islamaumaroc

محافظون ومجددون

  الرحالي الفاروقي

2 العدد

لقد ظهرت دعوة الحق للعيان، وبرزت للوجود زاهية بالبيان وخلقت في النفوس حنينا، وتركت في الآذان طنينا، وتلقاها الشهم الكبير بصدره الرحيب، وقلبه السليم، فنعيدها بالله العظيم من وقوع الموانع وحدوث القواطع، ونتمنى أن تبقى حرة صريحة مخلصة للحق ناصرة للدين، تعبر عنه وتهتز له وتخاصم عنه وتحتج له، ونحن في حاجة ماسة وضرورة ملحة إلى من يدعو إلى مذهب الحق ويجهر به، وإلى من يستمع إلى قول الحق ويعمل به، وإلى مراعاة ما تمليه الظروف الجارية، وتوجبه الأحوال القائمة من دون تقدم جامح ولا تأخر فاضح.

نحن أحوج إلى إثارة هذه الدعوة المستنيرة، وإلى العمل على إثبات الحق في موطنه وإقرار سلطته وتنفيذ خطته بقوة المنطق ونفوذ الحجة مع اعتبار البيئات والنظريات ورد الشبهات والمغالطات، إخلاصا للحق وجهادا في سبيله، ودفاعا عن أهله وعشيرته، واقتداء بالداعية الأكبر والمرشد الأبر جلالة محمد الخامس.
إننا نعيش في عصر سطا فيه شيطان المادة على سلطان الروح، فكان من الغالبين، وانهدت فيه الدعائم الروحية وانحطت القيم المعنوية إلى أسفل سافلين، وتكاثر فيه المدعون والداعون، وقل الحافظون لحدود الله والراشدون.

وهنا يجب أن يدوي صوت الحق ويظهر أهله في الميدان للتعريف بمذهبهم، ونشره بين أهاليهم وعرضه على إخوانهم، وقد يجدون أنصارا ولا يعدمون أحرارا يقفون بجانبهم ويعملون لصالح بلادهم ويبتغون رضاء خالقهم.

هكذا كانت طبيعة الشرائع والملل من قبل كلما تطاول الزمن وستر الباطل الحق وجد جديد في الحياة بعث الله رسلا مبشرين ومنذرين، إقامة للحق وإصلاحا للأرض وأهلها ببيان الشرائع واقتفاء آثارها، فلا صلاح للأرض ولا لأهلها إلا بأن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة والاتباع لرسله لا لسواهم، وغير الله من الخلق إنما يجب طاعته إذا أمر بطاعة الله وطاعة رسله عليهم الصلاة والسلام، فقد أصلح الله الأرض وأهلها برسله وبدينه، والأمر بتوحيده، ونهى عن إفسادها بالشرك وعصيان رسله ومخالفة أمره (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) [الحج: 31]– (وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) [الأحزاب: 36] ومن تأمل أحوال العالم وجد كل صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعته وطاعة رسله، وكل شر في العالم وفتنة وبلاء وتسليط عدو وسلب نعمة فعلته مخالفة أوامره ومخاصمة أحكامه ومعاداة رسله، ومن تدبر العالم منذ قام إلى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين وجد هذا الأمر كذلك في خاصة نفسه وفي حق غيره عموما وخصوصا.

والملامة في هذه الدنيا على حملة الأقلام وعدول الشريعة، الذين يسكتون ولا يتكلمون، والمذمة على قادة الأمم ورؤساء الشعوب الذين يثبون وثبة جريئة لا تحمد عاقبتها، فيهيئون بذلك هوة سحيقة ونفرة دائمة بين أنصار القديم وأنصار الجديد كما يقولون. و لعل السبب في تنافر الفريقين، وتراشق الجانبين عدم وجود الثقافة اللازمة والمرونة الكافية في الأفكار، وقلة الفهم الصحيح والإدراك السليم لتعاليم الإسلام من جهة، ولأصول الحياة الجديدة من جهة أخرى مما أدى إلى قلة الوثوق وكثرة التخوف، فوقف كل في جهة مخالفا للآخر، ظانا به السوء، وكل منهما يلقب غيره بلقب لا يزيدهما إلا جحودا وعنادا ونفورا وابتعادا، ولو سلك الجميع مسلكا وسطا، وصح قصدهم وطابت نفسهم، واكتمل عقلهم، لأمكنهم التغلب على المشاكل كلها بواسطة الاجتماع والدراسة لعناصرها وتحليل أجزائها ومعرفة مبدئها وغايتها، وبعرض الأحكام على الخارج كما هو شأن العلوم العقلية والسياسية والشرعية، فلا نصادم أصلا من أصول الشريعة الواضحة، ولا نخل بركن من أركانها الثابتة، وكل مشكلة فلها حل وكل داء فله دواء، والشرائع السماوية والقوانين الوضعية وإن كان للأولى فضل ومزية، إنما كانا لنفع العباد وتحري مصالحهم ودفع المضار عن ساحتهم ولهذا المعنى تعلقت أحكام الشريعة بأفعالهم.

وشريعة الإسلام من هذا الجنس إلا أنها باعتبارها آخر الشرائع السماوية كانت تعاليمها أكثر ملاءمة للحياة؛ وأقدر على مماشاة الأزمنة فتراها في أقوالها وأحكامها تدعو إلى المثل العليا وإلى حياة السلم والعدل، وإلى احترام الحقوق البشرية، وإلى إدامة العمل، وحفظ نظامه لضمان بقائه ووجوده، وغير ذلك مما نسمعه في المجالس الدولية والمجامع السياسية، ومزجت بين الروح والمادة ولم تفصل بين الدين والدولة ليكون عنصر الحكومة المسلمة قائما على تكوين الضمير بالوازع الديني ومبينا على مراقبة الأهلية  لا يفوتها صغير ولا كبير من الأعمال والحركات، وإذا صلح القلب صلح الجسد، وإذا فسد القلب فسد الجسد، فكان الإسلام نظاما طبيعيا وحكيما وخالدا لا يقصر عن ممارسة الحياة، ولا يتأخر عن ركب الحضارة، اللهم إلا إذا قعد به أهله وأبناؤه، أو نسبوا له العقم والجمود كذبا وافتراء وجهلا واعتداء. ومن أحكام هذه الشريعة ما يدوم ويبقى لبنائه على مصلحة دائمة أو مفسدة مستمرة، والله أعلم بما كان وما يكون إلى نهاية هذا العالم، ومنها ما تتبدل وتجدد، بحسب الظروف والأطوار، وباعتبار المنافع، وعلى ذلك كان نسخ الأحكام في الشرائع تبعا لما جد من المصالح وكان أوفق بسنة الحياة وأنسب لطبيعة العمران، وارتبطت الأحكام في أصول الشريعة ارتباطا تاما بالعلل والأسباب.

ونأسف كثير الأسف لأن بعض شبابنا قد غرتهم مظاهر الحياة الغربية غرورا، وغيرت نفوسهم تغييرا جوهريا فأنكروا الإيمان بالغيب وتركوا الصلاة والزكاة، وجسروا على القول إن هذه المظاهر رسوم تقليدية وأن الزمن قد تقدم عليها.

يظنون أن التقدم إلحاد وابتداع وانصراف عن الواجبات وإغراق في الماديات وأخذ بالإباحة المطلقة وأن التقدم المادي المجرد كفيل بضمان الحياة وبقاء الحضارة وجالب للهناء والسعادة، وهو ظن حائد عن جهة الصواب، بعيد من نفس الحقيقة، وأصحابه في حيرة وفتنة وغرور يسبحون في بحر من الخيال والسراب.

وإن التقدم الحقيقي أن ننصرف بكليتنا إلى تكوين النفوس، وتقويم الأخلاق وإصلاح الاعوجاج ببناء الحياة على أساس متين من الأخلاق والدين والعلم والجد والعقل الرصين ونستقصي الجهود فيما ينقصنا من الحياة حتى نكون علماء مخترعين وأطباء ماهرين وعمالا متدربين وجنودا مستعدين وليس من التقدم في شيء أن نتنصل من الآداب الشريفة والأخلاق الكريمة ونخرج عن أوضاع الإسلام ونتلاعب بشرائعه ونتنكر لعقائده.

إن دعوة الحق هي دعوة الإسلام التي أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، ومن الجهالات إلى العلم، ومن الباطل إلى الحق، ومن الفوضى إلى النظام، وهي التي هاجر محمد صلوات الله عليه وسلامه من أجلها وجعل المدينة مركزا لنشرها، وهي التي تبني على اليقين والعمل عقائدها، وتمتاز بالبساطة حقائقها، وبموافقة الفطرة أوضاعها، وبرفع الحرج والمشقة تكاليفها، ومن دان بها تمسك بالسبب الأقوى وأخذ بالعروة الوثقى، وتقدم حسا ومعنى، والكتاب الناطق بالحق والسنة المبينة للحق هما معتمد هذه الدعوة، ومستندها الصحيح، وباعتمادهما تطيب الحياة وتسعد الشعوب وترقى إلى المقام اللائق وتسير إلى الذروة والسنام، وهذان الأصلان هما قوام الدنيا والدين وأصل حياة المسلمين، ففيهما النجاء من كل مشكلة، والملجأ من كل معضل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here