islamaumaroc

بأي شيء يتعلق الأمر؟ [تر.م.زفزاف]

  دعوة الحق

117 العدد


بعد دقائق معدودات ارتفع صوت المحرك .ثم أخذت أضغطة لأزيده قوة وعنفوانا . وما أن سرت فيه الحرارة حتى انطلقت كالسهم مجتازا المدينة ، لأصل في أقرب وقت ممكن إلى الطريق الرئيسية، حيث سيكون بإمكاني أن أدير المحرك كما أشاء .. الليل ينزل في هذه الأماسي الصيفية متأخرا. فالشمس لا تغرب إلا بعد الساعة التاسعة والنصف ، وفي هذا الوقت بالذات يمكن مشاهدة حمرة السماء مشوية بلون ليمون . فنحت جميع نوافذ السيارة لأنني كنت مغرما بدفء النسيم الليلي. وكنت أتساءل إلى أي مكان سوف أتجه . وفي الواقع ، فإن هذا الأمر لم تكن له أهمية ، خصوصا وأنني كنت أشعر بقوة المحرك تدفعني إلى أية وجهة أشاء ، في هذا الليل البهيم . كان هذا من غير شك تجربة للقوة التي امتلكها في عالم جد عادي وروتيني . كنت اشتغل خمسة أيام في الأسبوع ، كأن إنسان تافه مثلي .ثم عندما يحين وقت الغذاء ، كنت أجوب الشوارع وعلى وجهي علامات السأم التي يحملها جميع البشر ، ولكني أصبح سيد نفسي مساء كل يوم جمعة ـ فأقود طنين من الحديد على الطريق الرمادية الرئيسية بالسرعة التي أرغب فيها ، وأجد متعة كبيرة في قيادة هذه السيارة الثقيلة . وفي هذه الأثناء بالضبط، كنت أعرف ماالذي يشعر به ربابنة الطائرات الكبار في الحرب . لذلك فإن ما يهمني في هذا العالم الآن هو أن أسير بسرعة مائة كيلومتر في الساعة . أدرت زر الراديو ، لكنني سرعان ما عزفت عنه ، إذ لم تكن لدي رغبة للاستماع إلى أي شيء ... لم تكن لدي رغبة إلا في السرعة لتأكد من أنني سأمضي بعيدا . ولكن إلى أين أتوجه الآن؟ لا أعرف بالضبط . ضغطت المحرك ورفعت سرعة السيارة إلى مائة وخمسين في الساعة . وتسلقت طريقا مستقيمة كما لو أنها غير موجودة . ثم نزلت بسرعة كما لو أني أهوى إلى قبر مظلم عميق . وكانت الريح إذ ذاك تصرف برعب من خلال الأبواب ذات الشبابيك المفتوحة . اجتزت سيارة "سبور" صغيرة كانت تقودها فتاة منفردة . ثم جعلت أتزحلق بسيارتي أمامها . وتساءلت فيما إذا  كان بإمكاني أن أمازحها قليلا ..لكن لا .. كانت هناك مشاريع آخري في راسي .ثم أنها يمكن أن تتذكرني أو أن تسجل رقم سيارتي فتخبر بذلك رجال البوليس .إنها مغامرة لم أكن أستطيع القيام بها . بعد مسافة قليلة ـ وكنت تجاوزت المائة والستين في الساعة ـ بلغت حيوانا على الطريق ، أعتقد أنه أذنب ، فدسته فيه إن يعي ماذا حصل له . حاولت جهدا الإمكان أن أخفف من السرعة .وكنت أتلهى بمشاهدة أضواء المدينة التي تلوح عن يميني . وعندما درت حول أول ملتقى للطرق دخلت المدينة .كانت فلوريدا تعج بالسكان صيفا . أما الفتيات فكن يرتدين قمصانا وسراويل جميلة ، بينما تملأ الشوارع سيارات مكشوفة . حقا ، ولقد كان مساء يوم الجمعة شيئا رائعا . وفجأة تذكرت ـ عندما  مررت بالحديقة العمومية ـ إنني صدمت ذات يوم ، في هذا المكان بالذات ، رحلا عجوزا . وكانت المدينة ذاك المساء تعج بالناس والحركة ، وكانت تغلي كما تغلي الدماء في الشرايين . وأما أنا ، فقد كنت سيد نفسي، وكنت أتسلى بالعالم الخارجي من خلال نافذتي الأمامية التي التصقت بها آجام بعض الحشرات  الميتة ، تجولت قليلا على سيارتي ، ولم أكن أعرف لي وجهة . وللتو فكرت في أن أمضي إلى الحي الأسود ، حيث يمكنني أن أدوس زنجيا بلا مخاوف واستمر في طريقي . وحتى لو تأكدوا من أن القاتل أبيض فإن ذلك سيتير معركة رائعة في ليلة كهذه، شديدة الحرارة . اعتقد أني سأحاول ذلك في الكر يق التي  تمر قرب الشاطئ حيث المكان دائما آهل بالسكان حتى بعد أن ينزل الظلام ، وعندما كنت أسلط ضوء الفنار على الناس لم تكن عيناي تقعان إلا على جماعات ، ولم يكن هناك شخص يسير وحده . وبالنسبة لي فإنني لم أكن أرى إلا أشياء ، أو على الأصح ، أكياسا من الرمال  . لم أكن أرى رجالا ولا نساء ولا أطفالا . مجرد أكياس فقط . وفجأة مرت بي جماعة من الشبان كانوا يركبون شاحنة صغيرة ، فعزمت على أن سيارة إسعاف كان نفيرها يملأ جوانب الظلام . وفكرت : لا بد أن هناك حادثة وقعت بالقرب من هذا  المكان . ولم يخب ظني ، فقد اصطدم سائقان عند ملتقى الطرق . ثم جعلت أتأمل بقايا السيارتين من خاف زجاج نافذتي الأمامية ، كانت هناك فتاة تصرخ ألما ، وهم يجرونها من وسط حطام السيارتين . ولم أتوقف طويلا بل أخذت طريقي من جديد ، إذ كانت بي رغبة ملحة لممارسة السرعة . كان المطر قد بدا يتساقط مما جعلني لممارسة السرعة ، كان المطر قد بدا يتساقط مما جعلني اقفل نوافذ السيارة ، وبعد برهة وجيزة ازداد تساقط المطر على الطريق فسررت لذلك لأنني أحب السياقة تحت الأمطار المتهاطلة . ذكرني ذلك بالسيارة الأولى التي لم أمتلك بعد  في حياتي . وكانت من صنع فرنسي ذات ثماني اسطوانات . وكان أبي قد اشتراها لي بمناسبة بلوغي الثامنة عشر . وكنا إذ ذاك نتمتع بثروة لا بأس بها . وفي اليوم الأول الذي سقتها فيه كانت الأمطار تتهاطل كما هو الشأن الآن . غير أن السيارة انتزعت مني بعد الحادثة التي جرت لي على أثر وفاة والدي . ومع ذلك ، فلم أنس الجولة الأولى التي قمت بها تحت وابل المطر . وأما الآن فإنني لا استعمل سوى سيارات من نوع أمريكي . إن هناك من يتذكر عددا من الحوادث التي جرت له فيقارن ببنها . أما أنا فقد كنت أحتاط طيلة حياتي بما فيه الكفاية حتى لا يمكن أن أقع في أية مخاطرة. عندما هذا المطر قليلا رأيت فجأة تحت ضوء الفنارات فتاتين بدتا كما لو وقع لهما عطب في عجلة سيارتهما . كنتا ترتديان معطفين  واقيين أسودين ، تجاوزتهما بسرعة . ولكن عند نهاية الطريق الرئيسية درت على أعقابي ، ولم يكن أمامي الآن سوى بضع توان لا بلغ الطريق التي مررت منها قبل لحظة .ثم انحرفت في طريقي مرة أخرى ، هكذا صعدت المنحدر وأطفأت الفنارات . كان المطر إذ ذاك قد كف عن السقوط وأخذت الفتاتان تستبدلان العجلتين . كنت أمير الفتاتين تحت ضوء فانوس صغير في الوقت الذي لم يكن فيه باستطاعتهما أن ترياني ، كنت أسير بهدوء تام واقترب منهما بشكل لا يجعلهما تنبهان إلى . ثم .. انطلقت بقوة كالسهم . عندما استطاعت إحدى الفتاتين أن تنظر إلى باندهاش ثم برعب وخوف . وما أن دهستهما حتى توقفت وأضاءت الفنارات . وكان ذلك هو الموقف اللازم لجعل المحققين يعتقدون أنه لم يكن في الإمكان أحسن مما كان . ثم نزلت من السيارة ونظرت إليهما : كانت تلك هي المرة الأولى التي استطعت أن أصيب فيهما شخصين دفعة واحدة . وأخيرا وصل رجال البوليس . ولم تكن سيارة الإسعاف التي جاءت لتقلهما ضرورية آنذاك . قلت للشرطي بتأثر :
ــ ياإلهي .. هذا شيء فظيع ! إنني لم أرهما قط . لم تكونا تتوفران على ضوء . ثم إنني لم أستطع أن أرى شيئا لأنهما كانتا تضعان معطفين واقيين أسودين . وعندما انتبهت للأمر كان الوقت قد فات .
ــ كفى يا ابني .. فالخطأ ليس خطأك .ثم إن الأمر يتعلق فوق كل شيء بالقدر وبشيء خارج عن طاقتك وعن طاقتي .  فأدرت له ظهري ، وأخفيت وجهي بيدي كي لا تبدو على ملامحي علامات الفرح والسرور اللذين استشعرتهما آنذاك . بعد هذا النجاح المؤقت ، كان لزاما على أن أظل هادئا للحظات .ثم .. ربما بعد شهور ، وفي ولاية ما ، تحت اسم آخر ، وعلى متن سيارة أخرى ، سأعاود الكرة ، حقا .. إن الحياة لا تستحق أن تعاش إلا من أجل أمور كهذه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here