islamaumaroc

الإصلاح والتجديد في عهد الدولة العلوية

  دعوة الحق

116 العدد

عاشت المملكة المغربية منذ  منتصف القرن الحادي عشر الهجري عيشة  راضية مرضية عرفت فيها النعيم المقيم والرخاء العميم و أعطت الدليل القاطع على نجاح الأمم والشعوب وضمان مستقبلها ورقيها بفضل الاستمرار والنظام وروح التآخي والوئام بين الحاكمين والمحكومين وتبادل عواطف التعلق والمحبة بين الرؤساء والمرؤوسين واتفاق أهداف الملوك والمملوكين.ولم يكن بوسع بلادنا أن تسير هذه المسيرة الموفقة لو لم يهدها الله رشدها ويقيض لها قادة جعلوا من إصلاح أحوالها وتوطيد صفوف أبنائها وتجديد أمورها الغاية السامية من ملكهم والمثل الأعلى في حكمهم. وما كانت بلادنا لتتمتع بهذه الخطوة لو لم تنعم خلال ما يقرب من خمسة قرون باستقرار نظامها السياسي و الانقياد لسلطان ملوك الدولة العلوية التي انبثقت من دعوة إصلاحية و قامت على أسس التجديد و البناء و استمرت إلى وقتنا هذا تسعى لتحسين أحوال البلاد و تنظيم شؤونها الاجتماعية و الاقتصادية و تقود الأمة المغربية من معركة حاسمة إلى معركة فاصلة رغبة في تحرير الوطن و المواطنين و سعيا في الانطلاق نحو الازدهار والخروج من التخلف و الانحطاط.
ولعل أبرز الخصال التي اتسمت بها الدولة العلوية و أجل السمات التي طبعت أعمال الملوك العلويين حبهم في الإصلاح ورغبتهم في التجديد. فقد كانت الجهود التي بذلوها وهو يعتلون العرش المغربي المجيد تهدف أولا و قبل كل شيء إلى تنظيم البلاد و دفع عجلاتها نحو الرقي والتقدم حتى تساير ركب الحضارة و التطور و تأخذ المكان اللائق بها بين الأمم. و قد شملت أعمال التجديد و الإصلاح مختلف الميادين كما اكتست ألوانا متعددة وأشكالا متنوعة كان أبرزها تنظيم الجيوش وتوحيد البلاد وطرد الأجانب عن ربوعها و الإصلاح الديني والتربوي وتجديد الأساليب الحربية والدبلوماسية وأعمال البناء والسفارات والتشييد وحركات العمران و تكوين البعثات و السفارات والاهتمام بالقضايا العلمية. وقد تجلت هذه الروح الوثابة نحو الإصلاح والتجديد في أعمال مختلف الملوك العلويين سواء منهم الذين حازوا فضل الأسبقية عندما آل إليهم أمر توطيد أركان الدولة العلوية كالمولى الرشيد والمولى إسماعيل و سيدي محمد بن عبد الله و المولى سليمان الذين واجهوا صعوبات جمة في توحيد أطراف المملكة و تحرير الأجزاء التي كان يغتصبها الأجانب و توطيد العرش أو الذين جاءوا بعد هؤلاء القادة فساروا على نهجهم وتبعوا سيرتهم من بعدهم كسيدي محمد بن عبد الله الرحمن والمولى الحسن الأول ومولاي عبد الحفيظ الذين لم يتوانوا في اتخاذ القرارات الحاسمة الكفيلة بضمان سلامة البلاد والحفاظ على سيادتها. وقد نال القدح المعلي. في هذه الدولة جلالة الملك الراحل سيدي محمد الخامس الذي تولى العرش في أحلك الظروف و أصعب الأحوال والذي أخذ على عاتقه تحرير البلاد من السيطرة الأجنبية التي فرضت عليها منذ أمضى المغرب عقد الحماية في ثاني عشر مارس 1912 وتوحيد التراب الوطني ومساعدة الأمة المغربية على التكيف مع ألوان المدنية الحديثة وأساليب الحكم في العالم المعاصر. وقد حمل لواء الجهاد الأكبر بعد جلالة الملك الراحل محمد بن يوسف طيب الله ثراه ولده البار حضرة صاحب الجلالة و المهابة ملكنا الشاب الحسن الثاني الذي يعتبر بحق واسطة عقد الملوك العلويين و الجوهر النفيسة في هذا السلك الثمين المتمثل في هؤلاء الملوك و القادة الذين انحدروا من العثرة العلوية والسلالة المحمدية الزكية. وقد دخل المغرب في ظل هذا الملك الهمام في عهد جديد مشرق يتميز بالصراع المتواصل لإتمام تحرير البلاد و العمل على تحررها من رواسب الاستعمار الاقتصادية والثقافية ومقاومة الجمود الفكري و الجحود الديني وإرساء دعائم الملك على نمط عصري يجمع بين مقتضيات التطور ومتطلبات العصر الحديث من جهة و تقاليد المغرب العريقة المجيدة و عاداته العتيقة والعتيدة من جهة أخرى. 
وقد لا نوفي الموضوع حقه إذ لم نشر إلى أن الشرفاء العلويين لم يدخلوا بلاد المغرب رغبة في فتحه أو تولي حكم أبنائه و لكنهم جاؤوا إلى المغرب تلبية للرغبات التي عبر عنها سكانه الذين كانوا يرسلون الوفود و البعثات إلى الحجاز و يلحون على المولى قاسم ليوجه معهم أحد أبنائه يبث في البلاد المغربية الدعوة العلوية وينشر الرسالة المحمدية و يكون بمثابة الموجة و المرشد يستشيرونه في معضلات الأمور حتى يتبركون به تصلح أحوالهم و تطمئن نفوسهم. و قد روى اليفرني في روضة التعريف أن بعض المؤرخين ذكر أن أهل سجلماسة لما طلبوا من المولى قاسم بن محمد أن يبعث معهم أحد أولاده و كان يومئذ من أكبر شرفاء الحجاز ديانة وجاهة اختبر من أولاده وكان يومئذ من أكبر شرفاء الحجاز ديانة ووجاهة اختبر من أولاده من يصلح لذلك و كان له على ما قيل ثمانية من الولد  فكان يسأل الواحد  بعد الواحد و يقول له:" من فعل معك الخير فما تفعل معه أنت؟ فيقول: الخير" ، " و من فعل معك الشر؟" فيقول " الشر" فيقول قاسم " اجلس" إلى أن انتهى إلى المولى الحسن الداخل، فقال له كما قال لاخوته فقال: " من فعل معي الشر أفعل معه الخير" قال قاسم: " فيعوده لك بالشر" قال الحسن:" فأعود له  بالخير إلى أن يغلب خيري على شره" فاستنار وجه المولى قاسم و داخلته أريحية و دعا له بالبركة فيه و في عقبه (1).
لقد ذكرنا هذه الحكاية باختصار حتى نعرف أن هؤلاء الشرفاء قد وردوا على بلادنا بنفوس تطفح بالخير وقلوب ملؤها الإصلاح ليكونوا خير قدوة للسكان الذين توسموا فيهم الصلاح. و قد أجمع المؤرخون على صحة شرف الملوك العلويين و تفرعهم عن الدوحة المحمدية حتى قال الشيخ أبو علي اليوسي: شرف السادة السجلماسيين مقطوع بصحة كالشمس الضاحية في رابعة النهار، و قال أبو العباس أحمد بن عبد الله بن معن الأندلسي:" ما ولي المغرب بعد الأدارسة اصح نسبا من شرفاء تافيلالت"(2).
وقد حل المولى حسن الداخل بالمغرب في القرن السابع الهجري، و كان محل تعظيم و إجلال نظرا لشرفه و إصلاحه و علمه، و كانت له مشاركة في العلوم و المعارف الإسلامية من فقه و حديث وبيان، و لعل هذا ما زاده تعظيما و رفعه و احتراما منذ ذلك الوقت إلى الآن إذ أطلق اسمه على أعظم سد يبنى اليوم في جنوب بلادنا رغبة في ربط حاضر هذه الدولة بماضيها المجيد وتقديرا لأعمال الإصلاح و التجديد التي حققها هو و ذريته من بعده لصالح هذا البلد الأمين.
وممن أشتهر من هذه الأسرة بالفضل  و الصلاح و الجهاد المولى علي الشريف الذي خلف مناقب جليلة ما زالت تشهد بعظمته و الذي استنجد به أهل الأندلس لمقاومة العدو بعد ما راودوه و هو مقيم عندهم على أن يبايعوه و يملكون عليهم فأبى  ورفض، و قد جاء في إحدى الرسائل التي بعث بها إليه أهل الأندلس  قصيدة لأبي فارس بن الربيع الغرناطي يقول فيها مخاطبا المولى عليا الشريف.
 و خص سليل الهاشمي ابن صهره
                                   علي الذي بعلو على زحل قدرا
أجر جارك اللهفان من غمراته
                            أبا حسن و انصر جزيرتك الخضرا
                                                   *
سليل أبي إسحاق أكرم به أبا
                           لقد خلف الفرع الزكي الرضا البرا
وأوقع بالكفار أي وقيعة
                     فمن لم يمت بالسيف مات له ذعرا
 و أصبح ثغر الدين أشنب باسمها
                     وأرهق وجه الفكر من حزن قترا
و نال من الله السعادة و الرضى
                     و جنات عدن في المعاد له ذخرا
وقد دخل المولى علي بلاد السودان مجاهدا في سبيل الله عاملا على نشر ألوية الدين الإسلامي بربوعه فرزق الظفر، عرف النصر والفتح المبين، و قد تواصلت حلقات هذه السلسلة إلى المولى علي الذي خلف بدوره ذرية صالحة نذكر منهم المولى امحمد ( فتحا) و المولى الرشيد و المولى إسماعيل و قد تعاقب هؤلاء الملوك على العرش المغربي.
 وإذا كان عمل هؤلاء الاجداد قد اتسم نشاط فردي و دعوة شخصية إلى الإصلاح نظرا لنفورهم من الحكم رغم الانتصارات الباهرة التي عرفها بعضهم في حياته كالمولى علي الشريف الذي كان باستطاعته أن يدعو إلى عقد البيعة له  و لعقبه بالمغرب والأندلس نظرا لرغبة الأهالي و السكان بالعدوتين في تلك البيعة فإن المولى أمحمد و من بعده المولى الرشيد و المولى إسماعيل  قد اضطروا إلى استعمال نفوذهم و بسط سلطانهم عندما كثر استصراخ سكان سجلماسة فيهم و بعدما ساءت سيرة أبي حسون السملالي الذي أرهق السكان بالضرائب إلى حد الاعتساف و بالغ في ضرب الخراج إذا " وجدوا في الشمس زمن الشتاء  وفي الظل زمن الصيف" على حد تعبير صاحب " الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى".
وهكذا قر عزم المولى محمد على القضاء على أهل تابوعصمات وأصحاب أبي حسون كما قر عزم سكان سجلماسة على الإطاحة بهؤلاء الحكام وأجمعوا الرأي على مبايعة المولى محمد سنة خمسين بعد الألف من الهجرة في حياة أبيه. ومنذ هذا التاريخ ابتدأ عهد الدولة العلوية الذي اتسم بمحاربة الدجالين والثوار والقراصنة والمعتدين الأجانب على ربوع المغرب وشواطئه و بتشييد وحدة وطنية دعامتها  العرش العلوي الذي التفت حوله الأمة و بوضع التنظيمات والتجهيزات الأساسية التي  كان و ما زال يفتقر إليها المغرب.
 وإذا كان فضل تأسيس هذه الدولة يرجع إلى المولى محمد الذي كان عقد البيعة له فاتحة عهد جديد فإن المولى الرشيد عمل على وضع دعائم الدولة الفتية وتنظيم البلاد وربط اتصالات تجارية مع بعض الأقطار كفرنسا التي بادرت بإمداده بالأسلحة بعد ما أذن كولبير بتصدير المدافع و العتاد الحربي إلى سلطان المغرب. ورغم محاولات الإغراءات التي كان يقوم بها بعض تجار مرسيليا  فلم تغب على المولى الرشيد نوايا الفرنسيين الذين كانوا يرغبون في احتلال بعض المراكز بالشاطئ الريفي. و قد خلف لنا رولان بريجوس وثيقة سرية حكى فيها بتفصيل أهداف شركة البوزيم التي كان يمثلها و ما كان يقصد إليه من وراء معاملتها مع المولى الرشيد الذين كان يرفض التعامل مع الأجانب حتى لا يرتكب نفس الأخطاء التي ارتكبها السعديون من قبله(3).
ورغم اشتغال المولى الرشيد بالحروب و المعارك التي كان يستعر أوارها الدلائيون و أهل فاس  وحلفائهم من الحياينة ومواصلة أعمال الفتح التي يتطلبها توطيد أركان الدولة الجديدة فإنه لم يتوان في الاهتمام بتنظيم البلاد و بناء المنشآت والاعتناء بالطلبة الذين ساعدوه على إرساء قواعد الملك و الذين كانت تربطه بهم علاقات العطف و الحنان. و قد بلغ هذا العطف درجة أدت بالمولى الرشيد إلى تنظيم حفلة سلطان الطلبة (4) التي أمر صاحب الجلالة الحسن الثاني بإحيائها في عهده الزاهر، ومن اهتمام المولى الرشيد بالعلم و رجاله بناؤه لمدرسة الشراطين بفاس وحضور مجلس الشيخ اليوبي بالقرويين، كما ذكر ذلك صاحب نشر المتاني، وتردده على بيوت رجال العلم  والمعرفة، ومن أعمال التجديد والإصلاح التي طبعت أيام ملكه ضرب السكة الرشيدية في آيت عياش من برابر صنهاجة وضرب فلوس النحاس المستديرة بعدما كانت قبل مربعة وإعطاء الموزونة قيمة أربعة و عشرين بدلا من ثمانية وأربعين.  
وقد حاول المولى الرشيد إنعاش الحياة الاقتصادية فاقترض تجار فاس اثنين و خمسين ألف مثقال قصد التجارة على أن يردوها بعد سنة وبالإضافة  إلى المنشآت التربوية والدينية التي شاهدت النور في عهد هذا السلطان أمر المولى الرشيد  ببناء قنطرة نهر سبو خارج فاس. و من الأعمال التي سجلها التاريخ في عهد السلطان تأليف جيش شراقة الذي كان يتكون من العرب و البربر الذين انفوا من الولاية الترك و رغبوا في  الانضمام إلى ملك المغرب و نصرته. وبعد هذا العمل بادرة جديدة في هذا الميدان إذ لأول مرة نظم جيش وطني موحد في عهد الدولة العلوية وعين له مكان بين سبو وورغة للإقامة فيه بعدما بنى له المولى الرشيد القصبة الجديدة بفاس، وقد خصص لهذا الجيش قدر من المال يواجه به النفقات التي يتطلبها تسييره.
وعلى كل حال فقد تميز عهد المولى الرشيد باستتباب دعائم الدولة الجديدة التي لم تعتمد في أوضاعها لا على عصبة أو عنصرية مبنية على الجنس أو اللون أو الدين و على نعرة قبائلية كما كان الشأن بالنسبة للدول التي سبقتها؟ فقد اعتمد المولى الرشيد على العرب و البربر في آن واحد ووجد الأنصار في جنوب البلاد و شمالها و شرقها و غربها.
وقد استطاع أن يجوب البلاد طولا و عرضا و يضع حدا للفوضى و الفتنة التي كانت ضارية أطنابها في أرجاء المغرب كما توفق إلى وضع إصلاحات جزئية في ميادين القضاء و التعليم و النقد و الجيش و تشييد منشآت عمرانية كقنطرة نهر سبو و آبار السلطان التي ما زالت معروفة بهذا الاسم حتى الآن و التي حفرت بالشط من بلاد الظهراء حتى يستقي منها ركب الحجيج في ذهابه و إيابه.
ومع ذلك فقد ظلت القضايا معلقة بعد مماته مثل مشكل القراصنة وعلاقات المغرب بالخارج وإقامة حكومة صحيحة تولي تدبير الأمور.
وقد تصدى المولى إسماعيل لحل هذه المشاكل بشجاعة ومقدرة عند ما ولي الحكم بعد أخيه كما تصدى لاسترجاع الأراضي المغتصبة من طرف الأجانب و إتمام توحيد البلاد بعزيمة نادرة و بأس شديد و مما ساعد المولى إسماعيل على الاضطلاع بمأموريته وتحقيق المنجزات و تشييد المنشآت التي خلفها طول مدة حكمه التي أربت على الستين سنة إذا أعددنا سبع سنوات التي قضاها واليا على مكناسة الزيتون من قبل أخيه و خضوع البلاد لسلطانه، و انتشار الأمن و السلام  في ربوع المملكة بأسرها وتأسيس الجيش الوطني العتيد العديد الذين كونه من العبيد و الودايا وغيرهم كالأجانب والقراصنة الذين كان المولى إسماعيل يأسرهم في المعارك و الغزوات الكبرى التي خاضها ضدهم.و بإزاء هذه الأعمال عمد المولى إسماعيل إلى بناء أزيد من سبعين معقلا عسكريا في ربوع البلاد حسب ما ذكر الزياني. و قد ذكر نبراس أن هذه القصبات كانت على ثلاثة أنواع: منها ما كان معدا لمراقبة المناطق التي كان سكانها يحاولون خلع الطاعة ومكلفا بالعمل على حراستها كما هو الشأن بالنسبة للقلاع الموجودة في الأطلس المتوسط و منها ما كان القصد منه تحصين نقط المواصلات وطرق السير و استغلالها كمراكز لقوافل المسافرين يستريحون بها من عناء السفر و يستعدون للمرحلة التي تنتظرهم كالقلاع المنبثة في الطرق التي تصل تازا بوجدة و مكناس بفاس و مراكش بتافيلالت وتارودانت، و من هذه القلاع ما كان يهدف إلى حماية المدن الكبرى و يصلح في نفس الوقت لإقامة جيش العبيد و مراكز لتدريبهم(5).
وقد قضى المولى إسماعيل أزيد من ربع قرن في تمهيد البلاد و فرض سيطرة الإدارة المركزية عليها حتى عم الأمن و الرخاء جميع أطراف المملكة، و لم يكن باستطاعة هذا الملك الهمام أن يضمن الخضوع المستمر لسلطته و الطاعة الدائمة له و لقواده لو لم يعد هذه القلعات ( القصبات العسكرية) التي جعلته يشرف على طرق المواصلات و النقط الإستراتيجية بالبلاد و يطمئن على وصول مراسلاته و تعليماته لجميع القواد و السكان و الحكام العاملين تحت أمره و لو لم ينظم جيشا مغربيا عتيدا كان أول  جيش منظم في المغرب و أعتقد أن أعظم مظهر للتجديد و الإصلاح في عهد هذا الملك الهمام هو هذا الجيش الذي نجح المولى إسماعيل في وضع قواعده الرأسية و تنظيماته الثابتة.
وقد استطاع المولى إسماعيل أن يؤلف داخل هذا الجيش بين عناصر متنافرة جمعها في مشرع الرمل بالقرب من سيدي سليمان الذي كانت تتجمع فيه الوحدات التي يتم اختيارها و بقيادة الجيش بمكناسة الزيتون و بغيرهما من القلاع و القصابي التي أنشأها السلطان لهذه الغاية. وكان هذا الجيش يتركب من جيش الوداية الذي كان يتكون من القبائل المخلصة للعرش العلوي وجيش الريف الذي كان يضم القبائل الريفية التي خاضت معارك عديدة ضد الأجانب المحتلين للشواطئ المغربية و جيش عبيد البخاري الذين جمعهم المولى إسماعيل من بقايا العبيد الذين أتى بهم المنصور السعدي و الذي بلغ عددهم في عهد هذا السلطان مائة و خمسين ألف نفر.
 و قد ذكر الناصري في الاستقصا أن المولى إسماعيل لما ظفر بهؤلاء العبيد جمع أعيانهم و أحضر نسخة من صحيح الإمام البخاري و قال لهم:
" أنا و أنتم عبيد لسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم و شرعه المجموع في هذا الكتاب، فكل ما أمر به نفعله و كل ما نهى عنه نتركه و عليه نقاتل" فعاهدوه على ذلك و أمر بالاحتفاظ بتلك النسخة و حملها حال ركوبهم و تقديمها أمامهم في حروبهم(6) و كان جيش المولى إسماعيل يضم كذلك الشراردة الذين كتبهم السلطان في الديوان و كلفهم بمراقبة بني يزناسن الذين كانوا يناصرون الأتراك.
وكانت وحدات الجيش الإسماعيلي تتركب من المشاة و الخيالة و الرماة الطبجية الذين كانوا في عهد هذا الملك العظيم يستعملون المدافع و المجانيف و الكور و القنابل و آلات  الحصار و المخازنية الذين يشكلون عنه الحرس الملكي و الذين عهد لهم بحراسة المدن و تحصينها(7) زيادة على حماية السلطان و الذود عنه.
و يبدو من آثار بعض المعاصرين لمولاي إسماعيل أن جيش هذا الأخير كان يتركب من رجال متدربين منذ  حداثة سنهم على الأعمال العسكرية و متوفرين على تكوين حربي متين يمكنهم من حسن ركوب الخيل و إتقان الرماية و حمل السلاح كما أشار إلى ذلك المؤرخ المغربي عبد الرحمن بن زيدان في كتاب مخطوط سماه " المنزع اللطيف في التلميح لمفاخر مولاي إسماعيل الشريف" و كانت العناصر النظامية في هذا الجيش تحصى في سجلات خاصة و تقيد أسماؤها و تجري عليها الجرايات و ان كان الديوان لا يشمل إلا العبيد و أهل سوس. ومن أجل الابتكارات التي توصل إليها المولى إسماعيل عند تنظيم هذا الجيش سهره على أن يتم تدريب الجنود تدريبا مزدوجا مدنيا وعسكريا فقد كان هؤلاء الجنود في صغرهم ملزمين بأداء نوع من الخدمات المدنية كالبناء و التجارة وسياقة البغال وغيرها من الأعمال خلال ثلاثة أعوام ينقلون على اثرها إلى الميدان العسكري لتلقي تمارين الفروسية و الرماية و مقاومة العدو. و كانت الإناث من هؤلاء العبيد يستخدمن في قصر السلطان للتدريب على أعمال الغسيل والتنظيف و الخياطة والطبخ و كانت الجميلات منهم يتوجهن إلى تعلم الموسيقى و العزف و بعض الأعمال المنزلية اللطيفة(8) و كان المولى إسماعيل حكيما جدا في هذا التصرف الذي نجده ساري المفعول في هذا العصر ذلك أن أعمال التجنيد الإجباري لا  تنحصر في التدريبات العسكرية بل تشمل الأشغال المدنية التي تتفق فيها مواهب المتدربين فيفسح لهم بذلك مجال واسع في الحياة بعد ما يقضون فترة من الوقت في التدريب العسكري. أما تخصيص الأشغال المنزلية بالنساء وتوجيه  الفاتنات منهن إلى الميدان الموسيقي فإنه يعد ابتكارا جليلا في حد ذاته لأنه يدل على بعد نظر هذا الملك الملهم و حسن تدبيره و استعداده لاستغلال مواهب الجنود ـ ذكورا كانوا أو إناثا ـ في الأعمال الصالحة وإدراكه لصلاحية الناس جميعا حسب مؤهلاتهم واختصاصاتهم و لا غرابة في ذلك فقد خلق الله البشر مختلفين في المواهب و الميول كما خلقهم متباينين في الوجه و اللون. و رحم الله الشاعر العربي إذ يقول:
خلق الله للحروب رجالا
                  و رجالا لقصعة من ثريد
وقد استطاع المولى إسماعيل بهذا الجيش المنظم أحسن ما يكون التنظيم إذ اعتبرنا الزمان و المكان أن يدوخ بلاد المغرب الأقصى و يملك سهلها ووعرها و يقضي على الثوار الذين كانوا يقودون الفتن في البلاد و يسترجع الأجزاء المغتصبة في البلاد من طرف المحتلين الاجانب ويحمي الاطراف التي كان الاتراك يحاولون ان يغروا عليها بعدما حصلوا على مساعدة بعض الثوار المغاربة. وقد توفق المولى إسماعيل بعد معارك حامية  الوطيس في طرد الغزاة الأجانب من المعمورة و طنجة  وأصيلا و العرائش و كاد أن يحرر سبتة و مليلية من أيدي المحتلين. و قد كانت هذه الفتوحات المظفرة ملامح  رائعة  لفتت الأنظار إلى المغرب و جعلت الأجانب  يقدرونه حق قدره كما مكنت بلادنا من استرجاع الهيبة و الوقار الذين كانت تتمتع بهما دائما في الأقطار المجاورة لها و بعثت الرعب في نفوس الذين كانت شفاههم تتلمظ للانقضاض على المغرب، و يحدثنا اليغرني في " روضة التعريف بمفاخر مولانا إسماعيل بن الشريف(9) أن لهذا الملك العظيم من الاعتناء بسد الثغور و الدرء في نحر العدو و الكفور ما شاع و ذاع و امتلأت منه الأسماع و أنه لما تمهدت البلاد له و دانت له الرقاب وخمدت نار الثوار توجه بكليته إلى فتح البلاد التي أغار عليها العدو الكافر... و كانت أول بلدة أناخ عليها بكلكلة ووقف عليها بخيله و رجله مدينة المعمورة المسماه بالمهدية التي حررها يوم14 ربيع الثاني 1092 ثم طنجة التي تم فتحها في ربيع الثاني 1095 و العرائش التي كان فتحها يوم 18 محرم 1101. وقد كان فتح العرائش حدثا تاريخيا عظيما اهتزت له البلاد بأسرها  وطربت له النفوس و دفع بجيران المغرب إلى الاستنجاد بهذا الملك العظيم. وقد عبر عن هذا الشعور أبو محمد عبد الواحد بن محمد الشريف في قصيدة عصماء جاء فيها على الخصوص:
الا أبشر فهذا الفتح نور
                قد انتهت بعزكم الأمور
حميتم بيضة الإسلام لما
               بعين الحق قد حرس الثغور
ألا يا أهل سبتة قد أتاكم
               بسيف الله سلطان وقور
ووهران تنادي كل يوم
              متى يأتي الإمام متى يزور
أيا مولاي قم و انهض و شمر
              لأندلس فأنت لها الأمير(10)
ولم يكن المولى اسماعيل يكتفي بفتح البلاد وانتزاعها من أيدي الأجانب بل كان يوفر للسكان أسباب الراحة و يشد لهم المنشآت التي يتوقفون عليها في حياتهم من مساجد و حمامات و معاهد للتعليم و لم يقل اهتمام المولى إسماعيل بالفتوحات و تنظيم البلاد وتكوين الجيش وتمهيد المغرب عن اهتمامه بالإصلاحات الاقتصادية و الاجتماعية و تنمية العلاقات التجارية مع الدول الأجنبية و تحدثنا بعمق المصادر الأجنبية أن المولى إسماعيل كان يرغب في نمو اقتصاد البلاد ورفع مستوى معيشة سكانها بالطرق القانونية من تجارة و بناء وعمران لا بواسطة أعمال السطو و القرصنة و غيرها. و سعيا في الوصول إلى  هذه الغاية، عمل  المولى إسماعيل على توطيد العلاقات التجارية مع إسبانيا و هولاندا و انجلترا و فرنسا التي كانت تحتل في أواخر القرن السابع عشر الميلادي المركز الأول في ميدان التبادل التجاري ببلاد المغرب الأقصى(11) غير أن وقاحة ملك فرنسا لويز الرابع عشر وسوء تفهمه لأوضاع البلاد و عدم احترامه للعهود التي أبرمها مع المولى إسماعيل حطمت هذا المركز الذي انقض عليه الإنجليز بعد أربعين سنة من التنافس بين فرنسا و انجلترا. و قد أدى ازدهار المغرب من الناحية الاقتصادية إلى توفر أسباب العمران و تدفق المواد و العملة على بلادنا.
وقد استعمل الملك العظيم هذه الثورة المتدفقة على المغرب في تشييد مؤسسات ضخمة و بنايات فخمة كانت مدينة مكناس أروع مظهر تتجلى فيه و أجمل صورة لهذا الرخاء الاقتصادي و الازدهار العمراني.
والواقع أن مكناس لم تكن شيئا  أخرجه المولى إسماعيل من العدم بل كانت موضعا معروفا باسم مكناسة الزيتون التي يشتق اسمها من زناتة مكناسة و قد أقام فيها المولى إسماعيل أزيد من سبع سنوات عندما كان واليا عليها من قبل أخيه المولى الرشيد. وقد أعجب بها هذا الملك العظيم الذي أحب فيها المناخ الجميل والطقس الرائع والطبيعة الفتانة والهواء العليل فقرر أن يجعل منها عاصمة ملكه و مقر قيادته وحكمه وقاعدة ايالته و عرشه?
وقد دفعه إل ذلك بغضه لمدينتي فاس ومراكش اللتين كانتا تسببان له أتعابا مستمرة وتتمردان عليه في كل وقت وحين. وقد بنى المولى إسماعيل في هذه المدينة عدة مساجد منها مسجدا باب البردعيين وللا عودة وحمامات وقلاعا للجيوش وحدائق جميلة منها مدينة الرياض وقصورا شيقة منها الدار الكبيرة وأسوار شاهقة وأبوابا فخمة كباب المنصور العلج إلى غير ذلك من المآثر الخالدة التي ما زالت حتى هذا العصر تشهد بعظمة هذا الملك البناء و هذا المجدد العظيم.
 ومن آثار هذا الملك الناطقة بعظمته و عزته قبة الحضرة التي تحدث عنها  بعض الضيوف الأجانب الذين زاروها في عهد المولى إسماعيل و خلفوا لنا عنها أوصافا طريفة تشهد بإعجابهم و افتتانهم بها كما يشهد بذلك الإنجليزي جون و اندريس الذي زار مكناس ضمن بعثة ستيوار سنة 1720.
و من أجل التنظيمات التي أحدثها المولى إسماعيل وضع جهاز حكومي مركزي و إقليمي يدير شؤون البلاد تبعا لتعليماته و طبقا لأوامره. وقد عين السلطان أولاده على أعمال البلاد فكانوا ممثلين لجنابه بالمناطق التي عينوا فيها.
وهكذا عقد المولى إسماعيل لابنه المولى أحمد على تادلة و لابنه المولى عبد الملك على درعة و لابنه المولى محمد المدعو  بالعالم على إقليم سوس و لابنه المأمون الكبير على سجلماسة و لابنه المولى زيدان على بلاد الشرق. ورغم ما امتازت به حكومة هؤلاء الأولاد من أعمال الطيش و النهب في بعض الأحيان فإنهم استطاعوا فرض سلطانهم على الأقاليم التي ولاهم عليها والدهم الذي كان لا يتورع في عزل من ثبت مع حقه أنه ارتكب خطأ أو قام بعمل مشين كما حدث مع المولى زيدان عندما أغار على رعايا الترك و انتهب دار عثمان بأي أمير معسكر وكما وقع عندما ثار المولى محمد العلم بالسوس فتسبب في وقائع حربية مهولة هلك في نهايتها في أبشع صورة.
 و خلاصة القول كان عهد المولى إسماعيل عهدا زاهرا مشرقا مليئا بالفتوحات و الغزوات المظفرة و الإصلاحات و البناءات العظيمة و التنظيمات و الإنجازات التي تدل على عظمة هذا الملك  المجدد المصلح الذي جمع بين الناس و الحكم و بين سرعة الحركة و بعد النظر. و قد كان رغم سمو مكانته وجلال قدره ورفعه شأنه قريبا من رعاياه يتقبل شكواهم و يحنو على  ضعفائهم لا يحتجب على الراغب في الاتصال به و لا يترفع عن الإنصات لحديثه، و يظهر أنه كان مبالغا في  التواضع و الحلم رغم ما عرف عنه من بأس وقوة و شدة و ضيق خاطر فكان يجالس العلماء و يراجعهم في بعض المشاكل التي يشكل عليه الحكم فيها بالإضافة إلى مباسطة الكتاب و الأدباء و مشاركتهم في الحديث و المسجلات الأدبية و قد حكى صاحب " روضة التعريف.." أن المولى إسماعيل خرج يوما و خلفه جارية وسيمة حاملة لسيفه فاستنزل قرائح كتابه لوصفها فقال في ذلك أبو محمد عبد الحق السحيمي:
 حملت سيوف الهند و هي غنية
                        عن حملها بفواتر الأجفان
 حسب الفتاة جلالة و مهابة
                       عز الجمال و هيبته السلطان
وقد ازدهر في عهد هذا الملك العظيم العلوم والمعارف و كثرت معاهد التحصيل والتدريس وانتشر التأليف وتضاعف النشاط العلمي الذي كان يتجلى في تفسير القرآن وشرح موطأ الإمام مالك وشرح الشفا للقاضي عياض و شرح لمختصر الشيخ خليل وألفية ابن مالك وحاشية علي ابن هشام إلى غير ذلك من التآليف الناطقة بازدهار العلوم وانتشار العرفان.
 

(1) اليغرني: روضة التعريف.ص16 ( طبعة 1382 ـ 1962)1
(2)الناصري: الاستقصا.ج 7ص :42
(3) هنري نبراس: تاريخ المغرب ج2 ـ ص 250.
(4) نفس المصدر ج2 ـ ص 245
(5)نبراس: 2ص 258 و شارل أندري جوليان ج2ص231.
(6)الناصري، الاستقصا ج : 
(7)انظر كتاب الجيش المغربي عبر التاريخ " للسيد عبد الحق المريني ص:51 إلى 54(7
(8) نبراس" تاريخ المغرب..." ج 22 ص256 و 257.
(9) طبع هذا الكتاب بالمطبعة الملكية سنة 1382 / 1962 و حققه السيد عبد الوهاب بن منصور.
(10)روضة التعريف ص57 إلى 10
(11) شارل أندري جوليان تاريخ شمال إفريقيا ج2 ص234

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here