islamaumaroc

مفخرة أخرى من مفاخر العلويين

  دعوة الحق

116 العدد

إنني لا أعني بهذه المفخرة  لا إنشاء و لا إبداعا يتصلان بشؤون الفن المعماري في المساجد و المدارس و في المتاحف، و اني لا أعني كذلك مفخرة تنتسب إلى شؤون العلم و الثقافة، و لا أعني أيضا و مرة أخرى مفخرة من مفاخر السياسة و شؤون الحرب و مكاسب التحرير التي سجلها التاريخ للعهد العلوي، و هي مكاسب استرجاع الأراضي التي كانت عمليات الغضب والاختلاس تتوالى عليها باستمرار، وانتزاع الشواطئ التي كانت تتابع فيها مشاهد من فنون القرصنة الأوروبية يومذالك.
إنني لا أعني شيئا من هذه المفاخر، وإنما الذي أعنيه هي الشخصية التي تمكنت من تسجيل تلك المفاخر و المحافظة عليها و التنقيب على كلياتها و جزيئاتها، إنني أعني مؤرخ عصره و أعجوبة وقته المرحوم السيد عبد الرحمن بن زيدان، الذي قام في المغرب بدور الجبروتي في المشرق، و تجلى عصامية الرجل  في أنه استطاع أن يكتب تاريخ الدولة في ظروف كانت فيها الطباعة العربية في أول عهدها، وكانت وسائل البحث  والتنقيب  تحتاج إلى صبر أيوب، و نفس رواد القضاء في عصرنا الحالي، و مع ذلك فإن المرحوم عبد الرحمن بن زيدان قد توفرت له هاتان الخصلتان، و ما يزال إلى الآن و حتى  الآن كتاب " إتحاف أعلام الناس يعجز هذا الجيل" وربما يعجز الجيل الذي بعده لا من حيث طريقته العلمية في العرض واستقراء الحوادث، لأن أمر هذه الطريقة غير ذي موضوع بالنسبة لتلك الفترة و يكون من الظلم و الإجحاف أن نجعل منه عنصرا لدى تقييما لكتابات المرحوم السيد عبد الرحمن بن زيدان، و إنما ترتكز صفة الإعجاز في قيمة ذلك العمل الفردي و مميزاته،  قيمته التاريخية التي لا يمكن تقريرها بثمن في عهدنا هذا، حيث لا يوجد مصدر غير الإتحاف، يعرف بتاريخ العلوية سياسيا و ثقافيا، و تلك مهمة ليست بالسهلة، و لم تكن بالسهلة أكثر من ذلك في عهد المرحوم، حيث كان النسخ يقع بالأيدي، و تصفيف الحروف يجري بالأيدي، وإعداد الكراسة الواحدة يتطلب أسابيع و أحيانا شهورا، هذا من حيث الشكل، أما من حيث الجوهر فإن استخراج الوثائق و المستندات التي تتصل بالعصر العلوي كلا أو جزءا لم تكن الطريقة الموصلة إليه معبدة، و لا ممهدة، ومع ذلك فان عصامية الرجل استطاعت أن تقتحم الطريق، و أن تتذرع بالصبر على ما كان يغمر هذا الطريق من عوائق و عقبات.
و إن " إتحاف أعلام الناس" لم يتقيد بالطريقة العلمية الحديثة لسبب أشرنا إليه فيما قبل و لكنه سجل تاريخ دولة، سجل فترة من فترات تاريخ المغرب وهو ما يزال إلى الآن مصدرها الوحيد ومصدرها الواثق و الموثوق، و من هنا يظهر فضل الرجل و عظمته كذلك، و لقد آن الأوان و دعت الضرورة و لو أنها كانت تدعو منذ الزمان إلى مراجعة تاريخ إتحاف أعلام الناس من طرف لجنة مختصة لتنظيمه و تبويبه و إخراجه في حلة أخرى لكي تسهل طريقة الرجوع إليه، خصوصا و أنه المصدر الوحيد الذي لا غنى عنه لكل من يريد الحديث عن تاريخ الدولة العلوية و في أي جانب من جوانبها، و تلك أمنية أريد- و في غير ما  حرج و لا إحراج- أن أتمناها على وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية التي عودتنا  الدأب و النشاط و السبق إلى مثل هذه المكرمة
 و شيء آخر لا بد من أن أشير إليه، ألا وهو اقتباس هذا الجيل من نفس البحث و الاستقصاء الذي تميز به المتقدمون، و هو خصلة  شخصها وجسمها أئمة سابقون كانت المكاتب في عهدهم وراقة، و الطباعة في عصرهم تخطيط باليد مع الأناقة فيه فتركوا المجلدات الضخام ذات العدد في أجزائها. 
 و إذا كان عهد هذا الجيل عهد التكنولوجية و السرعة، فإنه يكون من أغرب الغرابة أن يبقى  عهد ابن عطية صاحب التفسير و عهد عبد الرحمن بن زيدان  يدليان بحجة اعجازهما لهذا العصر، و ذلك فيما يخص خصلة النفس الطويل في البحث و الاستقصاء و هي الخصلة التي جعلت من المرحوم السيد عبد الرحمن ابن زيدان مفخرة أخرى من مفاخر العلويين.
إن مفاخر الدولة العلوية تتجلى في المعالم الحضارية على اختلاف أشكالها، و تتجلى أيضا فيما سجله ملوكها العظام من مآثر و مكرمات، كما أنها تتجلى أصلا و أصالة في صفة العصامية التي كان يتصف بها أولئك الملوك، و هي عصامية تمتد عبر القرون و الأجيال و منذ عهد المولى علي الشريف إلى عهد محمد الخامس وعهد جلالة الملك الحسن الثاني، أنها عصامية الخلق و الإبداع و التثبيت بمبادئ الحرية و الكرامة و الاستقلال.
 وجميع هذه الخصال النبيلة و أكثر منها و ما واكبها من حوادث و أحداث هي التي اضطلعت شخصية المرحوم السيد عبد الرحمان بن زيدان بتسجيل وقائعها وأحداثها التي تكون جزءا هاما من تاريخنا القومي.
ولذلك فإذا كانت مفاخر الدولة العلوية كثيرة و عديدة و متنوعة فإن شخصية المرحوم بن زيدان واحدة منها.
 وإنه لمن مظاهر الروعة أن تكون مفاخر الحضارة و الثقافة و العمران، و الذب عن حوزة الوطن في العصر العلوي قد تولى تسجيلها و المحافظة عليها مفخرة شخصية  هي شخصية المرحوم عبد الرحمان بن زيدان رحمة الله عليه و جزاه عنا خيرا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here