islamaumaroc

الحسن الثاني ومقاومة التخلف الفكري

  دعوة الحق

116 العدد

إن الأعمال الموجهة الهادفة التي تحمل أنفسنا على القيام بها استجابة لرغبة شخصية أو تلبية لدعوة لا تدخل تماما في نطاق إرادتنا الخاصة لا يمكنها أن تثمر وتزدهر حتى تكون بطبيعة الحال منبثقة عن نية صادقة، مستجيبة للمثل الأعلى الذي نهدف إليه، سائرة في طريق بينة واضحة المعالم، ولا بد أن تكون هي الأخرى في مستوى الأغراض السامية التي نكرس حياتنا من أجلها، إلا أن الذين يضطرون بحكم تلبيتهم لهذا النداء إلى المساهمة في مشروع معين، مهما تكن قيمته، قد لا يجدون دائما في أنفسهم ذلك الدافع الباطني القوي الذي يتمكنون بفضله من متابعة المسيرة حتى آخر المطاف، وذلك إما لضعف في إرادتهم أو نهك يصيبهم أحيانا خلال مباشرتهم للنشاط المفروض عليهم، وهو ضعف كثيرا ما يصيب أولائك الذين لم يتمكنوا بعد من إدراك أهمية المشروع الذي يعملون من أجله ولا استطاعوا أن يحيطوا به من كل جوانبه، فلذا نراهم في حاجة ماسة إلى من يقوي عزيمتهم، ويحملهم على المضي في السبيل دون التواء، والتجربة علمتنا، فوق ذلك، أنه ليس هناك من يستطيع أن يقوم بهذا الدور الطلائعي الخطير، أكثر ممن كانت تربطه بهم علاقة الصداقة والود والمحبة المتبادلة.
                                                   ***
والدليل على ذلك كثير، فمهما كانت، مثلا، رغبة الولد شديدة في التعلم والدرس فإنه لا يستغني عن النصائح والتوجيهات التي يقدمها له والده أو القائم على أمره من حين لحين، وما قيل في الوالد والولي يقال أيضا في القائد بالنسبة للجنود التي هو محمول على توجيهها والإشراف عليها، فسواء عليه كانت الأيام سلما أو كانت الحالة التي يعيشها أولئك الجنود تدعو إلى مزيد من الاحتياط والحذر فإن ذلك القائد مضطر أبدا إلى إفادتهم بنصحه وسديد إرشاده.
وإذا كانت التوعية أمرا واجبا مؤكدا في كل ما يرجع للشؤون الحيوية العادية، فما بالك بها في ميدان له أهميته القصوى كالذي يتصل بسياسة أمة بأسرها وتوجيهها توجيها تستطيع به تحقيق مشاريع بالغة الفائدة، وضعها من أجلها هذا القائد الشهم الكريم بتعاون مع الشعب في جو من التفاهم والمحبة والإخلاص المتبادل.
والواقع أن سياسة الشعوب والممالك أمر من الخطورة بحيث لا يتأتى إلا لمن وهبه الله علما وحكمة – "ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا". ومعلوم أن جلالة الحسن الثاني – أيده الله بنصره المبين- يعد، بحكم انتمائه لبيت النبي صلى الله عليه وسلم ونتيجة للتربية الصالحة التي كانت من حظه في مدرسة والده المنعم، طيب الله ثراه، من ملوك الدولة العلوية القلائل الذين حباهم الله عقلا نيرا، وخلقا كريما؟، وذكاء وقادا .. صفات قلما اجتمعت في غيره من الملوك والرؤساء، فكان من الطبيعي أن يسخرها –أطال الله في عمره – في خدمة شعبه الوفي وإسعاد هذه الأمة المتفانية في حبه. وعمل كهذا لا يتحقق إلا إذا كان هناك انسجام وتجاوب بين الملك والشعب، انسجام وتجاوب في المشاعر والإحساسات التي تحرك كلا منهما، وهي مشاعر ربطت على الدوام أمة المغرب بملوك هذا البيت العلوي المجيد.
وغني عن الإثبات أن هذا التجاوب يقتضي من الشعب أولا وقبل كل شيء أن يكون من حيث التفكير وإدراكه للأمور في منزلة لا يجد معها مشقة ولا صعوبة في متابعة الأعمال والمخططات التي يضعها جلالة الحسن الثاني ويسهر بكل قواه على تحقيقها ..
ولكم يحلو للفيلسوف ابن خلدون أن يحلل هذه الفكرة الأخيرة بأسلوب الفذ وتفكيره العميق، فيقول فيما يرجع لضرورة هذا التجاوب بين الحاكم والمحكومين ما مؤداه : أما إذا كان الفرق كبيرا في الأسلوب الذي يسلكه كل منهما في التفكير وإدراكهما للأمور بحيث يكون الملك شديد اليقظة والفهم بينما يكون الشعب متخلفا متأخرا جاهلا فإنه يكون من العسير بل من المستحيل على الأمة أن تدرك ماهية المشاريع التي يقررها الملك، ثم يستطرد في ذلك فيقول : "إن الملك إذا كان شديد الذكاء، واليقظة فإنه يكلف الرعية فوق طاقتها لنفوذ نظره وراء مداركهم وإطلاعه على عواقب الأمور في مبادئها بالمعينة"(1) . ومن أجل ذلك أيضا قال صلى الله عليه وسلم "سيروا على سير ضعفائكم". ومخافة أن يسلط الحاكم فرط ذكائه على الناس ما جاء في قصة زياد بن أبي سفيان لما عزله عمر عن العراق، فقال : "لم عزلتني يا أمير المؤمنين؟ العجز أم الخيانة؟" فقال عمر : "لم أعزلك لواحدة منهما، ولكن كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس(2) "، كأنه يشير إلى أن الفرق كان عظيما بين قوة أبي سفيان في التفكير والإدراك وما كان عليه شعب العراق من تخلف وانحطاط في الرأي، فلم يكن بينهما انسجام ولا تجانس في الرأي الأمر الذي عاقهما عن القيام بأي عمل مشترك مثمر.
يستخلص ذلك كله أن الملك متى كان شديد الذكاء غزير العلم، واسع المعرفة كما هو الشأن بالنسبة لجلالة الحسن الثاني بات من المؤكد أن تصرف الجهود برمتها لكل ما من شأنه أن يعمل على اختصار البون الملاحظ في التفكير والإدراك بين جلالته وشعبه بصفة عامة، لأن الأمة إذا كانت متأخرة أو ضاربة بسهم في الجهالة فإن ذلك يعوقها عن تفهمها لحقيقة الأمور، ولا يعنيها بالتالي على إدراك ما يجري في الدواوين الحكومية من نشاطات ترمي إلى تحقيق مشاريع اقتصادية واجتماعية معينة.
                                                ***
من ثم تظهر لك من جهة أهمية الجهود التي يبذلها جلالة الملك بسخاء في ميدان التربية والتعليم، حرصا منه –حفظه الله – على نشر المعرفة بكل وسيلة بين طبقات الأمة كلها، وما يقوم به من جهة أخرى من توعية وإرشاد وتوجيه مستمر لهذا الشعب حتى يرتقي به إدراكا وتفكيرا إلى المرتبة اللائقة بحيث يصبح قادرا على تفهم الأحداث ومسايرة الظروف التي تحياها بلادنا بحكم انتمائها للعالم المتحضر، ومساهمتها في المجهود القيم الذي تقوم به الدول الأخرى. ومتى أدركت الأمة بصحة تفكيرها حقيقة هذه الأمور أصبحت إذ ذاك مستعدة للإسهام في المشاريع الحكومية والعمل على إبرازها للوجود في كثير من الفعالية والنشاط.
وللحسن الثاني مذهب خاص في توعية الشعب المغربي بغية دعم حركة البناء والتشييد التي يقودها بفخر واعتزاز باعتبارها مظهرا من مظاهر الرسالة العظمى التي يتحملها عن رضى وطيب خاطر، فتارة يتحدث إلى شعبه الوفي بواسطة خطبة العرش ليجدد ذلك الميثاق الذي جمع بينهما، بصورة لا تنفصم عراها، وتارة أخرى يستغل الخطب المتعددة التي يوجهها للأمة في شتى المناسبات كي يطلعها على مخططات الحكومة، متحدثا إليها بإسهاب عن الأسباب القريبة والبعيدة التي حملت جلالته على سلوك هذا الطريق دون غيره. ثم أنه ينتهز – حفظه الله – حلول شهر رمضان المعظم من كل عام، فينظم دروسا دينية قيمة داخل قصره العامر، يدعو إليها ثلة من علماء المغرب والمشرق، فيطرقون أمام جلالته طائفة من الموضوعات الدينية والاجتماعية التي تفيد الشعب أيما فائدة بما يسبغه عليها أولئك العلماء الأجلاء من توجيه وإرشاد، يهتدي بهما المومنون في أي مكان إلى طريق  النور والعمل الصالح، وواضح أن الدين الإسلامي الحنيف يدعو إلى العمل في هذه الدنيا بقدر ما يدعو للعمل الصالح استعدادا للآخرة، "وللآخرة خير لك من الأولى" ! ثم أن جلالة الملك المعظم لا يقف عند هذا الحد من النشاط بل يشارك في نفسه الكريمة في تتويج تلك الدروس بإلقاء حديث قيم من عنده في ذلك المجلس الموقر، فيتطرق خلاله إلى مخاطبة الأمة المغربية قاطبة لما يعلمه من أثرها الفعال في نفوس المومنين، وقد أدرك، حفظه الله، بفضل إحساسه المرهف وإيمانه العريض قائدة تلك الدروس، فأمر ابتداء من هذه السنة بتمديدها وإقامتها يوم الخميس من ءاخر كل شهر، في نفس المدينة التي يحل بها ركبه السعيد باعتبار تنقلات جلالته عبر المملكة المغربية، يضاف إلى ما تقدم أنه كلما دعته الضرورة إلى الانتقال لإحدى تلك المدن بحكم ما يحمله من أعباء السياسة والحكم انتهز فرصة وجوده بها لجمع الطبقة المنتخبة من السكان والموظفين السامين ليتحدث إليهم عما أنجزه من مشاريع أو ما هو مصمم على تحقيقه. ولا عجب إذا وقعت تلك الأحاديث موضع قبول واستحسان من المستمعين، يسوق إليهم تلك الأحاديث في صدق لهجة وصراحة قول، فلا تنفك أن تنصب في قلوبهم وتتغلغل لأنها صادرة من قلب حي مومن بما يقول وما يفعل، همه الأسمى هو إشراك طبقات الشعب والمسؤولين على اختلافهم في العمل الحكومي الذي يريد تحقيقه بعد اقتناعهم بالحجة والموعظة الحسنة، لا بواسطة الضغط والإكراه.
وجلالة الملك يعلم علم اليقين أن طريقة الكبت لا تسمن ولا تغني سواء كان الأمر يتعلق بالتربية والاقتصاد، أو كانت له صلة بتوجيه الشعوب وسياسة الأمم، ومن الطبيعي أن الحديث إذا صدر عن نفس مومنة بما تقول كان له رد فعل يحمل في طياته بوادر العمل المثمر، والدليل على ما نقول كثير، فلم يكد يقترح جلالته على شعبه الوفي زيادة نسبية في مادة السكر لأجل أن تتوفر للحكومة بفضلها ما يعينها على بناء عدد من السدود التي لا تخفى فوائدها بالنسبة للأراضي الضائعة حتى بادر الناس عن بكرة أبيهم مستجيبين للنطق الملكي الكريم، والذي يريد أحاديث جلالته قبولا واستحسانا هو أنه لا يميل إلى التركيب المعقد الصعب أو اللفظ الذي يتعذر إدراكه على الناس، بل يستخدم في تلك الأحاديث كلها أسلوبا سهلا مبسطا، ولذلك لا ينفك أن يسري مفعولها بسرعة في نفوس المستمعين. وطريقة كهذه في الكتابة والحديث لا تتوفر عادة إلا لمن أحاط بفنون الخطابة والإنشاء وكان، فوق ذلك، على علم بحوائج النفوس البشرية، وليس في ذلك ما يبعث على العجب وقد تربى الحسن الثاني على يد رجل عبقري كان بالنسبة لمن قدر لهم أن يقتربوا منه أو يعملوا بآرائه مركز إشعاع روحي مستمر، بحيث ما كان يشرع –تغمده الله برحمته – في حديث مع متكلميه حتى يعمل فيهم ذلك الحديث فعل التيار الكهربائي، فيجذبهم إليه جذبا تقوى به عزائمهم بصورة يصبحون معها قادرين على تحريك الجبال إذا أرادوا، فضلا عن القيام بما يفرضه عليهم الواجب الوطني المقدس، ثم أن جلالة الحسن الثاني لا يسلك طريقة واحدة في توعية هذا الشعب، فإن كان يتولى بنفسه القيام بهذه المهمة الخطيرة في كثير من الأحيان، فقد يرى أحيانا أن يضع هذا الحمل على أعوانه من الوزراء وخدامه المخلصين، فيشير عليهم بالانتقال إلى مختلف جهات المملكة لعقد ندوات واجتماعات هناك مع المواطنين، والتحدث اليهم حول البرامج التي تعول الحكومة على تحقيقها، كالمخطط الخماسي مثلا أو التي شرعت بالفعل في إنجازها، وذلك ليكونوا على بينة من مخططات الدولة من جهة ولئلا يقال بأن الحكومة إنما استأثرت برأيها في شؤون تعتبر حيوية بالنسبة لمصير المواطنين من جهة أخرى.
والروح الديمقراطية التي تطبع نشاط الحسن الثاني كله هي التي حملته على أن يسلك هذا السبيل، سبيل توعية الجماهير على يد وزراء الدولة، مشيرا عليهم بضرورة الاستماع إلى آراء المواطنين جميعا وخاصة منهم أولئك الذين لهم دراية واختصاص بموضوع تلك الندوات والملتقيات، وهذه الخطة التي سار عليها جلالته منذ قلده الله أمر هذه الأمة مستوحاة من تعاليم القرآن الكريم الذي يحثنا حقا على ضرورة قرن القول بالعمل في كل أمورنا، لأن الأقوال وحدها لا تكفي، بل كثيرا ما تكون مثبطة للهمم، معرقلة لعملية الخلق والابتكار، ربنا اجعلنا من الذين يقولون ويعملون، ومن أولئك الذين نزلت فيهم هذه الآية الكريمة : "فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته، ذلك هو الفوز المبين".
هذا وأن جلالة الحسن الثاني ليعلم جيدا "أن الحاكم إذا كان مفرط الذكاء والكيس مثلما كان عليه زياد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص، فإن ذلك يتبعه بالطبع نوع من التعسف وسوء الملكة، كما يقول ابن خلدون في مقدمته، مما يفضي به إلى حمل الوجود على ما ليس في طبعه"، طالما بقي الشعب الذي يسوسه ذلك الحاكم ضعيف التفكير قليل الإدراك، وذلك لأن البلادة تكون بالنسبة له بمثابة العائق دون تفهمه للمشاريع التي يرمي إليها الحاكم خاصة إذا كان هذا الأخير عبقريا بالغ الفطنة والكيس.
وقد أدرك الحسن الثاني بفرط ذكائه ونفوذ بصيرته ضرورة العمل على تلافي هذا النقص من عموم طبقات الشعب، ومن أجل ذلك راح يعمل على توعيته بكل وسيلة للرفع من مستواه حتى يصبح قادرا على مسايرة سياسة الحكومة بإدراكه لمخططاتها، الأمر الذي يمهد له السبيل بعد ذلك للمساهمة في تلك المشاريع مساهمة فعالة، والعمل على تحقيقها بأوفر نصيب.
                                             ***
وبقدر ما يهتم جلالة الملك المعظم بإعداد الأمة المغربية للمشاركة في العمل الحكومي عن طريق توعيتها، ومقاومة ما يظهر عليها من علامات التأخر والتخلف الفكري بقدر ما يحرص حفظه الله على أن يوفر من الآن أسباب العمل المثمر لولي العهد المحبوب سيدي محمد –أصلحه الله – وذلك بتربيته تربية شاملة كاملة تجعله في حالة يشعر معها بما يشعر به شعبه الوفي من محبة متبادلة وتضحية في سبيل المصلحة العامة، هي التي يكرس والده المعظم حياته من أجلها بالضبط، عملا بالميثاق الذي يربطه بهذا الشعب النبيل" لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم، انه عزيز حكيم"(3) .
وهكذا ستستمر الدولة ملكا وشعبا في القيام بما يفرضه عليها الواجب من عمل بناه لفائدة مجتمع واع متطور، لا يزيدهما هذا العمل المشترك إلا تفاؤلا بالمستقبل الباسم ولا يزداد الميثاق الذي يجمع بين الملك والشعب إلا قوة واستحكاما على مر الأيام والعصور.

(1) – المقدمة : المطبعة الأميرية بولاق ج1، ص 179.
(2) – نفس المصدر.
(3) – سورة الأنفاق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here