islamaumaroc

من وحي الهجرة

  دعوة الحق

117 العدد

بدا في الأفق هلال محرم ، فاطل معه هجرة جديد يحمل معه تباشير التفاؤل والرضي، والمحبة والسلام ، فاستقبله المسلمون بقلوب مفعمة بالأمل والرجاء ، ونفوس متطلعة إلى حياة مومنة مستقرة راضية ، ترنو إلى غدا أسعد ودنيا جديدة مومنة، ومستقبل زاهر يسود فيه الأمن والعدل ، وطمأنينة والرخاء ... وقد مرت احتفالات دينية رائعة ومهرجانات ذائقة في مختلف أقطار العالم الإسلامي بمناسبة ذكرى الهجرة النبوية التي كانت بداية انتصار رائع للإسلام ، وتأسيسا لكيان أمة عمتها الفرقة ، وسادها التخاذل وضعف الشوكة وتحصينا للدعوة المحمدية ضد العقائد الفاسد ، والشرائع الباطلة ، والعادات الهزيلة ، كما كانت أعظم بناء لصرح شامخ حمي الإنسانية وأعلى شأنها ، فألهمت النفس وشدها وتقواها ، وهدت الصحب الكرام أتي الطبيب من القول وصراط مستقيم .. كانت هجرة الرسول عليه السلام من مكة إلى المدينة طريقا لا بد من أن يعبره هو وصحبه رضوان الله عليهم ، فرارا من الوثنية والإلحاد، والفسوق والفجور ، والعنت و الإرهاق، وسيلا إلى الحرية والكرامة والعز ، تريدها أمة فتية تبني لنفسها مجدا مؤثلا، ونصرا عزيزا .. فلله در المهاجرين الذين نهضوا ، في إيمان وصدق ، وحب ووفاء ، بحقوق الذين ،وثبتوا على صراط المستقيم ، رغم ما اعترض دعوتهم من جهالة  رعناء ، وضلالة عمياء، كانت ظلمات في طريق النور ، وعقبة كؤودا أمام كل إصلاح ..أنهم هاجروا  من شهوات  الجسد الماجنة ،  وهوائه الضالة إلى مراقي السمو والعلاء ، ومن الضعف الخائر إلى القوة الصامدة ، ومن الإشراف الفاحش إلى الاقتصاد الرزين ، ومن البذخ المتطرف إلى الاعتدال القويم ، ومن الرخاء المثبط إلى الكفاح والنضال ، فأظلتهم مدينة صغيرة أصبح لهم فيها وجود وكيان ، وتتحدى العالم حولها بما فيه من حول وطول ، ومنه وقوة ، وإمبراطوريات واسعة، وممالك شامخة الذرى ، عالية البنيان، تدل بسلطانها وتعتز بأراجيفها وأباطيلها التي سرعان ما انهارت أمام دعوة الحق ، ومبادئ الإسلام ، والعدل والمساواة . قامت في نفوس المهاجرين حوافز البطولة ، ودامت معانيها في قلوبهم راسخة بفضل تعاليم الدين الإسلامي الجديد ، وبواعث الإيمان المحض ، والغضب لله، مواجهة الأيدي المهددة ، والأعين الضيقة ، والنفوس الصغيرة ، وبسمات أطفالهم ، وظلال بيوتهم ، ورفعوا أقدامهم في حزم وعزم وإصرار،  واعتزاز وإكبار ، ووضعوها في أمل واثق إلى أن وصلوا إلى يثرب ، وتبوئوا الدار البيضاء والإيمان . خرجت المدينة تستقبلهم بولا ندها وأطفالها وشيوخها ونسائها وهم يترنمون بتلك الأنشودة الخالدة الغالية التي طالما ردد صداها الزمن :
طلع البدر علينا ...
فالتقي المهاجرين والأنصار لأول مرة على حماية الدين ، والذياذ عن دعوة الحق ، والاستظلال براية القرآن ، والاهتداء بهدي الرسول عليه السلام فظلهم إيثار هذا المجتمع المدني بظلال وارفة من المحبة والإخاء، وعاشوا في كنف هذا الإخاء، وتلك المحبة على أتم ما تكون المجتمعات الراقية صفاء وهدوء ، وتعاونا وتعاطفا ، فقد كانت نفوسهم متجاوبة ، وعواطفهم  صادقة لأنهم قاموا بهجرة صحبتها العقيدة الصحيحة ، والمبادئ الإسلامية السامية ، فانطلق وصف الله سبحان على أصحاب هذا المجتمع المدني الذي ساد فيه هذا الإيثار، وذلك الخلق يقول تعالى : " والذين تبواوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ، ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ، ويوثرون على أنفسهم ، ولو كان بهم خصاصة." لقد كان المهاجر المكي ينزل في بيت الأنصاري المدني فيطعمه ، ويقاسمه عقاره، وثمار نخله ، وكل ما لديه من مال ومتاع ، ولما غنم رسول الله صلى الله عليه وسلم أموال بني النضير من اليهود ، ودعا الأنصار وشكرهم على ما صنعوا   مع المهاجرين من إنزالهم إياهم في منازلهم ، وإشراكهم في أموالهم ، ثم قال عليه السلام: " أن أحببتم قسمت ما أفاء اله علي من بني النضير بينكم ، وبين المهاجرين، وكانوا ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم وإن أحببتم أعطيتهم ، وخرجوا من دياركم". فقال سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ الأنصاريان: "بل نقسمه بين المهاجرين ، ويكونون في دورنا كما كانوا ، فنادي كل الأنصار قائلين: " رضينا وسلمنا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار." ومن الأمثلة أيضا على خلق الإيثار الذي سمة غالبة على الأنصار ما رواه القشيري عن عمر قال:
أهدى لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم رأس شاة ، فقال : "إن أخي فلانا وعياله أحوج إلى هذا منا ، فبعثه إليهم، فقالوا هم أيضا مثل قوله ، فبعثوا بها أهل بيت آخر حتى تداولها سبعة بيوت ، ورجعت إلى البيت الأول ".
لقد كانت الهجرة النبوية حدثا فذا من الأحداث الإسلامية الكبرى التي يجب أن تظل معانيها في قلوب المسلمين اليوم تحمل إليهم سمات العظمة والانفتاح الذي يحفزهم إلى بناء أمجادهم ، ودعم حياتهم ودفعهم إلى العيش ألرخي الرغيد. إنها مبدأ عز الإسلام ، ومبدأ لتاريخ الإنسانية الكاملة التي ألهمت النفس رشدها وتقواها يوما انفجر الينبوع ألا لاهي من بطحاء مكة ، وانبعث النور ألسموي من أفق طيبة ، فإذا الزمن تبسم وثناء ... فهل لنا من أن نتخذ من ذكر الهجرة اليوم عظة وهدى ، ونستجلي منها عبرا من أمجادنا ، ونغير مما أصابنا ، وحل بساحتنا من انحراف في الدين وخذلان في النفوس ، وتوكل وتقاعس ... فقد تغير الجو الديني عندنا في المنزل وفي المدرسة وفي المجتمع ، ونشأت أجيال خاوية النفوس من القيم الدينية الروحية ، وأصبحنا من جراء  ذلك نشكو الغدر والاستغلال في المعاملة ، ونشكو الذاتية والجفاف في المعاشر ، ونشكو التخاذل والتقاعس عن البر ونشكو الخيانة والمجاملة في المصالح العامة ، ونشكو فقدان الغيرة ، والاعتداء على المحرمات ، ونشكو الاستهتار بالتقاليد والمقومات مما آل بحالتنا إلى هذه الصورة الطامسة ، والحال البائسة ، وما سبب ذلك إلا ما نعانيه من ضعف الوازع الديني والوجداني والخلقي .. ولا علاج لنا إلا بهجر تلك الصفات الكثيفة ، والتباعد عنها إلى دار الإيمان والإحسان .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here