islamaumaroc

صفعة على قفاه

  دعوة الحق

117 العدد

 أقصوصة مستوحاة من تاريخ الأندلس
الحافل بالمآثر والعسر ."
انعقد لسان (عيشون) وتجمدت أطرافه من الهول ، وعلته صفرة كصفرة الموتى ، حين بلغه خير إلقاء القبض على أبيه الأمير ( سليمان بن يقظان) (1) كما نزل الخبر على أخيه ( مطروح ) نزولا أشد تأثيرا وهولا ، إلى درجة أنه فقد وعيه وراح يذرع حجرة القصر كالمجنون مالئا جنباتها سبا وشتما . ولم يكن في الوقت متسع للرد السريع على هذا الاعتداء ألدى أوقعه الإمبراطور الفرنسي بأبيها ، رغم ما بذل أبوهما من جهد وقهر نفس في التودد إليه وإرضاء رغباته . إن المخالفات تأتي نتيجتها طبية إذا كان هناك الطرفين ، أما (شرلمان)   حفيد ( شارل مارتبل فهو يشعر بالتفوق على حليفه ، ويرى فيه وهو جالس بين يديه صورة من أولئك الأقوام الذين جاءوا في دفعات قوية لمهاجمة فرنسا ومحاولة فتحها ، فكان أن صال عليهم الجد ( شارل مارتبل)  صولة تاريخية كبرى .. أنه لو جاء ( سليمان ) وهو أمير منطقة برشلونة دون منازع ، وله فيها جاه ودولة ، على أثر دعوة ملحة لعقد اتفاق بالتهادن وحسن المودة .. لكان من حقه الاحترام والتكريم ، ولكنه لم يجيء إلا طالبا المساندة والمعاونة على قهر الأمير الأموي الجديد ( عبد الرحمن) ، الفاتح الحازم الداهية . إن (شرلمان ) بدون شك بقدر البطولة ويعجب بالأبطال ،  ومن هؤلاء ( عبد الرحمن) أمير قرطبة ، لقد بلغه الكثير عنه ، وسيبقى مكنا له كل احترام في أعماقه ، ما لم يتجاوز جبال (البرانس) للقدوم إلى فرنسا ، أنه أن فعل ، فسينازله ويصاوله، ولا يترك له أية حيلة أو وسيلة للانتصار عليه ، ما دام وراءه أشداء ( ألغال) والقرنج و ( السكسون) ....ترددت أصداء انتصارات ( عبد الرحمن الأموي في أنحاء الأندلس ، وتسامع المتآمرون والمتزعمون ـ وما أكثرهم في أرض الأندلس ! ـ بأخبار تلك الانتصارات فارتجفوا خوفا ، وامتلأت نفوسهم حقدا ، وأصبحوا مرارا وأمسوا يتوقعون مسيرات (عبد الرحمان) إليهم ، ليدك قصورهم على رؤوسهم وليحصد الرقاب من حولهم كما تحصد المناجل السنابل ، وبذلك تروح أيام المجد والرئاسة والتعظيم التي ينعمون بها ، ولا تبقى منها سوى ذكريات يجترونها في السجون والمنافي ، وقد لا ينعمون باجترارها مطلقا ، حتى تكون الأرواح منهم قد أزهقت . ولهذا فكر الأمير ( سليمان بن يقظان) صاحب برشلونة وهو يتداول في الموضوع مع زميله الأمير ( الحسين بن يحي الأنصاري ) صاحب سرقسطة فكر في أن يعززا دفاعهما عن مملكتيهما الصغيرتين من أطماع ( عبد الرحمن الأموي) ، وذلك بعقد حلف مع  الإمبراطور الفرنسي الواسع الملك ، ولا عليهما من بعض التنازلات طلبها ، ولتكن جزيه سنوية ، أو حماية مباشرة ، أو تبعية كاملة ، فذلك خير على كل حال من
تحكم عبد الرحمن وتسلطه ، وأساليب قهره وغلبته ، وهو يغير ذلك لا يرضى بديلا . بقي صاحب سرقسطة في إمارته ، مفوضا لزميله ( سليمان ) في أن يعقد أي اتفاق باسمه مع (شرلمان) وعنده أمل في ألا يفعل هذا الإمبراطور العظيم من بين الأباطرة ألأشياء عظيما ، خصوصا مع أميرين يعرضان عليه نفسيهما ، مقابل شروط يضعها هو بنفسه ! ومضى موكب الأمير ( سليمان) يقطع أراضى الشمال الوعرة ، إلى أن اجتاز ممرا من الممرات التي توصل الأراضي الاسبانية بالأراضي الفرنسية ، وهناك نعم الجميع بجمال الربيع الفاتن ، وسربان الأنهار الرائع ، وبقايا الثلج اللامع . وكان القوم هناك ـ رجالا ونساء فتيانا وفتيات ـ يذرعون المروج الخضر منشدين ، عازفين ، راقصين ، ينجلي في انثياتهم على الأخص حسن بديع أخاذ ، إذ القامات فارهة ، والقدود رشيقة ، والبشرات حليبية زاهرة ، والشعور الشقراء في أكثرها تنسدل من حول النحور لترفد في ارتخاء على الصدور ... وكلهن من شدة سرورهن وابتهاجهن بالحياة لا يكففن عن الابتسام ، ولا يتمتعن عن المداعبات ولا عن الإغراء ، مهما كان ذلكم المداعب وذلكم المغري .. وطالت المسيرة بالمواكب طولا باعثا على الملل الشديد، أنهم يجدون السير ما وسعهم الجد للحاق ب( شرلمان) ، الذي كان متغيبا عن إمبراطوريته للقيام بحملة عاتية على أراضي ( السكسون) بألمانيا لإخضاع سكانها الجبابرة ، ثم إرغامهم على الدخول قهرا في الديانة  المسيحية ، أبعادا لهم عن الوثنية الكافرة ، وعن حياة التوحش والجفاء البدوي . وفي الأرض المقهورة وجد الزائر الأمير من معه ألوفا من الفرسان ، يغشاهم اللباس الحديدي على هيئة شبكة رخوة من الفولاذ الذي لا تؤثر فيه الضربات القاطعة ، وذلك من أعلى الرأس إلى القدم ، بإستتناء ما بين العيون وعند الرقاب التي تغطيها صفائح أقوى من الفولاذ زيادة في المحافظة على سلامة المحاربين البسلاء . أنه من الممكن ألا ينفع هذا ، ولا تنفع معه الدراقات الموسومة برسم الصليب ، ولا فنون المراوغة والمهاجمة إذا نزل القضاء الذي لا مفر منه . إن كل من هو على أرض السكسون في حالة استفسار ، فالمهاجمون الإفرنج أشفوا غليلهم ، ورووا بمنظر الأشياء الممزقة والأمعاء المبعثرة والجماجم المنخورة التي لم تبق منها وحوش البراري المتسللة إلا هياكل العظام ... والمغلوبون وإن كانوا قد تحملوا الهزيمة بكل مرارتها فإن متانة الأجساد عندهم وضخامة الأذرع والسواعد والأكف وقوة القبضات .. كل ذلك لم يضمحل ، ويمكن أن يستعمل في أية لحظة ولكن ( شرلمان) الداهية سيعرف كيف يستغل هذه القوى الكامنة ، وسيعصرها عصرا لصالح الإمبراطورية الفرنسية ! وفعلا خطر هذا بباله وهو يتدبر عروض الأمير الأندلسي الذي جاء يحسن في نظره احتلال مناطق الشمال ، وحماية بعض الإمارات الإسلامية ، مثل إمارتي (برشلونة) و(سرقسطة) (2) دفعا لجحافل (عبد الرحمن ) الذي قد يغري رجاله وفرسانه بتحقيق ما فشل فيه أبطال معركة ( بواتبي) بلاط الشهداء ، التي لا تنسى على مرور الأعوام والقرون . هاجت المخاوف ـ فعلا ـ في نفس شرلمان ، وأيد زائره المتودد وهو بنصحه بما يقول به المثل العربي ( الوقاية خير من العلاج) .. وأنصت أيضا إلى همس من يقول له : لا خوف عليك من هرون الرشيد خليفة الإسلام العظيم وحليفك الكبير ، فهو متشوق أكثر منك إلى محق هذا الأموي الذي أفلت من الهلاك لتقوم قيامته وبعظم أمره بالغرب ، وليبتدع لأول مرة في تاريخ الإسلام خلافة أخرى بجانب دولة الخلافة الكبرى بالشرق .. فهيا إلى أرض الأندلس الشمالية للحد من أطماع ذلك الأمس ، ولمتحمل معك الأميران الحليفان حظهما في المقاومة ضد الأمويين وهما من بني ملتهم ! واقتنع الإمبراطور شرلمان ، وبذلك انقلب إلى مدافع متحمس عن مشروع مهاجمة اسبانيا المسلمة ، مقنعا بذلك أوساط القصر الإمبراطورية ، ومجالس النبلاء ورجال الكنيسة الكاثوليكية ، وعليه قادة الجيوش .. ومن يستطيع أن يرد على الإمبراطورية (شرلمان) وجهة نظره ؟ لقد بادر النبلاء والوجهاء والأساقفة فأحرى الجنود للمشاركة في الحملة .ومضوا بألوفهم المؤلفة يجتازون الأراضي القفر منها والخصب ، وأحواض الأنهار الغنية ، وظلال الغابات الوارفة ... فلما قدموا على أرض جبال (البيرنيي) وجدوا القمم الشامخة تبدو منحدية عاتية ، ومن خلال امتدادها الطويل تفتحت عدة ممرات ، من بينها ( ممر باب الشزري) الذي وجدوه موحشا رهيبا ليس في جنباته ما يمتع أبدا ، فالصخور تجردت من التربة والنبات والشجيرات والأشجار ، يفعل ثلوج الشتاء التي تجشم عليها شهورا من السنة ،ثم تسيح عند اشتداد الحرارة ، كاسحة كل شيء ، وتتركها بعد ذلك أشبه ما تكون بدابة عجفاء جرباء، لا متعة فيها للعيون ولا انشرح للنفوس .ثم تلك المعرجات الشديدة الانعراج التي تشير في النفوس أحاسيس الهول والفزع المرير ، يا ما فيها من مفاجأة رهيبة ، ينتظرها المسافر عند كل خطوة ، إلى أن يقطع تلك المسافة . تصدى للمهاجمين أول من تصدى لهم بأرض اسبانيا الشمالية أقوام (  البشكنس البارقايين)، لقد وقفوا في صمود وشجاعة أمام الفرنسيين ، محافظة على منطقتهم التي طالما استماتوا في الدفاع عنها أمام جحافل الغزاة من مختلف الأجناس .. ولكن ماذا في مستطاعهم أن يفعلوا ، ولو كانوا أشداء ، أمام الجموع العظيمة والجيوش الجرارة والأسلحة الفتاكة الوافرة . وانتصر المهاجمون ومضوا يذرعون الأراضي الإسبانية عتوا وتجبرا ، يقضوا على من يقاومهم ، ويقسمون ظهر من يعارضهم ، ويذلون من بوقعه الأسر تحت أيديهم ، حتى وصلت جموعهم إلى أبواب سرقسطة ، ولهم اليقين بأن أبوابها ستفتح في وجوههم مسالمة ، ويخرج الأمير ( الحسين بن يحي الأنصاري )  لملاقاتهم مستأمنا ، بناء على ما اتفق عليه مع الأمير الآخر قبل الخروج من أرض فرنسا ، أن عليه أن يتقدم إلى الإمبراطورية العظيم مسلما مسالما ، ومن حق الإمبراطورية أن يعامله كحليف ، أو أن يأخذه كأسير ، وله أن يبعده هو وعياله إلى ناحية من الأنحاء ... هكذا صور الوهم للإمبراطور وحاشيته ، إلا أن الأمير ( الحسن ) قام في نفسه عند قدوم الجيوش النصرانية ريب عميق في حسن نية الغزاة، وصعب عليه وهو الأمير السيد أن يصبح تابعا مسودا مقهورا ، أمام حاكم متعنت من سلالة حكام متعنتين ، خصوصا منهم ذلك الجد الذي قاوم الجيوش الإسلامية ببلاط الشهداء مقاومة عاتية ، وحتى الذين استسلموا أو وقعوا في الأسرة لم يشعر إزاءهم بأي شعور إنساني. على هذا عزم الأمير صاحب سرقسطة على أن يغلق الأبواب ويحصن القلاع، وأن يستميت في الدفاع ، وأخذ بذلك العهود على نفسه ، وإتباعه ، وكافة سكان سرقسطة . فاوضه زميله ( سليمان ) حليف الإمبراطورية والمتعلق بركابه ، وذكره بوعوده ، وزين له فضائل المسالمة والركون إلى المصالحة والمادنة ،فلم يجده ذلك شيئا أمام صلابة الأمير الحسين . وعندئذ قرر الإمبراطور في غضبه ملتهبة كالجمار أن يضرب على سرقسطة حصارا تاما قويا لا غفلة فيه ولا تساهل ، حصارا لا ينتهي إلا بانتهاء أمر (الحسين ) ! وتحمل المحاصرون ـ أميرا وإتباعا وجماهيرا ـ هذا الحصار بكل أهواله ، وظهروا أمام جحافل المهاجمين جنودا أبطالا صامدين مستعدين للموت في سبيل البلاد عن آخرهم ، وهكذا وقع الإمبراطور في مأزق خطير أمام فرنسانه، وأمام المرتزقة الذين جاء بهم ليريهم أولا وقبل كل كيف هو في ميادين الالتحام والعراك ، أو في ميادين المحاصرة وشد الخناق ، وهاهو يكاد يظهر ـ في الظرف ـ فاشلا حائرا.. وفي جو مصطنع ، عامر بالخشونة ، أمر بإحضار ( الأمير سليمان ) الذي أغراه بالمجيء إلى هذه الديار ، وأعدا إياه بتذليل كل الصعوبات ، ومن جملتها مسألة استسلام ( الحسين ) وخضوع  سرقسطة دون مقاومة .. دعاه واخذ ينبهه إلى كذبه ووعوده المخلوفة، وبالغ فبدأ بقرعه ويوبخه ، ولما لمس منه تواضعا وتلمس اعتذارات ، واستعدادا لتقديم أساري ذوي مكانة وخطورة كرهائن ... لما لمس منه كل هذا ، ازداد عتوا ، وتمادى في إهانته ، وختم المشهد بأن أمر بأخذ الأمير أسيرا ... انعقد لسان (عيشون) وتجمدت أطرافه من الهول ، وعلته صفرة كصفرة الموتى حين بلغه خبر إلقاء القبض على أبيه الأمير ( سليمان بن يقظان ) ، كما نزل الخبر على أخيه ( مطروح) نزولا أشد هولا وتأثيرا ، إلى درجة أنه فقد وعيه ، وراح يذرع حجرة القصر كالمجنون مالئا جنباتها سبا وشتما ... وسنحت الفرصة للإنتقام عندما عول الإمبراطور على الرجوع إلى أرض فرنسا ، إذ لا جدوى من البقاء حول أسوار سرقسطة وأبراجها ، الصامدة في عبوس وكآبة ، شموخ، كأنه على ثقة من قوتها ومناعتها أمام ضربات الأعداء مهما كانت متينة وضاربة . أنسل الفارسان الشابان ومعهما لفيف كبير العدد من الجنود الاشداء ، واشتروا مشاركة عدد من المرتزقة ، كما تبعتها قوة من الناقمين على الإمبراطور من عرب وبربر ، ومن الإسبانيين سكان الشمال ، وساروا يسبقون الإمبراطور بمسافات مقدرين أنه سيرجع من حيث أتى ، وقصدوا من فورهم الممر الخطير عند ( باب الشزري) وقبعوا هناك متربصين ، تعمر صدورهم نقمة كبيرة على الإمبراطور العاتي .. مرت طلائع موكب (شرلمان) أولا تتقدمها البنود الخفاقة ، ويسودها هرج الخيول والعربات ، وهمهمات الفرسان وصخبهم ، وصلصلات المهماز واللجم والسلاسل الحديدية ... وعندما توسط الجمع الكثيف الممر الخطير ، برزت آلاف الرؤوس بخوذاتها ، وبرزت معها السيوف القاطعة والرماح الحادة والنبال الخارقة ، وأخذ الجنود المباغتون يتساقطون تساقط الذباب المسمم ، ونسبت الأيدي مقابض السيوف ـ من شدة المفاجأة ـ وفقد الرماة مهارتهم في رمى النبال ، وتعسرت الحركات بسبب ضيق المجال وتربصات المنتقمين ، وعمق الأدوية السحيق المرعب ، المفتحة كأفواه وحوش عظيمة ! وفي غمرة العراك الرهيب بادر ( عيشون) إلى محتشد المعتقلين الذين جرهم الإمبراطورية في ركابه ، وأطلق سراح أبيه من السجن الخبيث ، وانغمر هو وأخوه معه في عناق أبوي مؤثر ، وانقلبوا لفورهم للإشراف على أسر كل عدو نجا من الموت ، وكان من بينهم نبلاء ووجهاء ، ذلك لأن مؤخرة جيش الإمبراطور كانت تشتمل على المؤونة والعتاد والأسلاب الثمينة التي غنمت من أرض المعركة ، وكل ذلك يتطلب قوة جبارة تسهر خلال الرحلات على هذه الأمتعة القيمة ، فيجب أن يكون على حراستها ضباط سامون متيقظون .. وهاهم كلهم يقعون في الأسر ، إن لم يقعوا تحت طائلة السيوف الباترة . وبلغ مقدمة الجيش ما وقع بالمؤخرة ، فانكفأت الجموع إلى الخلف لترى ما الخبر، فإذا الأرض الوعرة الضيقة مكدسة بحثت القتلى وأشلائهم ، وإذا الزاد الذي يتبع الجنود ، والذي هو قوامها ، قد أخذ كله ، وإذا الغنائم والأسلاب والاسارى قد اختفوا ، وإذا الناجون قليلون جدا ، راكنون إلى ظل الصخور السوداء ، زائفة أبصارهم واجفة أفئدتهم منعقدة ألسنتهم ، لن تنسى ذواكرهم تفاصيل الضربات المروعة ، حين كان صناديد بني قومهم يتساقطون أمامهم كأنهم ليسوا إلا هياكل من الخشب مجوفة ، لا حول لهم ولا طول ، أن ذوي المواهب الأدبية منهم سيخلدون هذه المشاهد المريعة بشكل يخفف من هولها ، إذ أرباب الأقلام قادرون على أن يصوروا الباطل حقا والحق باطلا (3) " !
وإذا كانت الهزائم تصيب الأمة بشعور عميق من الألم فإن الرؤساء في تلك الأمة لهم شعور أعمق الآلام، وأن كل ذلك يخفى على الناس ولا يرونه ، لكنهم يرونه اليوم بأمهات أعينهم ، يرون الإمبراطور العظيم (شرلمان ) باكي العين ، مفجوع الفؤاد ، ضائع العقل . فبأي وجه سيلقى بني قومه ؟ أي نصر سيدخل عليهم ؟ أين أسلابه وأسرابه ؟ بل أين خيوله وعدده وقد أرجعت لتسير تحت أسماع وأبصار المستقبلين سليمة وافرة كما ذهبت ، إن لم تكن نمت وتزايدت؟ أين فرسانه النبلاء الشامخون الأنوف ليتقدموا وهم يلعلعون بأصواتهم الجهيرة منشدين في انتشاء ، كلما اقبلوا على مدينة أو قرية ، من حيث تنشر فوق رؤوسهم الورود والزهور ، وتبسط تحت شفاههم الظامئة الخدود الصقيلة المتوردة .. لا شيء من ذلك ، لا شيء ... إن (شرلمان) يشعر بإهانة المصفوع  على قفاه ! ويتمشى في الممر الملعون تمشي الرافس في الأغلال، وكلما رفع بصره في تابع من الأتباع رأى إمارات الذل والانكسار ، فيتخيل ـ عندئذ ـ  مواقف النصر عند جده ( شارل) بطل ( بواتبي) ، بينما هو الحفيد ـ اليوم ـ يقلب الصفحة ويكتب عليها سطور الهزيمة المنكرة ، ليقل غدا : حقا لقد انتقم الأحفاد للأجداد من الأحفاد !


(1) الأسماء الواقعة بين هلالين هي أسماء تاريخية.                                
(2) رجحنا الرواية التي أخذ بها البحاثة الكبير الأستاذ عبد الله عنان                   
 
 (3) في هذه الواقعة الكبرى ألف الشاعر ( رولان) أنشودته المشهورة .         
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here