islamaumaroc

ابن عائشة أمير البحر في عهد مولاي إسماعيل

  دعوة الحق

116 العدد

لا يعرف شيء يستحق الذكر عن حياة عبد الله ابن عائشة السلوي أن يظهر زعيما للقرصنة البحرية  بحوض أبي رقراق.
و قد ولد عبد الله بن عائشة في أواسط القرن السابع عشر الميلادي وزاول القرصنة شأن كثير من القادمين من الأندلس و الذين استقر بعضهم بالمدن الساحلية من المغرب.
وكان ابن عائشة يضايق السفن الفرنسية و الإنجليزية حيث يبتعد ببواخره في شواطئ المحيط الأطلسي متجها صوب المياه المجاورة لفرنسا و انجلترا، و في سنة 1680م، و قع أسيرا في قضية باخرة انجليزية، و كان قد اشتهر يومئذ كزعيم حقيقي لقراصنة سلا و الرباط، و قد ظل في بريطانيا مدة ثلاث سنوات حتى اهتم بأمره جاك أخو شارل الثاني ملك بريطانيا و تدخل لإطلاق سراحه، فحفظ ابن عائشة للأسرة الملكية هذه المنة سائر حياته.
و عندما أصبح جاك الثاني ملكا توجه ابن عائشة  باسم السلطان" مولاي إسماعيل" إلى انجلترا لتهنئته.
وكانت مشكلة العلاقات التجارية والأسرى الفرنسيين تشغل بال الحكومة الفرنسية التي كانت سفنها عرضة للحجز من طرف قراصنة المغرب، وقد أجريت مفاوضات واتصالات كثيرة فيما قبل بين السعديين و البلاط الفرنسي بشأن الأسارى، و توبعت المفاوضات في عهد مولاي إسماعيل حيث رست سفن فرنسا عند حوض أبي رقراق تحاول محاصرة السفن المغربية، وكان الأسطول الفرنسي بقيادة شاطو رونو الذي حصل على التو على عقد هدنة بين الطرفين في يوليوز 1681، و اتبعت هذه المعاهدة بسفارة مغربية إلى فرنسا يقودها الحاج محمد تميم سنة 1681 و أخرى سنة 1685 و لم تؤديها معا إلى نتيجة هامة.
وقطعت فرنسا والمغرب علاقتهما التجارية مدة سنة 1686-1688، وحضرت بعثة فرنسية إلى المغرب سنة 1689 بقيادة بيدو pidou de saint-olon فلم تحصل على طائل.
و في 1698 حضر شاطو رونو  «  Château Renaud لمراقبة عبد الله بن عائشة في بعثة من أهم أعضائها علي بن عبد الله قائد تطوان و معنينو أخو قائد سلا، و ذلك بعد أن أمضى السلطان معاهده هدنة مع لويس الرابع عشر لمدة ثمانية أشهر، وحمل السفير المغربي رسالة اعتماده موجزة، تحمل تاريخ 23-3-1110 و فيها يلقب السلطان ابن عائشة بقبطان البحر و بالرئيس، وقد صحب ابن عائشة عدد من الخدم و المهنة .
و كان ابن عائشة يتيقن الإسبانية و الإنجليزية، و قد سهل له مقامه كأسير ببريطانيا لمدة ثلاث سنوات اطلاعا وافيا على عادات المجتمع الأوروبي، و تصفه المراجع الأجنبية بالذكاء و الدهاء ووصفه استيلEstelle »  « بالعدو اللدود للفرنسيين.
وصحبه في هذه المرحلة ترجمان من التجار الفرنسيين المقيمين بالمغرب واسمه « Fabre »  و تحركت السفينة الفرنسية التي أقلت ابن عائشة و مرافقيه من حوض أبي رقراق في 17 أكتوبر 1698 ثم رست بميناء بريست حيث أقام السفير مدة شهرين لأسباب تشريفية إذ كان  لويس يريد أن يحيل ابن عائشة على بعض رجال دولته لمفاوضته، دون أن يستقبله، ولكن ابن عائشة احتج بشدة على هذا السلوك و رفض لكل مفاوضة قبل أن يتم استقباله من طرف الملك، و أخيرا سويت هذه المشكلة.
وغادرت البعثة المغربية بريست في ثاني عشر  يناير 1699 متوجهة إلى بارير و في جميع تنقلاتها كانت تثير فضول الفرنسيين الذين كانوا يتسارعون في الطرقات و الشوارع للترحيب به و التطلع إليه. و يقول مصدر معاصر وهو شاهد عيان أيضا( انظر خطبة عبد الله بن عائشة ضمن المراجع الفرنسية) أن السفير أصبح بعد الحادثة السابقة الذكر موضع رعاية فائقة من طرف المسؤولين و الشعب الفرنسي على السواء.
 و قبل أن يلقي ابن عائشة خطبته باللغة العربية بمحضر لويس الرابع عشر، حسر هذا الأخير عن رأسه، ثم ألقى السفير كلمته برباطة جاش و أثار كلامه إعجاب البلاط كله، ثم ترجمه خطابه إلى الفرنسية من طرف دولاكروا. وبعد ذلك جرت محادثة ودية قصيرة بين السفير و الملك، و توبعت المفاوضات حول الأسارى من غير نتيجة، و هكذا عاد ابن عائشة إلى المغرب بعد أن اتصل في  باريس بعدة شخصيات على رأسها جاك الثاني ملك بريطانيا السابق الذي اختار فرنسا منفى له بعد اقصاء أسرة سنيوارت عن الحكم، وتقدم أن جاك الثاني كان قد تدخل لإطلاق سراح ابن عائشة عندما كان أسيرا ببريطانيا.
 وقد ترك ابن عائشة أصدقاء كثيرين بفرنسا ظل يراسلهم بعد عودته إلى المغرب، و لسوء الحظ لم تكن مهمة ابن عائشة محددة بدقة حتى في رسالة الاعتماد التي صحبها من البلاط العلوي، و هكذا فإن المراجع  لا تفيد بشيء، عن تفاصيل هذه المهمة الغامضة التي نعلم أن قضية مفاداة الأسرى كانت من أهمها. 
و تجمع المصادر الأجنبية على أن ابن عائشة قد شاهد أثناء مقامه بباريس ابنة للويس الرابع عشر و تدعى دوكونتي  « Do Conti » فأعجب بجمالها الذي كانت تتحدث عنه المحافل الفرنسية بإعجاب، و اقترح على مولاي إسماعيل بعد عودته إلى المغرب سنة1699 أن يخطب هذه الفتاة. و من المحتمل  قد يكون راسل والدها فعلا بهذا الشأن و لكن لا توجد وثيقة مغربية حول هذه الخطبة، على أن المصادر الفرنسية تثبت لويس الرابع عشر لم يتقبل بارتياح هذه الفكرة، وأنه عرض على السلطان أن يتنصر كشرط أساسي لموافقته.
ولكن سياق الأحداث يدل على أن السلطان مولاي إسماعيل لم يثر غضبه أو يتصرف دبلوماسيا على الأقل بما يقتضيه مثل هذا الرفض، ففي ربيع الأول 1111 هـ عرض على لويس الرابع عشر أن يتابع ابن عائشة مفاوضاته بالطرق الدبلوماسية مع رجال الدولة الفرنسيين و في نفس السنة طلب منه في خطاب طويل أن يوجه إليه عدد من مهندسي القناطر و الفنيين، مقابل عروض سخية لهؤلاء.
فمن المحتمل والحالة هذه أن تكون المفاوضات حول الخطبة المذكورة قد اختلفت اختلافا لتضفي على البلاط الفرنسي و ملكه مظهر العظمة الممزوجة بالاستخفاف بطلب الملك المغربي. كما يحتمل من جهة أخرى أن تكون هذه المفاوضات، قد تولى كبرها ابن عائشة وحده لما كان له من نفوذ لدى السلطان و لرغبته الحقيقية في التقارب بين الطرفين. و هكذا فإن السلطان المغربي لا يبدو أنه أرسل باسمه عرضا حتى و لو سمح لابن عائشة بمراسلة المقربين إلى العائلة المالكة.
وكيفما كان الحال فعرض مبدأ التنصر على المولى إسماعيل يتناقض مطلقا مع عرضه هو لمتابعة المفاوضة بين البلاط الفرنسي.
وإذا كانت الظروف لم تساعد السلطان كثيرا على تقوية الأسطول المغربي فقد صرف عنايته لتقوية الجيوش البرية سلاحا وعددا، و تدل رسالة له إلى جاك الثاني المدعو بجيمس على ما يجده من نقص في قواه  البحرية التي لا تمكنه من مساعدته على استرجاع ملكه و هي مؤرخة بشعبان 1109.
 وقد تناقصت قطع الأسطول الذي كان تحت قيادة عبد الله بن عائشة حتى بلغت ستا أو سبعا، سنة 1710، و لا نعلم شيئا عن مصير هذا القائد بعد هذه السنة، وقد كان إلى جانب صفاته السابقة قويا بأمواله وممتلكاته، و كان مع ذلك دينا ورعا حتى لفت تدينه انتباه الفرنسيين عندما كان لفرنسا.
 و يمكن أن نعد ابن عائشة آخر أمراء البحر المغاربة العظام حتى يومنا هذا.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here