islamaumaroc

الدعوة والدعوى

  دعوة الحق

117 العدد

(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)[فصلت: 33]
أصبح الشعور بالخطر سمة عامة مشتركة بين أفراد مجتمعنا، وتلك ظاهرة قد تبرز في حياة المجتمعات في فترات خاصة، عندما يصبح المصير محفوفا بالخطر. وقد تضاعف هذا الشعور بما يسود العالم المتحضر من تمرد وفوضى واضطراب، ولاضطرابنا الشديد بهذا العالم وسرعة استجابة أجيالنا الصاعدة لمؤثراته، فإن الدلائل والأعراض تدل على أن العدوى قد تسربت إلينا، أردنا أم لم نرد، وما تزال تستفحل استفحالا يهدد بالانفجار من النوع الذي يدمر كل شيء ويثور على كل شيء، لأن الظروف النفسية التي تلابس أجيالنا الصاعدة والجو الآسن الذي يصدم مثاليتها، مع اضطراب المناهج التربوية وانعدام القدوة الصالحة، مما يعمق التذمر ويشيع السخط ويدفع النفوس دفعا إلى الانفجار. ويزيد في خطوط هذا الانفجار المنتظر النكسة الفظيعة التي أصيب بها العرب في فلسطين بعد جيل من التعبئة "الأيديولوجية" و"الثورات الفكرية " و"البعث العربي"، الأمر الذي أزاح عن العيون غشاوة طالما بذلت المجهودات لتثنيها، وسخرت كل الإمكانيات للسيطرة على التوجيه المنحرف عن الفكرة الأصيلة التي تستجيب بحق لمثالية هذه الأجيال، فبدت الحقائق مكشوفة من كل زيف وبريئة من كل وهم أو خيال. ولكن الباعث على الشعور يختلف من وسط إلى آخر، ولذلك كان رد العقل يتمثل في مظاهر مختلفة أيضا، مما يدفع أصحابه إلى تقديم وصفات للعلاج متناقضة، وأن بعض هذه الوصفات يتجلى فيها الارتجال والسطحية و"نسخ" وصفات غربية أجنبية بأسلوب محلي، وإعادة صياغة لفظية للوصفات السابقة عن النكسة، والتي من أسبابها البعيدة والقريبة. ومن "المفكرين" من"أدرك" أن خير السبل للإنقاذ هو الإسلام والقيم الإسلامية !! ولكن أي نوع من الإسلام؟ وأي نوع من القيم الإسلامية؟ ذلك ما لا نستطيع لمسه أو تحديده من مجرد "الكلام" العائم الذي أصبح عرضا من أعراض المرض العضال الذي يعانيه العالم الإسلامي، وإن كنا نستطيع إدراك كنه تلك القيم بوضوح وبدقة من خلال السلوك والتصرفات واطراد المواقف، والحياة المعاشة مما ينتهي بنا إلى أن نجد أنفسنا أمام "قيم" عجيبة لا تنتمي سوى إلى منطق" الذات المريضة" التي هي من مظاهر التدهور الحضاري الذي أصاب الأمة الإسلامية. وإن من خصائص هذه "الذات المريضة" أنها تفقد كل شعور يربطها بالجماعة، ذلك الشعور الذي من شأنه أن يبعثها على التجاوب معها والاستجابة لمصالحها وإخضاع كل تصرف أو إمكانية أو طاقة لخدمة أهدافها، وهذا يعني أنها تنقلب إلى عامل تخريب وتهديم. وقد يتوفر لبعض هذه الذوات المريضة ذكاء قوي أو متوسط فيحاول استكشاف أهداف تلك الجماعة التي يعيش وسطها، ليحولها إلى بضاعة للاتجار بها في أسواق الدجل والتهريج على قدر ما يحقق أهدافه الفردانية، دون أن يكون حديثه عنها معبرا عن شعور مخلص وإحساس صادق ويدفعه بالتالي إلى حركة حية تدل على أن وراءها فكرة وعقيدة (1). وإن للأمم فترات خطيرة من حياتها تبدو على مجتمعاتها المريضة هذه المظاهر المتعفنة التي تنعكس على هذه الذات التي تحاول، أحيانا، أن تدرأ عن نفسها أي شبهة، بشعارات أو عنعنات دون أن يكون لها من الذكاء ما يشعرها بأن الستار من زجاج شفاف!! إن هؤلاء الذين أصبحوا يخشون من " المذاهب الهدامة " ويحذرون شباب العالم الإسلامي من الحضارة المادية المتدهورة ومن تعفن الغرب وروتينيته وصنميته ساهموا ـ وما يزالون ـ بشكل أو بآخر في تهيء الظروف وتوفير المناخ لقابلية ذلك التأثر مما جعل السمة العامة لبعض الأوساط هو" التغرب" مضمونا وشكلا، وأصبحنا نشاهد تغييرا سريعا ومخيفا يقع سواء في التصورات والأفكار أو في العادات، وبالتالي في علاقات الأفراد داخل أسرهم وخارجها، ولكننا بذلك أضفنا إلى أمراضنا المزمنة أمراضا جديدة يصعب معالجتها أو استئصالها بمجرد إدانتها بالقول أو التحذير منها في المناسبات. ولا نعتقد أن "الذات المريضة" تستطيع أن تكون مخلصة في تشخيصها للمرض وفي قدرتها على التخلص من " العوائق " لتتبين في وضوح معالم الطريق، وعناصر العلاج، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأنها هي نفسها أصبحت تكون مرضا عضالا من أمراض العالم الإسلامي!! ويبدو أنه من الإجحاف استبعاد أي نقطة التقاء بين الدعوة المخلصة والدعوة الجوفاء للإسلام. فوجوب العودة إلى الإسلام فكرة أو نقطة تتلاقى لديها هذه وتلك، ولكن من الإجحاف والصعب أيضا العثور على نقطة آخرى تضاف إلى هذه النقطة المشتركة، فالدعوة الحق للإسلام ليس الدافع إليها نزوة عابرة أو مواجهة طارئة أو مجاملة لعواطف أو دغدغة لأمل أو غير ذلك من الدوافع التي تمليها ضغوط مفاجئة يكون دورها، بالنسبة للذات المريضة، التنبيه للراعي نحو البحث عما يصون شهواتها ويدفع عنها كل ما يعكر "واقعها"، حتى إذا ما سولت لها نفسها بأن هذا "الواقع " لم يمس بأذى وأن الأحوال لا تستدعي أي قلق أزاحت تلك "الأفكار" من اهتمامها، واستودعتها صناديقها كأنها موميات محنطة!! (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ) [الزمر: 8]، (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [يونس: 12]. وهؤلاء هم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم. أما الدعوة السليمة فدافعها إيمان راسخ بأن الإسلام هو الفكرة الوحيدة الكفيلة بتكويننا حضاريا وببعثنا من ركودنا ومدنا بعناصر القوة والتقدم والازدهار، وهي الفكرة التي تتلاشى معها المظاهر المرضية التي تفتك بنا فتسلمنا للنكبات من حين لآخر، ولذلك كانت هذه الفكرة هدفا محدودا مقصودا في حين ليست هدفا ولا قصدا عند الدعوة الجوفاء، وهنا يبرز بجلاء أيضا الخلافات حتى في مضمون تلك النقطة التي حاولنا أن نقيم حولها ملتقى الدعوتين! وقد نفترض، اعتسافا، رغم ذلك أن "الاشتراك" موجود على كل حال، فإن أوجه الخلاف في طبيعة الهدف والتصورات والوسائل والمقاصد شديدة إلى حد لا تسمح بعقد أي صلة محترمة بين الدعوة والدعوى. وإن من الوفاء للحقيقة وللإسلام الكشف عن بعض الآثار الخطيرة لكل دعوة "إسلامية" لا تستمد تصوراتها من القرآن والسنة، ولا تقيم دعائهما على الفكرة الشمولية للإسلام، ولا تصدر عن دافع واع لتحقيق أهداف تستجيب لمطامح المسلمين، وتكون منهم خير أمة أخرجت للناس في هذه الظروف العصيبة التي زعزعت ضعاف الإيمان وبعض أقويائه بمستقبل أمتهم. وعندما نقول "الأهداف " نعني مقاصد محدودة، مخططة الوسائل مدروسة الأساليب، مرسومة المراحل، محاطة بضمانات مادية ومعنوية .
وقد أطلقنا على هذا النوع من الدعوات اسم "دعوى" لأنها مجردة من كل ما يرقى بها إلى مستوى "الدعوة" أو يسوغ لها الانتساب إليها. لأن مقاييس الفكرة الإسلامية لا تنطبق عليها، وإن كان لهذه الدعوى آثار ونتائج خطيرة منها :
1ـ تقديم الإسلام في صور ومظاهر مشوهة
2ـ تنويم العواطف وتخديرها
3ـ تنفير الشباب من الإسلام ودفعه للبحث عما يحقق مثاليته في مذاهب أخرى.
فالإسلام ليس في حاجة إلى من يتكلم عنه وإنما إلى من يعيشه ويسلكه وفق تعاليمه ويطبق ثقافته ويقدم عنه نماذج حية تسير في دنيا الناس وتعيش معهم قدوة وإماما، وكذلك كانت دعوة المؤمنين: (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74]، ولم ينتشر الإسلام بالكلام، وإنما بإعطاء المثال الصالح، والقدوة المؤمنة، وباقتران العلم بالعمل، ولذلك عندما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: "كان خلقه القرآن"، وكل حركة تنتسب للإسلام ليس خلقها القرآن فهي "دعوى".(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [فصلت: 33]
 ثم إن بعض أولئك الذين يكتفون بالكلام والحديث، دون القدوة والعمل، لا يحسنون ـ مع الأسف ـ ذلك الحديث دفاعا أو هجوما، تفسيرا أو شرحا وتأويلا، مما يجعلهم يقومون بدور " المحامي المورط " بالنسبة للإسلام. وإن في الحديث عن الإسلام تعويضا عن العمل وتخديرا لكثير من المسلمين الذين يرون في ذلك كفاية فيخيل إليهم أن الإسلام بخير وأنهم غير مطالبين بجهاد الدعوة إليه بالوسائب التي يحددها هو نفسه، وفي هذا العمل تجميد للطاقات وتخدير للنشاط وتبديد للشحنات في الفراغ، وفي نفس الوقت تتاح الفرص الثمينة للبدع والعادات المخالفة للإسلام لغزو الأسر الإسلامية وتغيير حياتها ومفاهيمها دون أن يكون لها من المقاييس السليمة ما يشعرها بمخالفة أو زيغ.
وبالأمس كان السيف أصدق أنباء من الكتب، وللمدفع كلمته الحاسمة التي تضع حدا بين الحق والباطل وتضع الأسماء على المسميات دون أن يكون للجانب الضعيف حول ولا إرادة سوى أن يستسلم "للقوة "، أما اليوم فإن " الفكرة" احتلت مقاما مرموقا وأصبحت تقوم بدور رئيسي في الغزو والإقناع والاحتلال والاستعمار والقيادة. وحيثما تفشل القوة تنجح " الفكرة " نجاحا مدهشا. ولهذا كانت المراكز الثقافية تحظى بميزانية ضخمة واهتمام قوي من طرف الدول الكبيرة، وزبناء هذه المركز هم الأطفال والشباب. وإن الدول الغازية، فكريا، لتعزز مراكزها الثقافية هذه بوسائل متعددة لتطوق " الضحايا" تطويقا محكما.
والظاهرة المخيفة التي أصبحت سائدة وواضحة هي الإدبار عن كل ما هو إسلامي، والإقبال على كل ما هو غربي (2). وإن من أسباب هذا الإقبال وذاك الإدبار الفراغ في المجالات المختلفة التي يتقلب فيها شبابنا وأطفالنا. هذا الفراغ الذي لا يملؤه إلا "الفكر الإسلامي" وإلا الدعوة الإسلامية التي لها من القدرة على مواجهة التحدي في مجال الفكرة ما يحقق لها الفوز والظفر، لأن مثالية الشباب لن تجد بديلا عنها، ولكنه، أي الفراغ، يظل خاليا إلا من "الدعوى" التي لا تتوفر على ما يقنع الشباب بصلاحية الإسلام بل إنها تعد مسؤولية بالنسبة لبعض هؤلاء الشباب عن نفوره من الدين، حيث تصوره له في غير إطاره الحقيقي، ولذلك كان من الواجب على أولئك الذين يتحدثون عن الإسلام أو يتظاهرون به على غير حقيقته أن يدعوا الإسلام وشأنه حتى لا يكونوا فتنة لغيرهم (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا... )‏ [الممتحنة: 5]. إن دعاوي "الإسلامية " كثيرة، ولكن الدعوة الإسلامية أصبحت خافتة في وقت يشعر العالم الإسلامي بأنه في أشد الحاجة إليها، وبخاصة بعد نكباته المتلاحقة التي كانت نتيجة حتمية لقيادة فكرية زائفـــــة(3) .

(1)إن نماذج هذه الذات كثيرة في أمة تمزقت شبكتها الاجتماعية، وفقدت ثقافتها الأصيلة، وهذه النماذج تلعب دورا خطيرا في تعويق كل نهضة وفي تنفيذ المخططات الاستعمارية، وإنك لتشاهد بعض "الأصوات" الاستعمارية ممن لهم لافتات علمية يتهافتون على "الإسلاميات" في ظروف خاصة أو بتوجيه خاص أو لمنافع شخصية!!  
(2) المراد الحضارة الغربية المتمثلة في المعسكرين الغربي والشرقي معا
(3) في مقال قادم سأنشر عرضا وتحليلا لكتاب" ما بعد النكبتين " وهو يتعلق بالنكبة الفكرية ببلاد المسلمين

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here