islamaumaroc

تأملات في استعمال اللغة العربية ونحوها -3-

  دعوة الحق

117 العدد

أخذ علينا إخواننا المشاقة في هذه السنين الأخيرة  بعد من أن من الله علينا بالاتصال معهم من جديد ، أثر نعمة استرجاع سيادتنا" أن لنا من النحو أكثر مما لنا من اللغة " وهم يريدون أن يقولوا لنا أننا ضحينا بالاستعمال اليومي لغتنا في سبيل الحفاظ على النحو واحترام قواعده ، والوقوف عند حدوده ، على النحو واحترام قواعده ، فهل هذا عيب وجب أن نتفاداه ، أو مأثرة حسنة لزم العناية بها والتمسك بمبادئها .؟ أقر لكم أنني متردد في جوابي ، كما قال  الشاعر العربي  بشار بن برد ، بين " لا نعم " فالعناية بالنحو وقواعده أمر ضروري لمن يريد أن يكون ناجحا في استعمال لغته ، إذ اللغة واستعمالها آلة محركها وبلا قوة تدفعها .
والغاية من الاستعمال أمر ضروري أيضا لمن يريد أن يكون ناجحا  في النحو وقواعده . والذي يكتفي بإتقان النحو لا يطبقه في الاستعمال اليومي   يكون كحمار حمل أسفارا لا يدري كنه الثقل الذي يحمله ، ولا يعرف الغاية التي يسير بهذا العبء نحوها .
ونحن مع ذلك نقر ، أننا هنا ، في المغرب ، نهتم بالنحو وقواعده اهتماما لا يوجد في بلد عربي آخر ، وقد يكون صحيحا أن هذا الاهتمام البليغ بالنحو ، وهي آلة لإتقان اللغة ليس إلا ، قد شغلتنا ، في كثير من الأحيان ، عن حسن استعمال اللغة العربية استعمالا واسعا عميقا دقيقا ، والسبب في ذلك وجيه ، ومع ذلك غاب ا/ره عن أخواتنا الشرقيين ،  لقد غاب عنهم ، أن النحو العربي ، أن كان قد ولد هناك ، في مشرق رفعة أمتنا فقد عشش وفرخ هنا في الجناح العربي من بلاد العروبة ، ويكفي دليلا على ذلك ، أن كان هذا يحتاج إلى دليل ، أن نذكر أن كتاب سيبوبه ، قرآن النحور ، أم كان ولد في البصرة فلم ينشأ ولم يترعرع ولم يبلغ الرشد إلا على يد شراحه في المغرب والأندلس، وشروحه المخطوطة المبثوثة الآن في مكتبات العالم لا تحصى كثرة ولا تقدر قيمتها بمقدار ، جلها مغربية ، ويوجد عندنا في خزانة المخطوطات بالرباط كتاب الأعلم الشنتمري الذي يخيل إلى أن تحقيقه وإخراجه للناس عموما ، وللشباب المغربي على الخصوص أمر واجب يحتمه تطور ثقافة العصر .
وأمر آخر أثر في المغاربة فجعلهم يهتمون  بالقواعد أكثر من اهتمامهم بالاستعمال ، اكتفاؤهم بهذه الشروح والملخصات والهوامش لمختلف مصنفات العصر الوسيط ، التي إن كنا لا زلنا نستحلي عذوبة اللغة التي كتبت بها فإنها – وهذا أمر غريب- لم تمكن من بنعاطاها من الانطلاق، لأنه كان في كثير من الأحيان يحفظ الجملة الرنانة الجميلة ، لكنه كان لا يستعملها إلا في مكانها وفي وقتها المناسبين وأني له  ذلك ، وإليك مثالا بسيطا كان يستعمله الطلبة في المعاهدة الدينية ولا زالوا يستعملونه ، وهي قولة جليلة لأحد الأئمة  الأربعة ، قال هذا الإمام :" الأمر على الفور لا على التراخي " هذا كلام جميل ، بليغ ، ولكنهم كانوا يحفظونه للغاية التي وضع لها وهي القاعدة الفقهية وكفى ، أما أن يستخرجوا من ذلك هذه المقابلة بين ضدين :" فور " " وتراخي " ولماذا قالوا فورا وما هي المادة الأصلية للتراخي، وأما أن يحاولوا أن يركبوا على غراره جملا أخرى بجمالها ودقة معناها،فهذا شيء كان وراء ظهورهم ، وفوق إمكانياتهم المحدودة ، لهذا ، ولغير هذا ، قبل عنا " أن لنا من النحو أكثر مما لنا من اللغة ".

شيء
أن لفظة شيء مستعملة من طرف الجميع من دون قصد في كثير من الأحيان ، فقد يستعملها المتكلم  ليتذكر باقي الكلام ، وقد يستعملها لأنه يريد أن يكون غامضا في كلامه ، وقد يطلقها على مسمى وهو يريد احتقاره ، كما قد يطلقها على مسمى وهو يريد تعظيمه .
فكلمة شيء كما يظهر لنا كلمة ذات بال ، وأن كانت تبدوا مبتذلة لكثرة استعمالها، حقيرة لأن معناها في أحيان كثيرة محدود ، بسيطة لأنها تدل على شيء معقدة إذ أنها تعني كل شيء ، مقدسة لأنها تشير إلى  أقدس شيء في الدنيا.
لقد جمعت الأضداد ، وحوت العجائب ، فأنت إن أردت أن تصغر أمرا وتزدريه قلت : أنا أكره هذا الشيء ، هذا المسمى الذي أطلقت عليه " شيئا " نعرف  اسمه ولكنه بهذا التلميح تبين بغضك له وتترفع عن ذكر اسمه الحقيقي .
وأنت أن أردت أن تعظم شيئا ، وتجله قلت هذا شيء جليل مع أنك تعرف اسم هذا المسمى ، لكنك أبيت  إلا أن تطلق عليه لفظة " شيء " تعظيما له وتقديرا .
وقد تطلق لفظة الشيء على الحق سبحانه  وتعالى ، بدليل وروده في القرآن الكريم ، قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم :" قل أي شيء أكبر شهادة، قل الله " فالله تبارك وتعالى شيء ، وهو أكبر شهادة يقدمها النبي العربي للمعاندين الطغاة على صدق رسالته.
ولو لم تكن لفظة "شيء" بالشكل الذي شرحت أعلاه لما كتبت في الآية 23 من سورة الكهف كما يعرفها من درس القرآن وأطلع على علومه ، لقد كتبت هكذا شيء في هذه الآية التي  يقول فيها الحق سبحانه وتعالى :" ولا تقولن لشيء أني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله وأذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهديني ربي لأقرب من هذا رشدا".
والملاحظة أن هذه اللفظة استرعت أيضا انتباه الفرنسيين في لغتهم ، هي في هذه اللغة مؤنثة ، لكن الكاتب الفرنسي  الفني  دودي استعملها على صيغة المذكر وأطلقها على تلميذ حقير منبوذ من طرف أصدقائه فشاع استعمالها على هذه الصفة في هذا المعنى .
ونصيحتنا أن يبتعد طلابنا عن كثرة استعمالها في كتاباتهم لأنها تدل على كل شيء ، ولا تدلنا على أي شيء بتاتا ، وهذا خلاف الضبط الذي نسعى إليه في كتاباتنا ومعاملاتنا في مغربنا العربي الحديث.

صفة مشبهة أم اسم فاعل :
الناس في استعمالها لا تفرق بين اسم فاعل وصفة مشبهة للتقارب الموجود بينهما ، والناس في هذه المسائل المضبوطة لا يكثرون كثيرا ، فخلطوا  بينها ثم طال العهد بهذا التخليط فنسب التقصير للغة العربية لا لمستعمليها، واللغة بريئة من ذلك بل مظلومة ، اعتدى عليها .
وقديما بدأ الخلاف بين الناس حول هذا الأمر، فقال ابن فتيبة في كتابه أدب الكاتب :" ويقال ماء ملح ولا يقال مالح " فنفي رحمه الله مجيئه صفة على اسم الفاعل ليس غير ، وعندي أن هذا نظرا ضيق ، وأمر يصعب قبوله منه ، فلماذا  لا يأتي من ملح اسم الفاعل كما أتت الصفة المشبهة ما دام   الاستعمال اليومي بين عباد الله يطلب هذه الصفة ولا تلازمه كالماء العذب يصب فيه الملح بمقدار ، ويمكن أن يؤول الماء المالح هكذا : الماء صاحب الملح ، كما قالوا في تأمر ، صاحب تمر ، ولابن ، صاحب لبن ،  و دراع صاحب دروع .
وهذه مأثرة استقلت بها اللغة ، ونحمد لله عليها ، فليس في غيرها من اللغات هذا الضبط المحكم في الصفة ، وغليك المقارنة أن كنت لا تصدق . فاللغة الفرنسية إذا وصفت الشيء بالضيق قالت ضيق (......9 مذكرا أو مؤنثا أو جمعا ، لا يهمنا ولكنها بصيغة واحدة سواء كانت الصفة أصلا ملازما لا يتغير ولا يتحول بتقلب الحدتان ، أو طارئا حديثا لا يلبث أن يزول أن عاجلا أو آجلا . لكن اللغة العربية تضع النقاط على الحروف،لأنها  تكره الإبهام والالتباس كرها لا يوصف فهي تميز بين الصفة الملازمة فتسميها ، صفة مشبهة ، وبين الصفة الطارئة ، فتسميها ، اسم فاعل .
فصفة الضيق أن كانت ملازمة كان يضيق صدر إنسان لمسألة طارئة  ثم لا لبث أن يزول  هذا الضيق من صدره بمجرد زوال مسببه ، قلنا في هذا الإنسان صدره ضائق.
فالسامع العربي يعلم من هذا الاستعمال أن هذا الرجل إنسان من عادته أن يكون واسع الصدر ولكن  حالة طارئة جعلت صدر ضيقا ، في هذه الفترة من الزمن ، أما أن قلت هذا رجل صدره ضيق ، علم السامع أنه بصدد رجل ضيق القلب أبدا.
ومن هنا أجوز استعمال إنسان فالق وإنسان فلق رجل مائت و رجل ميت ,عن كان لهذه الصفة  دليلا آخر يحسن أن يعرفه القارئ الكريم ، غير أني أفضل أن أترك الحديث عنه إلى حلقة أخرى أتحدث فيها عن تأثير ديننا في اللغة العربية يوم يتيسر لي ذلك .
قال بعض المستشرقين غفر الله له ، وتبعه في ذلك خلق كبير من أولئك الذين يكرهون لغتنا منا ومن غيرنا ، عن علم أو عن غير علم ، أن أهل اللغة العربية يقدمون القاعدة النحوية على الاستعمال و يخضعون هذا الاستعمال للقاعدة النحوية مضحين في ذلك بالمعنى في سبيل الإطار ، وقالوا عن لغتنا أنها نحو وقواعد ليس إلا ، والذي يريد أن يتكلم بها عليه أولا أن يتقن هذا النحو الذي ى تقدر صعوبته بمقدار ، وهذا العدد الضخم من القواعد التي لا يحصرها العد ، ثم يبقى بعد ذلك شواذ وخلافات تضيع جهود الناس في معرفتها ، وعليه ثانيا أن يحفظ تراكيب وعبارات  جامدة يحوك على منوالها أن هو أراد الكتابة ، ولن يستطيع أن يعبر عن خلجات نفسه ما دام أسيرا مكبلا في هذه العبارات المحجرة التي وعاها عن ظهر قلب ،ولن ينفك منها أبدا الآبدين ، حاول ما حاول ، وجاهد ما جاهد.
لكن هذا الكلام صادر عن الذين في قلوبهم مرض، أولئك الذين اغتاظوا لما شاهدوا بأم عينهم هذه النهضة المباركة التي يقوم بها الآن الشباب الصالح الناهض من بلاد العروبة .
وسأقدم لك هذه الحلقة مثالا حيا ، لا يستطيع أن ينازع فيه منازع على أن اللغة العربية خلافا لغيرها من اللغات الأخرى ، الحية منها والميتة ـ ونصف الحية منها ونصف الميتة،  نضع القاعدة  النحوية وراء ظهرها حين يكون الاستعمال سيد الموقف أو حين تكون المعنى واضحة جلية ، لا يستدعي تطبق القاعدة النحوية ، قل لي برك أ،ت الذي تعرف اللغة الفرنسية ألا تقول (..............................) فماذا فعلت في الصفة ؟ لقد أنثتها، وكان لابد أن تؤنثها ، وكل من ذكرها يكون أرتكب خطأ  لا يغتفر لأن  هذه الصفة تعود على مؤنث ، ولكن الشيء الذي نسيه مقننو النحو الفرنسي أن صفة "................." لا يمكن أن تعود إلا على مؤنث لأن المذكر لا يلد أبدا .
أما اللغة العربية فقد تنبهت لذلك فهي تقول امرأة حامل بدون التاء الدالة على التأنيث ، لأن الرجل لا يشاركها في حملها لجنين ، وتقول : امرأة حائض فلا يخافون من الالتباس حين  لا يطبقوا القاعدة في " حائض" لأنهم لا يروا رجلا حائضا حتى يومهم هذا . في الرجل ، وما أظن أنه سيرى في يوم من الأيام.
وجدير بالذكر أن أشير إلى الميزة التي أضاقوها هنا إلى حسناتهم الكثيرة ذلك أتهم يؤنثون هذه  الصفات الأخيرة حين يريدون الفعل ، لأنه أمر مشترك بين الرجل والمرأة ، فتأمل هذا أعزك الله ، وقل الحق ، فالرجوع إلى الحق أولى من التمادي قي الباطل .
أن المثال الذي أتيت به في الحلقة السابقة لم يشف غليلي ، فقلت في نفسي لما قرأته وقت كان يطالعه الناس ، إذا كانت هذه الحجة التي أتيت بها لأدافع عن فكرة لا تقدم دليلا قاطعا مسكنا على صلاحية وجهة نظري ، فكيف تريد أن نقنع الناس ، ومن حقهم ألا ينسابوا بسهولة مع أول منقول يتقول عليهم ؟
أجعل نفسك مكانهم ، أكنت تثبي فكرة لمجرد هراء بسيط تسمعه للمرة الأولى ولا تؤيده إلا حجة واحدة . كنت كلما أعدت هذا الكلام  على نفسي  أحسست بعدم رضاها ، ولهذا أردت أن أعبد الكرة مسلحا بحجج أخرى  اعتقد أنها متممة لما ورد في الحلقة السابقة فأقول:
لو كان العرب يقدمون النحو على الاستعمال لما قال القرآن" استحوذ عليهم الشيطان " فهذا خلاف واضح للقاعدة النحوية ولكنه موافق تمام الموافقة للاستعمال فقدموا الاستعمال وأخروا القاعدة النحوية ، وكم يعجبني تعليق العالم اللغوي العربي ابن جني  حين يقول في كتابه الخصائص :" إذا تعارضا (ويعني السماع والقياس )نطق بالمسموع على ما جاء عليه ، ولم نفسه في غيره ..لأنك إنما تنطق بلغتهم ، وتحتدي في جميع ذلك على أمثالهم ". ولو كانوا أسيري القواعد النحوية لما قالوا الحركة والخونة  والدول والخول بل لنطقوا بها الحالة والخانة والدال والخال.
ولو كانوا يضحون  في سبيل القاعدة النحوية لما قالوا الفتوى والبقوى والثروى بينما القاعدة تخالف ذلك .
ولو كان العرب يقدمون القواعد ولا يولون الاستعمال أدنى اهتمام  ، لما قال أحد النحاة هذه القاعدة التي صارت مثلا يحتدى وحكمه بليغة في هذا الباب قال:
"وإن شذى الشيء في الاستعمال وقوى في القياس كان استعمال كما كثر استعماله أو ولى ، وأن لم ينته قياسه إلى ما انتهى إليه استعماله..إلا تلك إذا استعملت أنت شيئا من ذلك فالوجه أن تحمله على ما كثر استعماله ، وهو اللغة الحجازية : إلا ترى أن القرآن بها نزل".
أبعد هذا يقال عن لغتنا أنها تهمل الاستعمال وتعتني بالقواعد الجامدة مضحية بالمعاني في سبيل ذلك .
كلما أرجو أن يستيقظ شبابنا فيتبنى قضاياه ويرفع من شأنها ، ولا يترك أمرها إلى الذين يكرهوننا ويبغضون لغتنا ويتمنون تقهقرها ، فعسى الله أن يأتي بهذه الفئة المخلصة تكرس جهدها لإعلاء لغتها وعنون وجودها .
لقيثى بعض أصدقائي من الذين يتتبعون هذه الحلقات المتسلسلة التي أذيعها في الناس فوضع علي سؤالا في الموضوع  أقر أنه أحرجني .قال هذا الصديق الكريم في شيء من القساوة :" تعتقد أن العرب يقدمون الاستعمال  على القواعد أو على الأحرى ، كما أدعت يسوون بين الاستعمال والنحو ، لكن كيف تبرر هذا التحجر الموجود في الجملة العربية أو على الأقل هذه الأسبقية التي يعطيها النحويون لبعض الكلمات في الجملة العربية ، ألا يجب في الجملة العربية أن يقدم الفعل على الفاعل والفاعل على المفعول ،وهلم جرا "قلت في كلامك حق وهو في نفس الوقت حجة لي ضدك ، وسلاحا آخر أمددتني به ، بارك الله لنا فيك ، وفي كلامك باطل سأدحضه   بقوة أن شاء الله.
كثير من شبابنا المثقف مما استمعوا إلى بعض دروسي سواء في الثانويات أو في كلية الآداب بفاس يعلمون أنني  كنت أبين لهم أن الجملة العربية الصحيحة البسيطة التي لا يمكن أن يطعن فيها طاعن هي الشيء التي تأتي على هذا الهيكل :
فعل رفع نصب جر" أكل الرجل الفقير الزاهد لحما طريا كثيرا صباح اليوم في كوخه الكائن بجانب المسجد الكبير " هذه هي الجملة التي كنت أدعوا طلابي إلى استعمالها والنسيج على منوالها .
ولكنني كنت في نفس الوقت أبين لهم أن الخروج قليلا أو كثيرا عن هذا النسيج ، أن أدى إلى جمال أو تدعيم معاني طريقة أو موسيقى رنانة أو سبق استعمالها من طرف العرب الذي نثق بعروبتهم فلا ضير في ذلك ، بل الخير كل الخير فيه ، وهذا هو الجانب الصحيح في كلامك ، فقاطعني صديقي – غفر الله له – قائلا " ألم يكن النحويون هم الواضعون الحقيقيون لهذه التراكيب ولهذا الإعراب المعقد ". وتقديمهم  له ، اعتقادهم أن ما قبس من كلام العرب فهو عندهم من كلام العرب ، وكل ما قبس على الأقل استعمالا ، والأضعف قياسا لم يعد من كلام العرب بل عد خارجا عنه " فأعجبني من صديقي أنه نقل هذا الكلام وصمم العزم على حفظه ونشره في الناس . ألا بارك الله في مثل هؤلاء الأصدقاء يرون الحق حقا والباطل باطل
لم يتأت أن أقول في الحلقة السابقة لصديقي العزيز الجانب الفاسد في ادعائه لأنه قاطعني كما رأيت ، ثم انتقلنا بعد ذلك إلى أمر اعتقدنا أنه أهم ما كنا فيه.
ولكن لن أترك الفرصة تمر ، دون أن أبين له ، ولو من بعيد ، خطأ رأيه كما كان يراه.
الجملة العربية يا صديقي لا تحتم تقديم الفعل على الفاعل والمجرور كما فهمت من كلامك السابق.." ألا يجب .. إلى آخره ".ولا يمكنك أن تلزم الناس بذلك وأن تطلب منهم أن يكونوا أبنياء وهم مقيدين.
ولا يمكن بحال من الأحوال ، أن يكون هناك بيان وطلاقة وجمال وموسيقى إذا اقتصر العرب على الجملة المحبوكة على نسج واحد رتيب ممل ، هناك المقام الذي يطلب تقديم المنصوب على المرفوع بل المجرور على المرفوع .
والقرآن الكريم ، وهو الكتاب العربي الأصيل الذي لم يوضع مثله قديما ولا حديثا ولن يوضع مثله فيما يستقبل من الأزمنة وسيظل فريد من نوعه ، وحيد نسجه إلى أن يبدل الله الأرض ومن عليها استعمل تراكيب خرجت من التركيب المذكور ، قال تعالى :"إنما يخشى الله من عباده العلماء". فالعلماء وهو مرفوع لأنه فاعل أتى في آخر الجملة بعد النصب والجر . وقال تعالى في سورة البقرة :" وذا أبتلى إبراهيم ربه بكلمات فاتهمن" فقدم على المنصوب على المرفوع ، وأمثال هذا في القرآن الكريم  كثير لا يحصى .
واللغة العربية التي تعتد حركات الأعراب لا تأبه لذلك مادمت بالحركة الموجودة في آخر الكلمة تعرف وظيفتها .
وهذه مزية أخرى من مزايا اللغة العربية أحب أن أسكت عنها مخافة أن يظن أنني نصبت نفسي مادحا لها .
كما سمعنا أن الناس لا يتعلمون اللغة العربية بسهولة لأن أوزانها صعبة ، معقدة يختلط بعضها ببعض، ولم من مرات أجبت هؤلاء أن وجود هذه الأوزان في اللغة العربية يسهل أمرها لا يعقده ويجعلها في متناول الجميع لا صعبة المراس كما يدعي الكثير.
أنا لا زلت أذكر السنة الأولى التي بدأت أتعلم فيها اللغة الفرنسية ، كان ذلك قي قريتي التي تبعد عن مدينة صفرو بحوالي 3 كيلو مترات ، وكان معلمي أبا وأترابي فرنسيا لا يعرف كلمة واحدة  باللغة العربية ولا بغيرها ، يقدس الفرنسة ويحتقر ما عداها ،وكان متشبثا بطرق التعليم المباشر بطرق التعليم المباشر ، بمعنى أنه كان يعلم اللغة الفرنسية ، لا يريد أن ستعين على ذلك حتى بالإشارة ، وكنا صغارا لا يتعدى ا:برنا سن السابعة  من عمره ، ولكننا كنا نعي ما نتعلم ، فبقدر ما كان متحجرا ، معقدا في موقفه ، بقدر ما كنا متعلقين مرتين ، وكان يحلو لنا ونحن صغارا أن نقارن بين ما نتعلم من هذه اللغة الجدية بما نعرفه في لغتنا .
ولا زالت  أذكر أننا يوم تعلمنا – بشق الأنفس طبعا – الفعل الفرنسي (..............) وصرفناه في الأفراد بعد أن عانينا من شدة صعوبة النطق  به  ، ولما خرجنا من قاعدة الدرس طلب طفل لصديقه له (..........................)وكان يقصد أعطى المفتاح  ، فلم نر في هذا خطأ ، بل استحسناه ظنا منا أن آلة الفتح لابد وأن تكون الآلة التي تفتح بها غير مستقلة من الفتح.
ولا تسأل عن استغرابنا لما قدم لنا ذلك الفرنسي المفتاح وأطلق عليه كلمة جديدة لا تحتوي على حرف واحد من فعل فتح ، وبدأنا من جديد نبذل مجهودا آخر للنطق بالكلمة الجديدة ولو كنا بصدد تعلم اللغة العربية لكننا في غنى عن كل هذا وفقدنا كل أمل في أننا يوما من الأيام يمكن أن نستنبط  شيئا صحيحا في هذه اللغة الجديدة معتمدين على العقل السليم  كما نفعل في لهجتنا .
أما عن كتابة هذه الكلمة فحدث عن البحر ولا حرج ، فاكتبها أن شئت بفاء  زائدة في الأخير  وأن شئت عوض الفاء ب:
أما في اللغة العربية فالصيغة تكفيك مشقة الحفظ والبعث والنطق وتسهل عليك الأمور إذا  تعلمت  الفعل فقد تعلمت الآلة أيضا ، فآلة الفتح المفتاح ، وآلة الطرق مطرقة وآلة النشر المنشار ، وهكذا دواليك جهد بسير واستنباط وعقل ودراية كثيرة

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here