islamaumaroc

أصول العقائد وهدف التربية في الإسلام

  دعوة الحق

117 العدد

يتفق علماء التربية المحدثون، وعندما يأخذون في وضع حد منطقي للتربية، على أنها في مفهومها العام: مران ذهني وجسمي ونفسي، في آن واحد، يستهدف جعل الإنسان قادرا على كسب الرزق الحلال والعيش الأرغد الشريف، ضمن مجموعة تبادله نفس الشعور والعواطف، ونفس الأهداف والمصائر.
أو بتعبير آخر - والكلمات لزعيم التربية الأمريكية الحديثة "ديوي"-: هي الإعداد للحياة، حتى لا يشعر المتخرج من المدرسة بغرابة ما عندما يصطدم بالوقائع اليومية في بيته، وإنما يجب أن يشعر بأن ليس هناك انقطاع عن المدرسة ومجتمعه".
فالتربية إذن، هي الطريق الوحيد لبلورة وعي المسؤولية لدى الفرد، وإنماء هذا الوعي، وإيجاده بوصفه الركيزة الأساسية لكل مجتمع إنساني حي، ينشد الحياة الكريمة لجميع خلاياه.
فهي والحالة تلك صادرة عن الفرد والجماعة، ومنتهية إليهما، وهادفة لمصلحتهما، ومن ثمة فهي، أي التربية، أساس قيام المجتمعات الواعية لدورها، الفاهمة لمسؤولياتها والمقدرة لخطورة هذه المسؤوليات .
ومن هنا كانت مصلحة وغاية وزارة التربية الوطنية في كل الأمم والبلدان التي بها مثل هذه الوزارة - إذ هناك عدد غير قليل من الدول لا ترى ضرورة لإحداث وزارة خاصة بالتعليم والتربية، تاركة أمثال هذه الشؤون لمن هم أكثر اهتماما بها من الدولة وأعني بهم الآباء والأمهات - أقول: كانت مصلحة وزارة التربية الوطنية تتغنى وتنشد أولا وقبل كل شيء التربية والتوجيه والإرشاد والتوعية لدور المواطن، ورسالته تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه، وتجاه الدولة والوطن اللذين هيآ له هذا النوع من التربية الهادفة بدورها لقيام استقرار وأمن داخليين، ثم رفاهية وازدهار اقتصاديين، ثم شعور بمسؤولية الفرد والجماعة أمام بعضهما البعض. (ومن أجل هذا ... اصطلحت دول كثيرة علي إطلاق لفظ " التربية والتهذيب " على وزارات التعليم).
والتربية بعد هذا وذاك، في منطق المربين، نوعان: تربية أسرية بيتية، وتربية تعليمية تعاهدية إن صح التعبير .
والنوعان معا في الحقيقة والأمر الواقع يتكاملان، وإن تكن آثار وتأثيرات التربية البيتية أكثر فوائد، إذ هي الضمانة الوحيدة لقيام تربية تعاهدية، من حيث أنها (أي التربية البيتية ) تنطلق من موطن الخلية الأولى للوجود الإنساني المرئي والتي تعتبر، في نظر كل الأفراد، أنها بلغت حد الكمال، وأنها المثال النموذجي الذي يجب أن يحتذى ويتخذ مقياسا للتربية الصالحة، ومعيارا لما ينبغي أن تهدف إليه، ذلك لأن الخلية الأولية، أي الفرد، ينظر إلى أبويه على أساس أنهما المثال الحي الناضج لتربية نموذجية صالحة.
ومن ثم فإذا وجدت الأسر الواعية اليقظة، فقد يكون لتوجيهاتها الأولى أحسن النتائج وأجزل العوائد على كل أنواع التربية المقبلة، بل ستمهد الأسرة من هذا النوع الطريق وتعبدها للذين سيستلمون الأمانة منها للمضي بها نحو كمال التربية الذي هو الوعي التام والنضوج التام اللذان يعنيان بمعرفة دور الفرد في العملية الضخمة التي تديرها طاحون الحياة .
ثم هذه التربية البيتية ذات المعطيات الإيجابية -" ولكونها تربية طبيعية إلى أقصى حد، وبفضل أنها مرئية مسموعة، ومشاهدة منذ نعومة الأظفار "- تستطيع، وإلى أبعد الحدود، أن تكيف وتبلور لا نفسية الفرد البسيط [فحسب]، وإنما أيضا اتجاهاته وميوله وأهواءه ونزواته في مستقبل الأيام، مما قد يصعب معه إيجاد مكان جديد لبذر آراء تربوية جديدة واقتلاع جذور التربية الأولى .
وهكذا نلمس أن الدور الذي تقوم به التربية البيتية دور إيجابي وفعال وحاسم، بخلاف الدور الذي تقوم به التربية التعليمية، أو المدرسة، إذ لا يعدو هذان الميدانان أن يكون عملهما عارضا، أو لا يمس إلا السطح والظاهر، دون أن يمس الأغوار، أو يسبر الأعماق، ومن هنا تكون النتائج المنتظرة وراء هذه التربية التعليمية، من الغلو وعدم الإدراك، وصفها بأنها يمكن أن تكون حاسمة فعالة إن لم تعتمد على تربية بيتية سليمة .
وليس معنى هذا أن التربية التعليمية خلو من كل فائدة أو تأثير، لا، لا، وإنما على العكس من ذلك تستطيع أن تكون من عوامل البناء والإعداد، إذا وجدت النيات الصالحة، والبرامج الموحدة الهادفة، فإن مناهج تعليمية من هذا النوع، قد تعوض النقص الذي قد يكون فاشيا، وقائما محسوسا في التربية البيتية، وخاصة في البيئات المتخلفة فكريا واقتصاديا واجتماعيا مثل البيئات المغربية - مثلا- التي كان أصابها الاستعمار في الصميم، حين أبعدها عن أهم طاقاتها الزاخرة بالمعطيات، وأعني بها الدين، عن طريق إقامة هذا العديد من الأنواع المختلفة للتعليم، رجاء تشتيت آراء أبنائها، وتبديد جهودهم وتفكيك أواصر المحبة فيما بينهم .
فكانت هذه الاختلافات المنهجية والتوجيهية، والتقديرات الخاطئة لطرق تقييم الحياة، أعظم ضربة فاصمة لوجدوية الهدف والمصير والنضال التي كان يجب أن تدعم وتتوخى .
فمفهوم التربية في العصر الحديث - وهو مفهوم واسع مطاط، لما ينته بعد إلى قاعدة قارة، يشمل جميع مرافق الحياة، ما عظم منها أو حقر، وما جل أو قل، وإلى الدرجة التي أصبح معها أشبه بموسوعة متعددة متنوعة، فهي في الوقت الذي تعنى فيه بتكوين المواطن الصالح لشغل جميع المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية، تهتم كذلك بخلق وعي عام، لدى المواطن، لتفهم مشاكل الإنسان في وطنه الضيق، انطلاقا من الأسرة الخاصة وحاجياتها وإمكانيتها داخليا وخارجيا، إلى الأسرة الواسعة التي تشمل جميع الأناسي، والعمل على تمكين أولئك الأناسي من كل الأدوات اللازمة لقيامهم بدورهم كاملا غير منقوص في سبيل بناء الهرم الذي يجب أن يسعى الكل لتشييده وإقامته، صيانة لوحدة الإنسان في الهدف والمصير والصالح العام .
تلك هي مجمل النظرية الحديثة في التربية، فما هي نظرية الإسلام من أصل التربية؟ وما هو موقفه من هذه النظرية الحديثة؟
يرى الإسلام أن التربية، وفي كل المجالات، الإكلنيكية النظرية والتجريبية التطبيقية، لا تهدف فحسب لجعل التعليم والتثقيف مستمدا من المجتمع، ومن واقعه اليومي، أو من خصوص حتمية المعاش، والمستقبل الأرضي، أي كما يحاول التربويون المحدثون أن يفهموا ويقرروا، ولكن الإسلام يرى أن التربية هي هذه الحتمية المعاشية والمستقبل، مع شيء آخر هو أهم وآكد، وأعني به إعداد الفرد روحيا، وتهيئة نفسه لتقبل الفكرة الإسلامية القائمة على أن كل شيء في الحياة والأرض والكون هو لله لا أن ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، أي أن الإسلام يرى أن هناك شيئا واحدا يجب أن يكون محط التربية وهدفها، وهذا الشيء هو: الإنسان المؤلف من المادة والروح معا، وأن لا تقتصر في مهمتها على خصوص ما يتصل بالأرض والدنيا دون السماء والآخرة، ثم هي بعد هذا ترى أن مصالح هذا الإنسان يجب أن تحتفظ بتوازنها وتعادلها بحيث لا يطغى فيها أحد العنصرين، أي المادة والروح، على الآخر، وإنما يجب أن يبقيا معا في بوتقة أمينة، تخدم المصلحة الآنية الحالية والمصلحة الآخرية الآتية بدون ريب ولا شك .
ومن ثم أيضا فليس في التربية الإسلامية ما يسمح بإلزامية التخصص، بحيث يقتصر عمل فريق من الناس على هذا الميدان، بينما يقتصر الفريق المقابل على ميدان مخالف، وإنما يجب أن تعمل على تنمية المؤهلات والمدارك .
وهنا نؤكد بأننا لا نوافق ابن خلدون في حكمه على العلماء، بأنهم أبعد الناس عن السياسة وإنما نقول على العكس من ذلك، إنهم أقدر الناس وأولى الناس اهتماما بالسياسة، وتقديرا لخطورتها، ذلك لأن الإسلام لا يعرف بين قطاعات خلاياه رجالا للدين، ورجالا للدولة - كما هو الشأن مثلا في المسيحية - وإنما الإسلام في مفهومه العام والحقيقي، ينظر إلى معتنقيه جميعهم - ولا أقول مجموعهم - نظرة المسؤولين عن كل شيء في هذه الحياة، وينظر إليهم في نفس الوقت نظرة المطالبين بفرض رقابة صارمة ودقيقة وواعية على كل الخلايا التي يتكون منها المجتمع الإسلامي.
ومن البديهي أن السياسة تتحكم إلى أبعد الحدود في توجيهات الناس والرأي العام، وفي تقدير هذا الرأي الهام للأمور... فإذا تركت السياسة لأناس خاصين، وقرر عدم السماح لغيرهم بالاشتغال بها، فقد يفتري هؤلاء الأخصائيون ويفتاتون .
ومن هنا كانت التربية الإسلامية، تلح على أن يتوخى منها أولا وقبل كل شيء التوعية العامة، واليقظة الدائمة من جميع المواطنين، ولكل ما يحيط بهم من أحداث وقضايا، وفي مختلف المجالات والميادين، سياسية واقتصادية واجتماعية وإنسانية .
فالتربية في الإسلام لا تعني فقط هذه الظواهر الخارجية مما اصطلح الناس كافة، أو علماء التربية خاصة، على تسميته بعلم الأخلاق، وإنما تعني- وبالدرجة الأولى - السلوك الإنساني كله، ما دق منه أو جل، وما عظم منه أو حقر .
والتربية في الإسلام، بالتالي، تحتضن الفرد في كل أطوار حياته، ومراحل هذه الحياة، من الطفولة إلى اليفاعة، ومن الفتوة والشباب إلى الرجولة فالكهولة فالشيخوخة، ثم هي لا تختص بزمان دون آخر، وإنما تحيط بالفرد وزمانه، في يقظته ومنامه، وفي سلمه وحربه، وفي كل حركاته وسكناته .
ثم الإسلام في منهاجه التربوي، يصدر عن فكرة أساسية، هي خلاصة أصول عقائده، هذه العقائد التي تنحصر خطوطها العريضة، ونقاطها البارزة في:
1) الإيمان بملائكته وكتبه ورسله وأنبيائه .
ج) الإيمان بالحياة الأخرى.
د) الإيمان - مع التقيد - بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هـ) وأخيرا الإيمان بالإنسان، هذا المخلوق الذي كرمه الله، وكان محط عنايته ومجال رسالته.
وإلى تلك الشعائر والخطوط العامة تشير هذه الآيات القرآنية: (الم. ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ. فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ، والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ، وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ)[البقرة: 1-4]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا)[النساء: 136].

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here