islamaumaroc

مبادئ الاقتصاد الإسلامي وغاياته

  دعوة الحق

117 العدد

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الكريم ، وعلى آله وصحبه أجمعين :
وبعد،

موضوع البحث : إن الموضوع الذي اخترته لهذه المحاضرة (1) عنوانه : " مبادئ الاقتصاد الإسلامي وغاياته" ولبحث هذا الموضوع أحدد بنفسي أربع أسئلة ثم أرد عليها : وهي كما يلي : السؤال الأول : هل الإسلام وضع نظاما اقتصاديا ؟ وإن كان ، فما هي تفاصيله ؟ ثم ما هي المكانة من الأرض ، والعمل ، والرأسمالي ، والتنظيم في هذا النظام.

السؤال الثاني : هل يجوز استخدام أموال الزكاة والصدقة في المصالح الاقتصادية العامة ؟

والسؤال الثالث : هل يمكن لنا أن نقيم نظاما اقتصاديا لا ربويا ؟

والسؤال الرابع : هل هناك ارتباط أو انسجام بين كل نظام من النظم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والدينية في الإسلام؟
هذه أسئلة إذا أراد الإنسان أن يتحدث فيها بتفصيل وأطناب يضطرب إلى إخراج كتاب مبسط فيها .
إلا أن الذين أخاطبهم الآن هم جماعة مثقفة واعية فتكفيهم الإشارات .
أما السؤال الأول فهو على شطرين :الشطر ألأول : هل الإسلام وضع نظاما اقتصاديا  ، وإن كان فما هي تفاصيله ؟ والشطر الثاني : ما المكانة لكل من الأرض والعمل ، والرأسمال ، والتنظيم في هذا النظام ؟

توجيه الإسلام الاقتصادي:
وأقول ردا على الشطر الأول من السؤال : نعم ، إن الإسلام وضع نظاما اقتصاديا بدون ما ريب، إلا أنه  ليس معنى ذلك أنه وضع نظاما اقتصاديا بجميع تفاصيله وفروعه ونواحيه لكل عصر من العصور ، بل معنى ذلك أنه قد أعطانا أسسا  ومبادئ نستطيع أن نضع في ضوئها نظامنا الاقتصادي في كل عصر من العصور وفق حاجاته ومقتضياته ، ومن قواعد الإسلام الكلية التي تضح لنا جليا بعد التأمل في كتاب الله وسنة رسوله أن الإسلام أقام معالم وقرر حدودا فاصلة srenCor ruoF  لكل شعبة من شعب الحياة ، ثم يفرض علينا أن ننظم هذه الشعبة في داخل هذه الحدود والمعالم بحال من الأحوال ، ولنا أن نضع داخلها كل ما يتصل بهذه الشعبة من التفصيل  حسب الظروف والحاجيات والتجارب ، أن الإسلام يرشد الإنسان بهذه  الطريقة إلى كل ما يتعلق بحياته اعتبارا من الشؤون الشخصية إلى كل شعبه من شعب الحضارة والمدنية ، وبهذه الطريقة نفسها هو يأخذ بيدنا إلى ما له علاقة بالحياة الاقتصادية ، بحيث أنه وضع لنا مبادئ ، ورسم لنا معالم  نصور في داخل إطارها نظامنا الاقتصادي ، أما  تفاصيله فهذا الجانب لا يتحقق إلا وفق حاجات  العصر ، كما تحقق ذلك فعلا على مدار التاريخ الإسلامي ، وإذا تصفحتم كتب الفقه وجدتم فيها : كيف أن فقهاء الإسلام دونوا أحكام نظام الاقتصاد بتفصيل واف في عصورهم المختلفة ،  في داخل الحدود الفاصلة التي خطها الإسلام ، وكل ما وضعوه من التفاصيل والفروع فيما يتعلق بهذا النظام وضعوه مستمدين من المبادئ التي قررها الإسلام ، وكل ما ينفعنا من هذه التفاصيل ويحقق حاجاتنا العصرية تأخذ به ، كما هو ، بدون أدنى تغيير فيه ، ثم نستخرج أحكاما جديدة فيما يدعونا ألأيه الحاجات المستحدثة .ويلزم أن تكون الأحكام الجديدة كذلك مستمدة من المبادئ والأسس التي أتى بها الإسلام وفي داخل الحدود التي قررها.
وحسبكم أن تدركوا من هذا البيان مراد قولنا : " أن الإسلام نظاما اقتصاديا  أريد أن ألقي بعض الأضواء على الغايات ( evitcejbO) التي راعها الإسلام في نظامه الاقتصادي ، لأن بدون معرفة هذه الغايات لا يمكن لأحد أن يتفهم مبادئ الإسلام الاقتصادية ، وأن يطبقها على الظروف والحاجات ، وأن يستخرج منها الأحكام التفصيلية التي تلائم روحها الحقيقية .

الحرية الاقتصادية
أن أول شيء يهتم به الإسلام . أول ما يهتم – في باب الاقتصاد ملخصه " أنه يحافظ على حرية الإنسان ، ولا يفرض عليها قيدا من القيود إلا بقدر ما لابد منه لتحقيق سعادة النوع البشري وفلاحه ، وذلك أن كل فرد من أفراد النوع البشري وفلاحه ، وذلك أن كل فرد من أفراد النوع البشري هو مسؤول أمام الله بصفته الفردية من وجهة نظر الإسلام ، وهذه  المسؤولية لن تكون مسؤولية جماعية ، بل كل شخص هو مسؤول بصفته الشخصية ، ويسئل عن كل ما جاء به من  الأعمال الصغيرة أو الكبيرة في الحياة الدنيا ، ولأجل هذا المبدأ من اللازم أن تتاح للإنسان فرص مواتية لتطوير شخصيته وفق اتجاهاته وحسب كفاءاته وبإرادته الحرة ، ولذلك أن الإسلام يعطي لحرية الاقتصادية نفس الأهمية التي يعطيها للحرية الخلقية والسياسية ، إذا انعدمت الأخلاقية بنفسها ، لأن الذي يفتقر إلى غيره في معاشه مهما كان له رأي مستقل حر في أمر من الأمور السياسية لا يكون حرا في العمل به أبدا، ومن قم فإن الإسلام يضع مبادئ اقتصادية تسنح للفرد أكثر مما يتصور من الحرية في اكتساب الرزق والتماس المعاش ، ولا تفرض عليه التزامات وقيودا إلا قدر ما تقتضيه مصلحة البشر العمة وسعادتهم

الحقيقية .
تنمية المكارم الخلقية

والأمر الثاني هو أن الإسلام يعتبر مسألة التربية الخلقية للإنسان من المسائل الإنسانية ، ويعطيها ما تستحق من الأهمية ، ولا تتحقق التربية الخلقية إلا إذا توفرت للفرد فرص للعمل الصالح الناشئ عن إرادته  الحرة في النظام الاجتماعي لبلاد ، لكي تنمو فيها مظاهر البر والإحسان والعطف والرأفة وما إلى ذلك من المكارم الخلقية ، وعلى هذا فإن الإسلام لا يقتصر على السلطة التشريعية في إقامة العدالة الاقتصادية بل هو يركز جل همه في هذا الصدد على استصلاح الإنسان النفسي والخلقي ، وعلى تحسين ذوقه ، وعلى تغيير مقاييسه للتفكير ، وعلى تشحيذ الحس الخلقي ( osneS laroM) في نفسه الذي يدفعه دفعا على القيام بالقسط والعدل والإحسان وأن باءت بالفشل جميع هذه التدابير لإصلاح الفرد فليكن المجتمع الإسلامي في حيويته وقوته حيث يرغمه على الالتزام بمقتضيات العدالة وحدودها عن طريق ضغطه الجماعي ، وإذا لم يؤثر هذا الضغط أيضا   فهنا يستخدم الإسلام  قوة القانون ليقيم في أرض الله عدلا بوسائل القسر والإرغام ، وكل نظام اجتماعي  يقتصر لإقامة العدالة على قوة القانون فقط ، ويكبل الإنسان بقيود تسلب قدرته على أعمال الخير والمعروف عن إرادته الحرة فهو نظام باطل في نظر الإسلام .

محاربة الصراع الطبقي :
والأمر الثالث : أن الإسلام يدعوا إلى الوحدة البشرية والأخوة ، ويعارض التفريق والتناطح والتصادم ، ولذلك هو لا يسقم المجتمع الإنساني  إلى طبقات ، بل يخلق جو التعاون والتعاطف والتكافل بين الطبقات التي توجد في المجتمع بحكم الفطرة ، ولا يثير بينها الصراع الطبقي .
هذه أمور ثلاثة لا تدركون مباد نظام الاقتصاد في روحها الصحيحة ما دمتم لا تضعونها أمام أعينكم.
وهيا بنا نأخذ الآن المبادئ الرئيسية لنظام الإسلام الاقتصادي متوخين الإيجاز:

الملكية الفردية وحدودها :
إن الإسلام يقر بحق الملكية الفردية المحدودة بعدة حدود ، ولا يفرق في هذا الباب بين وسائل الإنتاج (noitcudorp fo snaeM) وبين الأدوات الاستهلاكية( sdoogremusnoC)، بل هو يقر بالحق الشامل للملكية الفردية بعد أن يحددها بحدود خاصة ، ولا يعترف الإسلام بفكرة تقول بالتفريق بين وسائل الإنتاج والأدوات الاستهلاكية أولا تم إلغاء حق الملكية الفردية على وسائل الإنتاج ، والإسلام يبيح للإنسان تملك الأراضي والآلة والمصنع ، كما يبيح له تملك الألبسة والأواني وأثاث البيت وأمتعته ، وقد وضعت الشريعة الإسلامية التخطيط الشامل للحياة الاقتصادية بصورة توفر للإنسان حرية كاملة لاكتساب الرزق والتماس المعاش ضمن الحدود المعينة ، وقلت لكم آنفا : أن الإسلام يعطي الحرية الفردية كل الأهمية ، وعلى أساسها يقيم بناء تنمية الخصائص الإنسانية وترقيتها  ولكي تكون الحرية الفردية مكفولة  مضمونة يجب أن يعطي الفرد حق الملكية الفردية في وسائل الاقتصاد وتدبيره وتنظيمه ، وإذا سلبناه حق الملكية الفردية ، وقمنا بتأميم سائر وسائل الاقتصاد فهذا يعني إلغاء حريته الفردية بدون ما ريب ، لأن يعد تأميم وسائل الاقتصاد ومنابعه يصبح جميع أفراد المجتمع  مستخدمين خاضعين لمنظمة التي تسيطر على كفة وسائل اقتصاد الدولة ومصادره وتوجها فيما تشاء .

توزيع الثروة على مبدأ العدل :
وكذلك من أهم مبادئ نظام الاقتصاد الإسلامي أن هذا النظام لا يدعوا إلى توزيع الثروة على مبدأ المساواة (lauqE) بل يدعوا إلى توزيع الثروة على مبدأ العدل (elbatauqE ) وهولا يستهدف  أبدا توزيع وسائل الحياة وحاجاتها بين جميع الأفراد على قدم المساواة ، والذي يقرأ القرآن يتضح له وضوح الشمس في رابعة النهار أن هذا الكون الشاسع لا أثر فيه للتوزيع المتساوي في أية ناحية من نواحيه . والتوزيع المتساوي أنما هو شيء تأباه الفطرة نفسها وأتساءل ، هل منح جميع أفراد البشر بنعمة الصحة على قدم المساواة ، هل أودع جميع أفراد البشر مواهب الذكاء والفطانة على السواء ، هل يتساوى جميع الأفراد في قوة الذكاء؟ هل جميع أفراد البشر على مستوى بعينه في الجمال ، والقوة ، والكفاءة؟ هل جميع البشر يفتحون عيونهم في الدنيا في ظروف الولادة بعينها ويجدون أوضاعا متساوية للعمل في الدنيا ؟إذا لم توجد المساواة في جميع هذه النواحي التي أرنا إليها فما معنى المساواة بين وسائل الإنتاج  أو بين توزيع الثروة ؟ هذا أمر لا يستحيل من جهة الواقع فحسب ، بل  لو فرض على المجتمع بطرق مفتعلة ينال الفشل المحتوم ، وتتمخض عنه العواقب الوخيمة والنتائج السيئة ، ولذلك إن الإسلام يقول بوجوب توزيع أدوات الإنتاج والمنتوجات على قدم المساواة بل هو يقول بوجوب التوزيع على أساس العدل ، ولتحقيق التوزيع العادل هو يضع طائفة من القواعد والالتزامات .

تمييز الحلال من الحرام:
القاعدة الأولى من هذه القواعد هي: أن الإسلام يميز بين الحلال والحرام في وسائل اكتساب الثروة و التماس ، فالإسلام يخلي بين الفرد وبين جهده وكفاحه لاكتساب ما يعيش عليه بطريق حر، ويعتبر كل ما يكتسب بعرق جبينه وكد يمينه ملكا مشروعا ، ها في جانب ، و في الجانب الأخر هو قيم حدود الحلال من الحرام في طرق الكفاح الاقتصادي أيضا ، وبموجب هذه القاعدة أن الفرد حر بمعنى الكلمة  في اكتساب الرزق بطرق الحلال ، ويجوز أن يكتسب  رزقه بطرق الحلال كيفما يشاء وقدر ما يشاء ، وهو مالك شرعي لما اكتسب من الثروة ، و ليس لأحد حق في أن يسلب منه ملكه المشروع أو يضع عليها حدودا من تلقاء نفسه.
إلا أن هذا الفرد لا يجوز لم أن يكتسب ولو مقال ذرة بطرق الحرام ، بل هو يمنع من الاكتساب غير المشروع قصرا ، ولا يعتبر مالكا شرعيا لها ادخر من الثروة المكتسبة بالطرق غير المشروعة .

وسائل الاكتساب المحرمة :
أما وسائل الاكتساب التي حرمها الإسلام فهي: الخيانة ، والرشوة و الارتشاء، و الاغتصاب ، والغبن في بيت المال ، و السرقة ،و التطفيف ، وأعمال إشاعة الفاحشة ، و البغاء ، و صناعة الخمر و ما شابهه من المسكرات ، و الربا ، و الميسرة ، و الرهان ، وجميع أنواع البيع التي تقوم على الخدع والتدليس و الاحتيال أو تقوم على الإكراه والإجبار ، أو التي تولد الاضطراب والخصام والمنازعة ، أ, التي تنافي العدل و المصلحة العامة ، إن جميع هذه الطرق يقررها الإسلام طرقا محرمة من وجهة القانون ، وعلاوة على ذلك فإن الإسلام يحظر الاكتناز ويحارب جميع ضروب الاحتكار التي تفوت على عامة الناس فرص الانتفاع من الثروة ووسائل إنتاجها بدون مبرر ، وما عدا هذه الطرق المحرمة فكل ما اكتسبه الإنسان من الثروة فهو حلال ، ومن حقه أن يستمتع هو نفسه بثروته المشروعة أ, ينقلها إلى الآخرين عن طريق الهبة أو الصدقة ، كما من حقه أن تستثمرها لاكتساب المزيد من الثروة ، وكذلك من حقه أن يترك منها ما يشاء لورثته من بعده ، وليس هناك قيد من القيود يضع له حدا في اكتساب المزيد من ألأموال بصورة مشروعة.
بل أن أمكن لرجل من الناس أن يصبح (المليونير ) بطرق الحلال فالإسلام لا يمانع ذلك، وله أن يترقى ف وسائل العيش إلى ما يستطيع ، ويجمع من نعم الله ما يشاء ولكن بطرق الحلال والوسائل المشروعة ، على أن ليس من السهل أن يبح الإنسان (المليونير) عن  طرق الحلال إلا النزر اليسير ممن أكرمه الله ونعهم بصورة استثنائية  وعلى  كل فإن الإسلام لا يكبل رجلا، كائنا من كان ، في كفاحه الاقتصادي ، بل يخلي بينه وبين اكتسابه الرزق و جمعه الأموال قدر ما يشاء، ولا يلقي العراقيل في طريقه أبدا .

القيود و الالتزامات :
والثروة التي يكتسبها الإنسان بطرق الحلال يضع الإسلام القيود على صورة الانتفاع منها، ومن صور الانتفاع مثلا أن ينفقها على نفسه ، و يجيء الإسلام  يضع من القيود و الالتزامات على هذا النوع من الانتفاع ما يجنبه من الإضرار التي يمكن أن تصيبه إياه في أخلاقه أو تصيب المجتمع الذي يعيش فيه ، والصورة الثانية للانتفاع من الثروة ، أن يدخر الإنسان منها القدر القليل أو الكثير ، ويتمتع من توظيفه استهلاكه ، وهذا لا يحبه الإسلام ، وما يريده الإسلام هو أن كل ما يتوفر عند فرد من الأفراد من الثروة ينبغي أن لا تتجمد بل تأخذ دورانها بين الناس، أما الثروة التي تجمدت فيجيء الإسلام بقانون الزكاة وينفذ  عليها ليقتطع منها نصيا بصورة حتمية في عون  الطبقات المعوزة وفي وجوه الخدمات الاجتماعية ، وستجدون  في القرآن الكريم أن الأعمال التي يتوجه القرآن إليها بالزجر والتوبيخ منها طمع الإنسان في جمع الكنوز فيقول القرآن:" إن الذين يكنزن الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ". وسببه أن الله تعالى لم يخلق أنواع الثروة إلا ليستمتع بها النوع البشري ، ولا يحق لأحد أن يدخرها ، ويخفيها ، ويمسك بها ، فلتكسب أنت ما تريد بطرق الحلال ، ولتنفق منه في حاجاتك الحقيقية ما تشاء ، ثم لتستثمر ما يتوفر ليدك بعد ذلك في طرق  الحلال ولهذا السنن نفسه يمنع الإسلام من الاحتكار، والاحتكار معناه أن تدخر الأدوات الاستهلاكية عمدا حتى يقل نزولها إلى السوق وترتفع أسعارها ، وهذا العمل الشنيع حرام في القانون الإسلامي ، ليس للإنسان إلا أن يزاول التجارة بدون اللجوء إلى الاحتيال ، وإذا تملك بضاعة للبيع ، والسوق تطلبها فليس هنا من مبرر أن تمتنع عن بيعه ، فالذي يمانع بيع الأدوات الاستهلاكية احتيالا لتقليل نزولها في السوق ورفع أسعارها فهو ليس يتاجر بل هو لص طراز، ولأجل ذلك ينكر الإسلام أنواعا غير مشروعة من الاحتكار، لأنها تحول بين الناس وبين انتفاعهم من وسائل الرزق.
كما لا يبيح الإسلام تخصيص فرد من الأفراد أو طائفة من الطوائف أو طبقة من الطبقات أو بيت من البيوتات بفرص معينة من الاكتساب ووسائله حيث إذا جاء غيرهم ينزل في هذه الحلبة يطرد أو يمنع من ذلك ، وإذا كان هناك نو من الاحتكار يبيحه الإسلام فليس إلا النوع الذي لابد منه مبدئيا فتح باب كافة ميادين الكفاح والسعي في وجه جميع الناس وتوفير كافة الفرص  لكل من يسعى سعيه فيها.
وهناك صورة ثالثة للانتفاع من الثروة وهي توظيف هذه الثروة في اكتساب المزيد من الثروة ، وهذه الصورة من الانتفاع لا تجوز إلا بطرق التي أحلها الإسلام لاكتساب الرزق ، و لا يحق استخدام الطرق المحرمة التي ذكرتها سالفا في توظيف الأموال واستثمارها .

حقوق الجماعة على الثروة الفردية :
وكذلك الإسلام يفرض حقوق الجماعة على الثروة بصور شتى تجدون بيانها في النصوص الصريحة في القرآن ، ومعنى ذلك أن المال الذي اكتسبه الفرد كماله عليه  حق ، كذلك لذوي قرباه عليه حق ، ومن مسؤولية كل فرد من أفراد المجتمع أن يمد يده بالعون إلى أقاربه الذين لا يجدون من وسائل الحياة ما يغنيهم إذا يملك ما يفضل عن حاجته الحقيقية وإذا كان شعب من الشعوب يستشعر كل أفراد الأسرة فيه هذه المسؤولية من المحتوم أن يتوفر ضمان الكثير من الأسر الفقيرة فيه بالعيش الكريم ، ولا  يتبقى إلا الأسر القليلة التي تكون مفتقرة إلى العون الخارجي ، وتحقيقا لنفس المبدأ نرى القرآن الكريم  يذكر- أول ما يذكر من حقوق العباد- حقوق الوالدين وذوي القربى ، وعلى غرار ذلك فإن القرآن يفرض على أموال الفرد حق من يعيشون بجواره ، ومعنى ذلك أن يكتفل الأفراد الذين ساءت حالتهم الاقتصادية ويعوزهم ما يسدون به رمق حياتهم ، ويحتاجون من يمد إليهم يده بالعون في كل حي من الأحياء وفي كل زقاق من الأزقة ، وفي كل درب من الدروب  ، وبعد القيام بهاتين المسؤوليتين يلقي الإسلام مسؤولية أخرى  على عاتق كل رجل منعم بعيش رغيد وهم أن يعاضد ما وسعه كل سائل و معدوم وفي ذلك يقول عز وجل :" وفي أموالهم حق لسائل والمحروم ". والسائل هو الذي يأتيكم ويطلب منكم العون ، وليس المراد من ذلك المتسولين  الشحاذين الذين اتخذوا السؤال مهنة ومكسبا ، بل المراد منه رجل يعاني عوزا في واقع الأمر ويسأل منكم العون المادي، وعندكم ما يفضل من حاجتكم تتمكنون به من عونه فاعلموا حينئذ أن له في أموالكم حقا مفروضا ، أما المحروم فالمراد منه الرجل الذي جاءكم يسأل العون ، وهو لا يجد الرزق تمام أو لا يجد ما يكفيه ، وهذا الرجل أيضا له حق في أموالكم ، وعلاوة على هذه الحقوق فإن الإسلام يأمر المسلمين بالإنفاق في سبيل الله على الوجه  العام ، ويقيم لكل من المجتمع والدولة الحق في أموالهم ، وهو يقصد من ذلك أن يكون كل فرد مسلم متحليا بصفات الجود ، والكرم ، والسخاء ، وسعة الصدر ، ويكون ذا حسن إنساني ، عطوفا ، ومحبا للخير ، ينفق ما وسعه بسعة صدره في وجوه الخير والبر والإحسان ، وفي كل ما يحتاج إليه دينه ومجتمعه  ابتغاء لمرضاة الله لا يدافع من المآرب الشخصية ، وهذه روح خلقية جليلة يريد الإسلام بعثها في كل فرد من الأفراد المسلمين بوسائل التعليم والتربية وبإيجاد الجو الاجتماعي للمجتمع الإسلامي ، ليضرب  الفرد بسهمه في تحقيق  السعادة الاجتماعية، بطواعية قلبه لا بوسائل الإجبار والإرغام .

الزكاة:
وعلاوة على هذا الإنفاق القائم على التطوع والاختيار هناك إنفاق آخر الإسلام فرضا من الفروض ، وهو الزكاة التي تؤخذ من الأموال المجتمعة ومن أموال التجارة ومن مختلف أنواع العمل ، ومن المحصولات الزراعية ، ومن الماشية ، تؤخذ الزكاة  ليساند بها أفراد المجتمع الذين تخلفوا في المجال الاقتصادي ، ومثل هذين النوعين من الإنفاق كمثل صلاة التطوع والصلاة المكتوبة ، أما صلاة التطوع فلك الخيار في عدة ركعاتها وتحديد أوقاتها ما عدا الأوقات المنهى عنها ، أي قدر ما تريد من النمو الروحي  وتبتغي من التقرب إلى الله تعالى تصلي صلاة نافلة تطوعا واحتسابا ، أما الصلاة المكتوبة فيلزم عليك أداؤها في أوقاتها وحسب ركعاتها ، ولا خيار لك فيها ، وكذلك الإنفاق في سبيل الله : فإنفاق نافل تنفقه عن رغبتك ، وإنفاق فريضة من الله يجب عليك القيام بها إذا كنت تملك من الثروة ما يبلغ حد النصاب.
ولا يذهبن بكم الظن عن الزكاة إنها ضريبة من الضرائب ، إنها ليست  بضريبة بل إنها عباده وركن هام من أركان الإسلام كركن الصلاة ، وما بين الزكاة والضريبة ما بين السماء والأرض . الضريبة أن يكون الرجل قبلها وقلبه مطمئن به راض عنه ، كما لا ينظر أحد إلى الذين يضعون الضريبة ويفرضونها على الناس بنظرة الإجلال والتكريم والتقديس ، ولا يؤمن أحد بكونهم على الحق في تقرير الضريبة بل يعتبر الإنسان الضريبة ثقلا على عاتقه ، فيستنكف منها ، ويلجأ إلى آلاف الحيل للتهرب منها ن ويفتعل مبررات  لعد دفعها ، ولا ينقص من كل ذلك إيمانه في قليل ولا كثير ، كما أن الفرق المبدئي بين الزكاة والضريبة  هو أن الضريبة تفرض  لتغطية النفقات التي تصرف في سبيل الخدمات والمصالح التي تعود بالنفع على من يدفع الضريبة في النهاية ، كما أن التصور الأساسي الذي يعمل وراء الضريبة هن أن التسهيلات التي تريدون من الحكومة توفيرها يلزم عليكم الأجل ذلك الاكتتاب النسبي من ثروتكم ، والضريبة هي بحكم طبيعتها نو من الاكتتاب الذي يؤخذ منكم قسرا ليصرف في الخدمات الاجتماعية التي توفرها الحكومة وتكونون أنتم من المنتفعين بها أيضا،أما الزكاة فهي عبادة كما أن الصلاة من الشعائر التعبدية ، وما وضعها مجلس نيابي أو هيئة تشريعية ، وإنما قررها الذي خلق السموات والأرض ، ويؤمن المسلم بكونه معبودا حقا ، فالذي يريد المحافظة على إيمانه لا يحاول أبدا أن يتهرب من أداءها ، أو يحتال فيها ، بل إذا لم يكن هنا قوة خارجية تحاسب عليه وتأخذ منه الزكاة فإن المؤمن يحاسب بنفسه ما يجب عليه من الزكاة ، ويدفعها في وجوهها يدافع العقيدة وعن رضا قلبه ، ثم إن الزكاة لا تؤخذ لتوفير الخدمات الاجتماعية التي أنتم كذلك من المتمتعين بها ، بل إن الزكاة تخصص للذين حرموا من أن ينالوا  نصيبهم من الرزق كليا أو ينالوا كامل نصيبهم من توزيع الثروة ، فأصبحوا يستحقون العون بصورة مؤقتة أو دائمة ، وعلى هذا فإن الزكاة باعتبار حقيقتها وطبيعتها و مبادئها الرئيسية وروحها السامية وصورتها الظاهرة تختلف كل الاختلاف عن الضريبة . إن أموال الزكاة ليست لأن تعبدوا منها الطرق والشوارع ، وتحفروا منها القنوات ، وتدبروا منها أجهزة الدولة ، بل أنها فرضت عليكم الأداء حقوق المستحقين كما فرضت عليكم العبادات الأخرى ، وهي ركن من أركان الإسلام الخمسة ، ولا تعود عليكم بأية فائدة إلا مرضاة الله والأجر منه يوم القيامة .

الإرث:
ثم إن الإسلام وضع قانون الإرث كذلك ، وهذا القانون يستهدف توزيع  ما يترك الرجل بعد موته من الأموال قليلة كانت أو كثيرة على أوسع ما يكون من النطاق ، وفق قاعدة محددة ،فيستحق لما تركه أبواه وزوجه وأولاده قبل غيرهم ثم إخوته في الدرجة الثانية ، ذوو الأرحام في الدرجة الثالثة ، إذا كان الذي يورث ، كلالة يرثه أبناء قومه وبنو جلدته وتضم أمواله إلى بيت مال المسلمين .

طريق وسط :
هذه هي المبادئ التي قررها الإسلام لنظامنا الاقتصادي ، ويجوز لكم أن نضعوا لكم ما تحبون من نظام اقتصادي في حدود هذه المبادئ ، أما تقرير الأحكام التفصيلية والجزيئات فار جئت إلينا في كل زمان ومكان وحسب الحاجات والظروف ، والذي يجب علينا الالتزام به في كل حال من الأحوال هو أن لا نختار سبيل الاقتصاد الحر المطلق كالنظام الرأسمالي ، ولا نختار سبيل تأميم وسائل الاقتصاد ووضعها تحت تصرف جماعي ، بل علينا أن نظاما اقتصاديا حرا يكون محدودا ببعض الحدود وملتزما ببعض القيود ، وتكون فيه أبواب السمو الخلقي للإنسان مفتوحة ، ولا تلمس فيه الحاجة ، في معظم الأحيان ، إلى إجبار الفرد على خدمة المصالح الاجتماعية بقوة القانون ، ولا تنشأ فيه طبقات غير فطرية بطرق باطلة وأسس هدامة ، ويخلق فيه جو التعاون والتعاضد والتعاطف بين الطبقات الفطرية بدل إثارة الصراع الطبقي فيها ، ويحرم فيه جميع طرق اكتساب الرزق التي حرمها الإسلام ، ويباح فيها جميع وسائل الاكتساب التي أباحها الإسلام ، و يعترف فيه بجميع حقوق الملكية التي  أعطاها الله الفرد في أمواله المكتسبة بالطرق المشروعة ، وحقوق التصرف فيها ، ويفرض فيه على الأفراد الزكاة إجباريا فتؤخذ من جميع الأغنياء الذين يملكون ما يبلغ حد النصاب ، ويقسم فيه ما يترك الفرد بعد موته من الأموال في ورثته ، ويمنح فيه الأفراد الحرية الكاملة في العمل والكفاح واكتساب الرزق في حدود محدودة ، ولا يوضع فيه قانون يفرض على الأفراد قيودا مرهقة ويلغي حريتهم الفردية ، وحين سلك الناس فيه من تلقاء أنفسهم طريق العدل والنصفة والصدق قلا يتدخل القانون في أمورهم بدون ما حاجة . ولكنهم إذا لم يسلكوا هذا الطريق الأقوم :طريق العدل والصدق ، أو تجاوزوا الحدود المشروعة ، أو مارسوا الاحتكار غير المناسب فلا جرم أن القانون يتدخل في شأنهم ، لا لأجل أن يسلبهم حريتهم ، بل لأجل أن يقيمهم على العدل والقسط والصدق ويمنعهم من تخطي الحدود ن لتعود المياه إلى مجاريها.

مكانة الأرض والعمل والرأسمال والتنظيم في الاقتصاد الإسلامي:
هذا هو جوابي على الشطر الأول من السؤال الأول، وخذوا الآن الثاني من هذا السؤال الذي سئل فيه عن مكانة الأرض  والعمل والرأسمال والتنظيم في نظام الاقتصادي ، وأشير عليكم لمعرفة هذه المكانة أن تدرسوا قانون المزارعة والمضاربة في الفقه الإسلامي ، أما علم الاقتصاد الحاضر فإنه كما يذكر الأرض والعمل والرأسمال والتنظيم كعوامل اقتصادية لم يذكرها الفقهاء المتقدمون في كتبهم ولم يدونوا لها مؤلفات مستقلة ، بل قد نوقشت جميع هذه المسائل في أبواب وفصول شتى في كتب الفقه ، كما أن مصطلحا تهم تختلف عن المصطلحات الحديثة التي يستعملها علم الاقتصاد الحاضر ، ولكن الذي لا يبعد المصطلحات بل يضطلع بموضوع الاقتصاد الرئيسي ومسائله المتشعبة يسهل عليه بدون تعب فهم ما صيغ في هذه اللغة الفقهية والأسلوب الفقهي من التصورات الاقتصادية ، إن قانون المزارعة والمضاربة في الفقه الإسلامي يوضح كل الإيضاح طراز تفكير الإسلام فيما يتعلق بمباحث الأراضي والعمل والرأسمال والتنظيم ، فالمزارعة هي أن تكون الأراضي  لرجل، ويزرعها غيره ، وكلاهما ينتفع بمحصولها ، والمضاربة هي أن يكون الرأسمال لرجل، ويثمرها غيره ، وكلاهما يشارك فيما يعود بالربح ، إن الإسلام في كلتا الصورتين من التعامل يعترف المالك الأراضي والمزارع ولصاحب المال والعامل بالحقوق المعلومة ، الأمر الذي يفهم منه بكل وضوح أن الإسلام كما يعتبر الأراضي عاملا من عوامل الاقتصاد كذلك يعتبر سعي الإنسان وجهده وكفاءته التنظيمية عاملا من عوامل الاقتصاد، أن جميع هذه العوامل تستحق المساهمة والمشاطرة في الأرباح ، والإسلام في مطلع الأمر يرجئ تحديد نوعية المساهمة وقدرها بين هذه العوامل المختلفة إلى العرف العام لأن القانون لا يلجأ إلى التدخل في شؤون الناس إن قام الناس أنفسهم بالعدل والقسط فيما بينهم بالمعروف ، إما إذا رأى الإسلام ظهورا التجانف وعدم تحقق العدل في أمر من الأمور فمن واجبه أن يبادر لتدارك الأمر ويضع حدود  العدل والقسط ، وأقول على سبيل المثال: أن لي أرضا وأريد أن أعطيها لرجل على أساس الجعالة ، أو أعطيها أحدا نظيرا الكراء أعقد معه شروطا التزامات مستوفيا جميع مقتضيات العدل والقسط ، وبالمعروف ، فلا حاجة للقانون أن يتدخل في هذه القضية ، أما إذا اتبعت طريق الظلم و القساوة فيها فللقانون  أن يتدخل فيها ، وله أن يضع قواعد وضوابط تلزمني وغيري من الناس على تقرير قضايا المزارعة بموجبها حتى لا يغمط لكل مالك  الأراضي والزراع حقه ، وعلى غرار ذلك فإنه ما دامت تتقرر المعاملات بين أصحاب رأس المال وبين من يثمرها  وينظمها ، على قواعد العدل والقسط ولا يلتجئ أحد منهما إلى وسائل الجور والظلم وغمط الحق فلا يتدخل القانون في شأنهم أبدا ، نعم لو شوهد في تعاملهم ما ينافي العدل ويؤكد الجنف فإن القانون لا يتدخل فيها فحسب ، بل يضع حدودا ويفرض قيودا لا تترك مجال الجنف الحيف والظلم في حق أحد من المتعاملين .

هل يجوز توظيف أموال الزكاة في تنمية الزكاة:
وخذوا الآن السؤال الثاني أي هل يجوز توظيف أموال الزكاة والصدقة في المصالح الاقتصادية العامة ، ولكن الذي يجب أن تفهمومه تماما هو : أن كان تصور المصالح الاقتصادية استخدام أموال الزكاة والصدقات في تنمية اقتصاد البلاد فهذا ر يجوز ، لأن الزكاة، كما قلت لكم آنفا ، غرضها في الحقيقة توفير حاجات الحياة الضرورية لأفراد المجتمع الذين لا يستطيعون اكتساب المعاش لأنفسهم لسبب من الأسباب:كاليتامى والمقعدين ، وذوي العاهات ، أو الذين عطلوا عن العمل لفترة مؤقتة ، أو الذين لا يستطيعون اكتساب المعاش لقلة الوسائل ، وبإمكانهم أن يقفوا على أقدامهم لو حصلوا على العون ، أو الذين دارت عليهم الدائرة فضاعت أموالهم ، فالزكاة قد شرعت لأجل الأخذ بيد هؤلاء الأفراد ، وإذا أردتم التنمية الاقتصادية كتعبيد الطرق وإقامة المصانع مثلا أن تبحثوا لذلك عن الوسائل الأخرى .

النظام الاقتصادي اللا ربوي :
والسؤال الثالث: هل يمكن لنا أن نقيم نظاما اقتصاديا لا ربويا، وأقول ردا على ذلك : نعم بدون ما ريب ، إن النظام مثله كان قائما قرونا طويلة ، ولا  يتعذر قيامه في الوقت الحاضر كذلك إذا صحت عزيمتنا على إقامته وتخلصنا من التبعية العمياء لغيرنا ، ويعلم كل من له إلمام بالتاريخ أن النظام الذي كان يسود جزيرة العرب قبل ظهور الإسلام كان نظاما ربويا على غرار النظام الاقتصادي الحاضر ، فجاء الإسلام، وقلب أمره ، وحرم الربا ، فكان الربا محرما مع امتداد رقعة الحكومة الإسلامية ، وأصبح النظام الاقتصادي بشعبه طاهرا نقيا بدون أن تشوبه  شائبة منه ، وهذا النظام ساد الدنيا قرونا مديدة فكيف لا يمكن قيامه وتشكيله في الوقت الحاضر ، ونحن لو نضطلع بكفاءة الاجتهاد و الاستنباط، ونتمتع بقوة العقيدة والإيمان ، ونصمم على إلغاء ما حرمه الله ، لا نعجز عن إلغاء الربا وتسيير الشؤون المالية والاقتصادية بدونه، وقد تناولت هذه المسألة في كتابي (الربا) بالبحث المسهب ، وذكرت أن إقامة النظام اللا ربوي ليست من الأمور المعقدة التي استعصى على الإنسان حلها ، والمسألة في وضوح وبساطة متناهية ، أي ليس من حق الرأسمال أن يطلع في صورة القروض ويقرر فائدة معينة بصرف النظر عما إذا كان الذين يثمرونه و ينضمون أمره كسبوا شيئا من الربح أم لا ؟ وهذا هو موطن الفساد في الربا.إن الفرد أو المنظمة تقرض الصناعة أو الزراعة أو التجارة قدرا من الرأسمال ويقرر معها فائدتها المحددة سلفا ، ولا يهمه بعد ذلك هل خسرت هذه المؤسسات أم ربحت ، وأن ربحت فكم كان قدر ربح ، وإنما الحصول على الفائدة المحددة على رأس كل سنة أو رأس كل شهر حسب الأجل المقرر، مضافا إلى ما لها الحق في استرجاع الرأسمال الذي مضافا إلى مالها الحق في استرجاع الرأسمال الذي أقرضته بتمامه ، وهذا هو الفساد الذي نحاول القضاء عليه.ولا تجدون رجلا عليه مسحة من العقل في هذا العالم يبرر هذا التعامل ، وبالعكس من ذلك أن الإسلام يقرر مبدأ يقول بأنك إذا أقرضت أحدا فأقرضه كقرض ولا تستحق إلا استرجاع ما أقرضت ، وإذا أردت كسب الربح فعامل معه كشريك أو سهيم ، وأستثمر رأسمالك فيما شئت من الزراعة أو التجارة أو الصناعة ولكن بشرط أن أرباحه توزع بينك وبين صاحب العمل وفق نسبة عادلة ، هذا مما يقتضيه العدل ومما ينمي الحياة الاقتصادية ، وماذا عسى أن تكون هناك مشكلة أو عقبة تحول دون إلغاء التعامل الربوي وإقامة التعامل غير الربوي مكانه ، إذ لا تعدو المسألة أن المال الذي تثمره على أساس القرض ينبغي أن تثمر على أساس المشاركة  في الخسارة والربح ، أما المحاسبة فكما تتم في القضايا الربوية تم كذلك في قضايا المشاركة ، وهذا الأمر لا صعوبة فيه أبدا ، ومرد الأمر في الحقيقة هو أننا تنقصنا كفاءات الاجتهاد ، وتعودنا على التبعية العمياء لغيرنا ، ولذلك أن النظام الذي وجدناه متبعا من السابق نتبعه جملة وتفصيلا ، ولا نحب أن نتعب أنفسنا لشق الطريق الجديد بالاجتهاد والبصيرة ، بينهم (رجل الدين) المسكين بأنه مقلد أعمى لا يسلك طريق الاجتهاد مع أن الذي يتهمونه  هم أنفسهم متوغلون في التقليد الأعمى . ولا نلمس فيهم الاستعداد لمزاولة الاجتهاد ولولا يكون بهم هذا المرض لصارت المسألة منحلة إلى ما قبل مدة ولعادت المياه إلى مجاريها .
والسؤال الأخير هو هل هناك ترابط أو انسجام بين نظم الإسلام الاقتصادية ونظمه السياسية والاجتماعية ونظمه الدينية ، وإذا كان فمن أي نوع هذا؟وجوابي على هذا : بينهما ترابط كترابط أصل الشجرة مع دوحتها وترابط دوحتها مع فروعها وترابط فروعها من أوراقها ، ليس هناك إلا في الحقيقة نظام واحد ينشأ من الإيمان بوحدانية الله ورسالات رسله ، منه يتولد النظام الخلقي ، ومنه يتشكل نظام الشعائر التعبدية الذي تعبرونه عن النظام الديني ، وعليه يتأسس النظام الاجتماعي ، ومنه يصدر النظام الاقتصادي ، إن جميع هذه النظم تستلزم بعضها البعض الآخر ، إذا كنتم تؤمنون بالله ورسوله وتصدقون كتاب الله فلا بد لكم من أن تتبعوا نفس المبادئ الخلقية التي علمها إياكم الإسلام ، ونفس المبادئ السياسية التي أعطاها إياكم الإسلام ، وأن تؤسسوا مجتمعكم على نفس الدعائم وأن تسيروا اقتصادكم على نفس الطرق التي حددتها العقيدة لكم عقيدة الإسلام ، ولابد لكم أن تبنوا تجاربكم على أساس نفس العقيدة التي تصلون الصلوات الخمس على مقتضاها ، ولابد لكم أن تلتزموا في محاكمكم وفي أسواقكم بنفس الضابط الديني الذي يضبطه أمر صيامكم وحجكم ، الإسلام ليس بدين يجعل نظمه منفصلة بعضها عن بعض ، فلا يفصل نظامه الديني عن نظامه السياسي ونظامه الاقتصادي عن نظامه الاجتماعي ،إن جميع هذه النظم شعب مختلفة وأجزاء منوعة لنظام واحد تتماسك وتنسجم بعضها مع بعض ، وتغذي بعضها بعضا ، إذا انعدمت عقيدة التوحيد والرسالة وانعدمت الأخلاق التي ينشأ من هذه العقيدة يستحيل أن يقوم نظام الإسلام الاقتصادي.وإذا قام فيستحيل استمراره ، وكذلك لا يمكن أن يقوم  نظام الإسلام السياسي إلا على العقيدة التي تعلن حاكمية الله العليا ، وتعلن كون رسول الله  صلى الله عليه وسلم نائبا عنه في الأرض ، وتعلن كون القرآن أمرا يجب إطاعته والخضوع له ، إذن الخطأ كل الخطأ في الفكرة التي تقوم بأن نظام الإسلام السياسي منفصل عن نظامه الخلقي حيث لا علاقة لبعضه مع البعض أن المسلم الذي يعلم الإسلام ويؤمن به من المحال أن يتصور فصل سياسته واقتصاديته أو أية شعبة من شعب حياته عن دينه وعقيدته ، أو هو يعترف "بالحياة الإسلامية" التي يتبع فيها الإسلام في حدود شؤونه الدينية فقط ، ويتحرر منه الإسلام فيما يتعلق بالسياسة والاقتصاد.

(1) محاضرة ألقاها الأستاذ المودودي في جامعة بنجاب بلاهور (باكستان)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here