قشرة تغري بها العامة و السذج.
أما هذه المحاولات الهدامة فقد وجدت من مجددي الإسلام و مصلحيه القدرة على الكشف عنها و تمزيق سرها و فضح دعواها، فتهدمت واحدة بعد أخرى و إن كانت ما تزال ستجمع و تتشكل في كل عصر بصورة جديدة.
أما الدعوات التي تدور في إطار الإسلام، فهي تتفق في الجوهر و الجذور، و تختلف في التفاصيل و الفروع، فقد حاول الفكر الإسلامي في دعوته إلى مذهب السنة و الجماعة أن يمتصها و يستصفي جوهرها فيقضي عليها كوسيلة للفرقة أو الاختلاف أو تمزيق جبهة الفكر الإسلامي، و قد اختلفت مع الزمن أحزابها  السياسية و عناصرها الحزبية و عواملها الزمنية و بقي لها تراثها الضخم من وجوه النظر في قضايا السياسة و الاقتصاد و الفقه و الأخلاق و لقد حق لعصرنا أن يستصفي حركة الفكر الإسلامي من خلافاتها التي لم تكن في الواقع إلا اجتهادا و تطلعا إلى وجهة نظر أوسع، تختلف باختلاف العقليات و الموروثات و البيئات، حق لعصرنا أن تبرز حركة الفكر الإسلامي في جوهرها حركة واحدة هادفة إلى السعة و النمو و المنفعة و أن يزهد في صور الصراع التي حفلت بها كتب التاريخ و وجوه الحماسة و الخصومة و العنف التي كانت تظاهرها، حق لنا أن نكتب حركة الفكر الإسلامي على نحو جديد، خالص من تلك الأشواك مرتفع فوق تلك المسالك المتشعبة بحيث يبدو جوهره متألقا، صافيا، غير مختلط بالزبد الذي يذهب و يبقى ما ينفع الناس.
                                                  * * *
هذا من ناحية تطور الفكر الإسلامي.
أما من ناحية هذه الحصيلة الضخمة من التراث فقد حق أن تستصفي و تعزل عن ملابسات الخلاف و أن تقدم صافية خالصة في إطارها الأصيل، و مع عوامل تطورها و نمائها الطبيعي دون تجاهل لظروفها و التحديات التي واجهتها، و ذلك أننا اليوم نعيش ( عصر يقظة الفكر الإسلامي و الثقافة العربية ) و أن القضايا التي تواجه فكرنا العربي بل و الفكر البشري كله اليوم تجد من تراث فكرنا الإسلامي العربي حلولا و مثلا و استجابات و قيما جديرة بالنظر و الاعتبار.
و يزيد في أهمية هذا العمل أن أوربا في أوائل عصر النهضة قد استأثرت بحصيلة ضخمة من الفكر العربي الإسلامي، كانت بعيدة المدى في بناء الفكر الغربي الحديث الذي قام على أساس ثلاث عناصر رئيسية : هي الفلسفة اليونانية و المسيحية و الفكر العربي الإسلامي.
و لا شك كان للفكر العربي الإسلامي القائم في أوربا نفسها على هيئة الجامعات و المعامل في مختلف مدائن الأندلس التي انحازت إلى الحضارة الغربية بمختلف ما متحمل من تراث و كتب و معامل بعد أن أخرج منها أهلها العرب و المسلمون – هذا الفكر الأدبي الناشئ إلى حد بعيد الأثر، لم يشأ الأوربيون أن يفصحوا عنه خلال أكثر من أربعة قرون، بل حاولوا بكل ما يستطيعون من براعة و مهارة إخفاءه و تجاهله و شجبه، ثم إعلان الحملة عليه في موطنه و بين أهله.
غير أن الحق لم يلبث أن تكشف في عشرات من الأبحاث و الدراسات العلمية التي كشفت عن ثلاث حقائق هامة :
( الأولى ) أن المسيحية و الكنيسة تأثرت بالفكر الإسلامي و بفلسفة ابن رشد تأثرا كان بالغا في تطويرها و تحريرها من القيود التي كتبتها بها العصور الوسطى.
( الثانية ) أن المنهج التجريبي الإسلامي كان هو الأساس الأول، و الأكبر، في بناء النهضة العلمية الحديثة، و أن جذور هذه النهضة في مختلف فروع الفلك و الطب و العلم و الطبيعيات و الكيميائيات و غيرها كان مصدره الفكر العربي الإسلامي و آثار العلماء المسلمين في جامعات قرطبة و بلنسية و غرناطة.
( الثالثة ) أن الفكر العربي الإسلامي كان بعيد الأثر في مختلف نظريات و مناهج السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و  الأخلاق و علم النفس و التربية التي بناها الفكر الغربي الحديث، و أن هذه الجذور و الأسس ما تزال واضحة.
كل هذا جعل من الضروري إعادة النظر في قيم الفكر العربي الإسلامي بعد تحريرها من قيودها و أجوائها السياسية و التاريخية التي كبلتها بغشاء كاد يقضي على مضمونها الحي و جوهرها القوي الأثر.
و لا شك أن قيم الفكر العربي الإسلامي لم تكن قيم حضارة متحجرة كالحضارة اليونانية و الرومانية و لكنها قيم حضارة حية لا تزال متفاعلة في المجتمع الإسلامي، و إن ضعفت مقوماتها و أثارها في المجتمع البشري عما كانت عليه من قبل. و إذا كان الفكر العربي قد استصفى التراث اليوناني و الروماني و المتحجر و الميت، و الذي انفصل عنه ألف عام كاملة، و جعله إطارا سياسيا في النهضة الحديثة، فما أجدر الثقافة العربية و هي وليدة الفكر الإسلامي أن تستصفي تراثها الحي، و أن تعيد النظر فيه على نحو علمي و عصري، و أن تلتقي به كجوهر أساسي و كأرضية طبيعية متفاعلة مع الثقافة العربية و هو منها أساسا. و لقد كان المصلحون و المجددون المسلمون في العصر الحديث، منذ بدأت اليقظة بالدعوة إلى التوحيد منذ أكثر من قرنين يلتمسون هذا الميراث الحي و يتصلون به و يجدون فيه الوسائل و القيم القادرة على الاستجابة مع تطور الحياة و روح العصر و حركة الحضارة.

و إذا كانت قضية الفكر الإسلامي و الثقافة العربية الكبرى هي هذه المواءمة بين الميراث الأصيل ( البعيد عن الضعف و الصراع و الجمود ) و بين حضارة العصر و روحه، فإنما تستطيع هذه القيم إذا استصفيت و جددت و رفع من فوقها غبار الزمن و خلافات النحل و صراعات السياسة، أن نقدم « أرضية » أصيلة لحركة الفكر الإسلامي و الثقافة العربية.
و الواقع أن الثقافة العربية لا تستطيع – في حركتها المتجددة مع الحياة و العصر الحاضر، و في مواجهة المذاهب و التيارات و الدعوات التي يقدمها الفكر الغربي بشطريه و الفكر البشري كله اليوم – أقول، لا تستطيع أن تواجه هذه التيارات و القضايا مجردة من قيمها الأساسية و أصولها المؤصلة، و هي لن تستطيع على هذا الأساس الصلب و هذه الأرضية الراسخة المسماة : « القيم الأساسية للفكر الإسلامي و الثقافة العربية ».
فإذا حاولت الثقافة العربية أن تتصل بالفكر البشري في مناراته المتعددة و أيديولوجياته المتغايرة المتعارضة بين مذاهب الرأسمالية و الماركسية، و دعوات الوجودية و البشرية و العالمية و الأممية و الصهيونية.
إذا حاولت هذا الاتصال خارجة  عن قادتها و قيمها، غير راسخة البناء على جذورها، و غير واضحة التقدير لملامح شخصيتها، فإن هذه التيارات جديرة بأن تذيبها في بوتقة الأممية الضخمة، و أن تصهرها في مفهوم العالمية الذي يقضي على قيمها الأساسية و يفتك بها، و هذا هو التغريب الأساسي الذي يحمل في جوهره محاولة تذويب الأمم و الحضارات و القيم الأساسية لكل فكر حي، في أتون « الحضارة العالمية » حضارة الرجل الأبيض المسيطر و المؤمن بأنه هو السيد، و أن كل الشعوب و الأمم و الحضارات تابعة له و لفكره و نفوذه و ثقافته.
                                                   * * *
و إذا كان الدعاة و المصلحون في مرحلة اليقظة الحالية قد انتفعوا بهذا الميراث الضخم و أفادوا منه أسلحة قادرة على مقاومة حركات الغزو و التغريب و الشعوبية و الرد على الشبهات دون أن يصوغوه في « كل متكامل »، فقد آن الوقت لأن يقدم الفكر الإسلامي على نحو يتمثل فيه جوهره و هو : التكامل و الوسطية.
و لما كان أساس الفكر الإسلامي هو التقاء الروح و المادة، و العقل، و القلب، و الدين و الدنيا، فإن الانفصال بين هذه المفاهيم ليس من طبيعة الفكر الإسلامي الذي يمثل « التكامل » بمعنى أن مختلف هذه الفروع من السياسة و الدين والاجتماع و الاقتصاد و التربية و الأخلاق.
و إنما هي أجزاء في واحد لا يستطيع جزء من هذه الأجزاء أن يمثل الكل، و لا أن يعمل منفصلا عنه. و هي تتكامل فيما بينها و تتلاقى.
و يمثل الفكر الإسلامي في نفس الوقت : الوسطية، و هي المرحلة الوسطى بين الطرفين أو المحورين المتباعدين، هذه المرحلة هي الوسط بين الانحراف و الجمود.
و من هنا يتمثل الفكر الإسلامي دوما قادرا على الحركة في مواجهة الأحداث و العصور و الحضارات و الأزمنة و البيئات؟ وفق هذا القانون : قانون التكامل و الوسطية و الحركة، يمكن أن يرسم القيم الأساسية للفكر الإسلامي صورة واضحة لمنهج شامل مرن قادر على الالتقاء بالفكر البشري متفاعل معه، معط له، محافظ في نفس الوقت على شخصيته و معالمه الأساسية.
                                                     * * *
و جملة القول أن هذه محاولة أولية لتقديم « زبدة » الفكر الإسلامي و عصارة جوهره خالصة من الخلافات و المصارعات و المساجلات فهي أساسا جهد عقول ضخمة و نفوس قوية، و قلوب صادقة، و عيون انكبت طوال عمرها على البحث و النظر و استخلاص الحقائق، فهو في جوهره كل متصل لم ينفصل لا من خلال فرقه المعاصرة بعضه البعض، و لا في مراحله المتصلة جيلا بعد جيل، و أنه كان في حملته محاولة للاستجابة للحياة على نحو يجعلها دائما قادرة على الحركة في إطار « القرآن » و أن هذه المحاولة قد استمرت و امتدت حلقات بعضها وراء بعض، تكاملا لا تعارضا، و إنما كانت أشبه بدورة التاريخ قوة و ضعفا، و اتصالا و تجزئة، ثم عودة إلى القوة و الاتصال، و لذلك فهي على هذا النحو المستصفى تمثل أيديوليجية كاملة لحركة فكر إنساني حي في إطار الإسلام و منهج التوحيد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here