islamaumaroc

تاريخ الحضارة الفكرية في الرباط

  دعوة الحق

117 العدد


من المألوف عند المؤرخين أن يتحدثوا عن المنصور ألموحدي كمؤسس لمدينة الرباط وبأن مسجد حسان ، غير أن التاريخ لا يسارع بالتسليم بهذا الرأي الذي لا يدل على أن الرباط لم يكن موجودا  مطلقا قبل تأسيسه في عهد المنصور .. ومن المرجح تاريخيا أن شالة كانت تمتد في عمرنها منذ العصور الأولى الرومانية إلى خارج حدودها وتلاقى مع قصبة الموحدين كما أن قصبة الموحدين يرجع بناؤها الحالي إلى عهد عبد المومن أبن علي وأن الرباط كان مركزا حربيا من أربطة المغرب، ولا شك أن هذا من العوامل التي تشك أن يكون المنصور ألموحدي هو مؤسس الرباط بدل أن يكون باني حسان ومخطط الرباط حسب هندسة جديدة ليكون مركزا من المراكز الكبرى في المغرب- ولا يعقل أن يبني المنصور فيه مسجدا عظيما إلا إذا كان عاصمة من عواصم المغرب الكبرى لأن رحابة المسجد دالة على كثرة السكان ونمو المدينة، ونعرف كذلك أن المهدي بن تومرت عبر من الرباط إلى سلا ولا يمكن أن يعبر إلا من مدينة صغيرة إلى مدينة سلا ولاسيما ويقال أنه أقام بالرباط.
وقد يجوز أن نرجع تاريخ الرباط إلى العصور الأولى في التاريخ الإنساني ففي سنة 1933 عتر أحد حراس مصلحة الآثار بالرباط على جزء من فك بشري كما عتر بعد ذلك بثلاث سنوات في القبيبات بالرباط على هيكل بشري من بقايا العصر الجيولوجي وأسفرت الدراسة الأنترويولوجية عن هذا الهيكل أنه شبيه بخصائص الهيكل المكتشف في نياند يرطال(.........) قرب نهر الرين كما اكتشف بجانب الهيكل الإنساني عن هياكل للفيلة قرب الدار البيضاء بمنجم سيدي عبد الرحمن ..
ولنتجاوز مرحلة تاريخ تأسيس الرباط إلى الحركة الفكرية التي شهدتها هذه المدينة في أبهى عصورها ، وهي عصور حياة الجالية الأندلسية في الرباط ، ذلك أن الأندلسيين ورودا على الرباط في مناسبات متعددة كانت الأولى قبل محكمة التفتيش حيث أقاموا بسلا وبالقصبة وبالرباط وكانت أهم جالية وردت في عصر متأخر بعد محاكم التفتيش .
وذكر مؤلف سوق المهر أن قدماء المهاجرين الأندلسيين ساروا في البلاد ونشروا ما حملوا من علوم وآداب وذلك لسقوط الدولة في الأندلس وحياة الأفكار متوقدة ،لأن سقوط الدولة الأندلسية لم يكن عن هرم طبيعي وإنما أودى بها الشقاق ، وفي كتاب بلاغة العرب في الأندلس أن الدولة زالت على أثر  الاضطرابات السياسية والحياة العقلية في عز مجدها ، وعلماؤها وأدباؤها لا يزالون في إبان نشاطهم ونشوة يقظتهم العقلية حتى انتشروا في البلاد وأفاضوا عليها من فضل علومهم ما كان له أثر نافع عند الأمم التي نزلوا فيها سنة 1016(1)، وأما الذين خرجوا عند الجلاء الأخير بعدما ساكنوا الاسبان بغرناطة وأعمالها نحو من مائة وعشرين سنة كانوا فيها تحت سيطرة المسيحيين فلا يمكننا أن نعتقد أنهم بقوا على ثقافتهم الأندلسية ، وهل يبقى مع أعمال محكمة التفتيش علوم وأدباء ، فلقد ضويقوا حتى في لهجتهم العربية فكيف بالعلوم، ثم أنهم لما نزلوا الرباط سواء قدماء أو المحدثون اشتغلوا بالتحصين وتوطيد المنزل وبالغزو على السفن القرصانية وفيما بينهم بالحروب ، ولا يشك في أن المدينة وأن خفت فيها صيت العلم أخيرا لم تخل  قبل من حركة علمية فقد كان فيها عدة أعلام من الأندلسيين وغيرهم كالقاضي بني عميرة المخزومي المترجم له في النفح والجذوة في العصر ألموحدي ، واليا بري  النازل بها في المائة الثامنة والعارف أبي العباس أحمد بن عاشر السلاوي، فقد ذكر الحضرمي أنه نزل بزاوية شيخه اليابري بالرباط دهرا طويلا ، وأبي الحسن خطيب الرباط (أنضر تاريخ الحضرمي)، والأديب ميمون بن خبازة المترجم له في الجذوة وفي جملة الكتب التي استخرجت من الخرم الذي بخزانة القرويين طرف من تأليف في اللغة لعلي بن حمزة البصري كتبه يوسف بن محمد بن مسعود برباط الفتح سنة 596 أي بعد عهد المنصور بنحو ثلاثين سنة على أنه بالرباط أثر أدبي للمهاجرين إليه قديما من الأندلسيين لما هو معلوم من أن الأدب والظرف في  أهل الأندلس كالغريزة في نفح الطبيب ، نعم فإن النهضة العلمية بالرباط إنما كانت في عهد السادة العلويين وتسلسلت عبر التاريخ ـ وتعزى هذه النهضة إلى العلامة أبي الحسن العكاري.
والعكاري هذا مراكشي الأصل من تلامذة أبي علي الحسن اليوسي، ورد الزاوية الدلائية وفاسا بعد التحصيل وشفوف المنزلة ودرس بها ثم قدم سلا لجامعها الأعظم ثم استقر بالرباط برسم التدريس ونشر العلم عن أمر السلطان المولى إسماعيل ورتب له سنويا مائة مثقال من خراج مرساها حسب طلب أهل الرباط وكانت وفاته سنة 1118وحضر لجنازته أهل العدوتين وشالة والقصبة وغيرهم ومن الآخذين عنه بالرباط أبو العباس أحمد التلمساني وأبو عبد الله  الحويشي وسيدي محمد الدغيمر ومحمد الحداد الأندلسي ، وأخوه أحمد ومحمد بن إبراهيم الزبدي الأندلسي والقاضي محمد ميرنو الأندلسي وأخوه أحمد والحاج محمد الدقاق ومحمد شعبل الأندلسي والفقيه أحمد بن عبد الله الغربي وأحمد لأبن يحيى والزهراء ، ويوسف الدادشي و القاضي عبد الله الدرعي والشيخ أبو العباس الكراري وغيرهم
ممن ذكر حفيده في البدور الضاوية ، أما تراجم علماء الرباط وأعلامه فقد خصهم المرحوم السيد محمد بوجندار بتأليف في جزأين وسماه "الاغتباط بتراجم أعلام الرباط" وأن للمؤلفين من أهل الأندلس اليد البيضاء في نشر العلم وتعميم الثقافة بالرباط والمغرب وغيره ، وأن كثير من العلوم لتستمد من تصانيفهم حتى اليوم ، وهو مما يقضي بتدفق الثقافة الأندلسية على العالم كله ، ولتصدر في ذلك عن يقين يجب أن نرجع إلى رسالة ابن حزم  في فضائل علماء الأندلس وذيلها لابن سعيد .
وقد عم ازدهار الثقافة المغربية في عصر المولى إسماعيل، ويذكر مؤلف نشر المثاني أن المغرب في عهد المولى إسماعيل كثرت عمارته وجدد الناس في أيامه للعلوم عهدا ، وذكر ابن الحاج في تاريخه أن في أيامه كثر العلماء وحفاظ القرآن ، وهذه الظاهرة عاصرت عصر الانبعاث لثقافة الأندلسية في الرباط .. ولعل أبرز ما عرفه الرباط في العصور المتأخرة عبقرية الشاعر بسير الأندلس الذي روى صاحب الاغتباط كثيرا من قصائده وبالأخص نونيته التي يعارض بها ابن زيدون، والعلامة (التادلي) الذي  كان دائرة معارف معجمية وأخذ عنه كثير من العلماء المغاربة بل أخذ عن التادلي ألرباطي حتى مشايخ العلم في المغرب وكانوا كثيرا ، نذكر من أوليك الشيوخ ، العلامة السيد أحمد بن علي دنية من الآخذين عن  الفقيه ابن عبد الرحمان السجلماسي وسيدي  عبد القادر الكوهن وغيرهم ، وتخرج عليه من أهل  الرباط الفقهاء السيد التهامي بناني وأبو حفص عمر عاشور والمعطي الغربي توفي سنة 1282والعلامة الكبير الشيخ أبي بكر بن محمد البناني صاحب التصانيف الكثيرة كمدراج السلوك إلى ملك الملوك ، وبغية السالك ، وشرح الحكم المسمى بالغيث المنسجم في أربع مجلدات والفتوحات القدسية في شرح القصيدة النقش بندية والفتوحات الغيبية ، في شرح الصلاة المشيشية ، وبلوغ الأمنية في شرح حديث أنما الأعمال بالنية، إلى غيرها مما ذكره في الإغتياط، توفي سنة 1284، والعلامة القاضي سيدي عبد الرحمان بن أحمد البر يبري له عدة شيوخ ذكرهم والده القاضي أبو عبد الله في إجازته لسيدي محمد خليفة المدني ومن الآخذين عنه بالرباط ولده المذكور ، وتوفي سنة 1293..
وسيدي البدوي السرايري العلامة المدرس الخطيب توفي سنة 1295 وسيدي لبربس الضرير من شيوخ السيد الجيلالي بن إبراهيم المفتي المذكور كان قائما بالتدريس ونشر العلم توفي في حدود عام 1295.
والعلامة الكبير القاضي أبا عبد الله سيدي محمد بن إبراهيم كان من رجال العلم ومن المشاركين في الفنون خصوصا الحديث والسير والمعاملة والفرائض والتوثيق والحساب بين جبر ومقابلة شرح البردة وكتب على كبير ميارة وعلي الخرشي وكتب التوثيق وعلى مسطرته عمل الرباط  توفي سنة 1297 والقاضي سيدي أحمد بن عبد السلام ملين من الآخذين عنه القاضي أبو حامد البطاوري وأبو العباس أحمد بن بنقاسم جسوس والقاضي سيدي  الجيلاني بن إبراهيم توفي سنة 1297 وكلهم من جلة شيوخ الرباط ، والسيد الهاشمي الضرير العلامة المحدث المقرئ أستاذ أبي إسحاق التادلي توفي سنة 1300،وأبا المواهب الشيخ سيدي العربي بن السايح الشرقي الشهير الذكر الطائر الصيت العلامة المشارك في سائر الفنون لاسيما الحديث وكانت تحدى الركاب إلى مجلسه الحفيل توفي سنة 1309 والعلامة الكبير المفتي الشهير سيدي الحاج محمد عاشور كان معتكفا على نشر العلم بالتدريس والإفتاء والقضاء خصوصا على الفقه والحديث والتصوف توفي سنة 1341 بعدما جاوز السبعين ، وغيرهم ممن يعلم بالإطلاع على كتاب الاغتباط ..أما فيما قبلهم فقد كان بالرباط من نجوم العلم الزاهرة ما يسجله التاريخ بقلم الفخر كالقاصي السيد الطيب بسير العلامة الأديب الشهير وقاضي العدوتين والسيد أحمد الحكمي والقاضي عمر بن ألعروسي والشريف سيدي أحمد الرفاعي صاحب الفلم الأعلى والمنظومة وشرحها في علم الخط، والقاضي أبي عبد الله محمد ابن أحمد الغربي وأبي القاسم السجلماسي صاحب العمل ألرباطي وشارح العمل الفاسي والقاضي محمد عاشور المتوفى بمراكش قاضيا بها والهاشمي بن محمد بن عبد الله شكلا نط صاحب منهاج التوضيح لمسائل صلاة التسبيح وغيره والقاضي سيدي عبد الرحمان السرايري وغيرهم .
وقبلهم المحدث المسند الشيخ سيدي أحمد بن عبد الله الغربي من شهرته أن من الآخذين عنه شيخ علماء فاس الشيخ التاودي بن سودة وفخر مكناسة القاضي العميري ومسند سوس وروايته أبو عبد الله الحضيكي الشهير وغيرهم من الأكابر الذين يطول استقصاء حديثهم وقبله المحدث الحسن العكاري المراكشي لأصل السالف الذكر ومن الآخذين عنه بالرباط  أبو العباس أحمد التلمساني وأبو عبد الله ألحديثي و الشريف سيدي محمد الدغيمر ومحمد الحداد الأندلسي وأخوه أحمد ومحمد بن إبراهيم الزبدي الأندلسي والقاضي مرينو الأندلسي وأخوه أحمد والحاج محمد الدقاق ومحمد شعبان الأندلسي، والفقيه أحمد بن عبد الله الغربي وأحمد بن يحيى والزهراء ويوسف الدادسي والقاضي عبد الله الدرعي والشيخ أبو العباس الكرواي وغيرهم ممن ذكره حفيده في البدور الضاوية ،(أما الرياضيون) فاذكر منهم أحمد بن محمد التلمساني المذكور وهو صاحب الضريح بجوار المسجد الأعظم والعالم الحيسوبي الفقيه  الأديب أحمد بن العربي عاشور الحيسوبي الموقت، والموقت الكبير المعطي مرينو  صاحب كتاب أرشاد الحائر وغيره، ومحمد المسناوي مرينو المعدل الحيسوبي  الشيخ الفرضي المؤرخ ورياضي الرباط الكبير محمد بن الرئيس علي التريكي والقاضي ابن إبراهيم السالف الذكر والفقيه السيد محمد أحمد الرغاي الأديب المؤدب، على أن أكبر رياضي الرباط هو التادلي الذي كان من المهرة في العلوم الرياضية، وقد أخذ الحساب بفاس عن سيدي العربي البلغيثي وأخذ التعديل وعلم الرخامات والكرة والإسطرلاب والربع والهيئة عن أعجوبة عصره السيد المكي الجنان حسبما ذكر ذلك في اختصاره لتذكرة الإنطاكي فبحث المفرح ، كما كان المفني السيد الجيلاني بن إبراهيم من أ÷ل المعرفة بالحساب أيضا أخذه عن أبي إسحاق ، كما كان بالرباط العدد العديد من الطوبجية  الماهرين في الحساب فإن السلطان المولى محمد بن عبد الله كان اتخذ الرباط مدرسة لتعليم الطوبجية من أ÷ل العدوتين كما بالاستقصا والحساب من وسائل تلك العلوم وقد أدرك المغاربة المتأخرون قبل الاستقلال جماعة منهم.

(1) هذا الفصل الأخير منقول عن تاريخ الرباط بتصرف المؤلفة م. السائح    
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here