islamaumaroc

أبو هارون الأغماتي

  دعوة الحق

118 العدد

وهذا أديب آخر من أدباء العصر المرابطي، أهملته المصادر المغربية والأندلسية، وحفظت لنا صورا من حياته بعض مصادر شرقية: ذلك هو أبو هارون، موسى ابن عبد الله بن إبراهيم بن محمد ابن سنان، بن عطاء الأغماتي.
هكذا ذكر نسبه مختصرا ياقوت في معجم البلدان(1) وأورده ابن السبكي بطوله في طبقاته، وجعله يتصل بقحطان، قال: هو موسى بن إبراهيم ابن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن سيار، بن عطاء ابن عبد العزيز، بن عطية بن ياسين بن عبد الوهاب بن مختار بن عاصم القحطاني الأغماتي(2)، على أن فيه مخالفة مع ما عند ياقوت، فالأب جعله السبكي هو الجد، والعكس بالعكس، كما جعل واسطة بين محمد وسنان ( إبراهيم )، وسمى سنان سيارا. ولعل ياقوت هنا أضبط، فهو أقرب إلى العصر الذي عاشه أبو هارون، واتصل مباشرة بالأصول التي استقى منها السبكي بوسائط، والأقطار التي تجول بها أبو هارون سلكها هو بالقدم، قطرا قطرا وبلدا بلدا.
ولد أبو هارون بأغمات، في حدود (480هـ)، وبها نشأ وتعلم، وأغمات في هذا العهد مركز سياسي هام، اتخذها المرابطون عاصمة لهم، وبعدما اتسع ملكهم وقوى سلطانهم اختطوا مراكش، شمالي أغمات، على بعد 37 كلم. ومعلوم أنه لم يكتمل بناؤها، وتتسع رقعتها إلا في حدود سنة (526 هـ)، وظلت أغمات منار إشعاع ومعرفة، طوال العصرين المرابطي، والموحدي، ثم مقر الأولياء والصالحين، وأبعاد المتبتلين، يؤمها النساك من كل جهة ومكان.
وقد أورد صاحب التشوف طائفة من العلماء الذين غلبت عليهم النزعة الصوفية لهذا العهد، ويذكر ابن الموقت المراكشي أنه أقبر بها من الشافعية - رغم عزة وجود هذا المذهب بهذه الديار - ما ينيف على الأربعين، ومن حفاظ المدونة من المالكية نحو المائة(3) .
ومن الشيوخ الذين كانوا يحتلون الصدارة في هذا العصر أبو الحجاج يوسف بن موسى الكلبي(4)  وأبو العباس الهواري(5) ، وأبو عبد الله ابن سعدون القيرواني(6) ، والقاضي أبو محمد بن إسماعيل الإشبيلي(7)  وأبو بكر محمد بن الحسن الحضرمي(8) ، وأبو محمد عبد العزيز التونسي(9) ، والقاضي أبو محمد بن علي اللخمي، سبط أبي عمر بن عبد البر(10) ، وأبو محمد بن عمر السلمي، والد أبي حفص الأغماتي الأديب المشهور(11) ، وأبو محمد عبد الجليل ابن ويحلان(12)، وأبو الأمان بن يلاررح(13) ، وأبو محمد عبد العزيز الباغاتي(14)، وأبو حسن بن شبونة(15) ، وأبو محمد المليحي(16) ، وسواهم كثير.
حج إلى أغمات أدباء عديدون، وخصوصا بعد أن نفي إليها الأمراء الثلاثة عبد الله بن بلقين، أمير غرناطة، وأخوه تميم أمير مالقة، وهناك بأغمات ألف الأمير عبد الله مذكراته ( التبيان )، ثم المعتمد بن عباد أمير إشبيلية وقرطبة، وكان نزل هذا الأخير من نوادي الأدب والشعر.
شب أبو هارون على حب العلم، ووضع أفاويق الأدب، فشاهد - وهو بعد حدث - مأساة المعتمد بن عباد، أيام منفاه بأغمات، وربما دفعه فضول الصبا إلى تتبع أحواله وتصرفاته - كأمير خطير نكبه الدهر، وحفظ الكثير من أشعاره ومقطعاته، التي كان يرسلها من حنايا المطبق أنات وزفرات !.. ولعله لم يغب عن ذاكرته - وهي في طور الحداثة أشد التقاطا، وأقوى وعيا - ذلك المشهد المؤثر الذي أثاره موقف أبي بكر بن عبد الصمد بإنشاده مرثيته الرائعة أول يوم عيد بعد موت ابن عباد، وقد تطارح على قبره وغمره بقبلاته، وبلله بدموعه، ونادى بأعلى صوته:
   مالك الملوك أسامع فأنادي  أم قد عدتك عن السماع عوادي
   لما خلت منك القصور فلم تكن  فيها كما قد كنت في الأعياد
   أقبلت في هذا الثرى لك خاضعا  وتخذت قبرك وضع الإنشاد
   قد كنت أحسب أن تبرد أدمعي  نيران حزن أضرمت بفؤادي
   فإذا بدمعي كلما أجريته   زادت علي حرارة الأكبـاد
فبكي الناس لسماعه، وكان منظرا مؤثرا حقا، ولعل هذه اللقاءات الأدبية والمهرجانات الشعرية، مما حبب إلى مترجمنا الأدب، وجعله يميل إلى معاناة قرض الشعر، وهو بعد في مقتبل عمره وعنفوان شبابه.
ورغم ما حصله أبو هارون ببلده من علوم، وما حفظه من فنون، فإن نفسه - وهو الشاب الطموح - تاقت إلى التزيد من العلم، والتوسع في ضروب المعرفة، وماذا عسى أن يفعل -وقد أصبحت الرحلة إلى المشايخ والتطواف على بلدانهم - موضة العصر؟!
فرحل إلى المشرق أوائل القرن السادس الهجري، والمحتمل أن ركوبه كان من شواطئ الأندلس، بعد أن زار أكثر مدنها، وأخذ عن مشايخها.
وربما كان من رفقة أبي عبد الله بن تومرت الذي عبر البحر إلى بلاد المشرق في هذا الظرف بالذات(17)، وقد يكون لذلك علاقة بالتجاء ابن تومرت إلى أغمات، بعد قفوله من المشرق، وقد خرج من مراكش خائفا يترقب، قائلا لأصحابه: «ما لكم ها هنا بمراكش مقام، وإن لنا بمدينة أغمات أخا في الله لا نعدم منه رأيا، أو دعاء صالحا»(18) ، ويعني به عبد الحق ابن إبراهيم الأغماتي، وكان من كبار فقهاء أغمات، ومن خيرات رجالاتها. وكذلك مصاحبة أبي محمد بن واسنار له، وكان من المقربين لديه، وأبي زكرياء بن سنان، وكان من أهل الخمسين، وربما كان هؤلاء من أقارب أبي هارون أو من أبناء عمومته.
وأيا كان، فقد نزل أبو هارون - أول ما نزل - بديار مصر، ثم تابع رحلته إلى الحجاز، ولم يلبث أن عاد إلى العراق، وواصل سيره إلى الجبال ( ما بين أصبهان إلى زنجان، وقزوين وهمذان والدينور والري ..) وأوغل في هذه الرحلة إلى ما وراء النهر. والمؤسف أنه ليس لدينا تفاصيل عن هذه الرحلة، فلا ندري الأماكن التي زارها، والشيوخ الذين أخذ عنهم، وكم مدة قضاها في كل بلد ؟.
وكل ما هنالك أن ابن السبكي ينقل عن السمعاني، أن أبا هارون أقام بنيسابور مدة، وتفقه على أبي نصر القشيري(19) . والذي نعرفه عن أبي نصر، واعظ نيسابور وعالمها، أنه رحل إلى بغداد في طريقه إلى الحج، ووعظ بها، فوقعت بسببه فتنة بين الحنابلة والشافعية، فاستدعاه نظام الملك إلى أصبهان، إطفاء للفتنة ببغداد، فذهب إليه ولقي منه كل إكرام، ثم عاد إلى نيسابور، فلازم الوعظ والتدريس، إلى أن توفي بها سنة (514هـ)(20). والمرجح أنه أخذ عنه بعد عودته الأخيرة إلى نيسابور، وقد تأثر أبو هارون بأستاذه القشيري، وتمذهب بمذهبه، وسار على نهجه وطريقته، وتستطيع أن تفهم ذلك من هذه التحلية القصيرة التي حلاه بها ابن السمعاني إذ يقول: «وكان أبو هارون إماما فاضلا مناظرا »(21)، ويبدو أنه لم تطل إقامته بنيسابور بعد وفاة شيخه القشيري، فقد غادرها إلى سمرقند في حدود (516)، ويحدثنا أبو حفص السمرقندي في هذا الصدد فيقول: «قدم علينا أبو هارون سمرقند سنة 516، وهو شاب فاضل، فقيه مناظر، بليغ شاعر، ومحدث محاضر ..». وقد أعجب السمرقندي بنبوغ أبي هارون وعبقريته، وحفظه وبداهته، واتساع رويته، وشفوفه في اللغة والأدب .. حتى لقد قال فيه:
   لقد طلع الشمس من مغربها علىخافقيها وأوساطها
   فقلت القيامة قد أقبلت  و قد جاء أول أشراطها
وهو تعبير صادق عن إعجاب السمرقندي بأبي هارون الأغماتي، لكنه إعجاب مشوب بلون من التفكه والتندر.
والغريب أن يرتفع صوت آخر من الموصل أو دمشق، ينعي طلوع عبقري آخر من المغرب في مثل هذا الظرف بالذات:
   مشارق أنوار تبدت بسبتة ومن عجب كون المشارق في الغرب !
و لقد أحسن الذي قال:
   وما شرف الأوطان إلا رجالها     وإلا فلا فضل لترب على ترب
وأبو حفص السمرقندي هذا، من الشيوخ الذين أخذ عنهم أبو هارون بسمرقند، ونزل ضيفا عليه، وأخذ عنه كثيرا، وجمع له أسماء شيوخه ومروياته في جزء وهو من كبار فقهاء الحنفية. يلقب بمفتي الثقلين، علام بالتفسير والتاريخ والأدب، له نحو مائة مصنف وكان يقول أروي الحديث عن خمسمائة وخمسين شيخا، وهو غير النسفي (المفسر)
ولد بنسف نخشب ( ما وراء النهر )، ثم انتقل إلى سمرقند وبها توفي سنة (537 هـ)(22) .
ومن مؤلفاته كتاب « القند (23) في علماء سمرقند »، تحدث فيه عن أبي هارون من جملة من تحدث عنه من علماء سمرقند، فقال « .. وموسى بن عبد الله الأغماتي، قدم علينا سنــــة 513 هـ(24) ، وبقي عندي أياما وكتب عني الكثير، ولأجله جمعت كتابا سميته « عجالة النخشبي(25)، لضيفه المغربي(26) ».
ولنودع أبا هارون بسمرقند، وقد جمع فأوعى، أخذ الكثير، وحفظ الكثير، وأصبح اسمه لامعا في سماء الفكر والأدب - هذه المدينة التي قيل: ليس في الأرض مدينة أنزه ولا أطيب ولا أحسن مستشرفا منها - وقد شبهها حضين بن المنذر الرقاشي، فقال: كأنها السماء للخضرة، وقصورها الكواكب للإشراق، ونهرها المجرة للاعتراض، وسورها الشمس للإطباق(27).
ثم بعد هذا لا ندري أين انتهى المطاف بأبي هارون من هذه الرحلة التي طوف بها أكثر بلاد العرب والعجم، والتي ابتدأ شوطها الأخير - كما رأينا - من وادي النيل إلى ما وراء نهر جيحون، وربما نستروح من ذكر السمرقندي له، في جملة علماء سمرقند، أنه ألقى بها عصا التسيار، واختارها مقاما له حتى النهاية، وهو ينشد مع شاعرها:
   وليس اختياري سمرقند محلة  ودار مقـام لاختيـار ولا رضى
   ولكن قلبي حل فيها فعاقـني  وأقعدني بالصغر عن فسحة الفضا
   وإني لممن يرقب الدهر راجيا  ليوم سرور غير مغرى بما مضى
و إذا كانت حياة المترجم كلها يحيط بها كثير من الغموض، فهذه الفترة - وقد بلغ بها أشده - أكثر غموضا، وأشد حرصا وتخمينا، وما أحوجنا إلى التعرف إليها، لأنها الفترة المخصاب في حياة العظماء.
و أيا كان فإننا لا ندري متى توفي؟ ولا أين؟ وماذا خلف من آثار؟ على أن هناك جانيا في حياة أبي هارون، يجب أن لا نغفله، فهو إلى كونه إماما فاضلا، وعالما متكلما، وفقيها مناظر- أديب مطبوع، وشاعر رقيق.
و من شعره يتحرق شوقا إلى وطنه، ويرسلها تحية حارة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب:
لعمر الهوى إني، وإن شطت النوى   لذو كبد حرى، وذو مدمع سكب
فإن كنت في أقصى خراسان نازحا(28)    فجسمي في شرق وقلبي في غرب(29)
قال ياقوت: وأبو هارون فاضل، له شعر حسن، ومن شعره قوله .. وذكر البيتين. ومن في قول ياقوت: «ومن شعره » للتبعيض، ومعناه أن له شعرا كثيرا، وإذا أردنا تقييمه، فإنه لا ينزل عن درجة الحسن. وهذه شهادة أخرى، نضيفها إلى شهادة الحموي، يقول السمرقندي السالف الذكر: «وأبو هارون شاعر بليغ وأديب محاضر ..» وهي شهادة لها قيمتها ووزنها.
و مهما يكن، فهذان البيتان، - وهما كل ما نملك من إنتاج الشاعر - يدلان على عاطفة متدفقة وشاعرية رقيقة، ودقة في التعبير، وإرهاف في الشعور، وهي ميزة تنم عن صفاء الفكر، وأصالة الشاعرية.
و إننا لا نستطيع أن نقول الكلمة النهائية في الموضوع، حتى نقف على ما عند شاعرنا من إنتاج وما خلفه من آثار، والزمان كفيل بذلك، والله الموفق.

(1) 1/225 - وأنظر معجم الأدباء، 16/70 - 71.
(2)  4/314.
(3)  ابن المؤقت، السعادة الأبدية 1/57.
(4)  ابن الزيات، التشوق ص 83.
(5)  نقس المصدر ص 131.
(6)  السعادة الأبدية 1/63.
(7)  ابن بشكوال، الصلة 1/279.
(8)  المقري، أزهار الرياض، 3/161.
(9)  التشوق ص 68.
(10)  ابن الأبار، التكملة، 2/821.
(11)  نفس المصدر 2/837.
(12)  التشوف ص 125.
(13)  نفس المصدر ص 131.
(14)  نفس المصدر ص 186.
(15)  نفس المصدر.
(16)  نفس المصدر.
(17)  أنظر نظم الجمان، لابن القطان ص 9.
(18)  الناصري، الاستقصا 2/77.
(19)  طبقات الشافعية الكبرى 4/314.
(20)  أنظر شذرات الذهب 4/45.
(21)  طبقات السبكي 4/314.
(22)  أنظر الفوائد البهية ص 149، والجواهر المضية 1/394.
(23)  وتصحف عند السبكي في طبقاته ب « العقد »، والقند: العسل.
(24)  تصحف في معجم الأدباء لياقوت ب ( سنة 561هـ).
(25)  نسبة إلى نسف نخشب، مما وراء النهر، أنظر معجم البلدان.
(26)  أنظر ياقوت، معجم الأدباء 16/70 -71 وفيه أنه قدم سنة إحدى وستين وخمسمائة (561هـ) وهو خطأ، والصواب سنة 516 - كما أسلفنا.
(27)  أنظر معجم البلدان 3/248.
(28)  وفي رواية السبكي « ثاويا ».
(29)  قال السمرقندي في كتابه « القند » وأنشدني أبو هارون الأغماتي - لنفسه -: لعمر الهوى الخ..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here