islamaumaroc

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

  دعوة الحق

116 العدد

بمناسبة ذكرى الأعياد المجيدة يطيب أن تقف الأمة قليلا لتراجع صفحات أمجادها و تتذكر ماضيها، و تضبط حاضرها، لتتقدم إلى المستقبل بماضيها و حاضرها:
 و إنما المرء حديث بعده
                  فكن حديثا حسنا لمن وعي
ولكل أمة قطاعات مخصصة لنشاطها، ولن يستقيم قطاع إلا باستقامة القطاعات كلها. وكما أن الفرد المؤمن كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر البدن بالسهر والحمى، فكذلك الجماعة إذا اختل ركن من أركانها بطلت صلاتها، أو غدت مسبوقة عليها أن يقضي باقي ركعاتها و سجداتها، بزيادة غرم سجدتي السهو.
 إن الناحية التي تستثيرها ذكرى الأعياد المجيدة في هذا القطر المغربي العزيز، هي ذكرى القيادة المتينة الصالحة، التي صدمت في وجه التاريخ البشري صمود الأبطال، يوم تنادت الأمم الاستعمارية بشعار تمزيق وحدته و الذهاب و إلحاقه بعاد الأولى و ثمود، لكن القادة الأمجاد، و ربائب الشهامة من ذرية الحسن الداخل الشريف العلوي جابهت الموقف  و هي عزلاء من السلاح الملائم للعصر، مجردة من تأييد الرأي العام الدولي، كل سندها قلوب لا تعرف الهلع، و همة لم تدق الجزع، و الواثقة بأن المستقبل لها بإذن الله، و لو كره الكافرون.
وكان السلطان العظيم مولاي إسماعيل الكبير رضي الله عنه، يبالغ في البناء و التشييد، مدرجا في حساباته ما يكفي لمقاومة أيدي الفساد و التخريب. فليخرب المخربون ما شاؤوا، فإن المجد المغربي لن يتأثر إلا قليلا، لأنه يطبق الخطة الإسلامية، التي تعمل في تعاليمها من القوة و الجدية و الصلابة ما يكفي لمغالبة العناصر المخربة و لو كان يعضهم لبعض ظهيرا. و كان مولاي إسماعيل يبني للخلود بروح طامحة للخلود، مطمئنة إلى أنها تسير إلى الخلود: فكانت مشيداته نابعة من قلبه و عقله، فكما بنى الحصون والقصور والقصبات والأسوار، كذلك بنى أسس سياسة الدولة: فأسس الجيوش و دربها على أن تربط حياتها و بقاءها بعظمة المغرب و سلامته، بحيث لو تقلص ظل السيادة المغربية اندثرت بتقلصه وجوه حياة " البواخرة" والمغافرة و أسود بلاد الريف.
لقد وقف التاريخ بمولاي إسماعيل موقفا صعبا، فوضعه في قمة الثلاثة السلوك المؤسسين للدولة العلوية الجديدة، بعد أن ابتلعت الأحداث مجهودات الملكين الأسدين الهصورين السعديين مولاي عبد الملك وشقيقه مولاي أحمد المنصور الذهبي رضي اله عنهما، فقد ذهبت بمجهوداتهما سفاهات المأمون و عبد الله وأشياعها  من شياطين المنافقين و المستعمرين، و إنما وجد مولاي إسماعيل من المغرب حطاما بالية فأحرقها ليخلق من رمادها دولة محترمة عاتية. وجعل رمز تحطيم مظاهر الميوعة هدم" قصر البديع" الذي كانت تصدر منه أوامر ضد صالح البلاد. و لم يكن للشبل ذنب سوى  أنه كان يصادر الحريات، و يقضي على المواهب التي كانت تحمل مصدر القوة و الحياة. و كان البديع معتصم القيادة العليا لتفتيت الوحدة. و إدخال عناصر الوهن و الضعف و الحيرة. 
ولن نتساهل حتى مع مولاي زيدان، فقد لأن حتى أوهن المغرب و أطمع البرتغاليين في ابتلاع البلاد، لولا بقية بقيت في ظلال الزوايا و بيوت الأشراف، وعلى رأسهم أسماء مولانا رشيد و مولانا إسماعيل، و إنما تربع عرش المغرب حقيقة مولانا إسماعيل، فكان المؤسس الحقيقي لهذا البيت المالك.
ولكن التاريخ لا يكتفي بتأسيس رجل واحد، فإن المنصور ابن أبي عامر تمكن من بسطة في بلاد الأندلس  حتى ليصح القول بأنه أعاد حدود الدولة المغربية في الجزيرة الإبرية إلى حدودها أيام عبد الرحمن الثالث، ورغم ذلك فإن غفلته عن الاستعداد للمستقبل، جعل بناءه الضخم الشامخ ينهار كما ينهار من الورث، و ما كانت تلك الشعلة المضيئة التي حملها ابن أبي عامر إلا الوقدة الأخيرة لقنديل انطفأ بعدها.
 في حين أن مولاي إسماعيل، استعد للعاصفة بعد وفاته، و دقق بمعادلات رياضية مبلغ قوة العاصفة، و أخضع عملية بناء الدولة الخالدة إلى قاعدة الجذب و المقاومة، و الشدة و الضغط: فاستطاع القضاء على الزعامات التي ألفت حياة الانتهازية، من لدن عهد الوطاسيين، وحسب أقوام أنه ذهب يظفر و ناب المغرب، و لم يترك به إلا  عجائز صلعا لا يملكون حيلة ولا يهتدون، في حين أنه كان كلما قلع شجرة وضع مكانها شجيرة سليمة من الآفات، تومن بفكرة العاهل و تتخذها قاعدة من قواعد الحياة، و حتى إذا كانت بعض العناصر غير مومنة، فإنه سكب رجاله في مسبكة المنفعة، ونفي عن المغرب قاعدة الاستعانة باللفيف الأجنبي، فانقرض في عملها الطويل المديد جيش النصارى، الذي كان يخرب البلاد من الداخل، ومحا أثر جند الأتراك من المغرب، وعوض منها الجحافل بعناصر مغربية صحيحة من المغافرة والأودية، و الأرياف، و عبيد البخاري. ووقف كالسد المنيع في وجه أقوام لم يدركوا سر سياسته في تجنيد العبيد، و نظروا نظرة غير بعيدة المدى، فحاسبوه على عدم التحري في ضرب أصول الرق على بعض الأحرار، فعلم الله صدق ليته، و اعتبرت الدولة البواخرة اعتبار الأحرار، بل اعتبرتهم أساطين الملك التي تقوم عليها حامية البلاد المغربية. و مهما يكن من أمر فإن موقف مولاي إسماعيل في تشريد جيش النصارى، وحل جيش الأتراك، كان موقفا وطنيا لا غبار عليه. ورغم أن التاريخ لم يحدثنا طويلا عن التسهيلات التي أوجدها الإعلاج للاحتلال البرتغالي، فإن الوميض يحدثنا عن بطش السلطان الكبير مولاي إسماعيل بنصاراه. و طالما فكرنا في تحليل سياسة مولاي إسماعيل، بعد أن أكد التاريخ امتلاء سجونه بأسرى النصارى، و أنه لم يكن يتخذهم جيشا، بل كان يملأ " المطامير" في تطاون و غير تطاون، مع أن الأحداث التاريخية لا تذكر سببا لحصول مولاي إسماعيل على هؤلاء السجناء الذين اختلف المؤرخون في عددهم ما بين عشرين ألفا و أربعين، وهو عدد خيالي: إذ علمنا أن أسرى الحرب منهم لا يتجاوز ثلاثة ءالاف في معارك تحرير" المهدية" و " العرائش"  و " أصيلا" و " طنجة"، فإن بعض المدن وجدت فارغة لأن أهلها هربوا، وبعضها كان أسراء نحو الثلاثمائة. أما العدد الضخم، فيمكن أن يكون من مصدرين: نواب السلطان في الثغور البحرية، الذين كانوا يشترون من القراصنة أسراهم، و رجال جند النصارى، الذين ألفوا أن يتلاعبوا بملوك المغرب: و يشتغلون وظيفة طابور خامس ضخم متوغل في عروق الدولة: و مئات رجال من باعة الضمائر " الحناشين" وهم أصناف و طبقات. فلما أراد الله سبحانه أن يطهر الأطر المغربية من البعثة التي تنخر قلب المغرب، و التي اتخذت في أنسجته و أوردته مكانا لسرطانها و بث سمومها، سلط الله عليها مولاي إسماعيل، لأن الله يسلط رسله على من يشاء. فما هي إلا جولاته الحرة حتى بدلت الأحوال غير الأحوال. وعاد مولاي إسماعيل إلى السياسة المغربية التقليدية الحقيقية، فوصل ما كان انقطع من تسلسل سياسة الشعوبية، السياسة التي  اختارها المغاربة لأنفسهم، حينما بايعوا مولاي  إدريس الداخل، دخول التتويج، المقدم لعرش من قبل إدريس أصحاب البلاد، و سمها الفاتح لأنه فتحه كان فتحا مبينا: فكانت جحافله التي جلبها من المشرق يبلغ عددها رجلين: إدريس زائد راشد. و لم يذكر التاريخ لهما ثالثا: فلهذا هو جيش الاحتلال الذي يشدد به بعض الأوروبيين، مدعين أن السياسة الإدريسية قائمة على أساس الحديد و النار. و انها لأسطورة ما لها مثيل: فإنما كان الفتح الإدريسي  خبر و بركة، رددته القلوب و الألسنة المغربية، طيلة الأزمنة الذي أعقبت هذا الحادث الذي نقل المغرب من امة تابعة تبعية طال أمدها بحيث لم يعهد فيما قبل إدريس أن هذه الأمة المسلمة العظيمة الشأن كان لها تاج و عرش، حتى وهبهما الله إياها على يد هذا الفاتح الكبير. وكانت سياسته مسلمة عربية، و حتى لما جاء خصم آل بيت موسى ابن أبي العافية المكناسي، فإنه إنما عمل لنقص السلطان من يد  الأدارسة إلى العبيديين حينا و المروانيين حينا، و هو ءاخذ في ذلك كله بسياسة عربية مسلمة ـ إسلام الخوارج ـ: و انتزع التاريخ من يد الأدارسة التاج و الصولجان، ووضع في نفوسهم عز الحب و الإكبار و الإجلال، فظل سلطانهم دائما إلى يوم الناس، و جاء المرابطون و الموحدون وهم مغاربة أقحاح، و كان في وسعهم أن يدعوا أية دعوة عنصرية تطابق أهواءهم، فكانت عنصريتهم و دعوتهم أنهم مسلمون دينا، عرب لغة وسياسة. واقتضى رأي أبي العلاء إدريس الموحدي أن ينحرف عن الجادة، فتبرأ من ءاباءه و رأيهم في المهدوية و المهدي، و اتخذ له في المغرب جيشا من النصارى، و بنى لهم كنيسة في مراكش، و لكنه لم يدع إلى عنصرية و لا شعورية، و بقي له من مغربيته أخذه بسياسة عربية مسلمة بعد أن حرفها و مسخها بعنصر جعل  نصيب من الحكم لليد الأجنبية المخربة.
 يمكن إدريس الموحدي من خلق جو من الميوعة في البلاط المغربي، عدت عدواه  على الذين جاؤوا من بعده، حتى بلغ  الأمر بأعقاب الوطاسيين إلى أن نصبوا على مدينة فاس عاملا يهوديا من بني وقاصة، ثم جاء الأشراف السعديون من بني زيدان، فصاحبهم العنصر التركي وشاركهم حكم البلاد، و ما استطاعوا الإبقاء على استقلال المغرب إلا بعد عرق القربة، و هذه إحدى حسنات المنصور الذهبي ـ لكن بابا الشيخ المأمون أكثر منهم في جيوشه بفاس ـ و منهم أبناء  طلحة ـ فما استطاع  المنصور أن يجاهرهم بالعداء، و طمع في استجلاب بابا المأمون عسى أن يعمل على التخلص منهم ، لكن المامون زادهم قربا ليهدد اباه، ويجعله يحجم إذا أراد أن ينقله من فاس إلى الدار الآخرة ـ وعادة السعديين أن يرسلوا بمنازعيهم في المملكة إلى أحضان الموت. و في أيام السعديين ازداد أمر استخدام جند النصارى و الأتراك، وقوي سلطان اليهود، و كانت ظاهرة...... الصهاينة من الأسباب الكبرى في قيام الدولة العلوية الشريفة من أعقاب الحسن الداخل رضي الله عنه و عنهم: فإن قصة ابن  مشعل  اليهودي، و عبثه بشؤون الإسلام و المسلمين في شرق البلاد كانت الحافز لمولاي محمد و أخيه مولاي راشد على استغلال  هذه المهنة، فبطشت أتباعهم بابن مشعل وأخذوا أخذ عزيز مقتدر: فلما جاء مولاي إسماعيل عاد بالمغرب إلى مغربيته و عروبته، و رد اليهود إلى قماقمهم، وحتى الذين يتظاهرون منهم بالإسلام فرض عليهم أن يتخذوا شعارات خاصة تبين أنهم كانوا يهودا وحتى الذين لهم دكاكين تقسم أبوابها إلى فوق وتحت، فإنهم  يوقفون الشق العلوي بقصبة، في حين أن المسلمين القدماء في الإسلام كانوا يرفعونها بالخشب و العصي: و حتى هوادج الأعراس و العماريات كانت موقوفة على المسلمين ذوي السبقية، ويمنع من ذلك المسلمون الجدد، لأن إسلامهم ـ في رأي مولاي إسماعيل - كان على حرب.
 واتخذ مولاي إسماعيل دواوين تسجيل أعراق الناس: فالشرفاء الأقحاح لهم دواوين، والمستشرفة لهم دواوين، وذوو الأحساب الكريمة غير ءال البيت كانت لهم دواوين، و لعبيد البخاري دواوين. بحيث أصبح الناس معروفي الأصول و الفصول. و عمل مولاي  إسماعيل بالوصية العربية المقدمة إلى عمر بن عبد العزيز بأن يستعين بذوي الاحساب:
 لعلنا لو بحثنا تاريخ ملوك المغرب لا نجد عبقريا يمثل أبطال " نيتشه" كمولاي إسماعيل، الذي كان لا يخاف النقد، فقد أبلغته جواسيسه أن الفقيه سيدي أحمد اليحمدي يقول: أنه هو الذي علم مولاي إسماعيل علوم الدين. فما كان من مولاي إسماعيل إلا أن قال: إن قال الفقيه اليحمدي ذلك فقد صدق، إنه هو الذي عرفني بربي وشؤون ديني. هذا هو البطل الذي لا يعاقب لأجل رأيه في سلطانه، لكنه يعاقب من تناول شؤون الدولة، حتى و لو كان أفضل أبنائه، فقد قتل ولده مولاي محمدا العالم، لأنه خشي انشقاق الدولة، وافتتان أهل  " تارودانت" بالعبقري العالم ابن مالك: قتله مولاي إسماعيل وهو أحب بنيه إليه، وقد كلفته قتلته جزنا طويلا، و جرت الأحداث بعد ذلك على مولاي إسماعيل فلم يقتل ـ بعد ذلك ـ أحدا من أهل بيته، بينما كان الأمر في عهد الأشراف السعديين يسير سيرة الخلفاء العثمانيين، في افتتاحهم عهد الخلافة يحز عدة  رقاب من آل بيتهم. و نظن أن كف مولاي إسماعيل عن قتل الأشراف عامة، إنما هو راجع لقتله ولده مولاي محمدا العالم. و لما جاء أبناء مولاي إسماعيل و أحفاده سلكوا مسلك الصفح عمن ينازعهم الملك، حتى قال مولاي سليمان رحمه الله و رضي عنه في حق أخيه مولاي هشام، بعد قيامه عليه: إنما يطالب بملك أبيه ووجهه إلى تافيلالت بعد عفوه عنه.
ونجد خلق الأشراف أيضا في مولاي إسماعيل ـ على نظرية نيتشه ـ في عظم نفسه و شعوره بهذه العظمة شعورا حمله على القول لجيشه الأسود:
     "لنكن أنا و أنتم عبيدا لسيدي البخاري" يعني للصحيح من سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم. وإلا فأي سلطان يمكن أن يتلفظ بأنه عبد من جملة عبيد الله؟ فإن الشك في العظمة، و احتياج السلطان إلى سيادة لفظية، يخلق فيه مركب الشعور بالنقص، فيستنكف أن يعترف بالعبودية لله سبحانه، فضلا عن أن يجعل نفسه من جملة العبدان الذين اشتراهم بماله، و حشر نفسه معهم في عبارة واحدة " أنا وأنتم عبيد البخاري" قالها مولاي إسماعيل لأنه واثق من شخصيته مطمئن إلى عظمة نفسه، فلن يضره مع ذلك شيء في أن يتكلم بدون تحفظ، و أن يترك نفسه على شجينها، وثوقا بأنه لن يتصرف إلا تصرفا يؤكد شخصيته العبقرية.
ولعل اندفاع مولاي  محمد بن عبد الله في الانتصار لنشر النصوص الحديثية، و تحمله  لعبء التأليف في السنة النبوية، و اعتمادها في الأخذ  بالأحكام الإسلامية ناشئ عن التربية العائلية: فإن أقوى فروع مولاي  اسماعيل هو والده مولاي وأقوى فروع مولاي عبد الله هو سيدي محمد بن عبد الله، ثم تدرجت هذه الصورة من الفرع الملكي: ذلك لأن الملك العلوي لم يكن يشترط فيه إلا  الانتماء لهذه الأسرة العتيدة، أما باقي المرجحات فمرجعها إلى الكفاءة الشخصية، وانتصار أعيان الحاشية، وهذا ما جعل الاختيار يجتاز مراحل صعبة من الامتحان و الاختبار و الدربة. و كان مولاي إسماعيل رجلا قويا، تعجبه القوة في كل شيء ـ و المومن القوي أحب إلى الله من المؤمن الضعيف ـ ولعل مولاي إسماعيل ـ رغم كونه لم يكن واسع الاطلاع في العلوم المتداولة، لكنه فكر في اعتماد أقوال الرسول صلى الله عليه و سلم و سنته، خير من الاستناد لمجرد أقوال الفقهاء التي تنقل عنهم دون استشهاد بنصوص قرآنية أو أحاديث نبوية. ويدافع الشعور أو اللاشعور أو كليهما جعل شعاره صحيح البخاري، ثم أتى مولاي محمد بن عبد الله بن إسماعيل فعكف على الحديث عملا و علما، و تأليفا و نقلا، و مذاكرة و تعليما. ثم جرت بعد ذلك مجالس ملوك الدولة  العلوية على مدارسة الكتب الصحاح، حتى وصل الأمر إلى إنشاء " دار الحديث الحسنية".
 و لا ننسى أن صحيح البخاري كان يسرد كله بمجالس مولاي أحمد المنصور الذهبي في شهر رمضان من كل سنة ـ على الطريقة التي ذكرها مؤرخو هذه الدولة العلوية السعدية الشريفة. ثم لا ننسى أن الموحدين كانوا يفضلون  اعتماد كتب الحديث على كتب الفقه، رغم أن عمل الأندلس ـ و هي العقد المغربي الأكبر لنشر الثقافات العربية، و معنى هذا أن المغرب  يحيد دائما الأخذ عن الكتب الحديثية ويرجحها على كتب الفقه. وبعابرة أصح، كان ملوك المغرب يفضلون أن يسموا أهل حديث عن أن يسموا أهل فقه، لكن علماء القرويين و القيروان و قرطبة ـ الذين كانوا مهيمنين على الحياة الروحية لغرب العالم العربي ـ كانوا يتشددون للفقه و ينتصرون لأئمة المذاهب، إلا ما كان من مدرسة الظاهرية التي أثارت حربا عوانا على أقوال الفقهاء التي لا يصحبها دليلها من الكتاب و السنة. و استمر الأمر على هذا حتى كانت أيام مولاي سليمان بن محمد بن عبد الله بن إسماعيل، فانتصر للحديث لكنه لم يعترض طريق الفقهاء.
 ومن هنا فإنه يجوز أن يكون الخلاف الحقيقي بين مولاي إسماعيل و سيدي عبد السلام جسوس رحمهما الله  يرجع إلى تصلب الفقيه الجسوس في موقفه، الذي يعارض سياسة الدولة التي هي سياسة مولاي إسماعيل في تأميم الملونين بالمغرب، في حين أن تخطيط مولاي إسماعيل كان يهدف لحماية الدولة والإسلام في هذا القطر الذي يتحمل ـ أكثر من أي قطر آخرـ و أوجب مجابهة الحروب الصليبية في جبهتها الغربية. وأنف الفقيه جسوس أن يتراجع عن رأيه، حتى كلفه ذلك القتل وسط الشارع: فأثبت جسوس أن عصر مولاي إسماعيل كان عصر النبوغ المغربي:فقد أنتج ملكا نابغة، و أنتج عالما نابغا، و أنتج أولياء نابغين من طراز سيدي محمد بن عيسى و مولاي التهامي بن محمد الوزاني في جملة من رجالاتنا الذين يكونون لوحة الشرف في هذه الفترة من النضال العنيف دفاعا عن استقلال المغرب و عروبته و إسلامه، و إذا اختلفت الآراء فإن الهدف واحد وهو تكوين مغرب قوي ذي شخصيات لا يمكن أن تفنى أو تذوب. و كانت الإمكانيات في صف مولاي إسماعيل أكثر مما هي في جانب الفقيه جسوس.
 و لعل مولاي إسماعيل تأثر من قوة شخصيته الفقيه جسوس، فكان موقفه أكبر من موقف لا يخلف أثره في نفس طيبة تقدر البطولة. وكم كان على مولاي إسماعيل أن يبيدهم ليحقق خطة موحدة و برنامجا موحدا، و ملكا مهابا، فما أقام وزنا لمن هلكوا، و إنما أشد تأثيره عن مصرع ولده مولاي محمد العالم ومن مصرع الفقيه جسوس، و نحسب أن أعراض مولاي إسماعيل عن فاس و رجالاتها، و صرف اهتمامه الأكبر إلى بناء عاصمته بمكناسة الزيتون، و اعتماده على استشارة علماء الأقاليم ، و على رأسهم الفقيه البحمدي ـ ، كان ذلك كله راجعا لموقف الفقيه جسوس، و حتى انحياش مولاي إسماعيل إلى كتاب البخاري، ربما كان أثرا لمآخذه على الفقهاء الذين عجزوا عن فهم موقفه، و تعبير خطته، و حتى توجيهه الخطاب إلى الملونين من عبيد البخاري، يفوح برائحة الاعتذار إليهم، وأنه لم يقصد به أن يخدم دين الإسلام كما صوره البخاري، الذي لم تحوره أقلام الفقهاء في متنه، و إنما تناولته في شروحها و تعليقاتها عليه. اما ان تراجع مولاي إسماعيل، فإن هذا تكليف للطبيعة بما ليس في وسعها، فما خلق الله للخلق، و إنما خلق الله للإمام، وحتى إذا ظهرت فجوات في هذا الإمام، فإنه سيواصل سيره فيه، آخذا في الاستقامة.
إن لمولاي إسماعيل أنواعا من السلوك يظهر أنها متناقضة، و ليست بمتناقضة و لا متعارضة، إذا راعينا قاعدة عمله وهي أنه صمم و اقتنع بصلاح الفكرة فلن يرده عن تطبيقها اعتراضات المعترضين حتى ولو كانت نواياهم حسنة، فإن صاحب الشخصية القوية يصاحبه في أغلب الأحيان قوة الخيال، فإذا رأى الرأي لا يراه كما يراه الرجل العادي، بل إنه لا يقبل تقليب وجوه النظر إلا إذا بدا له منها ناحيتها العلمية، وحتى يدرس نفسيا الطرق الموصلة إلى تطبيق تلك النظرية، و حتى يعيش فكريا  في ثمارتها و نتائجها، فإن رزق مع ذلك قوة التعبير، تمكن من اقناع معارضيه، كما كان شأن المنصور الذهبي رحمه الله في توسعه فيما وراء نهر النيجر، أما إذا كان صاحب إلهام يسمع أصواتا صادرة عن ضميره ءامرة ناهية، فإنه لن يحتاج إلى استعمال سلاح المناقشات و إنما إذا عزم على الأمر توكل على الله و نفذ، فيكون موفقا في تنفيذ خطته. و قد قدم لنا تاريخ المغرب أنواعا من النبغاء، وكان ميدان نبوغ مولاي إسماعيل قدرته على التخطيط و التطبيق، و قد يجوز أن تكون أصواته الداخلية  ألهمته نفس المعنى الذي تكشفت عنه عبارة نابليون" لا وجود لما يقال له المستحيل". فإذا طبق النظرية ظهرت ثمرتها و فائدتها.
و قد يظهر موقفه متناقضا بين حبه للبناء و التشييد، مع سلوكه في هدم قصر البديع بمراكش، وهو بناه سلطان علوي سعدي عبقري، رضي مولاي محمد بن عبد الله بن إسماعيل الكبير أن يقول عنه: المنصور الذهبي أمامنا و به تقتدي. وكان يترسم خطاه فيأتي بمثلها، ولا تقول أنه كان يقلده فإن مولاي محمدا الثالث أعانه الله فاسلم شيطانه المبتدع للتقليد، و ما كره الله إليه شيئا مثل كراهيته لوصمة التقليد الأعمى، لكن الأخذ بالهدي الصالح سمة الأحرار.
 لو كان مولاي إسماعيل يبغض المنصور الذهبي لورث ذلك عمه مولاي محمد الثالث لكن مولاي إسماعيل كان لا يكره أحدا و لا يبغضه، إلا إذا كان ذلك حبا و بغضا في الله و في خدمة صالح الإسلام، و لكنه هدم قصر البديع آية من آيات مخلفات الملوك السعديين. وهو عمل صادر عن إرادة صالحة قطعا، أما شعوريا و اما لا شعوريا.. فما هو هذا الدافع المنطقي؟.. هذا سؤال محرج كباقي الأسئلة التي يصعب الجواب عنها، و لكنه لن يكون إلا تصرفا هادفا قطعا، بحيث لو كان كما  يدعي من يرون في سلطاننا العظيم أنه طاغية من الطواغي يفعل ما يخطر بباله، و أنه لما عجز عن الإتيان  بآية فنية كالبديع  ألصقه بالتراب، لو كان ذلك محتملا لدك" مقابر الملوك السعديين" فإن شهادتها أصح من شهادة البديع كما  تدل على ذلك عمليات البحث عن أنقاضه، لإبراز محاسنه ـ و هو ( الكشف) هما يقوم به وارثو مجد وشهامة جدهم العظيم مولاي إسماعيل ـ.
 إنما هدم مولاي إسماعيل " البديع" ليسجل ـ بخط عريض و حروف بارزة ـ غضبة على تصرفات أبناء الذهبي. الذين ألحقوا بالمغرب من الخذلان و تمزيق وحدة البلاد. و المجاهرة بالخيانة العظمى في  بيع أطراف عزيزة من المغرب العزيز للأمم المستعمرة. و يكفي أن نتصور في مولاي إسماعيل و ما عرف عن طهارة ذيله لكي تثور ثائرته أنه بلغه أنه في هذا القصر عمد بابا عبد الله بن الشيخ المأمون إلى السكر وقلة العرض و الدين حتى زنى ببعض محارم جده المنصور.
ولقد سجل المؤرخون كل شيء عن مولاي إسماعيل، و كان له من الخصوم ما لا بد منه في حياة ملك عظيم، فقالوا كثيرا عن ظلمه و جبروته، و لكنهم لم يصفوه بشرب الخمر، و لا بالتلذذ بالمحرمات. إن مولاي إسماعيل ثار للمنصور، و غضب لله من سلوك الأطفال عندما تسلموا شؤون الدولة المغربية النقية الضمير، فلم ير أهلا لتسجيل غضبه إلا يجعله  هو هدم البديع. والمعتاد من الرجل الرزين الحليم أنه  إذا بلغ به الغضب غايته، فإنه يختار أن يكسر أعز قطعة فتية عليه، لأنه إن لم يفعل ذلك فلن يهدأ غضبه إلا بقتل كل من يحمل اسم " سعدي". هذا يعبر لنا عدم تتبعه بالتقتيل للاشراف السعديين، و إنما سلطه الله ـ و الله يسلط رسله على من يشاء ـ على دعاة الانشقاق و المنحرفين من أبناء الأكابر. ونحن هنا في تطوان كلما مررنا بالغرسة الكبيرة نتذكر مصرع السبعة رجال من حفدة المقدم أحمد النقسيس صرعى، لأن سلامة إقليم تطوان، وهو ثغر متاخم للعدو، لا يصح أن يبقى به زعماء التجؤوا إلى سبتة ثلاثة عشر عاما، يحملون منه حاكم سبتة، فكان الموت في حقهم غطاء من ذهب – كما يقولون -. وعصم الله المجاهد المقدم أحمد النقسيس من ذرية  ربما حملها الطيش على الخيانة العظمى، والمساومة على تطوان ـ و هي المدينة التي ناضل من أجلها المغرب كله و تصدى لذلك المقدم أحمد،  فحماها منفردا في وقت كان فيه أبناء المنصور يبيعون مدن الشمال. و كان مولاي إسماعيل إذا بطش برأس فتنة نورع عن استضفاء ماله، ليلا يقال  أنه قتله طمعا في تركته، و عندما بطش بالنقاسسة السبعة وثامنهم عبدهم ـ فيما أظن ـ أبقى متخلفهم في تطوان و أحوازها حتى استقدم إليها ولدي سيدي العربي ابن الشيخ مولاي التهامي، فأقطعهما أملاك دار النقسيس كلها، بما في ذلك مقر عمالتهم. وهذا مثل ما فعله مع السادة أولاد ابن صالح، و كبيرهم سيدي إبراهيم في متخلفه ببلاد الريف ـ بني يطفت ـ. و قصد مولاي إسماعيل أنه لن يبتر من المغرب عضوا إلا خلفه  بعضو أو أكثر، ليلا يبقى الفراغ بارزا، وتبقى ديار المعاقبين بلا وقع لا يتجرأ أحد على الدنو منها. فكان يقطعها الأشراف من أدارسة و غيرهم، حتى تتحول الزعامات من أفراد مغمورين إلى سلائل علوية، ترى في مولاي إسماعيل كبير أسرتها، و في نفس الوقت و لي نعمتها. و فعلا فإن هؤلاء الأشراف كانواـ و لا زالوا ـ للدولة العلوية خير الجند، و البررة من أبناء العم.
 و بهذه الطريقة من السلوك ساس البلاد المغربية، فخلقها خلقا جديدا، و كونها بعد أن أشرفت على الهلاك. و أصبح اسم المغرب يلمع كالذهب الإبريز. و لكن وفاة مولاي إسماعيل التي قال عنها أماثل المغرب: بموت هذا الجبار، يعرف الواحد القهار، كانت ريحها عاصفة، هددت ما بناه بالسقوط. و كما كانت أسوار مكناس مصابة يخدوش، لكنها أصابت مثل الجبال الرواسي، فلتعمل المعاول في الهدم ما شاءت، فإنها على كل حال معاول ضعيفة، و إن بلغت من أعمال التخريب ما بلغت  فلن تنال من البناءات الشامخة إلا  أثرا لا يذهب بعظمتها و شموخها و تحيدها للمخربين.
 مثل هذه المباني كانت سياسته في تدبير الدولة، فإنها تدابير بلغت إلى الأعماق، و استطابت البلاد المغربية طعمها من الهدوء و الاستقرار، و الإقبال على العمران والعكوف على العلم. وكان يود مولاي إسماعيل أن أبقت له أشغاله الوقت الكافي لدراسة سلوك أولاده، ليختار منهم من يحمل له الأمر من بعده، و لعل إدمانه على الانصات لحديث البخاري وجهه توجيها غير ما كان يعرف عنه من مبادرات لمواجهة الاحتمالات و الفروض التي يمكن أن تخلقها ظروف غير منتظرة: فالمنسجم عن طبيعة مولاي إسماعيل أن يكون قد أوصى بالأمر من بعده لأحد أهل بيته، لكنه وقف يتأمل طويلا فيما تتطلبه سياسة دولته من نبوغ كنبوغه أو يقاربه، وذبك أمر لم يكن ميسورا إذ ذاك. لم يكن ميسورا لثقة مولاي إسماعيل بعظمته، و لعدم اطلاعه على دقائق أبنائه من جهة ثانية، و لعل مولاي إسماعيل لو اعتنى بدراسة شأن بنيه، لم يكن خامره شك في ولده مولاي عبد الله.
 أما العامل الثاني في تأخره عن توليه العهد لأحد بنيه ـ رغم أن ذلك أكثر عادة الملوك عربهم وعجمهم، فلعله الاقتداء بالرسول صلى الله عليه و سلم، حيث لم يرض أن يكون أقل ثقة لحسن صنع الله من سيدنا عيسى عليه الصلاة و السلام، إذ قال:" و كنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم، فلما توفيتني  كنت أنت الرقيب عليهم، و أنت على كل شيء شهيد". وما كان رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون أحد أحسن جوابا منه، كما تفطن إلى ذلك علي كرم الله وجهه، فقد كان مولاي إسماعيل يحمل روحا دينيا أكثر مما كان يظن به الضانون. و إنما يعرف ذلك الذين علموا اهتمامه بشؤون الدين إلى أي حد وصل: فقد بلغ به الأمر أنه كان يدير زاوية وزان إدارة مباشرة، و يسأل عن شؤونها و ما تقوم به من نشاط، سؤاله عن وزارة عن الوزارات أو أشد. و ليست وزان وحدها هي التي تحمل هذه الشهادة، تحملها في تمهيد الأسباب، و تخصيص النفقات، و إقامة المباني و الحرمات، و كف يد المستهترين بشأن الدعاة إلى الله.
 إن الله الذي حمى الإسلام ـ بعد وفاة رسول الله صلى عليه وسلم ـ بإلهام الناس مبايعه أبي بكسر، سخر لمولاي إسماعيل ما بارك به عمله، و جعله عملا خالدا، شأن الأعمال الصالحة المتقبلة: فلما قام أبناء مولاي إسماعيل مقام والدهم دون أن تسبق لهم سابقة التدرب على مجابهة المسؤوليات العظمى، ظهر عجزهم و عدم مقدرتهم ـ و ذلك ذنب لا تغفره السياسة و لا تتجاوز عنه قواعد الملك الراسية. وهيأ الله مولاي عبد الله للوقوف في وجه الفساد الذي يحدثه إخوانه بسبب جهلهم بقواعد الدولة وأسسها اللازم أن تكون قوية راسخة: فإذا قام أحد عارضه مولاي عبد الله، و كان النصر دائما حليفه، ثم لم يلبث أن يقوم  ءاخر و ءاخر،  و مولاي عبد الله في كل ذلك شأنه أن يقضي على الصبيان و الصبيانيات: وكان في عمله هذا نابغة، ينتج وحده. و كان عارفا بنفسية الشعب المغربي، فلا يحتاج مولاي عبد الله لخيل و لا ركاب، و لا مال و لا نوال، فكانت أساليبه التربوية و الخلقية سلاحا قضى به عن صعوبات الدولة ابان مراهقتها، وكثيرا ما تسقط الدول في هذه المرحلة: فإن تغلبت على العقبات الأولى انفتح أمامها ميدان العمل على مصراعيه.
وقد عانى المغرب من الأعياص  ما كان من الأسباب الرئيسية في تأخره ثقافيا بالنسبة لما كان عليه الأمر في المشرق، و في بلاد الأندلس: فقد قضت تهالك الأخوة على وجوه نشاط المغرب في عهد الأدارسة، و في عهد السعديين. و ها هي التجربة الأخيرة في عهد أبناء مولاي إسماعيل. و كان جيش البخاري و فلول الجيوش الإسماعيلية الأخرى  مشتاقة ليد قوية في حكمه، و حكيمة في قوة، كما كان الأمر في عهد  أمير المؤمنين مولاي إسماعيل الكبير. و جربوا أبناءه واحدا واحدا فلم يكن يقرب من طبعه في البطولة و الكرم ما عدا ولده مولاي عبد الله. وفي عهده اتضح أن ترك الأمر إلى الجماهير شيء لا يتفق مع النفسية المغربية المغامرة، القائمة على البطولة و حسن الأحدوثة، و ان حريتها حرية عريقة قائمة على التقدير والنية  الحسنة، و هذا ما يشهد له وقوف قبائل مكناسه و حتى جند البخارى، في صف مولاي عبد الله كلما استصرخهم و استنصرهم (وقلب سرجه بطنه إلى السماء) بين أيديهم ـ علامة الاستصراخ  ـ، ثم لا يلبث أن يبدأ حتى يقوم أحد إخوته، فيعيد الكرة مستعدا لها، و منتظرا لكل ضروب المفاجآت، حتى إنه كان لا يبيت بفاس، و إنما يكون استقراره في " دار الدبيبغ"، التي كلها خالصة جنده، وقد وضع ذهبه الوافر في أعدالها، قصد نقلها باستمرار، فكان بيت ماله راكبا متن دوابه.
وفي هذا الجو المليء بالمفاجآت، العامر بأحداث البطولة و كرم النفس، نشأ مولاي محمد الثالث: فاكتسب خبرة بالرجال و قضايا البلاد، وتعلم طريقة استعباد الأحرار بالإحسان، ودرس سيرة جده و أبيه وأعمامه، و تعرف إلى عمال الأقاليم، فكان في الحقيقة ولي عهد جده مولاي اسماعيل، والفضل لمولاي عبد الله في تربيته على هذه الشيم الملوكية. ولعل مولاي عبد الله كان يتوسم في ولده سيدي محمد الثالث السلطان الذي يربط عهده بعهد إسماعيل الكبير.
وهكذا عصم الله الدولة العلوية من ءافات تنازع الاعياص على عرش المغرب، و اجتاز من هذه المحنة امتحانها الثقيل بعلامة ممتاز جدا جدا. و ما كاد أبوه مولاي عبد الله يتنقل إلى رحمة ربه، حتى كان المغرب كله ـ كلمة واحدة ـ ملتفا حول مولاي محمد بن عبد الله. الذي حاول إقامة نظام دستوري، ودعا الناس إلى المشاركة في تسيير شؤونهم بنفسهم، فوجد أن المغربي القح، راغب في قيادة موحدة صالحة أكثر من رغبته في استعمال سيطرته و نفوذه، فاقتنع مولاي محمد بن عبد الله بوجوب القبض على زمام الدولة.
وفي عهد مولاي محمد بن عبد الله، نشر القدر مولاي إسماعيل من مرقده بروحه ـ وبقطع النظر عن جسده ـ، و ابتدأ من تاريخ الدولة العلوية تاريخها الوسيط و في أحشائه مغربنا الفني الحديث. و أدرك شهرزاد الصباح.
 لقد حاولت الدولة العلوية كثيرا أن تجعل من المغرب دولة دستورية. و عند تجربة توليه الملك العادل، وترك الأمر إلى الجماهير، وجد أن العبرة ليست في سيادة الفرد و لا في اعتماد نفوذ الجماعة، وإنما هي في القيمة التي يحملها أسلوب النظام القائم: فسيادة الفرد في عهد مولاي إسماعيل، ظهرت بمظهر الاستعلاء، فبلغت ذروتها وءاتت أكلها ثمارا طيبة، أدى المغرب ثمنها ـ وأوجب ثمن الأمجاد   ـ دمعا و عرقا و دما. ومن المجهود الوطني الشعبي و تفاني ملك عبقري في إعلاء شأن أمته، بأي ثمن كان استطاع المغرب أن يخلق الإدارة الصالحة التي تناسب عقليته و نفسيته و تاريخه. و قد تنازل الملوك العلويون بعد مولاي إسماعيل ، سيدي محمد بن عبد الله، ومولاي سليمان، وسيدي محمد الخامس ـ لشعبهم عن أكثر مما اشتملت عليه ( الرسالة الكبرى)
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here