islamaumaroc

الوزيران الصاحبان: ابن إدريس وأكنسوس

  دعوة الحق

116 العدد

شاهد المغرب خلال القرن الثالث عشر الهجري نهضة عامة شملت سائر الميادين: الدينية، و العلمية، والأدبية. وتمخضت هذه النهضة عن نتائج كان لها أعمق الأثر في المغرب الحديث... على أن الإطار العام لهذه النهضة كان متجليا في ازدهار الحياة الأدبية و كثرة العلماء ووفرة الشعراء و الكتاب و المؤلفين في فنون المعرفة المختلفة... و رغم الأحداث السياسية الكبرى التي شاهدها المغرب في هذا القرن بالذات وهي:
- معركة زيان
- و معركة أسلي
- وحادثة تطوان.
- ورغم ظهور المطامع الأجنبية بوجه سافر.. فإن الكيان الثقافي ظل شامخ البنيان بفضل الرعاية التي كان محاطا بها من طرف الدولة و ملوكها العظام.. الذين جعلوا من حملة الأقلام: رجال تدبير، و حكم، و سياسية، و سفارة..
في هذه البيئة عاش الصاحبان الوزيران:
- ابن إدريس
- وأكنسوس
و قد كانا مفخرة من مفاخر العلم، و الأدب، و النزاهة، و الاستقامة، و الإخلاص في العمل... و لكل منهما آثار أدبية قيمة جديرة بالدرس و التحليل..
 و سنرسم لكل منهما صورة مصغرة باعتبارهما من وزراء الدولة و من أفذاذ رجالها..
- فأبو عبد الله أكنسوس عرف نور هذه الحياة في إحدى القرى السوسية في الجنوب سنة 1213هـ و في تلك البيئة الشهيرة بالاستقامة، و الذكاء، نشأ نشأته الأولى، و تلقي  ما كان يتلقى أمثاله من ثقافة، و تربية ، و أخلاق، إلى أن شب، فارتحل إلى مدينة فاس ليشرب من حياض دروسها و ليأخذ العلم عن أساتذتها... و فاس في ذلك العصر جمعت أعلام الثقافة الإسلامية الذين كانوا مستظلين بظل المولى سليمان و مكونين معه مجمعا علميا نادر المثال.
وفي حلقات دروس القرويين اتصل الشاب السوسي برفيق حياته و صديق شبابه.. أبي  عبد الله ابن إدريس فتعاونا و اشتركا في طلب العلم، و الأدب، حتى نال كل منهما رغائبه  المنشودة، و أصبح صاحب قلم، و فكر، و شهرة، و منصب... و لعل هذه الصداقة المبكرة هي التي طبعت كلا منهما بطابع خاص، من بين الطلبة الذين كانت تعج حلقات الدروس بهم، و هذا الطابع الأدبي، الذي ظهر به كل واحد منهما.. فقد ملك عليهما الشعر و الترسل طريقهما.. فتزودوا من النحو و اللغة و الصرف و العروض و التاريخ بزاد وافر لم يحظ به غيرهما من الطلبة الذين شاركوهما مجالس العلماء.
ويروي أكنسوس في كتابه القيم:" الجيش العرمرم" ذكريات شيقة عن حياته في فاس أيام طلب العلم.. و عن صديقه ابن إدريس بنوع خاص..
وقد أعجب أكنسوس بفاس و اتخذها دار مقام و سكن، يتمتع فيها إلى جانب صديقه ابن ادريس بالاشتراك في الحياة الثقافية، و مجالس المناظرات، و المحاورات، و المناسبات التي يتبارى الشعراء في عرض إنتاجهم فيها...
 وأبو القاسم الزياني إذ ذاك في أوج شهرته وجاهه.. فعرفه الصاحبان معرفة عميقة و استفادا كثيرا من أحاديثه و كتبه و تجاربه.. و لكل منهما معه مواقف و أخبار.. نعرف عنها الشيء الكثير... !!
وجاءت الشهرة الأدبية لترفع أكنسوس إلى مقام الكتابة و الوزارة في دولة المولى سليمان.. بعد موت أحمد البخاري سنة 1235هـ و بعد معركة زيان التي خلفت مصاعب و مشاكل عويصة..
 وفي ذلك الظرف العصيب اجتازته البلاد طيلة أربع سنوات كان أكنسوس هو المتولي لشؤون الدولة باعتباره الساعد الأيمن للمولى سليمان...
ويسجل لنا في كتابه" الجيش العرمرم" أخبار هذه الحقبة بقلمه السيال و أسلوبه الرائق و مشاهدته وملاحظاته الدقيقة ..
وودع أكنسوس حياة الوزارة و المسؤولية بعد موت المولى سليمان سنة 1238هـ.. و لكنه لم يودع حياة العلم، و الأدب، و النظم، و التأليف، و التفكير..
و يشاء القدر أن يحتل منصب أكنسوس صديقه ابن إدريس.. فتألم لذلك واتهم الخصوم و الوشاة و السعادة.. و كاد يلحق بهم ابن إدريس نفسه و لكنه عاد فاستسلم للقضاء و القدر... و احتفظ بمودة صديقه القديم.. و انتقل إلى مراكش ليعيش في خلوته  بين كتبه و أوراقه محتفظا بمكانته العلمية و الأدبية عاكفا على المطالعة وقراءة القرآن و الورد التجاني...
وقد نكب الوزير ابن إدريس و أبعد عن منصبه سنوات لكن أكنسوس كان وفيا عفيفا مخلصا في وده.. فلم ينشف .. و لم يظهر حقدا..وإنما تأسف واعتبر بصروف الحياة و ملابساتها و متناقضاتها..
ومات الوزير ابن إدريس فسجل أكنسوس بسطور من الأسى و الحزن موت هذا الصديق الذي ملأ الدنيا شعرا و نثرا.. و كان زينة الدنيا و فخر الدولة و ركن السياسة.
وقد عاش أكنسوس بعد صديقه نحو الثلاثين سنة لم يفتأ عن ذكره بكل إعجاب و تقدير.. و توفي سنة 1249. 
و كتابه الجيش العرمرم أوفى تاريخ كتب للدولة العلوية وهو عنوان شخصية أكنسوس و ما تمتاز به من دقة في الأسلوب وسعة في الأخبار و نصاعة في اللغة..
أما شعره فإنه شعر الأديب المتمكن من فنه. و لا شك أنه يكون ديوانا من الشعر الجيد الرصين.. مثل قوله:
فؤادي دعاه الحب من بعد كبوة
                             و ما للهوى بعد المشيب و ماليا
و لكن أدواء الهوى ان تمكنت
                           لواعجها لم تلف منهن شافيا
إلا حي مغني للحبيب و إن نأى
                          و ماذا على حب يحيي المفانيا
و نحن وقد حق الكتاب معاشر
                      رضينا الهوى فليقض ما كان قاضيا
-أما أبو عبد الله ابن إدريس فقد عرف نور الحياة في فاس و نشأ نشأة صالحة في بيئة أسرة  ينتمي أفراده إلى الخير و النبل و الفضل. و تربى تربية مثالية في الحصانة و العفاف و كريم الأخلاق... وعرفه الناس طالب علم حافظ قرآن.. و معلم أطفال.. و عرفه الأساتذ مجدا في الطلب، حريصا على الاستفادة و التعلق بأذيال أهل العلم و الأدب، و حضور مجالس الشيوخ و دروسهم إلى جانب صديقه أكنسوس..
وفي الطور الأول من حياته شاهد تلك النهضة العلمية الأدبية التي كانت. تغذيها دولة المولى سليمان بالتقدير و التشجيع و الاهتمام.. كما عرف شيوخ الدولة ووزراءها و كتابها وشعراءها. و اتصل اتصالا وثيقا بالوزير المؤرخ أبي القاسم الزياني، حيث كان يسكن إلى جوار منزله، و يجالسه و يستفيد من كتبه ومؤلفاته.
وفي هذا الصدد يحدثنا الزياني عن الوزير ابن إدريس في شبيبته ويذكر لنا أنه اتخذ منه ناسخا لمؤلفاته التاريخية و الأدبية..و قد دامت هذه العلاقة مدة طويلة إلى أن تكدرت و انقطعت لأسباب شرحها الزياتي.. ثم استؤنفت بعد تدخلات ووساطات.. !!
كما اتصل ابن إدريس بالشيخ حمدون ابن الحاج وهو إذ ذاك شاعر الدولة السليمانية و أستاذ من أعيان أساتذتها... و بواسطته وصل شعراء ابن إدريس إلى المولى سليمان. و نال جائزته..
وجاءت شهرة ابن ادريس لترفعه إلى منصب الكتابة مع المولى عبد الرحمن يوم تولى الخلافة عن عمه في مدينة فاس.. و هنالك تجلى نبوغه و ذكاؤه كما تجلت استقامته و إخلاصه في القيام بالواجب.
وتولى الوزارة للمولى عبد الرحمن بعد موت المولى سليمان سنة 1238 هـ. و قد حدثنا أكنسوس عن هذه الوزارة و فارقنا بوزارة ابن العميد، و لسان الدين ابن الخطيب، و الوزير المهلبي لما شاهده الجميع من طول باع هذا الوزير في السياسة و التدبير...
وقد واجه ابن ادريس مشاكل عديدة داخلية و خارجية منها احتلال الجزائر.. و مشكلة الودايا..وقضايا أخرى عويصة.. فكان له رأي و تدبير و حزم و عزم و صبر على حل المشاكل بما يتطلبه الواجب..
لكن الأيام وملابساتها جرا ابن إدريس إلى العزل بسبب قضية الودايا فأبعد عن منصبه خمس سنوات ثم أعيد إليه بعدما ظهرت براءته من كل ما نسب إليه..
ونحن مدينون لصديقة أكنسوس بتلك الأخبار التي احتفظ لنا بها و جمعها.. و لولا ذلك لضاعت أخبار هذا الوزير الشاعر الفذ... كما ضاعت أخبار غيره.... !
و جادت قريحة ابن إدريس بعدة قصائد فيها الكثير من الجيد المتين الذي لا يقل جودة عن روائع الشريف الرضي و البحتري و المتنبي.. و لو طبع ديوانه لكان درة في تاج الأدب المغربي بدون جدال.. ففيه من قصائد الحماسة، و المدح، والوصف، و الغزل، و الرثاء، و الحنين، و الشكوى ما يثلج الصدور....
وسجل ابن إدريس في (كناشات) خاصة عددا من الأحداث و الوقائع و الذكريات تدل على اهتمامه ورغباته و أفكاره و ملاحظاته.. و قد استفدنا منها الشيء الكثير..
وعاش ابن إدريس في وزارته الثانية يصارع الأحداث و يصبر على الشدائد ويخلص في العمل إلى أن لحق بربه سنة1264 هـ و ترك فراغا كبيرا في المنصب و المقدرة التي كان يملكها... !!
و من شعره هذه الأبيات التي يصف فيها حفلا  نسويا اقامته قبيلة زمور للموكب الرسمي في طريقه إلى الرباط.. ابتهاجا و فرحا..:
 أظباء زمور سلبتم مهجتي
                      بقنا القدود و صارم اللحظات
 و هتكتم بالقهر حصن تتسكي
                       بجيوش حسن خربدة و مهاة
شتت علينا بالنواظر غارة
                      فأخذتم الألباب في الثارات
 كفوا لحاظكم الكحيلة وارددوا
                       أسلاب الباب على المهجات
أو لا أبيحوا للشفاه شفاءها
                  و لتستحلوا لتم ذي الوجنات
قالت: أفي شرع الغرام تحكم
                  أرأيت من حكم  على الفتيات
نحن الملوك على الملوك وإنما
              أحكامنا بالقهر و الغلبات ـ
الجور عدل: عندنا و الظلم حـ
                         ـق بيننا و الذنب كالحسنات.
و موقف ابن إدريس في احتلال الجزائر موقف نبيل مشرف- حيث تحمس لمساعدة المجاهدين ماديا وأدبيا.. و نظم عدة قصائد.. و كتب عدة رسائل في  الموضوع...
وانه لدين على الثقافة المغربية أن تحيي التراث الأدبي لهذين الوزيرين الصاحبين: ابن إدريس وأكنسوس:
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here