islamaumaroc

ثلاث رسائل من المغرب إلى ليبيا

  دعوة الحق

116 العدد

يمتاز النصف الأول من القرن الثالث عشر للهجرة بنشاط متزايد للاتصالات وتوطيد العلاقات بين المغرب الأقصى من جهة، وأقطار المغرب العربي والسودان الغربي من جهة أخرى، وقد أسهم السلطان العلوي المولى سليمان بنصيب في تنمية هذا التعاون، ومواصلة سيرة أسلافه في هذا الميدان، وأول بادرة منه في هذا الصدد : هي المعونة العسكرية التي قدمها المغرب إلى ليبية ضد حصار مدينة طرابلس من طرف الأسطول الأمريكي.
ففي عام 1217 هـ /1803 وجهت أمريكا أسطولها الحربي لحصار "طرابلس" التي كانت سفنها تضر بالسفن الأمريكية آنذاك، فهب المغرب لنصرة القطر الشقيق، وسار الأسطول المغربي يسابق الرياح، حيث كانت سفنه خفيفة، جامعة بين الشراع والمجاديف، وبهذا كانت قوة سيره مضاعفة، فسبق الأسطول الجزائري، وما كاد الأسطول الأمريكي يصل إلى طرابلس حتى اعترضه الأسطول المغربي فقطعه عنها وأبلى بلاء حسنا، فلم تمر إلا هنيهة حتى صيره على وجه الماء، ولما بلغ هذا مسامع أمريكا بعثت عمارة أخرى إلى طرابلس ولكن لقيها الأسطول المغربي ثانيا فبدد العمارة الأمريكية(1)
وفي عام 1218 هـ /1803 -1804 م – أوفد باي تونس حمودة باشا إلى السلطان المولى سليمان سفارة برئاسة الشيخ إبراهيم الرياحي، وكان كتاب السفارة يتضمن طلب الإمداد بالميرة للأمة التونسية التي كانت في مسغبة، وامتدح رئيس السفارة السلطان المغربي بقصيدة مطلعها :
إن عز من خير الأنام مزار
    فلنا بزورة نجله استبشار
قال في "الاستقصا"(2) : فأعجب السلطان ومن حضر بها، وأمده بمطلبه من الميرة وبهدية جليلة، وآب الشيخ من سفارته بخير مئاب.
وفي عام 1225 هـ /1810 م وفد على نفس السلطان الشيخ عثمان بن منصور التواتي سفيرا عن محمد الباقري أمير آهر بالسودان الغربي، وقد اهتمت الرسالة السودانية – التي حملها السفير – باطلاع سلطان المغرب على حركة الجهاد القائمة في هذه الجهات ضد الكفار بقيادة الشيخ الإمام عثمان بن محمد ابن عثمان بن صالح الفلاني، وقد أجاب السلطان المغربي عن هذه الرسالة بكتابين : بعث بأحدهما للأمير الباقري، والثاني للمجاهد الشيخ عثمان، ويتضمن الكتابان تنويها حارا بما يتعاونان عليه من الجهاد، وتشجيعا لهما على الاستمرار في هذه الخطة الإسلامية وجاء في أواخر الجواب السليماني للباقري : "ويصلك الطابع الذي بعثت عليه على الوصف الذي أشرت في كتابك إليه"، ويحمل هذا الجواب تاريخ أواسط جمادى الثانية، عام 1225، وهو –تقريبا- نفس الواقع في جواب الشيخ عثمان، المؤرخ في 18 جمادى الثانية من نفس العام(3) .
وفي عام 1226 هـ /1811 م انعقدت مصاهرة بين المولى سليمان وأحد أعيان عرب طرابلس من قبيلة الخنانشة ويعرف بسيف النصر، حيث تزوج السلطان المغربي من كريمة سيف النصر، بعد ما كانت أختها في عصمة السلطان اليزيد، وقد احتفل  أمير ليبية يوسف باشا آتي الذكر في وفادة عروس المغرب، ووجه معها عشرة من أمراء البحر، واثنين من فقهاء طرابلس برسم مباشرة العقد، وجارية لخدمتها، مع طائفة من الجواري المغنيات العازفات، وكان سفرهم من مرسى طرابلس على طريق البحر. ولما نزلوا بالعرائش كان معهم اثاث كثير للنساء فيه مال جسيم ولباس وفرش: حمولة 130 بغلة بعث بها سلطان المغرب للمرسى المغربية صحبة وفد الاستقبال برئاسة محتسب مكناس العاصمة الحاج الطاهر بادو وفي 13 شعبان من نفس العام وصلت الأميرة الليبية لفاس فتلقاها جيش الودايا في زي عجيب، واحتفى أبو الربيع بالوفد القادم مع العروس. ووهب لكل من أمراء البحر والفقيهين مالا جزيلا، وأهدى لأمير ليبية مركبا بحريا، ثم شرع في تصميم بناء قصر فاخر بفاس الجديد لسكنى العروس القادمة(4) .
ومن مظاهر هذه العلاقات الأخوية في نطاق المغرب العربي، أن المولى سليمان أهدى قطعا من الأسطول المغربي لكل من الجزائر وليبية حينما اضطر لحل هذا الأسطول عام 1233 هـ(5).
وفي عام 1234 هـ /1818 م وقع اعتداء الأسطول الانكليزي على الجزائر، وفي هذا الصدد ندب نفس السلطان نجله الأمير إبراهيم أن يبعث إلى باي القطر الشقيق كتاب مواساة في هذا الحادث، وكان الذي باشر إنشاءه هو الأديب الشهير أبو حامد العربي الدمناتي من أعيان كتاب البلاط السليماني(6) .
                                                   ***
وبعد هذا نقدم ثلاث رسائل صادرة عن السلطان المولى سليمان لأمير ليبية يوسف باشا، الذي صار واليا عليها من أواسط عام 1210 هـ /1796 م. إلى أن تنازل لأكبر أولاده علي بك أوائل عام 1249 هـ، وهو من اسرة آل "قرة مانلي" الذين تداولوا ولاية طرابلس وما إليها، وكان آخرهم علي بك آنف الذكر، وقد استطرد ذكر يوسف باشا هذا محمد بن عبد السلام الناصري في رحلته الصغرى(7) وأثنى عليه بالحزم والضبط، ونعته بمحبة أهل الدين، وقمع الأشرار المعتدين.
ويلاحظ أن هذه الرسائل ظلت مجهولة فيما وقفت عليه من المصادر المغربية والليبية التي تؤرخ هذه الفترة، وقد استمرت دفينة في كناشتين اثنتين، حيث وردت الرسالة الأولى أثناء كناشة – غير مرقمة –للأمير المولى عبد السلام بن السلطان المولى سليمان الذي أثبتها بخطه، وترك بها بياضا في موضعين "المكتبة الملكية رقم 4001" بينما احتفظ بالثانية، والثالثة الأديب المغربي العربي الدمناتي أوائل كناشته الغير المرقمة أيضا، والمحفوظة بنفس المكتبة تحت رقم 3718. وقد كتبهما – معا- بخطه الدقيق المدموج، مع التصريح عند تقديم الرسالة الثانية بأنها من إملائه، ولا شك أن هذا -أيضا – شأن الثالثة، حيث تتشابه مع سابقتها في أسلوبها، وتتحد معها في بعض فقراتها.
ونتناول هذه الرسائل تقرير أواصر المودة بين الطرفين، والحديث عن المهادات، مع إعلان استعداد المغرب لمواصلة العون العسكري مهما اقتضى الحال ذلك، وفي هذا الصدد ورد في الرسالة الثانية : "لا نالوا جهدا في صلة نصركم، وإعزاز أمركم، واتساق سعدكم، وإسعاف قصدكم"، وتبرز الرسالة الغاية من قطع هذا الوعد وتقول : "وقصدنا بهذا أن يعلم اعتناؤنا بأمركم، وعملنا على نصركم، واهتمامنا بشأنكم، ليقصر شاو عدوانها، ويتضاءل طائر طغيانها" وفي هذا تلويح لمحاصرة الأسطول الأمريكي لمدينة طرابلس، وقد سبق بعض تفاصيل الحادث في صدر هذه المقدمة.
وورد في الرسائل الثلاث ذكر أغراض تطلب ليبية من المغرب إنجازها دون تحديدها، وقد تكون داخلة في نطاق الأسرار التي لا يباح للمراسلات إفشاؤها، اكتفاء بشرحها مشافهة من طرف القائمين بالسفارة.
وقد كتبت هذه الرسائل بأسلوب حسن، ومتفاوت بالنسبة للرسالة الأولى مع باقي الرسائل، وجميعها غفل من تاريخ صدورها، حيث لم يكن يهم الناقلين لها، ونستطيع أن نتوصل إلى تاريخ تقريبي لزمن كتابتها، وهو الذي استندت إليه في ترتيبها، فقد ورد في الرسالة الأولى:  "ولقد جددتم من خالص المحبة القديمة عهودا .. اقتداء بأسلافكم الكرام"، ولم ترد هذه الفقرة في الرسالتين التاليتين، فاستنتجنا من هذا أن هذه هي الرسالة الأولى بين الجهتين في العهد السليماني، ثم جاء في الرسالة الثانية التلويح لحصار مدينة طرابلس من طرف الأسطول الأمريكي، وقد عرفنا أن هذا الحصار كان في عام 1217 هـ، فتكون هذه الرسالة بعد هذا التاريخ قريبا منه، وتكون الرسالة الأولى قبل هذا التاريخ : بين أواسط عام 1210 هـ حيث ابتدأت ولاية الباشا يوسف، إلى عام 1217 هـ وهو تاريخ الحصار الأمريكي، أما الرسالة الثالثة فقد جاء في أواخرها الاعتذار عن إرسال الميرة إلى ليبية بالغلاء الواقع في المغرب، وشأن هذا الغلاء أن لا يكون في هذه الفترة قبل عام 1226 هـ/ 1811 -1812م، حيث أخذت الفتن تترادف على المغرب إلى نهاية العهد السليماني(8) ، ومن المعروف أن الاضطراب يتبعه ارتفاع الأسعار.
وقد أثبتت نصوص الرسائل كما ورد في مصدريها دون إدخال أي تعديل عليها، بما في ذلك بعض الأعداد التي لم تعرب في الرسالتين الأخيرتين ورسمت بشكل الأرقام المغربية، وهناك بياض وقع في الرسالة الأولى في موضعين، وخرق طرا على ثلاثة مواضع من الرسالة الثالثة، وقد أثبتت ذلك كما وجد، ونبهت عليه في الرسالة الأولى، والله –سبحانه – ولي التوفيق.

نصوص الرسائل
الرسالة الأولى :

(نحمد اللهم حمدا يطلق الألسنة، ويوقظ القلوب من السنة، وموالي بالصلاة والسلام على سيد ولد آدم، وعلى آله وأصحابه ما تتشرف الأمد بهم وتعاظم، وما جددت الرسائل من عهد تقادم. أما بعد : فهذا جواب من عبد الله المتوكل على الله سليمان بن محمد ابن عبد الله الحسني، أحسن الله عقباه، وشمله لطفه ورحماه، إلى الهمام المقدام المظفر، الشهم الكمي المجاهد الغضنفر، ركن الدولة العثمانية، وحامي حمى الثغور الإسلامية، من ثبتت محبته في جانبنا بالتواتر والإجماع،  وأقرت بذلك ضمائرنا فارتفع النزاع، الكفيل بنصر الملة والدين، وزعيم أمراء الموحدين، الحائز قصب السبق بتعظيم آل بيت المصطفى، وكفى بانحياشه إليهم عزا وشرفا، القائم بوظائف الجهاد عاما فعاما وشهورا فشهرا، أمير الثغر الطرابلسي وما والاه من الأقطار برا وبحرا، السيد الكريم، والخاقان العظيم، أبو يعقوب(9) يوسف ابن علي باشا، لا زال عزكم دائم الزيادة لا يبيد ولا يتلاشى، ولا زال ثغر هذا الدهر في وجوهكم(10) باسم، وأرجاؤكم –أبدا- معطرات النواسم، وأيامكم كلها أعياد ومواسم.
هذا وأنهي لكريم علمكم، وجميل حلمكم – مع تحيات تفاوح نسمات الروض المسطور، وتسليمات تصافح أفنان فنون الزهور، ورحمة الله التامة، وبركاته العامة – أن قد وصلتنا رسالتكم الرائقة الغراء، فأقصمت(11) أسماعنا حسنا، وأعيننا سحرا، مع ما اشتملت عليه من لطائف الإشارات، ومحاسن الكنايات، كل سطر منها معمور أسرارا، وموصل للمحمول له أوطارا، تبين بدائع ألفاظها عن بيان سحبان، وتفسر(12) بفصاحتها عن إحسان حسان، ولقد جددتم من خالص المحبة القديمة عهودا، وقلدتم في نحر هذا الدهر منها عقودا، اقتداء بأسلافكم الكرام، الذائدين عن بيضة الإسلام، فهم لكم خير سلف، وأنتم لهم خير خلف، وجوهركم مع جوهرهم في سلك واحد قد انتظم، وعلى منهج العدل القويم، والصراط السوي المستقيم، يسلكه من تأخر منكم ومن تقدم.
فمايك من خير أتوه فإنما
   توارثه آباء آبائهم قبل
وهل ينبت الخطى إلى وشيجه
وتغرس إلا في منابتها النخل
ثم طلع علينا صحبة هذا الكتاب المرفع، الذي بفرائد الفوائد مرصع، السيد الجليل ..(13
سيدي عبد السلام الأسمر، فاكتحلنا بائمد منظره عبنا، وشنفنا بمحاسن حديثه أذنا، فلنعلم البريد هو والسفير، وحبذا الصاحب الخفير(14).
وما وجهتم – بارك الله فيكم- من هديتكم فالكل قد وصل، وحل من نظرنا أحسن محل، وما استصغرتموه منها فليس عندنا بمستصغر، بل ذلك أجل ما يقتنى لدينا ويذخر، وما ذكرتم في كتابكم من إقلاع السحاب الغر في هذه السنة عن ذلك القطر، فأنا نتوسل إلى الله بمن يستسقى بوجهه الغمام، عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، أن يخصب لنا ولكم ما بنينا من البطاح والأكام، وأن لا يعدمنا رغد العيش، وسعة الأيام، فإنه أهل لذلك والقادر عليه، وأن لا ملجأ منه إلا إليه، ثم أنزلتموه بساحتنا، ورجوتم قضاءه من جانبنا، فجميع أغراضكم – على وفق مرادكم – ان شاء الله تقضي، وسفيركم الوافد علينا لا جرم يرضى، وهيهات أن ندع إعانتكم أو نبدي في ذلك عذرا، ولا سيما وقد قطعتم من المهامه الفيح نجدا وغورا، ومن البحار الطافية خضرا، إذ الحر للحر معوان، والمومن للمومن كالبنيان، لا زالت أعلامكم منشورة، وسيوفكم على أعدائكم مقصورة، ولا برحتم في هناء وسرور، مطمئنين البال في حاضرتكم الشاهقة القصور آمنين في ظل راحتكم من الأكدار والشرور، ولا زال هذا المجد مخلدا فيكم وفي عقبكم إلى يوم ينفخ في الصور، آمين، والسلام.

الرســالة الثانـــية :
(المقام الذي طاب ثناؤه، وطرزت صحف الحمد أنباؤه، واشتهر بالمكارم اعتناؤه، وتعددت مكارمه والآؤه، مقام حبنا الذي بره محتوم الوجوب، وحبه مرسوم في أسرار القلوب، ومآثره تشهد بها صفوف المحارب ومصاف الحروب، ذو المناقب الفاخرة، والمحب الذي نفعه الله بمحبة آل بيت الرسول في الدنيا والآخرة، المرابط المجاهد، والمتحلي بحلى القانت الزاهد، السيد يوسف باشا أبقاه الله وقواعد عزه راسخة راسية، ومعالم فضله عالية سامية، وعناية الله له كالية، وفواضله لديه متواترة متوالية، سلام كريم ورحمة الله التي لا تبرح ولا تريم.
وبعد: فقد علم وتحرر، ووضح وضوح النهار لمن استبصر، ما عندنا من الود الذي تألق نوره، وثبت في صحف الخلوص مسطوره، وخلصت من الشوائب بحوره، وتحلت بجواهر الصفاء نحوره، فهو على الأيام يخلص خلوص الابريز، وتضفو حلاه مونقة التطريز، وكيف لا وقد ثبت لدينا من محبتكم إلينا تشبع واضحة مذاهبة، ووداد كريم شاهده وغائبه، وخلوص أشرقت في سماء الصفاء كواكبه، ولم لا وودادكم قد أحكم سلفنا – رضي الله عنهم – معاقده، وأوضح في مرضاة الله موارده، وأقام على التعاون في سبيله سبحانه قواعده، فهو يتأكد على الأيام ويتجدد، حتى لو استطعنا لا تمر ساعة إلا في مكاتبة بيننا وبينكم تتردد، اغتباطا بولائكم وارتباطا إلى مصافاة إخائكم.
وقد ورد علينا كتابكم على حال اشتياق لوارده، وظما لموارده، حائزا في ميدان الاعتراف بمحبته آل بيت الرسول مزية التقديم، وأحلى سبب البر الحديث والقديم، مصحبا بالهدية والمقاصد الودادية، وصالح الأدعية المتكملة – إن شاء الله- بنيل الأمنية، فقابلنا مقاصدكم بالثناء والاستحسان، وشكرنا ما لإخوتكم الفاضلة من المزايا البرة والسجايا الحسان، وحضر بين أيدينا خديمكم الرايس فلان، كتب الله سلامته، ووالى كرامته، فألقينا إليه من شكر مقامكم ما لزم ووجب، وجلونا عليه ما عجز عن إدراكه واحتجب، إذ قدركم عندنا أجل، وذكركم بالجميل يملي فلا يمل.
وإلى هذا سدد الله أمركم، ورفع قدركم، فقد تقرر –جبلة مطبوعة، وسنة متبوعة – أن المهادات تغرس المحبة وتنبتها، وتؤكد المودة وتثبتها، لا سيما إذا وردت على ضمائر أصفى في ذات الله من نطف الغمام، وأصون من درر الأزهار في صدف الأكمام، وقلوب متعاقدة على مرضاة الله والإسلام، ولما قوي العزم والاغتباط، وكنتم –رعاكم الله – أهل جهاد ورباط، هاديناكم بثمانين أفراس : "4" ذكور ومثلها إناث، جيادا عتاقا، وجردا تسبق الصريخ استباقا، تنظم بها البشرى – إن شاء الله- عقود، وكيف وقد أخبرنا الصادق المصدوق أن الخير في نواصيها معقود، حييناكم بإهدائها، وسلكتنا بها سبيل الملوك مع أودائها.
 وجددنا إليكم هذا الكتاب عقدا لإخاء كمالكم، واستطلاعا لما يسر –إن شاء الله- من متزايدات أحوالكم، عملا على شاكلة الود الكريم، والاعتقاد السليم، والرعي لما سلف من الود القديم، فمن الله فسأل أن يجعله في ذاته، وذريعة إلى مرضاته، وبلادنا لكم ولسلفكم محراب مناجاة، وسوق بضائعكم غير مزجاة، وجهتنا هذه كجهتكم فيما يعرض من الأغراض، والقلب لما تأملون مبتهج وراض، ومقامكم لدينا بالتعظيم مخصوص، ومحكم حبكم لآل البيت في كتاب قلوبنا منصوص، لا نالوا جهدا في صلة نصركم، وإعزاز أمركم، واتساق سعدكم، وإسعاف قصدكم، وقصدنا بهذا أن يعلم اعتناؤنا بأمركم، وعملنا على نصركم، واهتمامنا بشأنكم، ليقصر شاو عدوانها، ويتضاءل طائر طغيانها(15)، والله –سبحانه- يصل لنا ولكم عوارف آلائه، ويحملنا من مرضاته على ما يضاعف مواهب نعمائه، ويحسن الظن فيكم من الدفاع عن دينه وجهاد أعدائه، والقيام بسنن الجلة من خلفائه، وهو –سبحانه – يحفظكم في كل الأحوال، ويسدل عليكم عصمته الوارفة الظلال، ويطلعنا من أنبائكم على ما يبهج النفوس ويشرح الصدور، ويمهد الجهات ويصلح الأمور.

الرسالــة الثالثـــة : 
الحب الذي طاب ثناؤه، وطرزت صحف الإخاء أنباؤه، واشتهر بحب على جنابنا اعتناؤه، وتعددت مكارمه وآلاؤه، والأخ الذي بره محتوم الوجوب، وحبه مرسوم في أسرار القلوب، ومناثره تشهد بها صفوف المحاريب ومصاف الحروب، المرابط المجاهد، والفاضل الماهد، السيد يوسف باشا، وصل الله علاءه، ونشر بالنصر على أعداء الله لواءه، سلام كريم بن عميم، ورحمة الله التي لا تبرح ولا تريم.
وبعد فإنه ورد علينا كتابكم فاستجلينا منه حلة بيان رقمتها البراعة، وروضة إحسان سقتها بنان البراعة، ولجة ود للسان فيها سبح طويل، ومحجة فضل للأقلام فيها نص وذميل، ناطقا بلسان الفضل الذي أملاؤكم معدن نضاره، ومطلع أنواره، جاريا في ميدان البر إلى أقصى مضماره، عرفتمونا فيه بما أنتم عليه من صلاح الأمور، فأنتج انشراح الصدور، وعرفتمونا بمقتضى ما لكم في علي جنابنا من الحب الذي مضاربه إن شاء الله لا تقل، وعراه الوثيقة لا تفصم ولا تحل، وصل الله أسباب ودكم، وشكر وفي عهدكم، ونحن إن ذهبنا إلى تقرير ما عندنا من حبكم الذي آياته محكمة، ومقدماته مسلمه، فلا يعترض منها رسم، ولا يتنازع فيها والحمد لله خصم، لم يتسع نطاق النطق لأداء معلومها، ولا وفى المكتوب ببعض مكتومها، حتى ولو استطعنا لا تمر ساعة إلا عن مكاتبة بيننا وبينكم تتردد، وذمام كريم يتأكد. اغتباطا بولائكم، وارتباطا إلى مصافات اخائكم، ومن المعلوم أن القلوب ينبئ بعضها بعضا بما تجن، والنفوس تجنح إلى أشكالها وتحن، جعله الله في ذاته ودا وثيقا، وينهج إلى ما يرضيه طريقا، وقد حضر لدينا خديمكم الرايس عمورة يسر الله مرامه، وجعل الفتح خلفه وأمامه، ووصل ما وجهتم لحضرتنا العلبة صحبته من الهدية كثر الله خيركم، وتولى شكركم، والهدية وإن كانت سنة ماضية، وشريعة بازدياد الود آذنة وقاضية، فلدينا من كريم الإخاء ما لا يحتاج لتأكيد ولا تكرير وترديد، والله على كل هذا رقيب وشهيد، ونحن وإن ثبت لدينا من إخائكم ما قرره الحب وسنه، فلا غرو في الاستنان بخصال الشريعة والسنة،  فيصلكم منا 3 أفراس : 2 لركوبك إن شاء الله، وواحد لنجلكم السيد علي أثمر الله غرسه، وزكى ذاته ونفسه.
وقصارى الأمر ومنتهى المرام، أن تكون(16) مضمن قوله عليه السلام : 7 يظلهم الله بظله ويدخلهم تحت كنف كرمه وفضله، ولم تال جهدا في إعانة خديمكم الرايس، والشاوس في مأور(17) جنابكم بعون الله ملحوظ في كل ما تريدون من إعانة في جهاد، أو التماس أرغاد، اللهم إلا ما كان من أمر الميرة فما أخالكم تخفى عليكم أحوال هذا القطر مما به من الغلاء وارتفاع الأسعار. فلو فتحنا بابا على الخلق، لاتسع الخرق، ولكمال ودكم تقبلون المعاذير وتراعون(18)
والمقادير، ونحن إن شاء الله على ما يجب لاخوتكم من التعظيم والإجلال، والثناء بما لكم من الشيم الكريمة والخلال، وهو سبحانه يبلغ الجميع من مرضاته غاية الآمال، فهو ولي الإجابة وملجأ السؤال.

(1)  - من مقال للمؤرخ المغربي المرحوم محمد بن علي الدكالي نشره في جريدة المغرب "عدد ممتاز" رقم 346، السنة الثالثة.
(2) – ط. دار الكتب، ج 8 ص 118، وانظر "أتحاف الزمان" لابن أبي الضياف ج 3 ص 39، ولا تزال نصوص مراسلات هذه السفارة غير معروفة.
(3) – لا تعرف الرسالة السودانية إلا بواسطة الجواب المغربي عنها، وقد ورد الكتابان السليمانيان معا في "أنفاق الميسور في تاريخ بلاد التكرور" للسلطان محمد بيلو، طبعة مصورة عام 1951 – ص 178 -181.
(4) – "تاريخ الضعيف الرباطي" عند حوادث عام 1226 هـ، مخطوطة خاصة.
(5) – "الاستقصا" ج 8 ص 133.
(6) – الكتاب السليماني يوجد بخط منشئه أبي حامد الدمناتي في "كناشقه" بالمكتبة الملكية بالرباط رقم 3718، وانظر عن هذا الاعتداء "كتاب الجزائر للأستاذ أحمد توفيق المدني، الطبعة الأولى – ص 42
(7) – مخطوطة المكتبة الملكية رقم 121، وانظر عن ترجمته "المنهل العذب في تاريخ طرابلس الغرب" تأليف أحمد بك النائب الأنصاري الطرابلس، نشر مكتبة الفرجاني، طرابلس الغرب – ليبيا، ص 328 -354، وانظر عن ترجمة المولى سليمان "الاستقصا" ج 8 ص 86 – 174.
(8) – انظر "الاستقصا" ج8. ص 114 وما بعدها.
(9) -  كذا.
(10) – كذا.
(11) – تصحيف عن أفعمت.
(12) – تصحيف عن تسفر.
(13 – بياض مقدار ثلاث كلمات تقريبا، ولا شك أن الساقط هنا اسم السفير الذي هو من ذرية الشيخ الشهير سيدي عبد السلام الأسمر دفين زليتن حوز طرابلس، والمتوفى عام 981 هـ، ولم أعثر على اسمه، وإنما جاء في الرحلة الناصرية الكبرى أن ذرية هذا الشيخ لا تزال بقيد الوجود زمن هذه الرحلة الواقعة عام 1196، حسب مصورة خ، ع، د 2651 – لوحة 169.
(14) – بياض مقدار 12 كلمة تقريبا.
(15) – الضفير في هذه الجملة وسابقتها يشير إلى دولة أمريكا التي قامت بحصار مدينة طرابلس على ما تكرر ذكره في المقدمة.
(16) – موضع البياض حرق طرأ على الأصل
(17) – خرق في الأصل.
(18) – خرق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here