islamaumaroc

أبو الجيش الأنصاري وكتاب "علل الأعاريض" -2-

  دعوة الحق

117 العدد

                                                     "2"
وقد أولع المغاربة والأندلس بهذا اللون من الأدب ، فنظموا في سائر العلوم والفنون ، وفي العروض نظم مثيرون ، كابن معط الجز ولي (ت 628 ه) والفتح بن موسى ألقصري (ت 663) ، وابن المرحل ألسبتي (ت 699) ، وابن المالك الجياني ( ت 692) ، وابن حيان الغرناطي ( ت 745) ،وسواهم . وممن لمع اسمه في هذا الميدان ـ أبو محمد عبد الله بن محمد الخزرجى(ت626) صاحب " الخزرجية" الشهير ، وتعرف عند المشارفة بالرامزة ، وهي قصيدة من البحر الطويل في 96 بيتا ، وضمنها قواعد  العروض والقوافي ، ولمح فيها إلى أغراضه برموز وإشارات على الطريقة التي عرفناها عند أبي الجيش . مطلعها:
وللشعر ميزان يسمى عروضه
              بها النقص والرجحان بدريهما الفتى
قال أبو العباس البلغيتي: أول ماظهرت بالمغرب صدر المائة  الثامنة ، وتنافس الحذاق من أهل الأدب في حل مقفل بالشرح ، فألفوها بكرا لا تستطاع ، وعقيلة لا تنالها الأطماع، إلى أن اتصلت بيد قاضي غرناطة الشريف أبي القاسم ألسبتي .. قال   والخزرجية منسوبة لناظمها أبي محمد عبد الله بن محمد الأندلسي الخزرجى المالكي .. وبعضهم قال أنه  أبو عبد الله محمد الخزرجى ، وهو الذي عند الشارح الشريف الغرناطي . وقال بعض شرحها هو أبو الحسن على ابن محمد على الخزرجى الأشبيلي أصلا الفاسي مولدا ، حج وجاور بمكة ، ودخل الأندلس وقطن بسبتة، وتوفي  سنة عشر وستمائة (610) (1) . والذي صدر به البلغيتي، هو  الذي اقتصر عليه في كشف الظنون ، وعليه أكثر الشراح كالدماميني، والشيخ زكرياء الأنصاري، وأبي إسحاق التادلي ، وابن زاكور في ءاخرين . وما في دائرة المعارف الإسلامية (2) خلاف التحقيق , والنصوص التي بين أيدينا  لا تفصح بمغربيته ، وهي مطبقة على أنه أندلسي توفي سنة (626هـ) (3) كما أسلفنا .وقد استبه الأمر كثيرين ، فتوهموا أن الخزرجي هذا ، هو أبو الجيش السالف الذكر ، وأنهما شخص واحد لا شخصان ، فتراهم ينسبون قصيدة  "الخزرجية " لناظمها تارة باسم أبي محمد الخزرجي ، وتارة باسم الجيش الأنصاري ، ومنهم من يجمع بين اللقبين . وممن وقع في هذا الالتباس سركيس في معجم المطبوعات(4) وإسماعيل باشا في هدية لعارفين (5)، وكحالة في معجم المؤلفين (6) ، وبر وكلمان في ملحقة (7) وءاخرون. ووقع في مثل هذا الخلط أيضا بعض المفهرسين ، فجعلوا أحد شروح عروض أبي الحبش ،  شرحا شرحا لعروض الخزرجي (8) . وإذا ما قارنا بين بين القصيدتين ، نجد أنهما وأن اتفقنا في أسلوب الرمز والإشارة ، فقد اختلفنا في طريقة العرض ، وفي كثير من الجوانب ، فأبو الجيش لم ينظم قصيدته على بحر واحد ، ولم يلتزم فيها قافية ، فهو نظمها على أوزان البحور الشعرية الستة ، وكل بيت منها يمثل ضربا خاصا من ضروب هذه الأبحر ، وهي تختلف ـ ولا شك ـ في أوزانها ومقاييسها ، فوجب أن تختلف فى رويها وقوافيها ، فكانت كل بيت نمط خاص من الشعر قيل على منواله . وقد عالجوا مثل هذا الشعر الذى لا تربطه قافية في الوصايا والحكم والأمثال والمسائل العلمية وما إلى ذلك (9) . على أن أبا الجيش استطاع أن يلطف من هذا الأسلوب العلمي الجاف ، فأضفى عليه ألوانا زاهية من الفن والإبداع ، إذ سلك فيه مسالك أهل الغزل في ظاهر اللفظ ، ولمح إلى غرناضه عن طريق التورية .. ويشبهها في هذا النمط من الأسلوب ، قصيدة "غرامي صحيح " ـ لابن فرح الأشبيلي (تـ 699) التي نظمها في ألقاب الحديث .ومطلعها :
غرامي (صحيح) والرجا فيك (مفضل)
             وحزني ودمعي مطلق و(مسلسل)
عكس قصيدة الخزرجي ، فهي مقصورة من بحر الطويل ، افتتحها بتعريف علم العروض ، وعلى عادة النظامين في سائر الفنون:
وللشعر ميزان تسمى عروضه
             بها النقص والرجحان بدوريهما الفتى
وضمتها إشارات إلى أبيات الشواهد المعروفة عند أرباب هذا الفن ، فجاء أسلوبها جافا في كثير من أبيتها وقد تضيق عنه العبارة فيلمح ولا يفصح ، ويجمل ولا يكاد يبين ، ولذا جاءت بعض أبياته مغلقة تتدل دونها الحجب ، ولا تكاد تصلها الإفهام ،  وقد سجل أحد شرحها على نفسه بالعجز إزاء طائفة من أبياتها (10).
أقرا أن شئت قوله:
فرتب إلى اليازن دوائر خفشلق
           أولات عد جزء لجزء ثنائنا
خ ثمن ابن زهر وله فل ستة
            جلت حض شمر بل وفزن لذو وطأ
وطول عزيز كم بدعي لكم طووا
             يعزز قس تثمين اشرف ما ترى
وقل لي بربك ماذا تفهم ، إن ترجع إلى أكثر من شرح ، وربما أوقعوك في حيرة وبلبلة ، وكل وما فهم ! وأقول لك أنه يريد أن يبين لنا الدوائر الخمس التي تتألف منها .. والنظم في هذا الباب يجب أن يعطينا القاعدة واضحة  جليلة ، لا غبار ولا التباس. وقد أعقانا أبو الجيش من هذه الدوائر التي افترضت على الشعر العربي ، وكل التفصيلات الجانبية لهذا الفن . يضاف إلى ذلك، إن الخزرجي ارتكب شذوذا وضرورات ،ـ قد تغتفر للمولدين ـ كما يقول الشريف النبــــي (11). ورغم ما حاوله من إيجاز ، والذي كاد يبلغ ـ كما قيل ـ الإعجاز ،   فإننا نجد عنده كثيرا من الحشو، وهو عبارة عن جمل وكلمات ، ويتكئ عليها الشاعر دون أن تعطينا قاعدة ، أو تتم فائدة . وإليك ما جاء في الأبيات الأولى من القصيدة :
(يدريهما الفتى ) ـ البيت الأول . (قل) ـ البيت الثاني . (يبلا أمترا) البيت الرابع (قد أتى) ـ البيت الخامس .(قل ) (وسوف إذا ترى ) ـ البيت السادس. وهكذا لو سايرنا القصيدة لعرضنا عليك الشيء الكثير من هذا القبيل. وهناك عيوب أخرى لا حاجة  إلى تعدادها  وهذا لا يقلل من قيمة " القصيدة الخزرجية " التي سارت بها الركبان ، وذاعت شهرتها في كل مكان ، وإنما أريد أن أقول أن هناك بونا شاسعا بين أسلوب القصيدتين ، والناظم غير الشاعر ، فالأول عالم ،والثاني فنان . وعلى أننا لا نعفي قصيدة أبي الجيش من بعض العيوب ولكنها جد ضئيلة .ولتلمس ذلك بنفسك، أعرض عليك هذه الأبيات ، التي تضمنت البحور الشعرية واعاريضها واضربها .. في كل من القصيدتين : الطويل
ـ أبو الجيش :
طويل على الليل إذ بت كالقا
            جنوح والليل ينقاد للجنح
ـ الخزرجي:
الجري غرورا أم ستبدي صدوركم
                أسود وأحداج أم المور قد عفا
المديد
ـ أبو الجيش :
مدباعا في التجني ولجا
          وانثنى بثنيه تيه وزهو
ـ الخزرجي :
يجود كليب لا يغر اعلموا إنما
             يعيش بهندي متى مايع اهتدى
البسيط
ـ أبو الجيش :
ابسط رجاءك بالأيام مبتهجا
             واغنم من الإنس قبل الشيب ما سنحا
ـ الخزرجي
جرت جولة يا شعوا،خيلت
           وقوفي فسيروا عنه قد هيج الجوى
الوافر
ـ أبو الجيش
توافرت المنى وجنبت رطبا
           جني مواصلاتك غير ذاوي
ـ الخزرجي:
دنت بجدي فيه لنا غنم به
           ربيعة تعطيني ولم تستطع أذى
الكامل
ـ أبو الجيش :
وكلمت لا واحد يفوقك فانتهج
              طرق السيادة في علوك واستو
ـ الخزرجي:
هجرت طلا بصحو خبالا برومتي
                 أجش لانت الذي سبقتهم إلى
الهزج
ـ أبو الجيش :
هزجتم إذ دنا ناء
         برى جثمانه الوجد
ـ الخزرجي :
وأبدا بسهب الضيم بأسا بذودهم
                 كذلك ولو ماتوا بموسى امرؤ دنا
الرجز
ـ أبو الجيش :
رجز فان مالوا لنا عن موعد
              فالخلف من أحبابنا محبوب
ـ الخزرجي :
زكت دهرها دار بها القلب جاهد
               وقد هاج قلبي منزل ثم قد شجا
الرمل
ـ الخزرجي:
حبونك سحقا مالك الخنس فأربعا
               فبي مقفرات ما لما فعلت دوا
السريع
ـ أبو الجيش :
أسرعت في ءاثارهم  جاهدا
            وآخيت ذل الصبر إذ ثوبوا
ـ الخزرجي:
 طغى دون شام محول لا يقبل ما
               به النشر في حافات رحلي قد نما
المنسرح
ـ أبو الجيش :
سرحت طرفي في حسن ذي فنج
              جنت به الباب الورى وهوي
ـ الخزرجي:
يلجج يفشي صبر سعد نوى سمى
                على سمت سولاف به الأنس قد يرى
الخفيف
ـ أبو الخزرجي:
كفيت جهارا بالسخال ألردي فإن
            قدرنا نجد في أمرنا خطب ذي حمى
المضارع
ـ أبو الجيش :
ضرعنا لعز ناء
       أعاد الكرى سهادا
الخزرجي:
لماذا دعاني مثل زيد إلى ثنا
           فإن تدن منه شبرا اذكر إليه ذا
المقتضب
ـ أبو الجيش :
اقتضبت من رشا
       إذا وهبته خلدي
ـ الخزرجي:
نقاوم هلال من علقت ضمائرهم
       أولئك كل منهم اليد الرضي
المتقارب
ـ أبو الجيش :
تقاربت إذ شمروا للذهاب
           وحبي لهم ما له من راح
ـ الخزرجي:
سبوا لابن مرة نسوا ورووا لميـــ
           ـة دمنة لا تبتئس ـ فكذا قضى
على أن المغاربة عنوا بالخزرجية أكثر من غيرها ، ووضعوا عليها عدة شروح ، وكانت تدرس بفاس في حدود القرن العاشر وما بعده ( 12) ، وكانت هي العمدة عندهم في هذا الفن ، دون ماعداها (13)
والدنيا ـ كما يقولون ـ وحظوظ ، والمؤلفات كالأشخاص ، تطول أعمارها وتقصر ، وقد يكون لشخص حظوة عند قوم دون ءاخرين، وفي بلد دون ماسواه . وفعلا ، فقد عنى المشارقة ـ والعجم بصفة خاصة ـ بعروض أبي الجيش ، فشرحها كثيرون نذكر منهم :
ـ محمود بن أحمد اللارندي (ت 720) ، وشرحه يقع في مجلد .
ـ عبد الحق ،أو عبد المحسن القيصري (ت 872) وشرحه من أحسن الشروح ترتيبا وتبوببا ، ذكر في مقدمته سليمان الوزير بن الأمير طاشقن ( طاشخون ) بك . ولعله ألفه برسمه .
ـ المولى إلياس بن إبراهيم السينوبي (ت 891 ) وسماه " فتح التقوض، في شرح العروض ). واخطأ بعض المفهرسين ، فجعله شرحا لعروض الخزرجي كما أشرنا إلى ذلك ءانفا .
ـ جلال الدين المحلي ( ت 864) ولم يكمله .
ـ محمد بن إبراهيم الحلبي، المعروف بابن الحنبلي (ت 972 ) سماه " الحدائق الإنسية، في كسف الأندلسية ". ـ الشيخ قاسم بن قطوبقا الحنفي(ت 879) سماه شرح الأندلسية والنسبة ( الأندلسية) في هذين الشرحين باعتبار أصل المؤلف وإلا فهو مغربي ، وقد صرح بذلك هو نفسه في مقدمة الكتاب كما نبهنا على ذلك في القسم الأول من هذا البحث
ـ محب الدين البصروي الشافعي (ت 879) .
ـ خطير بن محمد النيساربوري، وقد افتتح شرحه بقوله : الحمد لله الذي توافر قبضة وإحسانه .."
ـ شرف الدين محمود الإنطاكي، وقد قطع أبيات القصيدة ، وجعلها نماذج تطبيقية لقواعد الفن التي لمح إليها الناظم ـ داود القيصري ـ وسماه بعضهم خطا بالمغربي (14)
ومن الشروح التي جهل مؤلفها : (الكافي) ، (أحسن ألتنا)،(15) اشرح مشكلات المختصر في علم العروض) ـ ولعله أقدم الشروح ، فقد فرغ منه مؤلفه سنة (715 ه )(16) .
ومن الذين نوهوا بكتاب أبي الجيش هذا : العالم الموسوعي : طاش كبرى زاده (ت 968) في كتابه "مفتاح السعادة) قال أنه من الكتب النافعة المفيدة في هذا الباب (17).
وبعد : فهذا علم من أعلام الأدب في العصر ألمرابطي ، ألقينا عليه بعض أضواء  كمحاولة أولى للتعرف على شخصيته ، وإن قصيدته هذه لتعتبر خير نموذج للشعر التعليمي (18)، الذي مهر فيه المغاربة والأندلسيون، وكانوا من السباقين (19).وهي أقدم نص فيما وقفت عليه ، حتى على الشاطبية التي نظمها أبو القاسم ألشاطبي (ت 590) في القراءات ،  والتي يقول فيها ابن خلكان : " وما أظنه سبق إلى أسلوبها .." 20. وهو لون من الأدب لم ينل حظه من عناية الدراسيين ، وهو في حاجة إلى بحث شامل ، ودراسة أوسع ، تلم بجميع جوانبه، وتجلبه في سائر أطواره والزمن كفيل بذلك والله الموفق.


(1) الابتهاج ، شرح منظومة ألمساري 1/18         
(2) المجلد الثامن ص 13.
(3) انظر كشف الظنون 1/830.
(4) 5/821.
(5) 960.
(6) /111ـ 117.
(7) وقد جعل وفاة أبي الجيش سنة 626 وهو نفس تاريخ وفاة الخزرجي كما في كشف الظون وغيره.
(8) انظر فهرس المخطوطات لدار الكتب المصرية ، سنة 1936ـ 1955 ، (القسم الثاني )ص 171.
(9) انظر الرافعي، تاريخ أللآداب 3/ 155.
(10) انظر شرح الزوروي
(11) انظر شرح الدماميني ص 27.      
(12) أحمد بابا نيل الابتهاج 1/ 213
(13) البلغيتي شرح المسارية1/ 184
(14) انظر مفتاح السعادة1/ 172ـ وقارنه مع ما في كشف الظنون 2/ 1135
(15) انظر كشف الظنون 2/1135 .
(16) انظر فهرس الأسكوريال1/121
(17) 1/ 172 .
(18) وسمه أن شئت الشعر العلمي ، انظر ابن خلدون ، المقدمة ص 1048 . والرافعي 3/ 155
(19) انظر البحث القيم في النظم التعليمي ـ لإستادنا كنون ـ (مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ، ج 2ـ م43 ـ ص : 261ـ 271 )                             
(20) انظر وفيات الأعيان 3/ 234 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here