islamaumaroc

دور الأدب المغربي ضد الصهيونية والاستعمار

  دعوة الحق

118 العدد

النص الكامل لبحث الذي ألقاه الأستاذ محمد التازي في مؤتمر الأدباء العرب المنعقد في بغداد من 19 إلى 27 أبريل 1969.
ترسب في أذهان كثير من المفكرين أن المغرب بحكم بعده الجغرافي عن منطقة الصراع بين العرب و الصهيونية و من يقف وراءها مساندا لأهدافها، بعيد كذلك بعاطفته و شعوره، و هذا الترسب هو الذي يصدر عنه أولئك الذين يرصدون الحركات الأدبية و تفاعلاتها من المهتمين و المختصين و المتفرغين في الجزء المشرقي من العالم العربي.
من هذا المنطق الواقعي نستطيع أن نفهم سر الانفصام الملاحظ في موقف الأدب العربي من النكبة بين أدباء المشرق و أدباء المغرب. و لعلني مسؤول أن أوضع لكم موقف الأدب المغربي من القضية الفلسطينية قبل هزيمة حزيران، و بعدها. إن هذا الكشف ضروري – حتى و لو عجز الوقت المحدد عن استيعابه – ليفهم بعضنا بعضا في البداية. و لنكون موضوعيين عند تقييمنا لحركة الفكر العربي في مواجهة التحديات التي تحيط به.
الأدب المغربي بعامة أدب كفاح، و أدب معركة، و أدب حرية، و أدب التزام، و أدب عروبة.
أدب كفاح لأنه منذ المواجهة التاريخية بيننا و بين أوربا المتوثبة، و منذ بدء النهضة العربية كان قدر علينا أن نجند ما نملك من سلاح لنكافح ضد الفناء في دول أجنبية عنا لغة و فكرا و تاريخا، و حضارة، و ما كنا نملك من مواجهة التقدم العلمي و التقنية العسكرية للمستعمرين، غير سلاح الكلمة، فانطبع أدبنا بصرامة المكافحين فكان أدبا جادا لا هزل فيه، و جافا لا ليونة في مفرداته و بنائه.
و كان أدبنا أدب حرية، لإيماننا أنه بدون حرية، فلا فكر، و بدون حرية فلا أدب، و بدون حرية فلا التزام. و لأن أدبنا الحديث ولد مع كفاح الشعب، كان واجبا أن يبقى وفيا لهدف كفاح الشعب، و هو الحرية.
لهذه الخصائص القومية و الإنسانية التي تطبع الأدب المغربي، ارتبط الأدباء المغاربة بكل قضايا الحرية و القومية، وفي الفترات التي كان الفكر العربي – شعرا – يمر بالمرحلة الرومانسية في مدرسة أبوللو، و بالصراع النقدي عن الوحدة العضوية للقصيدة بين مدرسة العقاد و المازني، و عبد الرحمن شكري، و بين أنصار شوقي و حافظ، كان الفكر المغربي في الفترة ذاتها، أي في أواخر العشرينيات و أوائل الثلاثينيات يصارع محاولة الاستعمار في القضاء على عروبة المغرب لمحو قوميته، و عزله نهائيا عن الوطن العربي لغة و تفكيرا.
كان جيل آبائنا إذ ذاك يقاوم الانفصال القومي بين العرب و البربر، الذي أراد الاستعمار فرضه على المغرب، و سن قوانين لتطبيقه. و كان الفكر العربي - نثرا – يهدر طاقته في صراع رجال السياسة على الحكم.
في ذلك الحين أيضا كان شعب فلسطين يقاوم السياسة البريطانية الهادفة إلى غرس خنجر إسرائيل في قلب العالم العربي، فلم يعجز الفكر المغربي أن يربط بين الحادثين، و يمزج بينهما، و يستصرخ الأمة العربية أن تستيقظ من رقادها، و يسجل السيد علال الفاسي هذا الترابط و التمازج في قصيدة نظمها إثر المظاهرة النسائية في فلسطين عام 1932 يقول فيها :
إن البلاد يعبث فيها المستبدون الشداد
يتمتعون بخيرها و نظل نحرم من سداد
يأبون أن نسعى لعلم أو لفكر في اتحاد
و الآن قد خطت فلسطين لنا سبل السداد
حيا الإله فتأتها و حمى مواقفها الجياد
كوني فتاة العرب رائدة لنا يوم الجلاد
ضمي الصفوف و وحدي لا تختشي أهل العناد
لا تتركيها فرقة ترمي بنا في كل واد
و لم ينشغل المفكر المغربي بقضايا وطنه الخاصة، بل إنه يعتقد أن مصيره مرتبط بمصير الأمة العربية، لذلك بقي وفيا لانفعاله مع الإنسان العربي في شقائه و محنته و تطلعه لغد أفضل، و بحكم تجربتنا الطويلة مع الاستعمار، و إدراكنا المبكر لهدفه و غايته، كنا ننظر بإشفاق إلى مصير المعركة بين الصهيونية و الاستعمار من جهة، و بين الشعب العربي الطموح النبيل ... لذلك صدقوني إذا أكدت لكم أن النخبة الواعية المفكرة في المغرب لم تفاجأ بما وقع يوم خامس يونيه الأسود، و لكن فوجئت بنتائج ما وقع، و بفداحة ما حدث، إن الحرب قدرنا مع الاستعمار و الصهيونية، و لو لم يخلق الاستعمار إسرائيل لخلق مسوغات تستنزف بها قدراتنا و طاقتنا، و يعرقل بها مسيرتنا للخلاص من أسر القرون الوسطى، و من استرقاق الرجعية للقيم الإنسانية لدى المواطن العربي.
و حين وقعت الكارثة، انتحرت فتاة، لأنها خسرت رهانا مع صديق بانتصار العرب، و زاغ عقل شيخ، لأن القدس سقطت .. و اغرورقت عينا قائد بالدموع، لأن جيشه لم يستطع الوصول إلى أرض المعركة ... و لم يسقط الفكر المغربي ضحية لهذه المظاهر الطبيعية التي لا يملك المرء لها ردا، و إنما حافظ على صفائه، و واصل استيعابه لبواعث الهزيمة، و وسائل الاستفادة منها، مستقصيا لظروفها، لم يصمت شاعر، و لم يخب ذهن كاتب، و لم ينطفئ إدراك مفكر.
بقي الشاعر المغربي محافظا على أصالته الفنية، و على صدق عاطفته يستوي في ذلك الشعراء المخلصون للعمود الشعري، و شعراء المدرسة الحديثة، و إذا كان هناك من اختلاف بينهما فهو اختلاف استوجبه التكوين الثقافي، و استلزمته النظرة الخاصة لكل فريق إلى أسباب الهزيمة.
فمن الفريق الأول نجد شعراء، أمثال علال الفاسي، المهدي ابن إدريس العمراوي، إدريس الجائي، عبد الكريم التواتي، محمد الحلوي.
و من الفريق الثاني شعراء أمثال الطبال، و الجوهري، و مالكة العاصمي، و ابن دفعة، و أبو عسل و ابن ميمون.
بل إن النكبة خلقت مجموعة من الشعراء، سمعنا أصواتهم للمرة الأولى، و في ميدان القصة كان أبرز الأعمال القصصية مجموعة الأديبة خناثة بنونة « النار و الاختيار »،  التي تضيف رصيدا من الشعور القومي الصادق إلى أدب النكبة.
و من الكتاب : رفيقة الطبيعة، و عبد الكريم غلاب، و عبد الجبار السحيمي، و عبد القادرالسميحي، و العربي المساري، و محمد العربي الخطابي، و محمد الصباغ، و مصطفى اليزناسني، و الهرادي، و عمر نجيب، و عبد المجيد بن جلون.
و أصدرت دار العلم كتابا حلل فيه مؤلفوه : غلاب، و السحيمي، و المساري أسباب الهزيمة و ظروفها، و نشطت حركة الترجمة لتعريف المواطنين بما يقوله خصوم العرب و أصدقاؤهم، و دعا مؤلف كتاب ضد إسرائيل لزيارة المغرب، و ترجمت جريدة العلم كتابه، بعد أن نشرته بالفرنسية جريدة الرأي. و أوفدت الصحف مراسلين تجولوا في أنحاء العالم العربي، و درسوا على الطبيعة ظروف النكرة، و عادوا لنشروا التحقيقات و الدراسات و الأحاديث باللغتين العربية والفرنسية.
و تأسست جمعية مغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني، و تتكون من أدباء، و محامين، و أطباء ، و أساتذة، و طلبة و عمال. و لعل المغرب البلد العربي الوحيد الذي صدرت فيه بعد النكبة جريدة اسمها « فلسطين » لا تنشر إلا ما له صلة بقضية فلسطين.
فما ميزة هذا الأدب، و ما أصالته، و ما روافده ؟
هل هو أدب مأساة، أو أدب معركة ؟
هل هو أدب يأس و ضياع، أم أدب إصرار على إحراز النصر ؟
هل هو أدب استسلام، أو أدب مقاومة و فداء ؟
هل هو أدب إعلام و دعاية،أم أدب كشف للحقائق و توعية للجماهير ؟
هل هو أدب نكبة \، أو أدب نكسة، أو أدب هزيمة ؟...
إن الأدب المغربي بجميع أشكاله التعبيرية لم ينزلق إلى هاوية الغموض و الإبهام، ليبتعد عن مواجهة المشكلة الحقيقية، كما نلاحظ ذلك عند بعض الأدباء في المشرق العربي، الذين ألفوا أن لا يعالجوا القضايا القومية و الإنسانية إلا حين تمسهم هذه القضايا مباشرة. و أغلب هذا المس لا يكون تلقائيا بل لا بد له من مؤثر سياسي .. فينقلب الأدب إلى إعلام، و إلى دعاية.
إن الأديب المغربي الذي لم تفاجئه الهزيمة و ما نجم عنها من أحداث، وجد في الهزيمة دليلا على صدق حدسه و إحساسه، ففي الوقت الذي ظهر فيه أدب التشاؤم و اليأس و الشك في كل القيم و المقومات الأخلاقية و الإنسانية، حرص الأدب المغربي على التأكيد على ضرورة التمسك بالأصالة الروحية للإنسان العربي. و نحن على خلاف واضح مع بعض النقاد العرب، فعندما لاحظوا سطحية الأدب العرب بعد الهزيمة، و تعبيره المباشر في آثارها، زعموا أن ذلك رجع إلى فقدان العمق و الأصالة من الثقافة العربية المعاصرة. بينما زعمنا أن الثقافة العربية غنية بالعمق و الأصالة، و أن مرد السطحية الملاحظة، هو سقوط الأدب بين براثين الإعلام. فلا الأدب استمر على أصالته محافظا على مقوماته. و لا الإعلام استفاد من قدرة الأديب على العبير، فتكررت معه قصة الغراب الذي أراد أن يتعلم مشية الحمامة، فنسي مشيته ولم يتعلم مشية الحماة، و كانت كارثة الإعلام العربي الممهدة للكارثة العسكرية، و بذلك فقدت الكلمة إشراقها، و صدقها و نفاذها، و أخذ المواطن العربي يكذب كل ما يسمع و يقرأ، بعد أن كان يصدق كال ما يسمع و كل و ما يقرأ، و أصبحت المشكلة في نظرنا ليست مشكلة تعبير و قول و تبليغ، و إنما المشكلة مشكلة تصديق ما يكتب و ما ينشر. فقد فقدت الثقة بين الأديب و الإنسان العربي، حين اكتشف هذا الإنسان الطيب المكافح، أنه كان ضحية للمذياع و التلفاز، و الصحيفة و الكتاب، قبل أن تزحف عليه قوى الشر بأسلحتها الفتاكة لتغتاله، و تحرقه و تشرده.
في المغرب حرصنا كل الحرص على أن نحتفظ بإدراكنا السليم لرسالة الأديب و دوره في المعركة، فكان أدبنا أدب كشف لحقائق الواقع العربي اجتماعيا و سياسيا و نفسيا، توعية للجماهير، حتى تبقى محافظة على تماسكها النفسي، فلم يكن أدب دعاية و إعلام.
كذلك فإن الأدباء العرب انفصلوا إلى فئات ثلاث بعدما حصل يوم 5 يونيه. و هذا الانفصال لم يكن ناتجا عن اختلاف في التفكير أو في النظرة لما وقع يوم 5 يونيه، و إنما حصل بتأثير وسائل الإعلام التي ما تزال لا الكلمة الفاصلة في محاولة التأثير على التكوين الانفعالي للإنسان العربي.

و هذه الفئات هي :
فئة النكسة، التي تعتقد أن ما حدث يوم 5 يونيه هو مجرد نكسة أصابت الكفاح العربي، و أنها لا يجب أن تؤثر بأي حال على السياسة و المنهج و الأسلوب و التفكير، و كل ما كان خطة للعمل قبل 5 يونيه. و هؤلاء هم الذين أريد لهم أن يرفعوا علم النكسة بعد الحرب،و اتخذوا من الكلمة مسوغا للاستمرار في السياسة التي كان سوقها رائجا قبل 5 يونيه.
و فئة النكبة، أولئك الأدباء الذين أطلقوا على ما حدث يوم 5 يونيه اسم النكبة ليعبروا من خلال هذه التسمية على استمرار شكهم في السياسة و المنهج و الأسلوب الذي كان سائدا قبل 5 يونيه، و زادتهم النكبة اقتناعا بتفكيرهم و تأكيدا لشكهم.
و تسمى الفئة الثالثة ما حدث بعد الخامس يونيه بالهزيمة العسكرية، لتحدد مسؤولية ما وقع، و لتضع خطا فاصلا بين لمسؤولية الشعبية التي انزوت و خفتت، و بين المسؤولية العسكرية التي أوشكت أن تقضي عليها. و جاءت الهزيمة العسكرية لتؤكد هذه الحقيقة، و إذا كان المستقبل من صنع الحاضر، فإن الحاضر من صنع الماضي، و الذين لا يتذكرون الماضي محكوم عليهم أن يعيدوا أخطاءه، حتى و لو لم يريدوا ذلك. و مجرد رفض الماضي لا يقيم حاضرا، و لا يعد لمستقبل، رفض الماضي لا يكفي،  و إرادة التغيير لا تجدي، و تقييم ما حدث يوم 5 يونيه و ما نتج عنه يجب أن يكون تقييما سليما، و أخشى إذا نحن حاولنا هذا التقييم أن نجد نتائجه سلبية.
أيها السادة :
بعد الهزيمة العسكرية في يونيه 1967، تكشفت لنا بعض الحقائق التي لا نزعم أنها غير قابلة للمناقشة، و إنما هي أفكار سأكون سعيدا لو حظيت بانتباهكم.
أولا – إن دور الأدب بعد الهزيمة لا يجب أن يكون دورا تسجيليا لما حدث، أو دور المتنبيء لما قد يحدث، فتلك مهمة الصحفي، و ليست رسالة الأديب.
ثانيا – أن معظم النتاج الأدبي في هذه الفترة كان تعبيرا عن العواطف التي حركتها الهزيمة في نفس الإنسان العربي، فلم تزد على أن أذكت نار حقده و سخطه، و نقمته و بأسه.
ثالثا – أن المثقفين العرب قصروا في واجبهم نحو الجماهير التي تحولت من فعل مؤثر، إلى متفرج في حلبة يتصارع فيها الطموح الشخصي على حساب قضية الجماهير، فأوشكت هذه الجماهير أن تفقد حس المعركة، إن لم يكن هذا الفقدان قد وقع بالفعل، و كان من بين أسباب الهزيمة.
رابعا – أن المثقفين كانوا يجهلون كل شيء عن العدو المتربص بهم. و لجهل المثقفين وليد هو جهل الجماهير بحقيقة المعركة التي يجب أن تعبأ بها، في الوقت الذي كان العدو يعرف كل شيء عن العرب فاعتدى علينا بالمعرفة، و واجهناه بالجهل.
خامسا – إننا نعتقد أن تخلفنا الاقتصادي و الاجتماعي و التقني، نتيجة حتمية لتخفنا الثقافي، فالتقدم الاقتصادي و الاجتماعي و التقني وليد الثقافة، و ليس يصح العكس.
سادسا – أن معركتنا مع العدو ليست معركة تقدم و تخلف، و إنما هي معركة ثقافية حضارية.
سابعا – أن العدو جعل التوسع في أراضينا، و القضاء علينا المبتدأ و المنتهى في سياسته و تفكيره و تخطيطه، بينما نجعل نحن بعضنا بعضا هدفا في تفكيرنا و تخطيطنا.
ثامنا – أن الجماهير العربية ترفض رفضا باتا أي حل سياسي على حساب قضية الأرض و الشعب،و أن الأدب العربي أكره في كثير من أجزاء الوطن العربي على تجنب تحليل هذا الرفض و تعميقه لدى الانسان العربي.
تاسعا – أن هذه الحقيقة تضع أمامنا موضوعا خطيرا لعله أخطر قضية تواجه الأدب العربي. و ذلك هو موضوع الحرية. فإلى أي مدى يتمتع الأديب بحرية التعبير في الوطن العربي ؟ و هل يكفي أن تصدر القرارات و التوصيات مطالبة بهذه الحرية ؟
عاشرا – ما هذه الحرية التي نطالب بها للأديب ؟ على المؤتمرين أن يقولوا كلمتهم في صراحة و وضوح، حتى تنجلي حقيقة هذه الحرية التي نزعم أنها ملهمتنا و رائدتنا.
إن اتحاد كتاب المغرب قد درس موضوع حرية الأديب في مؤتمره الذي انعقد في الرباط في شهر يوليه 1968 ، « و اعتبارا منه بأن رجل الفكر هو العنصر المتنور في العالم العربي،و اعتبارا لكون يتميز بطاقة فعالة هي طاقة التعبير، و اعتبارا لكونه ملزما بتحمل مسؤولية كاملة في التنوير، و التوجيه، و ملزما بالمساهمة في التقدم الثقافي تحقيقا لتطور اجتماعي و نمو اقتصادي، حتى يتمكن إلى جانب قطاعات الشعب الأخرى من ممارسة حقوقه المشروعة التي كافح من أجلها، فإننا نرى ضرورة فسح مجال عرض و تقبل و ذيوع الأفكار و حرية مناقشتها ». فلا مسوغ إطلاقا لفرض وصاية على الفكر البشري، مهما كان نوع هذه الوصاية، و كيفما كان شكلها، لأن فرض مثل هذه الوصية وكيفما كان شكلها، لأن فرض مثل هذه الوصاية ستقلص من دور الكتاب و المثقفين، و تدفعهم نحو العزلة و الانكماش و اللا مبالاة، و تدفع بالحياة الفكرية و الثقافية إلى فراغ يسهل انزلاقها نحو الزيف و التحلل و الانحراف، فلا فكر بدون حرية، و لا كرامة بدون حرية، و لا كرامة بدون مسؤولية، و لكن ما بداية الحرية و ما نهايتها ؟.
ذلك موضوع آخر أطرحه أمامكم للمناقشة، فقد تردد هذا السؤال من قبل كثيرا، من غير أن يصل واضعوه إلى تحديد جامع مانع له. علينا أن نبحث و نقارن بين مختلف المفاهيم الحديثة للحرية، لنلزم أنفسنا بأصلحها للمجتمع العربي، و للمستقبل العربي، و للكرامة العربية. و لقد مر الشعب العربي بكثير من التجارب، و خبر عددا من النظم و الاتجاهات. فهل استقر على سبيل ؟ أم أنه ما يزال ضائعا ؟ ...
حادي عشر – أن كتاب المغرب تقديرا منهم لمسؤوليتهم نحو قضية العرب الأولى، فلسطين، ألزموا أنفسهم في لمؤتمر الذي عقدوه بالرباط في شهر يوليه 1968 ، بالدعوة إلى تجنيد أقلام لكتاب لفضح الأساليب الصهيونية المختلفة، و قرروا إقامة مهرجانات خاصة لكفاح شعب فلسطين، مساهمة منا في دعم الكفاح العادل و المشروع الذي يخوضه الشعب الفلسطيني، و دعى المؤتمر الكتاب في جميع أنحاء العالم العربي و الإسلامي لتوحيد الخطة لمقاومة الخطر الصهيوني.
و لسوف يسعد الأدباء المغاربة أن يتبنى المؤتمر هذه المقترحات.
و قبل أن أختم هذا لحديث أستأذنكم في قراءة جزء من قصيدة للشاعر المغربي محمد الحلوي يقول فيها :
وافى الربيـع و في فـؤادي مأتـم  وجـراح حـزن بالـغ الآثــار
و ربيـع إخواني هنـاك مدامــع        تجري دماء في موطن الأحــرار
في القدس، في سيناء، و في جنباتها  وعلى ضفاف النهر في الأغـوار
شعـب يصـوغ ربيعـه بدمائــه         و يرى الزهور قذائفـا من نــار
شعـب أراد فهـب رعـدا قاصفـا       متدافعـا في ثـــورة الإعصــار
ليعيد أرضـا دنسـت حرماتهـــا      صهيون في صلف و في استكبـار
في الستـة الأيـام صرنـا لقمــة        و شويـــهـة في قبضـة الجــزار
سكنـت مدافعنـا و ذاب حديدنــا        و غـدت كتائبنـا بـــــلا أضفــار
وخلـت مواقعـنـا كأن لم يحمهـا        قومـي بجيـش عـروبة جـــرار
الستـة الأيـام كانـت لعنــــة            للعرب تصـرخ في دم الأحــرار
الستـة الأيـام كنـا قبـلـهــــا  مجـدا     أقيم علــــــى شفيـر هـــــاري
صهيون تحشد نارهـا و دمارهــا       و العـرب يمكر جارها بالجــار
و الحرب ليست لعبـة أو سهــرة       حمـراء تمتـع أنفـس السمــــار
ما الحـرب إلا ثـورة لا تعتلــي         راياتـهـا إلا يـد الثــــــــــــوار
وا للعروبـة ضيعـت في جولــة        ما قد تبقـى من معـانـي الـدار
كانت هزيمتنا نتيجـة ضعفنـــا           و من التخـاذل لا مـن الأقــدار
إنـي لآمـل أن تهـب جموعهــا          في وحـدة كبـرى لأخـــذ الثــأر
فإذا الهزيمـة قـوة و عـزيمــة          و إذا العـدا خبـر مــن الأخبــار
لا ترقصوا للزهر في خضر الربى    و الطير يسبح في شذاها الساري
فربيع يعرب ليـس في أزهـارهـا        لكنــــــه فـــي محـوهـا للعـــار

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here