islamaumaroc

الروايات التاريخية عن تأسيس سجلماسة وغانا -2-

  دعوة الحق

117 العدد

3) الرواية التاريخية عن مدرار
نرى في كلتي الروايتين المذكورتين فيما قبل أن التاريخ قد حدد، أما هذه الرواية فلم يذكر لها أي تاريخ ، كما أنها محاطة بكثير من الشكوك ، ومناقضة للروايتين السابقتين ، ومن ثم فقد كانت دائما محل تشويش للمعلقين ، وهاهي ذي الرواية كما يحدثنا عنها البكري ، قال : " وذكر آخرون أن مدرارا كان حدادا من ربضية الأندلس ، فخرج عند وقعة الربض فنزل منزلا سجلماسة ، وموضع سجلماسة ، إذ ذلك براح يجتمع فيه  البربر وقنا ما من السنة يتسوقون القرب ، فكان مدرار بحضر سوقهم بما يعده من آلات الحديد ، ثم ابتنى بها خيمة وسكنها وسكن البربر حوله فكان ذلك أصل عمارتها ، ثم تمدنت ، والأول أصح في عمارتها وأما مدرار فلا شك أنه حدادا، لأن ولده القائمين بأمر سجلماسة قد هجوا بذلك ". وقد تجاهل ابن عذارى ابن خلدون هذه الرواية ، فأما لأنهما قد شكا في صحتها ، وأما لأنهما لم يعلما أي شيء عمادا تعنيه . وإلا فمما لاشك فيه أنهما قد أطلعا على مؤلف البكري ، والبكري نفسه لم يعط للرواية كبير اهتمام ، وإنما ذكرها بالمناسبة ، وأنه لمن الصعب أن تنفق هذه الرواية مع الرواية عن أبي القاسم الذي ذكر أنه كان جدا لمدرار، إذ كيف يعقل أن يبني مدرار هذا ، المدينة ، وإذ كان جده قد بناها من قبل ؟ أو عيسى هو الذي قد بناها في أيام جده ؟ وأنه لغريب حقا ينسب بناء المدينة إلى الثالث من رجال دولتها الأولى ، وقد وضح البكري سلسلة نسب هذه الدولة حين قال :" أبو القاسم سمجوا بن واسول المكناسي أبو اليسع المذكور وجد مدرار" ،وابن عذارى وابن  خلدون قد اتفقا كذلك على رتبه مدرار في الدولة . على أن ترتيب الحوادث التاريخية وتعيين أزمنتها يضع أمامنا مشكلة مذلك فالبكري لم يعين لهذه الرواية أي تاريخ محدد، ويقترح دوسلات في حاشية له أسفل الصفحة تحت هذا الكلام طريقة لتواريخ خروج مدرار من اسبانيا حين يقول :" في الثالث عشر من رمضان سنة 202 ه (1) (نهاية مارس 818 م) نشبت ثورة في الأرباض على الناحية الجنوبية من قرطبة ، وقد وضع الحكم ثالث الخلفاء الموحدين نفسه على رأس حرسه وهجم على المتمردين ، وقام فيهم بمجزرة مرعبة ، وأعطى أوامره بتهديم جميع الدور بما في ذلك المساجد ، حتى أصبحت هذه الناحية التي كانت آهلة بالسكان قاعا صفصفا ، وأرغم السكان على الفرار فذهب البعض إلى طلبطلة، والبعض إلى أراضى البربر من إفريقيا الشمالية، وشكل آخرون كتائب من خمسة عشر ألف رجل وذهبوا إلى الإسكندرية ".  ولكن إذا كان مدرار لم يصل إلى المغرب حتى سنة 818 ميلادية ، ثم بعد ذلك بزمان أخذ يذهب باستمرار إلى السوق على وادي زيز ، وأخيرا أقام هناك في خيمة ، وعندما بنيت المدينة تطورت تدريجيا ، فإن هذا يتعارض مع التواريخ الحقيقية المعينة لحوادث خاصة ، مثل بناء السور المعظم الذي رفع من الحجر والآجر ونسب إلى سنة 199 ه (15ـ 814) ثم نقع في مشكلة انساب رجال الدولة ، حيث نجد أن هذا السور قد قام ببنائه اليسع أبو مدرار . قد يكون دوسلان محقا في أن هذه هي الثورة التي كان يعنيها البكري عندما كان يكتب ، ولكن البكري ربما اختلطت عليه أو على مصادره الثورة الشهيرة بأخرى أقل منها ، إذ أن هناك عدة سلسلات من الثورات كانت قد وقعت في اسبانيا ابتداء من 740 م ، فبالإضافة إلى ثورات البربر ضد السيطرة العربية كانت هناك ثوراث المولدين  الأسبان (الداخلون في الإسلام)، ومن بعيد الاحتمال أن يكون مدرار مولدا اسبانيا أكثر من أن واحد من كثير من البرابرة الذين هاجروا إلى اسبانيا ، والأقرب إلى الاحتمال أنه كان مكناسيا، فإذا فرضنا أن الثورة الاسبانية كانت إحدى الثورات المبكرة، فإننا نستطيع بهذه الطريقة أن نحل مشكلة تناقص ترتيب السنوات غير أن المشكلة التي يثيرها  أمامنا تسلسل نسب الدولة تبقى معلقة ،  فلنأخذ إذن بطريقة أخرى ، ذلك أن قصة مغامرة مدرار في اسبانيا لا تشكل أية صعوبة إذا ابتعدنا بها عن قصة بناء المدينة ، ونظرنا إليها فقط كمجرد تفاصيل عن أحد رجال الدولة ، فمن الممكن أن يكون مدرار قد ذهب إلى اسبانيا كشاب في الوقت الذي كان فيه والده يباشر بناء أسوار المدينة ، ويمكن أن يكون قد زاول هناك حرفة حداد ( وإن كان ذلك ربما كان غير مناسب لمقامه كوارث دولة ) ، وشارك في ثورة قرطبة ، ثم رجع إلى سجلماسة ليأخذ في النهاية مكانة في خلاف الدولة ، غير أن هذا الحل غير ممكن لأنه يوجد هناك سبب آخر يجعلنا نأخذ رواية مدرار على أنها رواية لها بعض معاني ، وذلك أن الدولة التي أسسها أبو القاسم قد عرفت بدولة بني مدرار ، يعني حفدة مدرار ! فلماذا يرتبط اسم الدولة باسم العضو الثالث في سلسلة نسبها ؟ مع أنه ليس فقط ذلك الذي لم يرق رتبة الشرف وعلو المنزلة إلا بفضل جده وأبيه ، بل أنه لم يصل إلى مقام أبيه الذي اشتهر كحاكم ممتاز ، والذي كان أول من أطلق عليه لقب (المنتصر) لأنه هو الذي أخضع باقي أراضي جنوب الأطلس ، وادخل وادي درعة تحت سيطرة الدولة ، وبني القصور والحصون ، على جين أن ابنه مدرارا كان رجلا خاملا وعديم الفائدة ، غير قادر حتى على ضبط أبنائه المتشاجرين . وربما كان هذا كله مبعث اضطراب لابن خلدون حمله ، وهو المولع بالتدقيق والتنظيم ، على أن يحذف رواية مدرار، وينفرد من بين  أقدم المؤرخين الذين سبقوه بتسمية الدولة باسم (بنو واسول ) ، وهي تسمية أقرب إلى المنطق ، إذا أخدنا برواية أبي القاسم على أنها رواية قطعية . على أن اشتراك شخصين في اسم واحد ـ وهو حادث كثير الوقوع ـ قد يمكننا من أن نحمل الرواية على أنها تقصد أقدم مؤسس للمدينة ، ولكن ما هي العلاقة حينئذ بين مدرار الأقدم، ومدرار حفيد أبي القاسم ؟ ، هناك سبب واحد يحمل على الظن بأن هذه الرواية عن مدرار هي أقدم رواية يرجع أصلها إلى ما قيل الإسلام ، وهذا السبب هو أن هناك أشياء غريبة عن مدرار هذا ، فالحدادون كانوا يعتبرون في كثير من جهات البحر الأبيض المتوسط ، وبعض أجزاء تفريقيا ، والجزيرة العربية ، وكأنهم يملكون بعض القوى الخفية . وأن تجريد الاسم، وغموض الحداد ، ربما كانا شيئين ليسا بعيدي الصلة ، فالبكري لم يعطه أي اسم أو لقب من الأسماء والألقاب الشائعة في الاستعمار الإسلامي (2)، حقا أن ابن خلدون أضاف لقب المنتصر ) إلى مدار ، ولكن هذا اللقب أكتسبه أبوه قبله  ، كما أنه طلق على التوالي ( وبدون استحقاق ) على عدة أعضاء من رجال الدولة الذين أتوا بعد مدرار ، والمسعودي أطلق عليهم اسم (بنو المنتصر ) . وربما كانت الرغبة في التحقيق أيضا هي التي حملت ابن خلدون على أن يخالف من سبقه من المؤرخين يطلق اللقب على مدرار ، الشيء الذي لم يستعمل في المؤلفات التي وصلت إلى أيدينا. فإذا كانت هذه الرواية تشير إلى حداد سحري حكيم ، وقد أسس المدينة قبل وصول مكناسة إليها ، فكيف أذن اشتبهت قصة مدرار الأقدم بقصة مدرار حفيد أبي القاسم ؟ ويظهر بادئ ذي بدء أن سبب ذلك هو أنه ربما كان سميا له،؟ ولكن ذلك ليس بكاف لتبرير إطلاق اسم (بنو مدرار) على الدولة ، ولا لتلك المسبات التي كانت الدولة تتألم منها من أجل احتراف أجدادهم الأعلين لصنعة الحدادة من الممكن أن تتناسب رواية مدرار مع روايتي أبي القاسم وعيسى بطريقة أخرى هي هذه ، ذلك أنه إذا كان مدرار الذي أسس مدينة سجلماسة في زمن أقدم من زمن عيسى ، وكان عيسى حاكما متأصلا في الحكم هناك ، فليس من البعيد حينئذ مدرارا هذا كان جدا اعلي لعيسى، وبعد عزل عيسى يمكن أن يكون أبو القاسم قد احتاج إلى تعضيد قوم عيسى ، لأنه لم يكن ذا مركز ثابت فيهم ، وما ثم توقف على مساعدة أبي الخطاب ، وأكبر الظن أنه قد زوج ابنه إحدى سلايل البيت العيسوي قد أن يكسب التعضيد التام من السكان المحليين ، وذلك أنه بهذه الصفة يصبح ولدها أول حاكم شرعي للدولة الجديدة في أعين السكان المحليين ، وربما لتقوية ذلك أعطى هذا الولد اسم (مدرار ) الذي يستدعي الرواية القديمة ، وبهذا يمكننا أن نفس تسمية الدولة بعد الثالث من حكامها ، كما أنه في الوقت نفسه يجعل من المعقول تجنب الكنى والألقاب التي تثلم شرف الاسم القديم . ولقد  كان في إمكاننا أن نضع رأيا نهائيا على هذا الأساس ، لو أننا استطعنا أن نقيم هذه الافتراضات على مقياس التجربة والاختبار، ولكننا لا نستطيع ذلك ، لأننا لا نعرف من كانت أم مدرار . ومن الغريب أن أول رجل من رجال الدولة 1كرت زوجتاه هو مدرار نفسه ، وربما كان ذلك لأنه كان له ولدان باسم واحد ، والطريقة الوحيدة التي أمكن بها تمييز كل واحد عن الآخر هي إضافة اسم أمة إليه ، ولقد كانت إحدى زوجتي مدرار هي أروى بنت رسنم مؤسس  مملكة تاهرت المجاورة ، التي كانت دولة خارجية (3) ، وحليفا طبيعيا لدولة سجلماسة . والزوجة الأخرى ذكرت فقط باسم مجرد دون أي إشارة إلى أجدادها، وقد صور دوسلان اسمها بالأحرف اللاتينية هكذا (صفحة 66) وذكر في حاشيته أن المخطوطات المختلفة قد قدمت أشكالا متنوعة لهذا الاسم باختلاف كبير هكذا ( الصفحة نفسها) (4) وبالرغم عن هذا الاختلاف الكبير في النطق ، فإن هذه الكتابات جميعها ليست سوى تصوير بالخط العربي لا سم غير مفهوم ، والذي يظهر من هذا كله هو أن اسما غير معروف قد حرف بإغلاظ النساخ  المتأخرين ، وقد يدل هذا على أن الاسم الأصلي ربما كان اسما غير عربي ، فهل كان إذن اسما بربريا؟ .
ذلك ما لم استطع أن أثبته حتى الآن ، غير أن النسخ المغربية قد اشتملت على أسماء مؤنثة أ كثر شيوعا ، وحتى إذا كان اسما غير عادي ، وقد يكون اسما لسكان أهليين ، ولكننا لا نستطيع أبدا أن تقيم الحجة على ذلك لأننا لا نعرف أي شيء عن لغة البرورسيين ( الصفحة 67) القدماء ، ولا عن أية لغة أخرى من لغات السود الصحراويين الذين كانوا يبعثون في المغرب الشمالي قبل البرابرة ، وهذا مع الأسف يجعلنا لا نستطيع أن نستمر في البحث أكثر ، والذي ستفاد من هذا كله هو أن الاسم إذا كان يوحي إلينا بأن مدرارا قد تزوج بامرأة حرطانية، فإن ذلك يدل على موقف يختلف تمام الاختلاف عما هو واقع اليوم تجاه الزواج بهذا الرهط المنبوذ ، فإذا كان الرجال البرابرة في سالف الأيام قد رغبوا في الزواج من نساء السود المحليين ،  وعلى الأقل لأسباب سياسية ، فإن ابن أبي القاسم يمكن أن قد فعل ، وابنه مدرار يمكن أن يكون كذلك قد تزوج من رهط أمه زد على ذلك أنه إذا كان السكان المحليون السود حينئذ عاملا سياسيا في أوائل دولة بني مدرار فإن النزاع بين بني مدار يمكن أن يكون له مغزاه في هذا التناحر ألسلالي، لقد فضل مدرار ابن بنت ابن رسنم ، ولكن شعب سجلماسة تدخل فعضدا ابن تقية ، وابن خلدون الذي يقدم لنا هذا التفصيل لم يتحدث لنا عن أي سيء أكثر من نزاع الأشخاص ، لذلك فإن كل ما تقدم يحتوي على قدر كبير من الافتراض ، وينبغي أن ينظر إليه بالقدر اللازم من الاحتراس . لقد  نسب بناء مدينة سجلماسة إلى ضابط جيش روماني في تاريخ غير معين ، وقد ذكر هذه الرواية مؤلف عربي واحد لم يكن يكتب لجمهور عربي .ففي القرن السادس عشر كتب ليون الإفريقي (5) الذي زار الناحية قبل أسره من قبل ألايطاليين يقول: يذهب البعض إلى أن هذه المدينة قد أسسها قائد جيش روماني كان قد فاد جنوده شمال موريطانية واحتل نوميديا متوجها نحو الغرب حيث بني مدينة سماها سيجيليوم مسه (صفحة 67) سميت بهذه الاسم لأنها وقعت على تخوم ماسة (الصفحة ذاتها) وبتحريف الكلمة أصبحت تدعى سجلماسة (الصفحة ذاتها) وقد علقت دائرة المعارف الإسلامية على هذا فقالت : " وفي هذه الرواية نجد إشارة صريحة للحملة العسكرية الرومانية التي قادها كل من سوتولينوس يولينوس وهو سديوس جينا جنوب المغرب الأطلسي في سنة 41 ميلادية". وجميع التعاليق الأخرى التي وقفت عليها تشير إلى نفس الارتباط ،غير أن من المحتمل أن تكون هناك عدة ارتباطات تاريخيو أخرى ، فبالرغم عما يثبته بليني (6) حين يقول :" أن أول امرأة حاربت فيها القوات المسلحة الرومانية في موريطانية كانت في أيام كلوديوس(7) ، وإن من المحقق أن جنودنا قد وصلت إلى حدود الأطلس المغربي تتابع غزوها للأهالي المغلوبين، وإن فخر روما لم يكن فقط بقناصلها وقوادها الحربيين الذين استطاعوا  أن يخترقوا سلسلة جبال الأطلس ، ولكن فخرها كان كذلك بسادتها الذين حكموا البلاد بتتابع " .ـ فإن هذا مع ذلك لم يكن أول استخدام للجيوش الرومانية في هذه الناحية ، ولكنه كان فقط أول استخدام لها بعد أن خضعت موريطانيا وأصبحت مقاطعة رومانية . بل إن الثاني (8) كان أكثر من إدارة طبيعة في يد أغسطس(حروف بالفرنسية) وكورنليوس لوتليوس كوسوس هو الذي سحق ثورة قبائل جداله (الفرنسية) في سنة السادس من ميلاد المسيح . وقد كتب مومسن(9) الذي تحدث عن المقاطعات يمثل ما تحدث عن روما ، يقول ( لقد دعت الحاجة الملك بوبا الثاني أكثر ما مرة لأن يلتمس المساعدة من الحاكم الروماني ضد الجداليين ".إن جنود من هذا النوع ، لم يكونوا تحت مراقبة عسكرية لفيلق منظم ، قد أعيروا أصحاب سلطة مجاور ، ليستعين بهم على استنباب ألأمن في مناطق نفوذه التي لم يستطع هو بمفرده أن يسيطر عليها بالقدر الذي يلزم ـ جنود من هذا النوع ، ربما كانت لهم الفرصة التامة لأن يؤسسوا قاعدة عسكرية أمامية ، بل ربما كان الدفاع المضاعف لان يقوم هؤلاء الجنود بما قاموا به هو ما قد ثبت لديهم من قبل من دلائل التجارة الرابحة التي من أجلها كانت للبلاد شهرتها  المعروفة .وفي الوقت الذي عثر فيه على قطعتين من النقود الرومانية في الصحراء عبر طريق معبدة جنوب سجلماسة ، أصبح النشاط الروماني في هذه الناحية أمرا قابلا للتصديق، إن جميع هذه المصادر غير محددة جغرافيا بالقدر الذي تمنيناها أن تكون ، ذلك أن قبائل جداله كانت منتشرة على مسافة كبيرة من تلك الأراضي ، كما أن العمليات العسكرية التي قام بها يوبأ الثاني ربما امتدت بعض الشيء إلى بعد نقطة شرقا ، بل إن الأقرب إلى التصديق أن البعثة الحربية التي قادها سوتنيوس قد اخترقت وادي زيز. وبالرغم عما ثبت من أن كلا من سوتنيوس وجيتا قد نقلا فيما بعد لاحتلال بريطانيا، فإن النص المنقول عن بليني يثبت أن مراقبة دائمة اسمرت زمنا في هذه الناحية من الأطلس الجنوبي ، وقد اخبرني طبيب في مستشفى أرقود بأنه قد وجدت بالقرب من هذه الناحية بعض الأطلال التي تأكد أنها كانت أطلالا رومانية ، كما أن الناشرين للترجمة الفرنسية الجديدة المؤلف ليو الإفريقي قد أخبرونا بأن بعض الآثار قد وجدت في هذه الناحية ، واعتبرت وكأنها أطلال رومانية ، وغير أن نسبتها إلى الرومان لا تزال لم تتأكد بعد . أن ليو هو المؤلف العربي الوحيد الذي أشار إلى أصل ومعنى الاسم ( سجلماسة)، وقد كانت مدينة ماسة تقع في المغرب الجنوبي على نهر يصب في 
فإذا كانت الكلمة عندها في اللغة العربية معنى ،دفتر تدوين ، أو ثيقة من أي نوع كانت ،فهل يمكن أنها تشير إلى بعض التقارير أو البيانات عن التجارة عبر الصحراء ؟، وهذه أيضا طريقة لا تتناسب مع التماس اسم المكان ، وإذا صح أن لفظة (سجيل) غامضة وقليلة الاستعمال ، وذات أصل دخيل في اللغة العربي ، فليس المرجح أن تكون قد استعملت مرادفا لبعض الأسماء المتداولة بكثرة  من محمل يمكن أن يحمل عليه هذا الاسم ، فالمسعود يحدثنا عن (حجارة من سجل) أنها "طين خطت بحجارة خرجت من البحر ". فهل تكون الكلمة حينئذ قد استعملت لتشير إلى معدن ذهبي؟ إن شركة البحث عم معدن الذهب في سجلماسة قد يكون عندها نوع استحسان لهذا الرأي ، وغير أن كلمة (تبر) التي تعني في اللغة العربية (تراب الذهب ) ربما كانت هي المفضلة لو أريد هذا المعنى ، وفي النهاية يبقى الجزء الأخير من الاسم غير واضح في هذه الحالة ، والذي يظهر أن هذا الاسم ليس بالاسم اللاتيني، ولا العربي ، وربما كذلك ليس اسما بربريا.   
المحيط الأطلسي، وقد كانت مدينة ذات أهمية أثرية (10) ومن الممكن أنها كانت في بعض الأوقات تسيطر على بعض الأجزاء من التراب المجاور ، وربما كانت تلك الأجزاء مساحة كبيرة إذا صح القول أن سجلماسة كانت تصل إلى حدود ماسة ، بل إن الواقع أن امتداد ماسة إلى وادي درعة يتجه بها إلى ناحية وادي زيز . فلماذا يعني الاسم إذن ؟. فهل يعني علامة أو رمز أو انتصار على ماسة ؟ إن المعنى الشائع (11) ( كلمة بالفرنسية صفحة 69) هو مجموعة من الرسوم أو من الصور ، ولكن مفرده (الفرنسية) الذي هو الصيغة الواردة في عبارة ليو يمكن كذلك أن يعني به ، أثر ، سمة علامة، ولكن هل سبق أن استعملت الكلمة بهذه الطريقة في التسمية بعض الأماكن الرومانية؟ في بريطانية الرومانية كانت توجد مدينة أطلق عليها اسم (بالفرنسية) فهل جاءت هذه التسمية من كلمة (بالفرنسية) الذي يظهر عند الفحص أن الأفضل  هو أن تجزا الكلمة إلى جزأين قبل الحرف (بالفرنسية) لا بعده ، وإن كلمة( بالفرنسية) التي تعني المكان مقصودة في الاسم ، وتكون الكلمة (بالفرنسية) دخلت إلى العربية بالتغيير الذي أعطى الاسم  سجلماسة . وفي استطاعة المرء أن يعتقد أن استنتاج ليو لا يقول على أساس محقق ، ومع أننا لا نستطيع أن نطرده عن أصول اللغات الموروثة. فإن رائحة الاشتقاق الفولكلوري تفوح منه ، واعني بذلك نوع التفسير القائم فقط على الظواهر دون البحث العلمي القائم على أساس فقه اللغات وفهمها . وناحية الضعف في هذا التفسير اللغوي تأتي من كون الجزء الثاني من الاسم يبقي دائما غامضا ، كما أن الاستعمال الروماني  هو أيضا أمر مشكوك فيه ، والحقيقة أن كون لفظ (سجيل) دخل العربية لا يساعد حتما التعليل الذي أتى به ليو ، ذلك لأنه بالرغم من عدم اعتراف كثير من المعلقين فإن الاسم يمكن أن يكون بكل سهولة من أصل عربي (12)
فإذا كانت الكلمة عندها في اللغة العربية معنى ،دفتر تدوين ، أو ثيقة من أي نوع كانت ،فهل يمكن أنها تشير إلى بعض التقارير أو البيانات عن التجارة عبر الصحراء ؟، وهذه أيضا طريقة لا تتناسب مع التماس اسم المكان ، وإذا صح أن لفظة (سجيل) غامضة وقليلة الاستعمال ، وذات أصل دخيل في اللغة العربي ، فليس المرجح أن تكون قد استعملت مرادفا لبعض الأسماء المتداولة بكثرة  من محمل يمكن أن يحمل عليه هذا الاسم ، فالمسعود يحدثنا عن (حجارة من سجل) أنها "طين خطت بحجارة خرجت من البحر ". فهل تكون الكلمة حينئذ قد استعملت لتشير إلى معدن ذهبي؟ إن شركة البحث عم معدن الذهب في سجلماسة قد يكون عندها نوع استحسان لهذا الرأي ، وغير أن كلمة (تبر) التي تعني في اللغة العربية (تراب الذهب ) ربما كانت هي المفضلة لو أريد هذا المعنى ، وفي النهاية يبقى الجزء الأخير من الاسم غير واضح في هذه الحالة ، والذي يظهر أن هذا الاسم ليس بالاسم اللاتيني، ولا العربي ، وربما كذلك ليس اسما بربريا.


(1) للاطلاع على تفاصيل هذه الوقعة واختلاف روايات المؤرخين في تحديد سنة وقوعها راجع تاريخ دولة الإسلام في الأندلس ج 1ص 204 ) للأستاذ عبد الله عنان          المترجم  
(2) يعني في النص الذي يتعلق برواية بناء مدرار للمدينة ، أما عندما أخذ البكري يتكلم بعد على تعاقب رجال الدولة على الحكم ، فقد جاءت عبارته كما يلي : " وإلى ابنه مدرار المنتصر بن اليسع ، ومدرار لقب " (المغرب ص 150) . فإذا نظرنا إلى هذه العبارة في ظاهره وصريحها نجد أن البكري قد اعتبر أن (المنتصر ) هو الاسم ، وإن (مدرار، هو اللقب ، وحينئذ يكون قد ابتعد عن الاستعمار التاريخي لتلقيب الملوك والأمر في عهود ما بعد الصحابة ، أما ابن عذارى فقد جاءت عبارة صريحة في اعتبار (مدرار ) اسما لرجل دولة لم يستحق أي لقب ، وذلك حين يقول :" ثم ولى بعده ابنه مدرار بن اليسع " (المغرب ج1 ص 217 ) ، ثم بعيد التصريح بتخصيص لقب (المنتصر ) بالأب الذي هو اليسع حين يقول :"وهو المنتصر بن سمغون المتقدم ذكره ". ثم يأتي ابن خلدون فيخالف كلا من البكري وابن عذارى ويأتي باسم مدرار ملقبا بالمنتصر كما جرت العادة في الاستعمار التاريخي الإسلامي حين يقول :" وولى مدرار ، ولقب المنتصر "( العبر ج 6 ص 131 ) .               المترجم  

(3) في موضوع انتشار المذهب الخارجي في المغرب  يقول ابن خلدون ج 7 ص 24 طبعة بيروت : " لم لما استأثلت دولة بني أمية كثرت الخارجية في البربر وملك ورفجومة القيروان، وهوارة وزناتة طرابلس ،ومكناسة سجلماسة  ، وابن رسنم تاهرت" . وابن رسنم هذا هو عبد الرحمن بن رسنم الفارسي الأصل الأباظي على المذهب ، دخل إفريقيا في أوائل الفتح الإسلامي، استخلفه أبو الخطاب المعا فري   الأباظي على القيروان سنة 141 ولما   انهزم البرابرة الاباضيون على يد ابن الأشعث وقتل أبو الخطاب فر عبد الرحمان بن رسنم إلى المغرب الأوسط وألتحق بالأباظية هناك  فبايعوه بالخلافة ، وأسس مدينة تاهرت التي أصبحت فيما بعد عاصمة الدولة الرسمنية الخارجية التي استمر حكمها بالجزائر 130 سنة إلى أن سقطت  على يد العبيديين. وانظر أخيار تاهرت وأخبار الدولة الرستمية في البكري المغرب ص 66ـ 67 ابن عذارى ج ص 278 طبعة بيروت .ابن خلدون ج .6 ص 246 ـ 247 طبعة بيروت . وعن حضارة الدول الرستمية ونظام الحكم فيها ، انظر التاريخ العام للجزائر لعثمان الكعاك ص167 ، وكتاب الجزائر لأحمد توفيق ص 20ـ 21ـ 22.
(4) ورد اسمها عند البكري ، ثيقة ، وعند ابن عذارى بقية ، وعند ابن خلدون في طبعة : بغي . وفي الجزائر وبيروت : تقي .                     المترجم         
(5) راجع التعليق رقم (2) من " دعوة الحق" العدد السابق ص 50     المترجم
(6) راجع التعليق رقم 1 (دعوة الحق) العدد السابق رقم 59           المترجم
(7) هو كلوديوس بن دروسس، أحد أباطرة الرومان الذي تولي حكم الإمبراطورية الرومانية بعد  جايوس كاليجيولا من سنة 41 إلى سنة 54 ميلادية ، وكان أهم حادث وقع في عهده هو احتلال لبريطانيا سنة 34 ميلادية. وقد ذكرت دائرة المعارف البريطانية (مادة  كلمة بالفرنسة)   وول ديوانت ( قصة  الحضارة ج 11 ص 35 ) إن كلوديوس هو الذي ألحق موريطانيا بالإمبراطورية الرومانية ، وقسمها إلى موريطانيا القيصرية في الشرق ، موريطانيا الطنجية في الغرب ، أما الأستاذ أحمد صفر صاحب كتاب (مدينة المغرب العربي في التاريخ ، فقد ذكر ( ج 1ص 291 ـ 305 ، إن كاليجيولا هو الذي ألحق موريطانيا  بالإمبراطورية الرومانية ، وقسمها إلى ولايتين رومانيتين جديدتين بعد أن قتل الملك بطليموس ابن  بوبا الثاني، وقصي على الثورة البربرية التي قامت في عهده بزعامة الزعيم البربري ايدامون، تحت قيادة  القائد الروماني سوتونيوس يولينوس المذكور في النص الذي نقله الكاتب عن دائرة المعارف الإسلامية .                                                    المترجم  
(8) هو بوبا الثاني بن الملك البربري يوبا الأول ، ولد سنة 50 قبل الميلاد، ولما مات أبوه منتحرا سنة 46 قبل الميلاد ، أخذه يوليوس قيصر معه إلى روما وهو صبي صغير ، وهناك حظي برعاية أغسطس الذي وكل تربيته إلى أخته أو كتانيا ، ولما كبر زوجه بلكيليوباترا الصغيرة  ابنة كيليوباترا ملكة مصر الشهير سنة 29 قبل الميلاد ، وأورته عرش أبيه على نومييا سنة 30 قبل الميلاد، وبعد أن أصبحت  نوميديا مقاطعة رومانية عوضه عنها مملكة موريطانية سنة 25 قبل الميلاد ، وفي عهده ثارت قبائل جداله البربرية في الحكم الروماني ثورتين اثنتين ، وإحداهما سنة 6 ميلادي في أيام حكم أغسطس ، وهي الثورة  التي قضي عليها كورنليوس ، والثانية في سنة 17 ميلادية في أيام حكم تييربوس خلف أغسطس بزعامة  الزعيم البربري تاكفاريناس، وفي كلتي الثورتين كان بوبا الثاني يحارب مع القواد الرومانيين جنبا إلى جنب  ضد الوطنيين ، وقد كان بوبا الثاني عالما ومؤرخا ألف أكثر من كتاب في الفن والأدب والتاريخ والنبات،  ويظن أن وفاته كانت بين سنة 19 و 24 ميلادية. ( كلمات بالفرنسية) 
(مدينة المغرب العربي في التاريخ ) ص 286 وما بعدها
                                                                      المترجم
(9) (كلمة بالفرنسية) أحد رجال التاريخ الكلاسيكيين الألمان في القرن التاسع عشر ، ولد سنة 1817 وتوفي سنة 1903 ، وقد اشتهر كذلك بضلعه في القانون وفقه اللغات والمسكوكات، شغل أكثر من منصب في أستاذية التاريخ القديم والفقه الروماني ، وكتب تاريخ روما في خمس مجلدات، قال جائزة نوبل في الأدب سنة 1902.                                       المترجم    
(10) ذكر ألزياتي في الترجمة الكبرى أن ماسة إحدى المدن التي بناها البربر قبل الإسلام، وذكر المالكي في رياض النفوس (ص 26) والدباغ في معالم الإيمان (ص 48 ) إن عقبة وصل إلى ماسة وبني بها مسجدا . وقد صورها ابن حوقل في خريطته التي وضعها للمغرب تحت اسم (رباط .إسة) ، وقال (ص 86) : إنها تقع بين النهر والساحل . وذكر البكري عند كلامه على وادي ماسة (ص 161) : (إن ماسة التي أضيف إليه الوادي ، رباط مقصود عندهم ،له موسم عظيم ، ومجمع جليل ، وهو مأوى الصالحين) .  وذكر ابن عذارى (ج 1ص 102) : إن المولى إدريس انتهى إلى بلاد السوس الأقصى ودخل ماسة .وما  ذكره البكري ذكره ابن خلدون في (ج 6ص 138 طبعة بيروت) . وذكر في نفس ج( ص 374) : إن  أبا بكر اللمتوني غزا بلاد السوس الأقصى وافتتح ماسة ) .ورباط ماسة هو الذي اعتصم به محمد بن هود الماسي حينما ثار على عبد المومن ألموحدي سنة 480 . وقد وضع المرحوم السيد أحمد المكناسي (ماسة ) في خريطته الاكيولوجية للمغرب ، وسط الخط الواصل بين أكادير وايفني على شاطئ المحيط الأطلسي.                                                               المترجم
(11) يعني في اللغة اللاتينية
(12) جاء في القرءان لفظ (سجل ) بدون باء، و (سجيل) بالياء ، وقد اختلف أهل اللغة وأهل التفسير في المعنى اللفظتين وفي أصالتهما أو تعريبهما ، فقالوا في الأول ( سجل) إن من معانيه : الصك ، وكتاب العهد والكتاب العهد، والكتاب، والرجل بلغة الحبشة، وقد عده الأدب رفائيل نخلة في كتابه اللغة العربية) من الألفاظ المأخوذة عن اللاتينية وقال : إن أصله فيها لفظ (بالفرنسية) الذي يعني وضع الخاتم على ما قيد من العقود ، وقد رجح الأستاذ أحمد محمد شاكر في تعليقه على كتاب ( المعرب) للجو ألبقي تبعا لابن دريد إن اللفظة عربية . وقالوا في الثاني (سجيل) إن من معانيه ، والصلب الشديد، وحجارة كالمدر، وحجارة من طين ، وقد ذكر البخاري في تفسير سورة هود من صحيحه إن معناه (الشديد الكبير) ، وعلى هذا المعنى يكون عربيا أصيلا كما هو مذهب أبي عبيدة، أما في تفسير سورة الفيل من صحيحه أيضا فقد روي أن ابن عباس قال :(سجيل من سنك وكل) وعلى هذا يكون دخيلا في اللغة العربية من الفارسية ، وإلى ذلك ذهب الجو اليقي تبعا لابن قتيبة والأزهر ، ومفسر لفظتي سنك ، وكل الفارسيتين بمعنى حجارة وطين ، ولهذا المعنى ذكرها المسعودي عند على قصة الفيل في مروج الذهب كما سينقله الكاتب عنه فيما بعد .
                                                المترجم               

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here