islamaumaroc

صراع القيم الجاهلية والإسلامية في شعر حسان بن ثابت

  دعوة الحق

118 العدد

( شاعر، مؤرخ، مناضل، اتصل في الجاهلية بالغساسنة فكان شاعر بلاط، و انقطع في الإسلام إلى النبي، فكان شاعر دين و سياسة و كفاح).
و هكذا يرى المؤرخون حسان بن ثابت الأنصاري، شاعر النبي، و رفيقه في جهاده و خطواته جميعها.
و يجمع الرواة و المؤرخون أيضا أن حسان عاش مائة و عشرين سنة، ستين في الجاهلية ، و ستين في الإسلام. و قد أتاحت له حياته الطويلة العامرة أن يتصل بمختلف أصناف الناس في كلتا المرحلتين، و أن يعايش بالتالي نماذج متباينة من السلوك و الأخلاق و القيم.
و حسان فحل من فحول الشعراء كما يرى أبو الفرج الأصبهاني، بل إن الحطيئة يذهب إلى أبعد من ذلك حين يقول : ( أبلغوا الأنصار أن شاعره أشعر العرب حيث يقول :
   يغشون حتى ما تهر كلابهم
      لا يسألون عن السواد المقبل
و حسان بهذا المعنى شاعر يحسب له ألف حساب في تاريخ الشعر العربي، فقد أنشد في مختلف أغراض الشعر المعروفة من مدح و هجاء و رثاء و غزل و فخر، و تناول في قصائده قضايا متنوعة تتعلق بالحياة و الدين و السياسة و الحروب.
و إلى جانب هذا و ذاك فقد كانت قصائده خير مرآة تنعكس عليها خطوات النبي (ص) و أعماله في سائر المجالات و بالتالي صفاته و مزاياه، بالإضافة إلى تصويره تصوير المؤرخ الأمين لحوادث زمانه، و خصائص الدعوة المحمدية، و المراحل و الأشواط التي قطعتها، و قدرته على استيعاب مكونات البيئة الاجتماعية التي تحيط به.
و قد عاش حسان حياته الجاهلية وسط بلاط الأمراء و الملوك و نادمهم و مدحهم بقصائد عديدة من شعره، فنال من نعمهم و خيراتهم، و أصبح مقربا إلى مجالسهم محببا إلى قلوبهم، يشاركهم حياتهم العامرة بشتى أصناف المرح و المجون و مختلف أشكال الترف و الرخاء.
وكل كائن كما يرى الأستاذ أمين الخولي ( يتأثر بما حوله من واقع الحياة ماديا و معنويا ذلك التأثر الذي لم يفت القدماء أنفسهم التنبه إلى أصله، حين يتحدثون عن تأثير البقاع على الطباع )(1)، لذلك فقد لازمت حسان في حياته الطويلة الحافلة عدة صفات و طباع، اكتسبها من احتكاكه الدائم بالمناذرة و الغساسنة، و من اتصاله المستمر بملوكهم و أمرائهم.
و إذا كان الأدب ديوانا لعواطف الأمم و كنزا لأحداثها و تجاربها و تاريخا لعاداتها و تقاليدها، و سجلا لما في الإنسان من مشاعر و غرائز و أداة أصيلة في توجيه الحياة الإنسانية و مسايرتها على الدوام في ( جميع العصور )
فلا نتردد إذن في أن قصائد حسان قد زخرت بأشكال متباينة من القيم و بسلوكه الإنساني.
و هذا يثير في نفوسنا بصورة غير مباشرة شيئا غير قليل من الحيرة و الاستغراب، و يدفعنا بالتالي إلى التساؤل عن تأثير كلتا المرحلتين في شعره و عن صراع القيم الجاهلية و الإسلامية في شعر حسان بصفة عامة.
و أيسر النظر في شعره يؤكد حقيقة واضحة لا سبيل إلى الشك فيها، و ليس المهم أن تكون هذه الحقيقة قديمة أو جديدة، و لكن المهم أن نقف عندها لتحليل جوانبها و سبر أغوارها و بالتالي لمحاولة تأكيدها و التركيز عليها.
هذه الحقيقة تبدو في كثير من الأحيان معوجة ملتوية، و لكنها في أشد الحاجة إلى تحليل سليم واضح، لتقويم اعوجاجها، و إصلاح ما بها من عطب.
فقد بدل الإسلام من قيم حسان و طبائعه و استطاع أن يغير مجرى حياته كلها،و أن يجعلها تسير في اتجاه جديد، بل أن الأصمعي يؤكد أن تأثير الإسلام كان واضحا حتى في أدبه ( فقد كان شعره في الجاهلية أقوى منه في الإسلام من حيث التذكار و الخيال و المتانة ).
و مع ذلك فإننا لا نعدم من يضيف إلى ذلك تمسك حسان ببعض القيم الجاهلية، على الرغم من الانقلاب الضخم الذي أحدثه الإسلام في حياته. غير أن هناك من ينفي هذه القضية و يؤكد أن الإسلام ( بدل من عقلية الشاعر و آرائه و تصرفاته ) و أحدث تغييرا شاملا في مختلف مرافق حياته.
و أكبر الظن أن الرأي الأخير أقرب إلى الحقيقة و أدنى إلى الصواب.
و سيرة حسان في الجاهلية تثير شيئا غير قليل من الشك و الحيرة، فهو يجالس الأمراء و يقارع الخمرة، و يمدح ملوك غسان و يسترجع ذكرياته و أيامهم، و يصفهم بالكرم و السخاء، و أنهم يعيشون حياة خير و رزق و رفاهية و ازدهار :
   لله در عصابة نادمتهم
      يوما بجلق في الزمان الأول
   يسقون درياق الرحيق و لم تكن
      تدعى ولائدهم لتقف الحنظل
   بيض الوجوه كريمة أحسابهم
      شم الأنوف من الطراز الأول
و هذه الأبيات توضح حقيقتين مستقلتين :
1) الحقيقة الأولى أن شاعرية حسان كانت في الجاهلية متدفقة مبدعة، كما يرى ذلك الأصمعي نفسه.
2) و الحقيقة الثانية أن حسان كان يشرب الخمر و ينادم الملوك و الأمراء قبل الدعوة المحمدية، و إن قيم الجاهلية و أخلاقها كان لها الأثر الواضح في شعره.
و حسان شاعر قوي الشعور، دقيق التصوير، بارع الإجادة تقلب في مجالس الأمراء و الملوك، و صور هذه الحياة تصويرا رائعا في قصائد متعددة، و هو إلى جانب ذلك شهد الأيام التي كانت بين الأوس و الخزرج و عايش عن قرب تلك المطاحنات التي كانت بين القبيلتين، فأشار في شعره إلى هذه الأيام و صورها خير تصوير كما نجد ذلك في يوم بعاث و يوم الربيع و غيرهما.
على هذا النحو يسير حسان في مختلف أطوار حياته يتناول قضية من القضايا فينشد في تصويرها قصائد متعددة، حتى إذا فرغ منها عاد إلى أخرى يستلهمها شعرا نابضا يتدفق قوة و جزالة.
و هل حياة الشاعر في كل مكان إلا هذا : تصوير متصل للبيئة، و وصف نابض بالحركة للناس و المجتمع و الحياة.
و حسان في تأدية ذلك متأثر غاية التأثر بقيم الجاهلية و أخلاقها يكلف بسلوك أهلها، و بسيرة شعرائها.
لنقف عند هذه الأبيات من قصيدة لحسان :
ألم ترنا أولاد عمر بن عامر
لنا شرف يعلو على كل مرتقى
رسا في قرار الأرض ثم سمت له
فروع تسامي كل نجم محلق
و ملوك و أبناء الملوك كأننا
سواري نجوم طالعات بمشرق
إذا غاب منها كوكب لاح بعده
شهاب متى ما يبد للأرض تشرق
إنه يفتخر بسمو نسبه و علو مكانة أهله، و يتحدث عن شرف مرتبته و رفقة أصله.
و من المحقق أن الفخر بالنسب و علو المكانة، كان من الأغراض الأولى للشعر الجاهلي بصفة عامة، و سنرى فيما بعد إن ظل الفخر ظل ملازما له حتى بعد ظهور الإسلام و انتظامه في صفوف المسلمين يعزز صفوفهم، و يرد عنهم هجمات الكافرين.
ليس من شك إذن في أن حسان تأثر بالقيم الجاهلية، و تبدو آثار ذلك واضحة في شعره : فهو يصف الخمر و مجالس اللهو و يفتخر بنسبه وعلو شأنه، و يمدح الملوك و الأمراء لينال عطاياهم و هباتهم إلى غير ذلك.
و ليس من المعقول أن يعيش شاعر ما في بيئة معينة أو مجتمع ما دون أن يكون لقيم تلك البيئة أو ذلك المجتمع صدى في شعره و أثر في نتاجه.
و يظهر الإسلام، و ذلك الحدث الهام ( بل الثورة البيضاء الهادئة)، تلك الثورة على ( الأوضاع الاجتماعية الظالمة،و الأنظمة السياسية البالية، و الخرافات الدينية المزرية ).
و يقدر لحسان أن يعيش في ظل الإسلام مدة طويلة من الزمن، و أن يتصل بالرسول (ص)، و بالتالي أن ينشد في مدح الدين الجديد، و الدفاع عنه قصائد مختلفة من شعره.
و يعتقد عبد الله أنيس الطباع أن حسان ( انسلخ عن تاريخه، و عن حياته، ليلازم منذ اليوم رسول الله، و يصبح شارع النبي يرافقه في حياته الجديدة التي كتبها الله له، و يرافقه في جهاده و في أمور كثيرة، فيؤرخ حياة النبي الكريم، و يؤرخ مواقع المسلمين ).
و هو صادق فيما يقول فقد أحدث الإسلام ثورة كبرى في حياته و انقلابا عظيما في سلوكه و قيمه أخلاقه. فأصبح ينشد الشعر ابتغاء لرضا الله و رسوله و يؤلف الكلم تقربا إلى الله جل جلاله، يدافع عن عباده، و يهجوا أعداء الإسلام، و يرفع من قدر النبي (ص) و يصفه بأعظم الأوصاف و أكبرها :
   أغر عليه للنبوة خاتم
      من الله مشهود بلوح و يشهد
   و ضم الإله اسم النبي إلى اسمه
      إذا قال في الخمس المؤذن أشهد
   و شق له من اسمه ليجله
      فذو العرش محمود و هذا محمد
و واضح جدا أن هذه الأبيات تنبض صدقا و واقعية، فهي تصور مكنون صدره، و عظيم حبه لشخص الرسول، و بالتالي للدين الجديد الذي أنقذ العرب من براثين الجهل و الغواية.
و هو يشير في شعره إلى مبادئ الإسلام  و تعاليمه السامية، و يعلن بالتالي ( إيمانه بالله تعالى و أنه إله الخلق، خلق العالم و أبدعه و أوجده، و أنه يقدسه تعالى و يجله.
   و أنت إله الخلق ربي و خالقي
      بذلك ما عمرت في الناس أشهد
   تعاليت رب الناس عن قول من دعا
      سواك إلها أنت أعلى و أمجد
   لك الخلق و النعماء و الأمر كله
      فإياك نستهدي و إياك نعبد
و هو يتأثر بقيم الإسلام و تعاليمه، و يصور ( أوضاع الجزيرة العربية، و كيف جاء النبي الأكرم يدعو الناس إلى عبادة الله، بعد هذه الحقبة الطويلة التي عم فيها اليأس النفوس، و تاه العباد حتى أخذوا يصنعون الأصنام بأيديهم ثم يخرون لها ساجدين، فإذا النبي يستحيل (ص) مصباحا منيرا ينير ما اكتنف العالم من ظلمة و يبدد ما علق في قلوب الناس و أرواحهم من جهالات ).
   نبي أتانا بعد يأس و فترة
      من الرسل و الأوثان في الأرض تعبد
   فأمسى سراجا مستنيرا و هاديا
      يلوح كما لاح الصقيل المهند
   و أنذرنا نارا و بئر جنة
      و علمنا الإسلام فالله نحمد
و يمدح حسان رسول الله، و يدافع عنه أمام خصومه، و يصف ما لقي من قريش، و ما اعترض طريقه من معضلات و عراقيل :
و أصبح لا يخشى عداوة ظالم
قريب و لا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا
و أنفسنا عند  الوغى و التآسيا
نحارب من عادى من الناس كلهم
جميعا و إن كان الحبيب المصافيا
و نحن نعلم أن الله لا رب غيره
و أن كتاب الله أصبح هاديا
و هو يذكر شهداء المسلمين في قصائد كثيرة، و كيف عاهدوا النبي على نصرته، و يصف معارك المسلمين و استبسالهم :

وفوا يوم بدر للرسول و فوقهم
ظلال النايا و السيوف اللوامع
الخ..
و يرى الأصمعي أن شعر حسان في الجاهلية أقوى منه في الإسلام من حيث التذكار و الخيال و المتانة، و يروي أن حسان سئل عن ذلك فقال : إن الإسلام حرم الكذب، و الشعر لا يجمله إلى الكذب و الخيال و التذكار لا يقومان إلى على هذا النوع من القول.
و هكذا نرى أن حسان تأثر بقيم الإسلام و تعاليمه، و هدر تقاليد الحياة الماضية و عاداتها، فقد آمن بالنبي إيمانا صادقا و جاهد في سبيل دعوته و أوقف نفسه و أدبه على نشر هذه الرسالة الجديدة التي عم خيرها الجزيرة العربية، و تعداها إلى سائر أرجاء الأرض.
و نأخذ الأمر بشيء من التحفظ، فنذكر أن بعض تقاليد الجاهلية – و إن كانت قليلة جدا – ظلت ملازمة له في حياته الإسلامية : فهو يفخر و يعتز بنفسه – على سبيل المثال – في مناسبات عديدة :
و كنا ملوك الناس قبل محمد
فلما أتى الإسلام كان لنا الفضل
هو إذن في شعره الإسلامي كما هو في شعره الجاهلي متأثر غاية التأثر بما يحيط به من عادات و سلوك و قيم، مضطر إلى الأخذ منها و الارتواء من معينها.
و قد كان لقيم الإسلام و تعاليمه أكبر الأثر و أوضحه في شعره بل إنها تبدو في شعره أشد وضوحا و أكثر نصاعة من قيم الجاهلية و عاداتها تلك التي أمست باهتة خافتة لا يكاد يسمع لها صوت في شعر حسان.
و هذا شعر حسان بين أيدينا صورة صادقة لذلك، و مرآة واضحة ينعكس عليها ما يخالجه من شعور، و ما يملأ قلبه محبة لهذا الدين الجديد الذي أنقذ الجزيرة العربية و أخرجها من الظلمات إلى النور، و أشاع بين أهلها روح المحبة و الوداد و الصفاء.

(1) فإن شعر حسان عموما أصدق مثال على ذلك، فقد كان ديوانا دقيقا لعواطف أمته و كنزا لخيراتها و مواقعها و سجلا لمشاعر الإنسان و نزواته المتعددة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here