islamaumaroc

الأسطول المغربي أيام العلويين

  دعوة الحق

116 العدد

القرصنة والقرصان والقراصنة وما إليها كلمات داخلية في اللغة العربية، أخذت من الكلمات الأعجمية Cours و  Corsaire. وكانت تعني تكليف ربان سفينة لمدة معينة من قبل الدولة التي ينتمي إليها بمهاجمة سفن الأعداء والإغارة على شواطئهم. وقد تميزت القرصنة بتحديد مدلولها هكذا عن اللصوصية البحرية أوLa Piraterie) ( ، في القرن السابع الهجري (14 ميلادي) عندما أدخلت العناصر الأولى لتقنين شؤون القتال في البحر باحداث ما يعرف برسائل القصاص أو الثأر  « lettres de représaille » ورسائل التمييز أو التكليف « Lettre de marque » فرسالة القصاص تأذن لربان السفينة أو للتاجر الذي اغتصبت بضاعته في البحر أن يقتص بنفسه لنفسه فيأخذ قهرا من أية سفينة تنتمي لجنسية خصمه، ما يساوي قيمة بضاعته الضائعة، ورسالة التمييز تسلم لرب السفينة (القرصان) كإذن قانوني لاعتراض سبيل سفن الدول المعادية ومهاجمتها في مدة تتراوح بين ثلاثة أشهر وسنة. فإذا استرسل البحار في عمله بعد انتهاء المدة المحددة له، اعتبر من لصوص البحر، وطبقت عليه العقوبة المخصصة لهم وهي الشنق على أعواد سارية السفينة.
على أنه كثيرا ما اختلطت –نظريا وعمليا- أعمال القرصنة واللصوصية البحرية.
وعن تاريخ القرصنة، يذكر أنها قديمة قدم اشتغال الإنسان بالاتجار عبر البحار، وكما كان اللصوص وقطاع الطريق يهاجمون القوافل، كان القرصان يهاجمون السفن التجارية، ما دام ليس هنالك قوة تضمن سلامة المسافرين في البر والبحر. وربما كان الاغريق أقدم قراصنة الدنيا، فقد اشتهروا باعتراض أساطيل الفينيقيين المشهورين في العصور القديمة بالاتجار مع شعوب البحر المتوسط، حتى قال بعض المؤرخين (أن الإغريق كلهم لصوص بحر). ومنذ منتصف القرن الثاني قبل الميلاد صار الفينيقيون القرطاجيون قراصنة البحر المتوسط يترصدون السفن الرومانية وينتهبونها انتقاما من غالبيهم ومذليهم وعانت روما من خطر القرصنة ما كان يهددها أحيانا بالمجاعة، لاعتمادها على منتجات إمبراطوريتها المترامية الأطراف. واستفحل أمر القرصنة أكثر في البحر المتوسط بعد انهيار الإمبراطورية الرومانية أواخر القرن الخامس للميلاد. حيث انعدمت السلطة وراح الأقوياء يتسلطون على الضعفاء برا وبحرا.
وإذا رجعت إلى تاريخ العرب القدماء فإنك لا تجد لهم نشاطا في ميدان القرصنة ولو أن عرب اليمن خاصة خاضوا لأغراض تجارية خاضوا عباب البحر الأحمر والخليج والمحيط الهندي منذ أزمنة عريقة في القدم، والظاهر أن تلك البحار التي كانت طريق التجارة مع الشرقين الأقصى والأوسط، عرفت هي بدورها عمليات السطو قديما من طرف قراصنة هود وغيرهم، ولو أن أقدم نص تحدث عن ذلك – فيما أعرف – لا يتعدى القرن السابع الهجري (13م) فيما كتب الرحالة الإيطالي (ماركو بولو) عن رحلته الشرقية. ولم تظهر الأساطيل العربية في البحر المتوسط إلا في منتصف القرن الأول الهجري، حيث شاركت في حرب الفتوحات منذ خلافة عثمان، وبدأت انتصاراتها في معركة ذات السواري الشهيرة، حينما اشتبكت نحو ألف سفينة بيزنطية ومائتي سفينة عربية، وفتح الأسطول العربي إثر ذلك جزيرة قبرص وتوالت فتوحاته لجزر البحر المتوسط.
وقد استكثر الأميون فالعباسيون من السفن وأسسوا دور صناعتها في مصر وتونس وغيرهما من الأقطار التي امتد إليها سلطان المسلمين حتى أصبحوا سادة البحر المتوسط (ولم يعد للأمم النصرانية قبل بأساطيلهم بشيء من جوانبه) كما يقول ابن خلدون، وظل ظهور المسلمين في هذا البحر زهاء خمسة قرون كانت أساطيل المسيحية لا تقوم بالقرصنة فيه إلى لواذا وفي غمرة من المخاطر، ثم دار الزمن دورته وأصبح الروم يهاجمون شواطئ البلاد الإسلامية في الحروب الصليبية الشهيرة. وظلت الأساطيل المسيحية تصول في البحر المتوسط وتجول حتى قام في وجهها  الأسطول التركي الجبار.
أما البحرية المغربية، فلها – ضمن إطار البحرية الإسلامية – طابعها الخاص، أنشأها المرابطون في شمال إفريقيا والأندلس، وتعهدها الموحدون وعنوا بأمر توسيعها فبلغت أوجها أيام يعقوب المنصور الموحدي، وهو الذي راسله صلاح الدين الأيوبي أواخر القرن السادس الهجري (12 م) ليساعده بقطع من أسطوله، يستعين بها في مدافعة الصليبيين ومنازلتهم في ثغور عكا وصور وطرابلس الشام. وتقول إحدى الروايات أن المنصور استجاب لهذا الطلب وأمد صلاح الدين ب 180 سفينة حربية كان لها الفضل في منع النصارى من سواحل الشام. ويستنتج ابن خلدون من هذه المراسلة اختصاص ملوك المغرب من بين سائر ملوك الإسلام يومئذ بالأساطيل الجهادية، غير أن انكسار الموحدين في معركة العقاب بالأندلس وما أصابهم من تنازع وخذلان، أدى إلى ضعف قواهم في البر والبحر ولم يستطع المرينيون أن يستعيدوا عظمة القوة البحرية، فكان الأسطول المريني – بعد تجديده – في موقف الدفاع أكثر منه في موقف الهجوم. ولو أن المصادر القديمة لا تمدنا بتفاصيل لأعمال القراصنة المسيحيين وهجوماتهم على الشواطئ المغربية منذ أواخر القرن الهجري السابع (13) فإننا ندرك من مختلف الأحداث المتفرقة في الكتب المعاصرة، أن القرصنة المسيحية – نشطت في تلك المدة على طول السواحل المغربية الأمر الذي دفع المرينيين إلى إقامة الربط والمحارس من آسفي حتى تونس، فكانت بمثابة مراكز دائمة للمراقبة ضد القراصنة المسيحيين الذين اعتادوا الهجوم على شواطئ بلادنا لسلب ما تصل إليه أيديهم وبخاصة اختطاف أطفال البدو ونسائهم ليبيعوهم أرقاء في أوربا.
كانت لهذه المحارس البحرية طريقة غريبة للإشعار السريع والاستنفار، في كل محرس رجال مرتبون في أبراج لاستطلاع البحر، فلا تبدو سفينة للعدو تقصد الشواطئ المغربية حتى يوقدوا النار في أعلى البرج فيراها البرج القريب ويوقد النار بدوره وهكذا فيتم الإنذار بالخطر في ليلة أو في بعضها في مسافة تسير فيها القوافل شهرين، وبذلك يتأهب المجاهدون لمدافعة المهاجمين، ولا يؤخذون على غرة.
وكان القرن التاسع (15 م) أفظع القرون بالنسبة للبحرية المغربية، فالأساطيل المرينية – بعد انحلال أمر هذه الدولة – لم تعد قادرة على مهمة الدفاع لا عن المغرب ولا عن الأندلس، فأخذت الثغور المغربية تسقط في يد البرتغاليين تباعا حتى لم يبق منفذ بيد المغاربة إلا ثغر سلا، وضيق الاسبان الخناق على مملكة غرناطة الضيقة، فانتزعوا منها الثغور لقطع كل مدد خارجي قبل أن ينقضوا عليها ويوجهوا إليها الضربة القاضية.
وانطلاقا من أزمة القرن 15 برز الجهاد البحري المغربي وتطور على ما عرف بحركة قراصنة سلا. ذلك أن هجرة الأندلسيين الذين فروا بدينهم أو أرغموا على الخروج من ديارهم بطريقة أو أخرى، حطوا رحالهم –أو طائفة مهمة منهم على الأصح – في سلا وتطوان، وعملوا مع البحارة المغاربة على الاستكثار من السفن والسلاح، وراحوا يتعقبون أعداءهم الاسبان والبرتغال ويهاجمون شواطئهم وشجع هؤلاء ظهور البحارة أو القراصنة الأتراك في مياه تونس والجزائر وبخاصة الأخوين عروج وخير الدين ( بارب روس)الذين دفعتهما الغيرة الدينية إلى إنجاد الأندلسيين المستضعفين والانتقام من معذبيهم في عقر ديارهم وفي الثغور التي يحتلونها بهذه العدوة. وإذا كنا لا نستطيع الدخول في تفاصيل الأحداث فإننا نشير إلى أن حركة الأتراك هذه انتهت بطرد الاسبان من معظم ثغور الجزائر وتونس وليبيا ودخول هذه الأقطار في حكم الخلافة العثمانية.

أما حركة البحارة المغاربة والأندلسيين فيمكن القول بأنها اجتازت ثلاث مراحل.
1) المرحلة الأولى : - وتشمل بالتقريب القرن الهجري العاشر (16 م) – وهي مرحلة النشوء والنمو، تكاثرت فيها سفن المجاهدين، وتمرسوا على القتال في البحر، ولم يعد عملهم قاصرا عن الاسبان والبرتغال بل راحوا يهاجمون غيرهم من المسيحيين، إنجليز وفرنسيين وهولانديين، وصار الأوربيون يلقبون مجاهدينا (بالقراصنة) فلا يتحرج هؤلاء من ذلك، وقد عرفنا أن القرصنة في الاصطلاح الدولي إذ ذاك كانت حربا بحربة مقننة وشائعة لدى المسلمين والمسيحيين على السواء.
ونظرا لقيام الدولة السعدية في هذه الفترة وانتشار نفوذها في أرجاء المغرب كله فإن رجال البحر أو القراصنة كانوا خاضعين لنفوذ الدولة ومراقبتها، ولدينا وثائق عديدة تؤكد هذا. من ذلك المعاهدة الأولى التي أبرمت بين المغرب وانجلترا حوالي عام 983 /1576 نصت على التزام محمد المتوكل السعدي ألا يتعرض قرصان المغرب بسوء للسفن الانجليزية لقاء التزام اليزابيت نفس الشيء فيما يخص قرصان الانجليز إذا لقوا المغاربة – وتذكر هذه المعاهدة في الأخير اسم قائد الثغور المغربية المشرف على خطة الجهاد البحري من قبل السعديين وهو الباشا أحمد بن علي بن عبد الله. وتذكر الوثائق المتعلقة بسفارة عبد الله عنوري الذي وجهه المنصور الذهبي إلى بلاط عاهلة انجلترا عام 1008 هـ /1600 م أنه حمل معه كهدية إلى الملكة أسرى هولانديين وزيلانديين ممن غنمهم المجاهدون المغاربة في البحر، وذلك اعتبارا لصداقة انجلترا آنذاك للبلاد الواطئة.

2) المرحلة الثانية : وهي مرحلة اكتمال حركة القرصنة في المغرب في عهد الاضطراب الطويل الذي أعقب وفاة أحمد المنصور السعدي حتى توحيد البلاد على يد الرشيد بن الشريف العلوي (القرن 11 هـ أو القرن 17 م) وفيه برز المجاهدون البحريون بمدن سلا (سلا والرباط والقصبة) واشتدت شوكتهم في حين انحلت السلطة المركزية بمراكش ولم تعد في أغلب الأحيان قادرة على القيام بشيء لا لهؤلاء المجاهدين ولا عليهم. فتكون ما عرف بجمهوريات أبي رقراق، وهي عبارة عن حكم ذاتي يباشره ديوان منتخب. كانت السلطة العليا في هذه المنطقة في العقود الأولى من هذه الفترة بيد المجاهد امحمد العياشي، وفي العقود الأخيرة بيد الدلائيين، يمثلهم عبد الله بن محمد بن الحاج الدلائي. أو أمير سلا كما يدعوه الأوربيون. وإذا بحثنا عن ميزة هؤلاء القراصنة السلاويين وسبب انتشار ذكرهم في آفاق أوربا، وجدنا ذلك راجعا إلى مركزهم الجغرافي الممتاز وعملهم وحدهم من بين سائر القوى الإسلامية في عرض المحيط الاطلنتي الذي أصبح إذ ذاك يحتل الدرجة الأولى في المواصلات البحرية العالمية بعد اكتشاف أمريكا وطريق الرجاء الصالح. لذلك كان خطر القرصنة السلوية أعظم من خطر الأسطول التركي على كثرة أجفانه وانتشار مراكزه في شواطئ تركية وليبيا وتونس والجزائر وبعض جزر البحر المتوسط، لأن ميدان نشاط الأتراك ظل محصورا في نطاق المتوسط الذي نزل إلى المرتبة الثانية في طرق المواصلات الدولية.
وقد اتسع ميدان عمل المجاهدين المغاربة أو قراصنة سلا فاجتازوا السواحل الانجليزية الايرلندية شمالا ووصلوا إلى الشواطئ الأمريكية غربا وهاجموا كل السفن المسيحية عدا سفن المعاهدين.
وكمثال للغنائم الكثيرة التي كان يحصل عليها هؤلاء القراصنة السلاويين نذكر أنهم غنموا في ظرف عامين أربعين سفينة واستولوا فيما بين سنتي 1618 – 1626 على ستة آلاف أسير مسيحي و 15 مليون ليرة ...

3) المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ابتدأت بسيطرة المولى إسماعيل على أسطول الجهاد البحري فأصبح يتمتع بتأييد الدولة وعطفها، وكثرت الاتصالات مع الدول الأوربية بقصد افتكاك الأسرى المسحيين، وإبرام المعاهدات، وما أمر توسيع مباني مكناس بواسطة الأسرى الأوربيين بسر، ولا ما كتبه هؤلاء الأسرى ورجال الكنيسة الذين عملوا على افتكاكهم بخاف على أحد. على أن للأسطول المغربي طابعا خاصا أيام المولى محمد بن عبد الله الذي جدد تكوينه بعد فترة الاضطرابات العسكرية التي تلت وفاة المولى إسماعيل. وقد كان للمولى محمد بن عبد الله اهتمام بالغ بالأسطول البحري منذ كان نائبا عن والده بمراكش، فأكرم وفادة رؤساء البحرية بالعدوتين وأمدهم بالمال والعتاد، حتى إذا تسلم العرش أنشأ مصانع  للسفن الحربية بمرسى العدوتين والعرائش. وقد عقد صاحب كتاب (إتحاف أعلام الناس) في الجزء الثالث (من ص 256 إلى ص 265) فصلا لاهتمام المولى محمد بن عبد الله بالأساطيل البحرية واعتنائه برياسها، أتى فيه على كثير من التفاصيل. ونقل عن تاريخ الضعيف المتخصص في تاريخ العلويين والمولى محمد بن عبد الله بصفة خاصة: "بلغ عنده رؤساء البحرية ستين كلها بمراكبها وبحريتها، وكان عدد مراكبه البحرية عشرون كبارا من المربع وثلاثين من الفلاكيط، وعدد عسكره البحري من المشارقة ألف، ومن المغاربة ثلاثة آلاف ومن رماة المدفع أربعون ومن عسكر أرقاء العبيد خمسة عشر ألفا ومن الأحرار سبعة آلاف.
وقد بنى المولى محمد بن عبد الله في جملة ما أنشأ من السفن بمرسى سلا سفينة عظيمة ذات طابقين أنفق عليها نحو أربعين قنطارا من الذهب في كل طبقة صفان من المدافع النحاسية بلغ مجموعها 54 مدفعا، وعدد بحارتها 330 واسند قيادتها للرئيس سالم الطرابلسي ..

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here