islamaumaroc

بائع الحلوى

  دعوة الحق

118 العدد


الآن و قد بلغ الستين من عمره يرى سائرا في الطريق و كأنه تجاوز المائة : ظهر مقوس، و رجلان خائرتان لا تقويان على حمل الجسد الهزيل المنهوك، و يدان مرتعشتان، حال الكفين فيهما لا تدل على ممارسة عمل شاق فيما سبق من الأيام، بل إن الناظر ليتوهم أنهما كانتا تمارسان حرفة تصبين الملابس، مع أن الأمر ليس كذلك. و نظرة خاطفة على الوجه المتغضن تغضنا عميقا، و على اللحية المنفوشة التي يخالطها الشيب، و على العينين الواسعتين الذابلتي النظرات.. كل ذلك يدل على أن الرجل سائر بخطى سريعة لا تمهل فيها نحو الفناء.
                                                 * * *
منظرنا يومئذ و نحن صبيان غادون إلى المدارس أو رائحون منها كان لطيفا للغاية، رؤوسنا حليقة عارية، و جلاليبنا من مختلف الألوان تستر ما تحتها من أقمصة و سراويل لا نعني بها كما يجب، و لا نحرص على نظافتها، رغم تشدد أمهاتنا الطيبات  و توعدهن بإبلاغ يومية مخالفاتنا إلى الآباء الأشداء. ثم أحذيتنا – جديدها و قديمها – ثابتة في أرجلنا بشكل عجيب، لا يتهكم فيه إلا تحركات الأصبع، التي و إن كانت لا تقوى على الصمود أمام صلابة الأحجار التي كنا نقذف بها بين الحين و الحين، و لا أمام أبرك الماء المتجمعة عن الأمطار و ما حولها من طبقات الوحل المتراكم.
كنا نسير، و أيدينا اليمنى على القماطر الجلدية أو الخشبية، نشد عليها بعزم و حرص، و أيدينا اليسرى تمسك أشعار الزهاوي الفيلسوف، و أين نحن من الفلسفة ؟ و ترديد أشعار حافظ الممتعة، و أشعار شوقي الجميلة المنمقة.. و مراجعة القواعد النحوية التي صاغها الأستاذ الجارم سهلة يسيرة. كما نحفظ أو نراجع ملخصات تاريخ المغرب سريا خوفا من جواسيس الاستعمار الذين قد يبلغون عن مدارسنا أنها تخالف الأوامر الإدارية و تعطي دروسا في تاريخ المغرب مع أن ذلك ممنوع بأمر من الحكام الفرنسيين الحازمين .. و لا يثير عجبنا مطلقا زملاؤنا الأطفال الآخرون السائرون إلى مدارس أخرى في غير اتجاه مدارسنا و هم منكبون على حفظ تاريخ فرنسا دون انزعاج أو تخوف، يسمعهم كل الذين يمرون بهم، من عمال و أصحاب دكاكين و بائعي الحمص ( و السفنج ) و الحلوى ...
أستغفر الله، بائع الحلوى ليس معتادا أن يحتل مكانه المألوف منذ الصباح الباكر، فهو لا يحضر إلا قبيل الساعة العاشرة من حيث نجده مستعدا عند خروجنا للاستراحة لما يرخص لنا بالتردد على طاولته لشراء شيء من حلوياته التي يأتي فيها كل يوم بجديد. لقد كنا ننتظر أسابيع ليعود إلينا بنوع من الأنواع، و تلك وسيلة منه بارعة لاقتناص قروشنا المعدنية البيضاء المثقوبة الوسط التي يسمع لها رنين أخرس !
قبل أن يوقف ( بائع الحلوى ) عربته ذات الأربع عجلات يبادر إلى رش الأرض و كنسها، ثم يغطي الجدار من ورائه بحصير مزخرف. و يثبت فيه هنا و هناك أزهارا و ورودا ( لا ذبولية ) صنعها هو نفسه من الورق الملون، ثم يخرج من جوف العربة أصص مغروساته الناضرة الخضرة، المزهر منها و غير المزهر. و يميل إلى لفافة من الورق اليانع، المقطوف من أشجار الليمون و النارنيج أو شجيرات ( العطرشاه )، و يدس منها تحت طاقيته عند صدغيه و فوق جبهته.
و بكل أناقة و تمهل يرفع الغطاء عن أعلى العربة فتظهر الأواني النظيفة و قد رتبت عليها قطع الحلوى لذلك اليوم، مع لافتة صغيرة كتب عليها بخط جميل ( ثمن الحلوى قرش ). و تحت ذلك داخل الصندوق الزجاجي يوجد نوع رفيع تفوح منه رائحة القرنفل يسمى ( غزل البنات )، و ما ظنكم بشيء تغزله البنات بأناملهن الحريرية الظريفة الأنيقة .. أن القطعة من هذا النوع تتعدى القرش إلى قرشين، نصف ( بسيطة ) بالتمام، و لا عجب (الشيء المليح بحقه )! و لقد جرت عادة الحلوانيين أن ينشدوا بأصوات رخيمة ما استطاعوا على بضاعتهم، أسالت للعاب الصغار من أمثالنا، و تحريضا لهم على إقلاق راحة أمهاتهم حتى ترضي رغباتهم لكن ( بائع الحلوى ) هذا لم يكن يرفع صوته أبدا، بل لا يسمع له صوت قط، إنه يتعامل بالإشارة، و على شفتيه ابتسامة ثابتة يحسبها الإنسان ابتسامة متكلفة على الدوام، مع أنها ليست متكلفة مطلقا، فهي هي سواء اشتد البرد أو اشتد الحر، و هي هي سواء ازدحم الزبناء أو انتظموا، و هي هي سواء تذوقوا حلواه و أعجبوا بها إعجابا أم التهموها التهاما بدون تذوق و لا إعجاب .. و لو دقق الناظر في تأمل تلك الابتسامة لوجدها أعمق و أوسع وهو منكب على ترتيب الزهور في أصصها، و هو يقوم بذلك عدة مرات في اليوم، ثم و هو ينسج ( الطواقي ) في أحوال تفرغه بخيوط القطن المتينة الملونة، مبدعا من خلال النسج أشكالا هندسية رفيعة، تتخللها زخارف بديعة لا تنافر بين ألوانها أبدا ... و هو كلما انتهى من صنع واحدة أبقاها تحت بصره مدة يتأملها و بذلك يرضي شيئا في أعماق نفسه، و قد يفلت منه الزمام فيرى و هو يهمس و يبتسم !
 أثناء بعض محادثاتنا الانفرادية كنا نثير تعاليق حول الحلوى اليومية، و قد نتعدى ذلك إلى التحدث عن صانعها نفسه، فنقول شيئا عن تصرفاته و عن أوصافه، و بدت لنا ملاحظة بالإجماع هي أن عينية الكبيرتين ذواتا فتحتين مائلتين، فهما أشبه بعيون الصينيين، إلا أن الحدقتين فيهما بارزتان بروزا مرعبا، مما يجعل التحديق فيهما غير ممكن. و قال قائل منا أن عليهما مسحة من عيون الجن .. اسم الله علينا !.
و دعم أحد القوالين هذا الرأي بأن (بائع الحلوى ) يكون أثناء تنظيم الحلويات أو أثناء ترتيب الزهور في أصصها أو أثناء نسج الطاقيات يتمتم هامسا وحده، و لا شك أنه أثناء ذلك يكون مشغولا بمحادثة إحدى الجنيات من رفيقاته ...
و كنا نهتز هولا لما ادعى آخر أن (الحلواني) يسكن إحدى الأبراج المهجورة التي تحكي جداتنا أن الجن تسكنها منذ غادرها المجاهدون من قرون خالية .. و أن له فيها زوجة ماكرة لا يمكنه أن يفلت من حبائها !
و عقب ثالث هي التي تعاونه في أعماله، و لولاها ما استطاع ابتكار تلك الحلويات التي لا يبتكرها غيره، و أنها هي التي تخط له تلك الزخارف الممتازة على الطواقي .. و الويل له إن أغضبها يوما، إنها سترمي به إلى الفوات الخالية، أو ستسلبه عقله، أو ستطعمه سما قاتلا، و ربما نذهب نحن ضحية ذلك الخصام الخبيث ...
و سرى الهمس بين الصغار و الكبار منا، و وصل إلى علم الأمهات، فإذا به يملأ أوقاتهن و يشغل بالهن صباحا و ضحى و ظهرا و مساء و ليلا. و عمت الضجة :
المجنون صديق الجن يبيع الحلوى، المجنون يستعين بالجن في صنع حلوياته، المجنون يوشك أن يهلك أبناءنا ... و أخيرا قر رأيهن على أن يمنعن أولادهن من التعامل مع الحلوي و عززن الوصية المشددة بإنذار السخط ، و العياذ بالله .. كل شيء إلا سخط الوالدات ! و اضطررنا إلى مقاطعة بائع الحلوى.
انتظرنا كعادته وقت حلول الاستراحة صباحا، و انتظرنا عند الافتراق في الزوال، و تمعننا جيدا عند أوبتنا بعد الظهر، و قطع الأمل منا أخيرا عند انصرافنا في المساء. و في الغد وقت الاستراحة لم يكن حاضرا في مكانه المعتاد. لقد تأثر جدا من معاملتنا فلم يرجع، و بقينا بين فضول و خوف ننقب عن أخباره، إلى أن جاءتنا مهولة تنبئ بأنه قد جن، و اختل عقله، و أنه أخذ إلى ضريح (سيدي احمد بنعاشر ) حيث حبس في حجرة ضيقة جدا، و أحكمت حول عنقه سلسلة غليظة موصولة بالسقف، فلا يرى إلا و هو جاحظ العينين بشكل مريع، و لعابه سائل و شعره منفوش.. و بين الحين و الحين كان يطلق صرخات مدوية رهيبة طالبا إطلاق سراحه، و إرجاعه إلى بيع الحلوى للأطفال الأعزاء!
و لما انهدت قوته بمرور السنين، و فقد كل اتزان و لم يعد قادرا لا على حركة و لا صراخ، و غدا ظهره مقوسا و رجلاه خائرتين، و غابت عنه طريقة صنع الحلويات و نسج الطاقيات أطلق سراحه، فمشى هكذا مغضن الوجه، منفوش الشعر ذابل النظرات... يسير بخطى سريعة نحو الفناء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here