islamaumaroc

زيارة الوفد المغربي للاتحاد السوفياتي -5-

  دعوة الحق

117 العدد

قضينا يوما كاملا بمدينة سمر فئد ، ونحن نتجول مغتبطين في أحيانها الفسيحة الجميلة ، ومآثرها الخالدة ، ومتاجرها البسيطة في مظهرها الشرقي القديم ، ومعالمها الحافلة بالأمجاد ، والتي أفضنا الكلام عنها في حلقة سابقة . ومدينة سمر فند تمتاز إلى جانب هذا بلبليها الهادئة الساحرة ، ونجومها المترجرجة في أديم السماء ، وهوائها الرطب العليل ، وأضوائها الشاجية التي تضفي على المدينة الوديعة طابعا شرقيا خالصا ، تبعث في النفس شتى الشجون والفنون .. وإن شوارعها الجميلة لتكتظ مساء بجموع من الشباب المتوثب الذي يفيض حيوية ، ويتدفق نشاطا ، فلا تشعر ، لفرط اهتباله بالغريب ، إلا وهو يقدم إليك باقة من الورود والرياحين ، وعلى قمة طيف  ابتسامة رقيقة عذبة تنفرج بها شفتاه ... ثم يتابع خطاه الوليدة في هدوء واستحياء . وفي يوم الأربعاء 29 ـ 5 ـ 1968 ، وبعد أن برزت الغزالة من خدرها ، وأشرقت على العالم بنور ربها غادرنا هذه المدينة ، شاكرين أهلها شكرا غير ممنون ، إلى مدينة بخارى الواقعة بجمهورية عزبكستان المعاصرة والتي كانت تعتبر قبل اليوم إحدى مراكز الثقافة الإسلامية الكبرى ، ومعقلا حصينا من معاقل الإشعاع الإسلامي في التركستان... وقد اتخذنا سبيلنا إليها طائرة ذات محرك واحد طوت بنا مسافة 340 كلم في نحو ساعة كاملة ، مع العلم أن وسائل النقل في الإتحاد السوفياتي عموما، تتم غالبا بواسطة الطائرات نظرا للأبعاد الفاصلة بين الجمهوريات وحواضرها وبواديها ومدنها ، فأي مسافر يود أن يتجه إلى بلد ما فما عليه إلا أن يقصد أقرب مطار إليه ، ويحتجز تذكرته ، وكأنه يركب حافلة عادية كما هو الحال عندنا ... كنا نتخيل ، قبل أن نزور مدينة بخارى ، إننا سنغشى مدينة حافلة بالنشاط ، زاخرة بالحركة والحيوية ، مليئة بما رسمته مخيلتنا من تحف واعلاق، عامرة بالمدارس والمعاهد التي جعلت من مدينة بخارى أيام عزها ومجدها مركز إشعاع روحي وعلمي في قلب ءاسيا الوسطى لكننا ، وقد وصلناها ، وجدنا نفسنا في غير ما كنا نتخيله ، فهي مدينة مجهدة متعبة تجتر ذكرياتها التي طواها الزمن أو كاد وتنوء بأعباء السنين ، وعليها غبرة ترهقها فترة،! فأنشدت في سري قول الشيخ يوسف لنبهاني :
ويممت دار الملك أحسب أنها
                 إلى اليوم ، لم تبرح إلى المجد سلما
فألفينها قد أقفرت من كراهما
                 ولم يبق فيها المجد إلا توهمـــا
قالي الله عاقبة الأمور!!!!!
    
استقبلنا شيوخها الفضلاء وعليتها النبلاء ، مرحبين بسلامة القدوم ، وأخذونا إلى نزل جميل تم فيه لقاء حار ،بين مسلمين شطت بهم الدار ، وجمعتهم عناية الأقدار ، حول أكرم مزار. وأن يوم واحدا يقضيه المرء الغريب في بلد ما ، لا يعطيه الصورة الكاملة للبلد الذي يريد زيارته ، ولكننا في الحقيقة ، وبالرغم عن كل ذلك ، فقد استطعنا أن نلتقط صورة حية عن إخواننا المسلمين بهذه المدينة حيث جسنا خلال ديارها ، ووقفنا على رسومها ، وخبرنا معالمها ، واتصلنا بطلبتها في مدرستهم الدينية التي تحمل اسم الشيخ عبد اليمنى الملقب بمير عرب والذي كان يتمتع في القرن السادس عشر بنفوذ كبير ، وهي تقع بمحاذاة مسجد كلان الذي يحدث في النفس تأثيرا فنيا رائعا ... وسكان هذه المدينة الذين استطعنا أن نتصل بهم تبدو عليهم مظاهر الفاقة والفقر ، ولكنهم بأنفتهم وشهامتهم طووا صدورهم على التقوى ، حتى بحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ، مع أن مدينتهم ، وهي تعتبر من أكبر المدن الغنية ، الحافلة بالمعادن والكنوز ، لا يظهر على أهلها ومواطنيها ما يظهر على واقع مدينة تتمتع بخيراتها ومقدراتها ، من إمارات الغنى ولاكتفاء ، وهذا يذكرنا بقول شاعر النيل حافظ إبراهيم رحمه الله :
أيشتكى الفقر غادينا ورائحنا ؟
               ونحن نمشي على أرض من الذهب !
إن مدينة بخارى لهي اليوم في الإتحاد السوفياتي من أغنى المناطق في العالم التي تنتج البترول وتغدق من باطن أرضها ثروات وغنى ، فقد قالت وكالة أنباء نوفوستي السوفياتية: أن آسيا الوسطى السوفياتية تنتج الآن من المنتجات أكثر مما كانت نتيجة روسيا ما قبل ثورة أكتوبر ، وقد مد الإتحاد السوفياتي في بخارى أعظم خط الأنابيب البترول في العالم ، هو خط بخارى ـ أورال ، الذي يأخذ طوله نحو ألفين من الكيلومترات ليمد روسيا بما تحتاجه من الغاز..!
وأشد ما لقيت من ألم الجوى
                قرب الحبيب وما إليه وصول
كالعيس في الصحراء يقتلها الظمأ
               والماء فوق ظهورها محمـول
فماذا عند التاريخ الأمين من أخبار هذه المدينة ؟
ومتى عرفت الإسلام ؟ وما هو دورها في التاريخ؟
وهل بقي للعرب وجود بها ؟
وهل ما زالوا محتفظين بلغتهم؟
وما علاقتها بالمغرب؟
في خلافة معاوية بن أبي سفيان الأموي توجه  عبيد الله بن زياد إلى خراسان وهو ابن خمس وعشرين عاما ، فعبر النهر في نحو أربعة وعشرين ألفا حتى أدرك بيكند، فتصدت له خاتون بخارى التي أقضى إليها الحكم ، وبعد ما استصرخت الترك ، لكن المسلمين هزموهم ، قولوهم الأدبار ، فطلت الخاتون، تحت ضغط الغلبة والسلطان ، الصالح ، وعاود المسلموا دخلوا بخارى وفتحوا ، في طريقهم ، رامدين بيكند . ثم ولى معاوية سعيد بن عثمان بن عفان خلفا لعبيد الله بن زياد ، فعاود عبور النهر بعد أن تقضت خاتون بخارى الصلح ، وجمعت من الصفد والترك وأهل كش ونسف نحوا من مائة وعشرين ألفا ، لكن هذه الجموع الحاشدة قد دحرها العرب ، وهزموهم هزيمة منكرة ، مما اضطر الخاتون إلى طلب الصلح مرة أخرى ، بل أن التاريخ يحدثنا بأنها سارت في ركاب سعيد بن عثمان ، وهو يقاتل أهل سمر قند حتى طلبوا الصلح ، كما عاونته في فتح ترمد ... ثم عزل معاوية سعيدا بن عثمان ، وولى مكانه عبد الرحمان بن زياد إلى أن آلت الخلافة إلى يزيد ، فإنه ولي خراسان سلما بن زياد (62 ـ 64 ) الذي كان بعد من أول العرب مقاومة الطبيعة الإقليم الجامعة ، الحافلة بالعقبات الطبيعية ، والممرات الوعرة الجبلية التي يسهل للعدو الصمود عندها، والدفاع عنها ، بالإضافة إلى الجو القارص البرد ، الشديد الزمهرير الذي لم يألفه العرب من قبل . وقبل سلم بن زياد كان العرب ينظمون المصالح السريعة ، والمراكز الستراتيجية، والغازات الخاطفة حينا ، فإذا أقبل الشتاء ببرده النافح ، وجوه القاسي آوى العرب إلى حصونهم المنيعة في خراسان حتى يكون العالم الذي بليه ، لكن قدمنا ، كان أول القواد فضاء للشتاء عبر النهر ، وهكذا ذلل العرب كل عقبة كانت تعترضهم ، وبدا المجاهدون العرب يقهرون الطبيعة ، ويخضدون شوكتها ، ويألفون هذه الأجواء . وقد قام سلم بن زياد في فتوحه بمنجزات كثيرة ، وفتوحات حاسمة ، فقد صالح أهل خوارزم على أربعمائة ألف واستعاد سمر قند بعد أن كانت قد خرجت من طاعة المسلمين ، وأوقع الهزيمة بجموع الصفد .! ونلاحظ أن القواد الأمويين بداوا يشركون أهل البلاد المفتوحة ، ولو كانوا على غير الإسلام في جيش الغزو ، وقد اشتركت قوات كبيرة منهم في جيش قتيبة، ووفد إليه المطوعة من بخارى وغيرها من بلدان ما وراء النهر ، كما أن القوات العربية استطاعت ، بدهائها وسياستها ، أن توقع الفرقة ، وتحدث الشتات بين الإمارات التركية ، فدب النزاع بين إمارتي فرغانة وخوارزم حيث أفاد العرب من هذا الانقسام إلي حد بعيد . وقد أمر فتيبة أهل بخارى ونسف ، في معارك سنة 95 ، بأن يمدوه بعشرين ألفا من المقاتلة ، وبهذا كان العرب الفاتحون لبلدان ما وراء النهر يتناولون هذه الإمارات كلا على حدة .. واستطاع قتيبة في سنة 87 إلى 90 إن يقتحم إقليم بخارى الذي كان لسقوطه اثر بالغ في البلاد كلها فقد أبرز مدى قوة العرب ، وشدة شكيمتهم ، وتمرسهم بالحرب في هذه المرحلة الجديدة ، فسارع ملك سمر قند بالاتصال مع قتيبة لوضع شروط للصلح ، وتجديد المعاهدة القديمة التي كانت قد عقدة ، كما قدمنا ، مع سلم بن زياد . وقد أمر قتيبة ببناء المساجد في بخارى وسمر قند وغيرها من البلاد ، وأنزل العرب في قلعة بخارى كما أنزلهم في سمر قند ، وأنشأ في بخارى جامعا معروفا باسم جامع قتيبة ، وكان يمنح عطاء قدره درهمان لكل مصل جديد ، وكان يرسل الفقهاء إلى البيوت لتعليم شعائر الدين ، وقد أجاز ترجمة القرءان إلى اللغة الفارسية ، ولم تكن المساجد في عهده دورا للعبادة فحسب ، وإنما كانت مدراس للثقافة الإسلامية ، واتبع 1ذلك بتوطين القبائل العربية في المدن الكبرى كبخارى وسمر قند ، وتتابعت هذه الجهود في عهد عمر بن العزيز الذي أسقط الجزية عمن أسلم ، وأمر عماله بالدعوة إلى الإسلام ، واستمرت هذه الجهود بعد عمر خاصة في عهد الوالي أشرس بن عبد الله السلمي ( 108 ـ 110هـ ) إذ كان أول من أنشأ الربط والخوانق والمدارس ، وعمل على تثبيت قدم الثقافة العربية في البلاد ، فكان ذلك مقدمة لمدارس بخارى وسمر قند .. يقول البلاذري : " ودعا هشام أهل ما وراء النهر إلى الإسلام ، وأمر بطرح الجزية عمن أسلم ، فسارعوا إلى الإسلام ، وانكسر الخروج " وهكذا تدافع الآلاف من الناس إلى اعتناق الإسلام ، وتعلم اللغة العربية أفواجا ، أفرادا وأزواجا .. ويقول الطبري :" إن ثمانين ألفا من غير المسلمين اعتنقوا الإسلام في عهد نصر بن سيار الذي تغلب على جميع الانقسامات الداخلية ، ووضع حدا لما عاناه المسلمون من مشاكل الجزية والخروج ، بل ذهب نصر في تسامحه إلى أبعد مدى ، فعفا عمن ارتد عن الإسلام ، وأعفاهم من متأخرات الجزية والخروج ، واستعاد أسرى المسلمين ، وافر الأمن على الحدود .. وقد أفاد العباسيون من الجهود التي بذلها الأمويون لنشر الإسلام ، وبث دعوته السامية ، واستطاع دعاتهم أن يجتذبوا جماهير المسلمين هناك لمبادئ الدعوة القائمة على العدل والإحسان والإصلاح والقسطاس المستقيم .. وأسهم أبو مسلم في قمع الحركات الإيرانية المناولة للإسلام ليتوطد نفوذه ، وتعلو كلمته ، فقضى على ثورة قام بها الكهنة المجوس ، وكان أهل بخارى من أنصاره الجدد عدته في قمع الثورات العربية التي اشتغلت هناك عام 133 هـ . وإن الانشقاق العلوي لقي قبولا في منطقة بخارى حيث قامت ثورة شريك بن صالح تنادى بأحقية العلويين ، وقد تجمع حوله نحو ثلاثين ألفا من بخارى وحدها ، بل امتدت هذه الحركة إلى خوارزم إلى أن تمكن العباسيون من الفضاء على هذه الثورة ، واستعادة نفوذهم . وفي عهد المهدي اندلعت ثورة يوسف مولى ثقيف الخارجي في بخارى سنة 160 هـ ، وكان يوسف يمد سلطانه إلى مرو والطالقان والجوزان، ثم اشتعلت ثورة أخرى في عهد المأمون ، هي ثورة يوسف حفيد منصور بن عبد الله ، وانتشرت فتن الخوارج في سجستان، التي ظلت بؤرة للثورات حتى في عهد الظاهريين والسامانيين . ويرجع الفضل الكبير إلى العباسين الذين مكنوا لهذه الحركة الإسلامية العميقة من أن تمضي في سبيل نجاحها ليكتسب إقليم ما وراء النهر في مستهل القرن الثالث طابعا إسلامية واضحا صريحا . والحق أن العباسيين كان لهم دور بارز في انتشار الإسلام والثقافة العربية في بلاد ما وراء النهر . وقد تبع انتشار الإسلام سير الثقافة في طريقها المرسوم ، فلم تعد ثقافة الوافدين من العرب ، وإنما توطنت بين أهل البلاد الذين بداوا بعد تعلم اللغة العربية يضيفون المثير إلى الإنتاج الإسلامي .. وإذا كانت مدارس ما وراء النهر قد ازدهرت في عهد الظاهريين والسامانيين حينما برزت بخارى وسمر قند كمراكز للعلم والثقافة ، فليس من شك في أن الخطوات الأولى التي أدت إلى هذا التطور قد تمت في القرن الثاني والثالث ، فلم يكن ذلك الانبعاث نتيجة انتفاضية طارئة ، أو طفرة مفاجأة ، بل كان نتاج تطور طبيعي تعاقب أجيالا ، وثمار بذور زكية غرستها أبد كثير مومنة مخلصة ، ثم سهرت على رعايتها وتعهدها بالري والسقيا حتى أتت اكلاشيها .. وقد اتفق مسلموا ما وراء النهر جهودا كبرى بذلها أبناء هذه البلاد في نشر العلم والثقافة الإسلامية ، ويكفي أن نشير إلى أن عطاء هذه المدن كان من الوفرة والغزارة ما حفل به التاريخ الإسلامي لهذه البلدان فبخارى أنجبت أعظم محدث في الإسلام ، وصاحب أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى وهو الإمام محمد ابن إسماعيل البخاري الجعفي المتوفى عام 256 هـ . ونيسابور أنجبت مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح ، وترمد أعطتنا أبا عيسى الترمذي ،وسجستان أعطتنا أبا داود صاحب السنن ، ونسأ أنجبت  النسائي صاحب السنن أيضا ، وقزوين أعطتنا ابن ماجه ، كما جادت بلاد ما وراء النهر بالإمام الكبير محمد بن إسماعيل القفال صاحب محاسن الشريعة . وولده أبي القاسم الشاسي صاحب التهذيب ، ونظام الدين الشاسي ، وابن الهيثم ابن سعيد الشاسي صاحب المسند في مجلدين والمشهور بمحدث ماوراء النهر ، وجز الله الزمخشري، ويوسف السكاكي، وعبد القاهر الجرجاني ، وسعد الدين النفنازني، والعلامة السيد الشريف الجرجاني ، وشمس الدين السرخسي صاحب المبسوط ، وعلي المرغبناني صاحب الهداية ، وعبد الله بن أحمد ألنسفي صاحب التفسير ، وأبي منصور الماتريدي أمام أهل السنة ، وأبي بكر الخوارزمي الكاتب الأديب ، والشطرنجي ألصولي الأديب المعروف وأبي النصر الفارابي المعلم الثاني ، وأبي زيد البلخي، وبني موسى ابن شاكر ، وأبي الريحان البيروني الذي علم المسلمين فسفه الهند وعلومها ، والجوهري الذي أهدى إلى الأمة العربية معجمه اللغوي ، كما أن بخارى ، وبصفة خاصة ، ينسب إليها خلق كبير من أئمة المسلمين في فنون شتى، كأبي زكرياء عبد الرحيم بن أحمد بن نصر التميمي البخاري الحافظ المتوفى عام 461 هـ كما أنجبت الشيخ الرئيس أبا على ابن سينا حكيم الإسلام البخاري المتوفي عام 428 ، وأبا عبد الله الناتلي ، وإسماعيل الزاهد أستاذي الشيخ الرئيس ، ومحمد بن سلام البيكندي، ومحمد بن يوسف ، وعبد الله بن محمد ألمسندي ، وهارون بن الأشعث وهم من أساتيذ الإمام البخاري . وطاهر ابن أحمد بن عبد الرشيد بن الحسين افتخار الدين البخاري ، الفقيه الذي يعد من كبار الأحناف وصاحب " خلاصة الفتاوى" و" الواقعات" و" ألتصاب" توفي عام 542 ، وعبد العزيز بن أحمد ابن محمد علاء الدين البخاري ، الفقيه الحنفي الذي كان من علماء الأصول ، وله تصانيف منها ، "شرح أصول البزدوي" في مجلدان و" شرح المنتخب ألحسامي"، ومحمد بن أحمد بن محمد بن خير الله البخاري من أعلم أهل الشام في عصره بالحديث ، أصله من مدينة بخارى سكن نابلس بفلسطين وتوفي فيها بالطاعون ، له " ألقول الجلي" في ترجمة ابن تيمية ، ومحمد صالح الرضوي نسبا ، ألسمر قندي أصلا ومولدا ، البخاري طلبا للعلم وشهرة ، المدني مسكنا ومدفنا المتوفي بها عام 1263 ، وهو علامة كبير ، زار المغرب أواسط القرن الثالث عشر ، وترجمته في فهرس الفهارس ، ومحمد بهاء الدين النقشبندي الذي كان رئيس طريقة لها عدد غفير من الإتباع في تركيا ، وامتدت حتى بلغت اندونيسيا ، وألف " كتاب الحياة " و" دليل العشاق " وقد كان له كثير من الإتباع والمريدين ، ولد في بخارى ، وقضى فيها معظم سني حياته .. إلى غيرهم من الإعلام ..               
وقد بدأت مدارس بخارى ترسخ قدمها في الإنتاج ، وتذيع شهرتها في الآفاق عندما قامت الدولة الطاهرة في القرن الثالث الهجري والتي قامت بدور حاسم كانت له أبلغ النتائج ، فقد أمنوا الحركة الإسلامية عن طريق الحكم المستقر الذي أقاموه ، وانصرفوا إلى الإصلاحات الداخلية بصورة لم تكن معهودة من قبل ، وقد أدت الحياة الاقتصادية المستقرة من الناحية، وتشجيع الظاهريين من ناحية أخرى إلى تشجيع الحركة العلمية والفكرية والأدبية.. وقد كان الظاهريون أنفسهم على درجة كبيرة من الثقافة الرفيعة ، حيث عرف عبد الله بقرض الشعر ، وكان ابن أخيه منصور بن طلحة يؤلف الكتب ، حتى أصبحت ما وراء النهر في عهد الظاهريين بلدا إسلامية تؤوي كثيرا من المجاهدين الأوفياء الذين يقدمون إليها للمشاركة في جهاد الأتراك الشرقيين وحماية دار الإسلام . لقد استقر نفوذ الدولة السامانية في تركستان وخراسان ، وأصبحت من أعظم الدول نظاما ، وأكثرها استقرارا ، وأوفرها ثروة في القرن الرابع الهجري،  وكان دورها في الإحياء الفارسي أوضح الأدوار ، فانطلقت من قصور أمرائهم أعذب القصائد ، وحج إليهم كبار الشعراء ن وحفل عهدهم بحركة أدبية عظيمة ، سواء باللغة العربية التي أفاض في الحديث عنها أبو منصور الثعالبي والمقدسي ، أو باللغة الفارسية التي أفاض في شرحها المؤرخ اللامع الأستاذ محمد عوفي ، بل إن ظهور الفارسية الحديثة إنما يرجع الفضل فيه إلى السامانيين، فقد بعثوا اللغة الجديدة مكتوبة بقلم عربي ، واستخدموها لغة لبلاطهم وحكومتهم ، بل نجد بعض أهل الفتيا في بلاطهم يفتي بجواز الصلاة باللغة الفارسية كاللغة العربية .. وإن هذا الانتشار العلمي الشامل ليس انتشارا للعقيدة الإسلامية فحسب وليس مجرد صراع بين الإسلام وبين الديانات الأخرى ، وإنما هو انتشار ثقافي قبل كل شيء انتشار للغة العربية وثقافتها ذات الطابع الديني المعروف .. لقد كان من أولى ثمرات الاستقلال الساماني فيما وراء النهر تمكن الحركة الاستقلالية من البلاد وانتصارها انتصارا لا تقهر من بعده ، وتمكن الثقافة العربية من البلاد ، وصيرورة الإقليم مركز إشعاع ثقافي إسلامي عظيم امتد أثره شرقا حتى الصين ، وشمالا حتى كاشغر ، وغربا حتى حوض الفولجا . قال الثعالبي : كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد ، وكعبة الملك ، ومجمع أفراد الزمان ، ومطلع نجوم أدباء الأرض ، وموسم فطلاء الدهر " . وبجمع مؤرخو هذه الفترة على أن الحركة الفكرية ، والنهضة الإسلامية الكبرى انبعثت من مدارس ما وراء النهر ، ولاسيما في بخارى ، ويجب التشبيه أن مستوى الرخاء ومظاهر الثروة وتشجيع العلماء ورجال الفكر يساعد على تشجيع الحركة العلمية ونموها . وقد ساهم السامانيون في هذا البعث بتشجيعهم الحركة العلمية وتقديرهم لرجال العلم ، وقد عمل إسماعيل بن أحمد الساماني ، الذي وزر له الرئيس ابن سبنا ، على توطيد ملكه وسلطانه في بخارى بمعونة الفقهاء ، بل أنه أعفاهم من تقبيل الأرض بين يديه ، وكان يختار نخبة من فقهاء الحنيفة ورجال العلم في بخاري لأخذ رأسهم في المسائل الهامة. وقد زرنا أتناء إقامتنا بمدينة بخارى ضريحه الذي يعتبر من أروع الأمثلة على فن المعمار الذي يمزج تقاليد البناء القديمة بالمنجزات الحديثة ، كما أنه يعتبر حقا بمجموعة صفاته التصميمية الفنية من فرائد البناء ، إنه عمارة عن بناية صغيرة ذات قبة تتصل بقسم أساسي مكعب على أساس بنائي حديد هو طبل مثمن الإضلاع . ويرى المؤرخون في الدور الذي قام به السامانيون في هذا الصدد امتدادا للمحاولات السامانية القديمة . ويعترف المؤرخ بارتولد بذلك النفوذ العظيم للمدارس الثقافية في عصر السامانيين يقول : " وتدل الوثائق التي بين أيدينا على أن المدارس التي قامت بخراسان وما وراء النهر في القرن العاشر الميلادي لعبت الدور الأهم في نشر الإسلام ، وأنه إذا كانت الحركة الإسلامية قد أحرزت نجاحا خارج حدود ما وراء النهر ، فإن الفضل في ذلك يرجع إلى مدارس ما وراء النهر ." ولا تنسى هنا نذكر بأن السامانيين قاموا بدور خالد عظيم ، هو كسبهم عالم الأتراك الشرقيين للحضارة الإسلامية ، هؤلاء الأتراك الذين سيصبحون ، فيما بعد ، مادة للإسلام ، وقوة للحضارة الإسلامية ، والوثائق تظهر الجهود الكبيرة التي قامت بها مدارس ما وراء النهر خصوصا بخارى وسمر قند ، والتي نشطت إلى أبعد الحدود في القرن الرابع الهجري ، عصر الدعوة الثامنة إلى الإسلام بين الترك . ولا بأس من أن نشير إلى الجهود التي بذلت في هذا السبيل ، وقام بها رجال عظام كالجهود التي بذلها أبو الحسن محمد بن سعيان ألكلماتي الذي غادر نيسابور سنة 340 هـ وقضى وقتا لا بأس به بمدينة بخارى ، ثم رحل إلى ديار الأتراك الشرقيين ودخل في خدمة كبير خاناتهم ، وكذلك جهود الفقيه أبي الحسن سعيد بن حاتم الذي رحل إلى ديار هؤلاء الترك ، ولقي حتفه هناك ، وقد حفلت هذه الفترة بالمآت من أمثال هؤلاء الدعاة . وقد اضطلع القره خانيون الذين كانت لهم إمارات في تركستان ،بدور عظيم قاموا به في تاريخ انتشار الإسلام في آسيا الوسطى ، وهم من الأتراك الشرقيين في تركستان ... ويحيط الغموض بالقره خانيين بأصلهم ، وكيفية إسلامهم ، ومتى تم اعتناقهم الإسلام على وجه التحديد ؟! غير أن الذي لا جدال فيه هو أنهم لم يغفلوا دورهم كمبشرين بالإسلام وذادة عن تراثه ، وحماة عن كيانه ، كما أنهم لم يفتهم أن يسهموا بنصيب كبير من الجهاد في أقصى الشرق ، وبفضل نشاطهم أعتنق أتراك القرغيز الإسلام ، وكانت أعدادهم تربو على عشرة ألاف خيمة . وكانوا في الصيف يقيمون قرب بلاد البلغار ، وفي الشتاء يقيمون قرب بلاساغون .. وكان لإسلامهم وفتحهم لبلاد ما وراء النهر نتائج هامة في تاريخ الحضارة الإسلامية ، ويكفي أنهم نبذوا الأبجدية الأيغورية القديمة واتخذوا الأبجدية العربية ، وعملوا على توغل الحضارة العربية حتى حدود الصين .. وبالرغم من أن الترك القدماء القره خانيين أسقطوا سلطة السامانيين في نهاية القرن العاشر ، فإن البلاد لم تتوقف عن التطور الاقتصادي والحضاري ، وقد انتهت في القرنيين الحادي عشر والثاني عشر عملية تشكيل المدن على الشكل الذي جرى في القرنين التاسع والعاشر ، وسخ التخطيط الجديد ببناء المنشآت الضخمة في مراكز المدينة الرئيسية ، وقد ظلت مدينة بخار عاصمة في عهدهم إلى حين .. ووقعت بخارى في يد جنكيزخان عام 616  هـ ثم في قبضة تيمورلنك عام 772 هـ وبقيت في حكم ذريته ، ثم استولى عليها الأوزبك ( عام 904 هـ 1498 م) بقيادة شيباني خان ، وفي عام ( 11536 هـ 1740 م) خضعت لنادر شاه . وقد وصف الرحالة المغربي أبو عبد الله محمد ابن عبد الله محمد اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة في كتابه " تحفة النظار في غرائب الأمصار ، وعجائب الأسفار " مدينة بخارى التي رواها فوجدها قد خربتها ، كما تقول ، جيوش جنكيزخان التتري الذي غزا تلك البلاد قبل دخول ابن بطوطة إليها : وكانت مدينة كبيرة ، فوجد رحالتنا مساجدها ومدارسها وأسواقها خرابا إلا قليلا منها ، ووجد أهلها أذلاء ، وشهادتهم لا تقبل بخوارزم وغيرها لاشتهارهم بالتعصب ، ودعوى الباطل ، وإنكار الحق ، وليس بها الآن من العلم ولا من له عناية به " هكذا يصف ابن بطوطة المغربي مدينة الإمام البخاري ، ويقصد ابن بطوطة يوسف أهلها " بالتعصب ودعوى الباطل ، وإنكار الحق " إنهم كانوا من غلاة الشيعة .. وقد ذكر ابن بطوطة أنه زار مسجد الإمام البخاري ،  وقرأ مكتوبا عليه : " هذا قبر محمد بن إسماعيل البخاري وقد صنف من الكتب كذا وكذا ، وكذلك على قبور علماء بخارى أسماؤهم وأسماء تصانيفهم . والصواب خلاف ما ذكره ابن بطوطة ، فقير الإمام البخاري قرب مدينة سمر قند، وليس ببخارى ، ولعله سبق قلم ، أو سهو ألم . وقد أدى ركود طرق القوافل القديمة إلى انخفاض مستوى أسيا الوسطى الاقتصادي، فاضمحلت المدن ، واقشعرت البلاد ، وهزلت مدينة بخارى ، وضوح نبتها ، وشاعت فيها الفتنة ، فأصبحت نهبا لرؤساء القبائل ومشاشخ الدين بينما كان الشعب بتردي في هاوية الفقر والإفلاس ، وأصبح الحكم في عهد آخر دولة قبل الاحتلال الروسي حكما جائرا قطاعيا متعسفا متعنتا ، يمثل في جامعة من الانتهازيين المتمولين الذين لا وكد لهم إلا استغلال الشعب ، وابتزاز أمواله ، وإذلاله وإخضاعه والتمتع بالملذات والشهوات ، وبذلك قلت الصلات مع البلدان الخارجية ، وزالت دولة أسيا الوسطى الموحدة من الوجود ، فتكونت في القرن الثامن عشر ثلاث دول مستقلة هي : بخارى ـ خبوه ـ خو قند.  وكانت مدينة بخارى التي طلت مركز الدين الإسلامي في أسيا الوسطى ماضية في تشييد المساجد والمدارس غير أن فن المعمار في دولة بخارى في القرن التاسع عشر كان على مستوى أدنى من أعمال البناء في خبوه من حيث الصفات الفنية والأحجام ... وهكذا عاقت مشاحنات الإقطاعيين تطور حياة البلاد الاقتصادية والثقافية ، وسهل على رجال البدو القيام بهجمات على البلاد وتخريبها .. وقد اتصل تاريخ بخارى في العصور الحديثة بالتغلغل الروسي منذ احتلال انجلترا للهند ، وتقدمها لغزو البلاد المجاورة ، وخاصة أفغانستان . وفي عام 1854 فشل قيصر نبقولا الأول في الاستيلاء عليها حيث وجهت روسيا وفدا عسكريا للتفاوض في تنمية العلاقات الاقتصادية وإقامة مندوب تجاري روسي في بخاري ، ثم تقدمت لاحتلال تركستان ، وتم لها ما أرادت بعد أربع سنوات ، واحتلت بعض الأراضي التي كانت تحت نفوذ الأمير مظفر الدين تم الأمير عبد الأحد ، ومير عالم الذي هرب إلى أفغانستان عند قيام الثورة الروسية . ولم تمر برهة وجيزة حتى أصبح عدد الروسيين كما ذكرت ذلك السيدة هيلين كاريبر دانكوسHélène Carrière dEncusse   في كتابها" الإصلاح والثورة عند مسلمي الإمبراطورية الروسية "، Reforme et Revalntion chez les Musulmans de l’empire russe  (1) يبلغون 000 50 بالإضافة إلى 000 8 جندي لم تخلد مدينة بخارى إلى الراحة والهدوء بعد الاحتلال الأجنبي ، ولم تستكن للعبودية ، ولم ترضخ للذل والهوان ، وهي تملك رصيدا من تاريخ حافل بالأمجاد والبطولات ، والمواقف الحاسمة ، فلقد كانت تتسقط أخبار المسلمين ، وتتبع عن كتب ما كان يجتاح العالم الإسلامي من يقظة وانبعاث ، ويهب عليه من تيارات تحررية وفكرية تشمل سائر ميادين الفكر والسياسة ، ولاسيما ما قام به المسلمين في بلاد الهند والعراق ومصر وليبيا والمغرب ، فقام أبو نصر الخرساوي ، وتلميذه المرغاني ووضعا برنامجا شاملا يعمل على نهضة البلاد وتقدمها ، وبعيد مجدها التلبد، فاستجاب السكان ، وتكونت الذرة الأولى للنهوض بالبلاد ، والتحرر من الجمود والجحود  الذي ران على العلماء المتزمتين ، والسيطرة الأجنبية والعمل على فهم الإسلام على وجهه الصحيح . وهكذا وقعت المحاولات الأولى لجمع كلمة المسلمين في روسيا ، فقام بعض الدعاة بالتبشير لهذه الحركة في كافة المقاطعات الإسلامية، الواقعة تحت السيطرة الروسية ، وكان من أرزهم القاضي عبد الرشيد ايراجيموف من تلامذة غاسبرينكي، وعقد ثلاث مؤتمرات ما بين 1904 ـ 1906 صادقت على تأسس مااعنه: " اتفاق مسلمي روسيا" للوصول إلى الإصلاحات التي كانت تطالب بها الحركات السياسية إذ ذاك في روسيا نفسها ، وقد شملت لائحة التوصيات :
(1) توحيد جميع مسلمي روسيا
(2) المساواة في الحقوق بين الشعب الروسي والشعوب الإسلامية
(3) تأسيس ملكية دستورية
4) حرية التعليم الإسلامي والصحافة والنشر وتأسيس مراكز ثقافية
5) احترام الملكية الفردية للأراضي ، ونبذ نزع الملكية .

وقد لقيت حركة التجديد في إنشاء مدارس عصرية في مدينة بخارى من لدن المتزمتين ، والرجعيين ، ومشايخ الطرق والدين كل عنت وإرهاق ، فقد صرحوا بأن الدعوة الجديدة مخالفة للشريعة والدين ، وفي سنة 1909 أخذ أنصار الإصلاح والتجديد يقتفون أثر " تركيز الفتاة " في نشاطهم ، وكانت هذه الحركة الإصلاحية مرتبطة بحركة التجديد في تركيا حيث أن بعض رجال الإصلاح في بخارى كانوا أعضاء في تركيا الفتاة ، فتأسست الجمعيات السرية ، وجعل الناس بيوتهم قبلة وأقاموا الصلاة ، وأصدروا صحفا تعبر عما يعتمل في نفس الشعب وضمير الجماعة ، كما عملوا على إنشاء مسارح محلية تبصر الشعب بواقع المصير المر ، لكن ما فتئ أن ازداد الفساد ، وكشر الشر عن أنيابه،
واستشرى الظلم والبغي والعدوان بانتشار الرشوة ، وإذلال الشعب ، وسد آفاق التقدم في وجهه... شاسعا في ظرف خمسة عشر عاما ، وأصبحت أكثر قابلية للتطور ، واستجاب للتجديد بعد جمود استنامت إليه قرونا ، ولا شك أن هناك عوامل كثيرة تضافرت للوصل إلى هذه النتيجة منها : (1) انهزام روسيا أمام اليابان ، وما ترتب عنه من وعي وسط الشعوب المغلوبة المنهوبة، المضغوطة المكظومة .
2) الانقلاب في تركيا وإيران
3) نجاح الأفكار التحررية في روسيا نفسها
4) ما كان يجري من كفاح في البلاد المستبعدة . ولما وقعت الثورة الروسية ، وحصل الانقلاب المعروف ، وأمسك السيد لبنين بزام الحكم أعلن في برنامجه توصية صادق عليها مؤتمره السابع، جاء فيها :
دينار ذهبي ضرب بمدينة بخارى عام 1215 هـ
باسم الأمير حيدر ثوده( ابن معصوم شاه) من بني منغيث
يجب أن يعترف لكل الأمم التي تتألف منها روسيا حق الانفصال عنها بكل حرية لتصبح دولا مستقلة، وأن إنكار هذا الحق ، وعدم اتخاذ التدابير لضمان تطبيقه عمليا يعادل سياسة الغزو والإلحاق " انتعشت النفوس بعد يأس ، وانفتحت باب الأمل بعد قنوط ، وانفرج الكرب الذي أمسى فيه المسلمون أعواما وسنينا . لكنه لما استدق الأمير وقدموا إنذارا للأمير حليم خان ، وفي 25 مارس 1918 أمضيت معاهدة الصلح اعترف فيها باستقلال بخارى من المسؤوليين الروسيين .  وفي سنة 1921 حل القائد الوزير التركي أنور باشا ببخارى ، وقاد منها حرب العصابات مدة ثمانية أشهر ضد الروس ، وجعلها عاصمة لدولته الإسلامية المستقلة لحين استشهاده في حربه مع ألبلشفيك عام 1922.
 ومن المعلوم أن أنور باشا تولى وزارة الحربية التركية أبان الحرب العظمى ، وعرف بميوله الألمانية ، وقاد الجيش التركي في جبهة القوقاز، وبانهيار الجبهة البلغارية ، والتماس السلطان وحيد الدين الهدنة من الحلفاء ، فر أنور إلى الفرم، ومن تم إلى برلين ، ثم انتقل إلى موسكو ، وناصر الحكومة البلشفية ، واشترك في مؤتمر باكو عاصمة أذربيجان ، وطالب باستقلال الولايات الإسلامية الروسية ، فلما نكث الروس بوعدهم انقلب عليهم ، وارتحل سرا إلى تركستان ، وكان من شأنه ما كان .. تلك هي مدينة بخارى كما عرفها التاريخ ، ولقد كتبت مجدها بدماء أبنائها ،وكافحت قرونا طوالا في مسجل في سطور التاريخ ، وأن معالمها الماثلة اليوم لتشهد على همم ملوكها ، فالبناء إذا تقادم عهده أضحى يدل على عظيم الشأن ، ولقد زرنا مسجد كلان ومئذنته الشاهقة المعروفة التي شيدت في القرن السادس عشر والتي يرتفع برجا فوق بنايات المدينة كلها ولقد اندهشنا لروعة بناء هذا المسجد العظيم الذي امتاز بصومعة عظيمة لا يرتفع فيها صوت المؤذن اليوم ملفلفا بالتكبير نظرا للحرية الدينية !!! ، وأما صحوته ورحابه فقد أصبحت مخبأ للأسرة وغيرها من الأثاث القديم مما يؤثر تأثيرا بالغا إن كان في القلب إسلام وقد زرنا " حوض لب" وهو عبارة عن خزان ومجموعة من البنايات الأثرية وهو أكبر أحواض الماء الكبيرة في بخارى طوله 45،5 مترا وعرضه 36 مترا ، وأطلق اسمه على مجموعة المنشآت الواقعة قرب هذا الحوض من ثلاث جهات . وقبل أن نؤدي صلاة الظهر بجامع خواجة زين الدين الذي يعتبر من منشآت القرن السادس عشر وبه تزين رائع في داخله ، وتوجهنا إلى المدرسة الدينية التي يتلقى فيها البخاريون دروسا دينية تشمل اللغة العربية وموادها ، وقواعد الدين ، ومدة الدراسة بها خمس سنوات وهي تؤهل للالتحاق بإحدى الكليات الدينية كالقرويين والأزهر، وقد تخرج منها طلبة أصبحوا اليوم من أساتيذها المحترمين ... وفي المساء قمنا بزيارة للقصر الصيفي لأمير بخارى السابق وهو قصر عادي جدا بالنسبة للقصور التي رأيناها في الإتحاد السوفياتي . وعندما أذنت الشمس بالمغيب فلقنا راجعين إلى المطار ، فأقلتنا طائرة  صغيرة للعودة مرة ثانية إلى مدينة طشقند حيث سنجرى حفلة كبرى على شرف الوفد تتبادل فيها الخطب والهدايا ...
وبعد: فهل بقي للعرب وجود في آسيا الوسطى أو إثارة من علم كان لهم بقاء ؟
وإذا ثبت وجودهم اليوم فهل بقوا محتفظين بلغتهم العربية التي فتحوا بها بلاد ما وراء النهر ، أم انقرضت واستعيض عنها بلهجات محلية ولغات أخرى؟ ... لقد نقل بعض الرواة الذين زاروا إمارة بخارى أخبارا مفصلة نوعا ما، عن عرب آسيا الوسطى فكانت تعطى معلومات عن العرب البدو، منذ القرن الخامس عشر في وثائق مختلفة لأمراء بخارى ، كما كان عرب بخارى يؤلفون وحداث إدارية يقوم على رأسها أمراء الألف .. فهل كان هؤلاء العرب يتحدثون باللغة العربية؟ أم كانوا يتخذون اللهجات المحلية طريقا للتعبير ، وهل احتفظوا باللغة العربية ؟ لقد ثبت على أثر تنقيب خاص ، وإن في آسيا الوسطى اليوم لهجة فشقاداريا ولقد تحدثوا بأن الفرق كبير بينهما إلى حد أن عرب بخارى ، وعرب فشقاداريا ، لا يفهم بعضهم بعضا، فهم يؤثرون التخاطب فيما بينهم بالغتين ، الأوزبكية أو الطاجيكبة، ولغة عرب آسيا تشبه نوعا ما لهجة بدو القسم الأوسط من الجزيرة العربية، ويثبت ذلك سواء من المعطيات المتعلقة بعلم اللغة أو المصادر التاريخية. وقد أعد الإتحاد السوفياتي أخيرا نشر مصنف في أربع مجلدات عن لغة عرب آسيا الوسطى تضمن المجلد الأول الذي صدر ، نصوصا من لهجة بخارى مع ترجمتها إلى الروسية ، واحتوى المجلد الثاني نصوصا من لهجة فشقاداربا مع ترجمتها إلى الروسية ، وكان المجلد الثالث قاموس للهجتين ، أما المجلد الرابع فتضمن التحليل الغراماطيقي للهجتين العربيتين في آسيا الوسطى ، ولقد قال الأكاديمي !. كراتشكوفسكي المستعرب الروسي الشهير عن هاتين اللهجتين اللتين بشكل اكتشافهما ودرساهما صفحة مجيدة في تاريخ الدراسات العربية المعاصرة وأشياء جديدة كثيرة في كنز العلوم العالمي.
العلاقة بين بخارى والمغرب : يرتبط المغرب بروابط روحية ومادية تمتد جذورها في دنيا سنختصرها فيما يلي:   
     
1) فقد زارها المغربي أبو عبد الله محمد ابن عبد اللواتي الطنجي المعروف بابن بطوطة بعد القسطنطينة وبلاد القرم وإقليم الفولجا وخوارزم حيث أعطاها وصفا يدل على ملاحظة دقيقة ، وذاكرة واعية وأمانة في الوصف والعرض ، كما وصف خواتينها وأمراءها وصفا دقيقا لا يدرك كنهه ودقته إلا من وقف على معالم تلك الديار ..
2) لفرط اعتناء المغاربة بالإمام البخاري ، وتقديرهم لبلده وعلنه كان لهم جيش في دولة المولى إسماعيل العلوي هو جيش عبيد البخاري الذين جمعهم المولى إسماعيل من بقايا العبيد الدين أتى بهم المنصور السعدي إذ بلغ عددهم في أيامه 150 ألف نفر .. ولما ظفر بهم المولى إسماعيل جميع أعيانهم ، وأحضر نسخة من صحيح الإمام البخاري ، وقال لهم " أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشرعه المجموع في هذا الكتاب ، فكل ما أمر به نفعله ، وكل ما نهى عنه نتركه ، وعليه نقاتل ، فعاهدوه على ذلك ، وأمر بالاحتفاظ بتلك النسخة من صحيح الإمام البخاري رضي الله عنه ، وحملها حال ركوبهم وتقديمها أمامهم في حروبهم .
3) جرت عادة ملوكنا العلويين أنه إذا دخل شهر رجب وشعبان ورمضان فإنهم يقبلون على دراسة صحيح الإمام البخاري في مجالس حافلة بالعلم والأدب ويختمونه عدة ختمات في مهرجانات دينية تعبق بحديث الرسول عليه السلام وتتضوع بشمائله النبوية .
4) هناك قصائد مغربية خالدة لا تحصى ، تفيض علما ، وتتقد حماسة، قيلت بمناسبة ختم صحيح البخاري كالقصيدة الخالدة الرائعة التي أنشدها الشاعر الفحل الأستاذ السيد محمد الجزولي ألرباطي لم ختم شيخ الإسلام أبو شعيب الدكالي كتاب الصحيح ، وكالقصيدة الفريدة التي أنشدها شاعر
الحمراء الأستاذ المرحوم محمد بن إبراهيم لما ختم الأستاذ السيد عبد الرحمن ابن أبي شعيب الدكالي صحيح الإمام البخاري بمدينة مراكش والتي يقول في مطلعها:
ااماري في علمه ااماري ؟؟
            وله يشهد الإمام البخاري ..
 وهي طويلة جدا ..
زيارة الوفد لوزير خارجية أوزبكستان:


(1) كتاب ذو أهمية خاصة من ناحية التدقيق التاريخي، ومؤلفته تكاد تكون متخصصة في الشؤون السوفياتية ، وقد قدمها الكاتب الشهير ماكسيم رودينسون الذي أصدر عدة أبحاث عن الإسلام ، وقد ترجع بعض فصوله الأستاذ السيد قاسم الزهيري في مجلة " الإيمان "          
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here