islamaumaroc

ملك مؤمن

  دعوة الحق

116 العدد

كل من كتب له أن يتعرف إلى محمد الخامس نور الله ضريحه، لا يستطيع أن ينكر ما منحه الله من مواهب، وما وهبه من جاذبية، وتأثير.. وهذه الجاذبية وهذا التأثير لم يكونا مصطنعين، ولم تكن دوافعهما راجعة إلى ما يحيط الملوك به أنفسهم عادة من هالة وفخفخة وتظاهر بالعظمة، وإنما هي منحة منحه الله إياها، وعطاء خصه الله به. فلقد كان الجميع يشعر وهو جالس يتحدث إليه إلى أن له من التأثير على محدثيه، وفرض الاحترام والتقدير له ما لا يصل إليه إلا القلة القليلة من العظماء، فكلماته ولو كانت قليلة، تنفذ إلى القلب، وابتسامته المشرقة الوضاءة تكسو الحديث حلاوة وثقة واطمئنانا، و قد اتصل به الخصوم والأصدقاء فخرجوا من ملاقاته مقتنعين بقوة تأثيره، وفعالية جاذبيته. و عندي أن ذلك يرجع أولا و أخيرا إلى إيمانه وصدق يقينه وثقته بربه وإخلاصه في أداء رسالته.
فلقد كان محمد الخامس من أصدق الملوك إيمانا، وهذا الإيمان كان يتجلى في جميع تصرفاته رحمه الله، كما كان يتجلى في جميع الظروف الحالكة التي كانت تعيشها بلادنا، كما كان يتجلى في اهتماماته الخاصة بالقضايا الإسلامية على العموم وحرصه الشديد على أن يبقى شعبه الوفي متمسكا بأهداب دينه الحنيف سائرا في نهجه السوي الرشيد.
 ولقد سبق لي أن قابلت جلالته بعد أداء فريضة الحج للمرة الأولى سنة 1957، فالتمست منه أن يزيد في اهتمامه بالحياة الدينية، ويعطي أوامره لوضع تخطيط يعيد لمجتمعنا المغربي حياته الإسلامية الصحيحة، وينير السبيل أمام الحائرين والمنحرفين، فطلب مني قدس الله روحه أن أقدم له ما عبرت عنه شفويا في شبه تقرير مكتوب حتى يعمل على تطبيق محتواه، ويزيد من عنايته بالحياة الدينية بهذه الديار.
ولقد رأيت بمناسبة صدور العدد الخاص من مجلة" دعوة الحق" أن أنشر هذا التقرير تعميما للفائدة، وإشادة بذلك الرجل الذي وهب حياته لبلاده ودينه:

إن المغرب في عهده الجديد يجتاز مراحل مباركة في بناء مستقبله السعيد وهو سائر على النهج القويم فيما يتعلق بأسس ثابتة لبناء هذا المستقبل.
ورغما عن الصعوبات التي وجدها أمامه والتي خلفها نظام استعماري كان يهدف لصالح جالية أجنبية دون غيرها، فإنه برهن على أنه كفء للتغلب على هذه الصعوبات والقضاء على كل العراقيل، وذلك يرجع لتوجهات صاحب الجلالة الحكيمة وعمل حكومته المخلصة وتضامن مختلف الطبقات الشعبية.
 ولكن جانبا من الحياة المغربية لم يلق لحد الساعة الاهتمام الذي يستحقه، ولم تعط له العناية الكافية، ونخشى إن نحن أهملناه وتقاعسنا على العمل لفائدته أن نندم، ساعة لا ينفعنا الدم، وهذا الجانب هو الجانب الديني في الشعب المغربي، فالمغرب كان أمة لها ذكر في التاريخ، لتمكن العقيدة الإسلامية من قلوب أبنائه واستماتته في الذوذ عن هذه العقيدة، وعمله على نصرتها والوفاء لها.. والمغرب استطاع أن يتغلب على عصبيته الجاهلية ونعرته القبلية عندما تمكنت عقيدة الإسلام من قلوب أبنائه وخالطتها بشاشة الإيمان، فأصبحت هي المتحكمة في نفوسهم، الموجهة لهم، المسيرة لأعمالهم، وهكذا رأينا أبطالنا في التاريخ من ملوك وعظماء يعدون في طليعة من هبوا لنصرة الإسلام وبث مبادئه والاهتداء بهديه والتمسك بسنته.
وهذا التمسك بالإسلام والتمكن من العقيدة هو الذي حمى العقيدة من الإغارات الظالمة المتكررة التي كانت تقع عليه من خصومه، وجعلته يحتفظ طيلة الأحقاب التاريخية بكيانه وصولته واستقلاله، بل ينافح عن جيرانه ويحمي أشقاءه وإخوانه من إغارات خصومهم الذين كانوا يتبصرون بهم الدوائر.
 وعندما وطئت أقدام الاستعمار هذه التربة المباركة اتجهت أول ما اتجهت لتحطيم المقومات الإسلامية، والحط من سمعة الإسلام في صفوف أبنائه ليسهل عليها ابتلاعه والقضاء عليه، إن زال من طريقها هذا السد المنيع الذي يحميه، ولسنا بحاجة للتدليل على ما قلناه، فنظرة بسيطة لبرامج التعليم ومحاكم القضاة وكل ما يمت إلى الإسلام بصلة توضح لنا ماذا كان يقصده الاستعماريون في أعمالهم وبرامجهم وما يبيتونه من مكر وخديعة للإسلام والمسلمين بهذه الديار.
 ولولا شعبنا أن والحمد لله، شعب متدين بطبعه، متمسك بعقيدته، لكانت العاقبة غير محمودة ولكان المصير محزنا، ولكنا مع ذلك لا نستطيع أن ندعي أن الاستعمار وأعوانه لم يستطيعوا أن يؤثروا في بعض الطبقات القليلة التي لم يسعدها الحظ بالاطلاع على تعاليم الإسلام ولم يستضئ قلبها بنور الإيمان، هذه الطبقة أصبحنا نراها تنظر إلى الإسلام نظرة، إن لم يكن فيها ازدراء، فهي على الأقل نظرة اللامبالاة وعدم الاهتمام والاعتبار، بل ربما تجاوز الأمر عند بعضها حتى صارت تعتبر الدين قضية لا تهم الدولة والأمة في شيء، وأنها قضية شخصية لا ينبغي أن نعيرها أي التفات، متصورة أن الاهتمام كل الاهتمام ينبغي في الأول والأخير أن يعطى للتقدم المادي والحضارة الميكانية، حتى يستطيع المغرب أن يسير في ركاب الأمم المتحضرة ويتدارك ما فاته من وسائل وأسباب النهوض.
إننا مع هذه الطائفة من أن الواجب يقضي علينا أن نأخذ من الحضارة الغربية المادية كل ما يعرج بأمتنا في ميدان الرقي، وييسر لنا أسباب التقدم، ولكننا في الوقت نفسه لا نود أن نرتمي في أحضان هذه الحضارة المادية فنقع فيما وقع فيه الغربيون من تجرد عن كل ما ليس بمادي، ونفقد كما فقدوا كثيرا من المزايا الخلقية التي تعلو بالإنسان إلى مراتب الكمال. إننا لا نود أن تصبح لدينا أفكار الخير والحق والعدل والتسامح مثلا عبارات تلاك بالألسن، ولا تنم عن حقيقة واقعية، وإنما يقصد بها التضليل والدعاية، بل إننا بالعكس من ذلك نريد أن نحتفظ لهذه الكلمات بمدلولاتها، ولا يمكننا ذلك إلا إذا حرصنا كل الحرص على تثبيت الوازع الديني في النفوس وتركيزه في القلوب وصيانته من عبث العابثين.
إننا يا مولاي منذ هيأنا الله لخدمة شعبنا وملكنا جعلنا من جملة أهدافنا الأساسية ومبادئنا العالية التي عاهدنا الله على الوفاء والإخلاص لها: الدفاع عن ديننا ونصرته بكل ما نستطيعه من حول وقوة، إذ كنا نعتقد ولا زلنا أن ديننا الحنيف دين تهذيب للنفوس ورفع لقيمتها، كما أنه دين حضارة وسياسة ونظام وعمل.
ورغما عما كنا نصادفه في طريقنا من الحواجز والأشواك، من طرف الاستعمار، كنا نعمل ما نستطيع للدفاع عن كياننا الروحي، ونتطلع إلى ذلك اليوم الذي نصير فيه أحرارا في بلادنا أعزاء في ديارنا، لننشئ دولة جديدة تتمثل فيها تلك الصور الحافلة من ماضي الإسلام، وما كان له من عز وقوة ونظام، وما ساعد عليه من حضارة وعمران، وما عمل عليه من رفع من مكانة البشرية، والسمو بها إلى العلياء، ونعمل على الاهتداء بهدي القرآن، فنعرض عليه جميعا أحكامنا وتشريعاتنا، لنرى هل نحن ناهجون نهجه، مهتدون بهديه، أم أن حظنا من الإسلام هو في مجرد الانتساب إليه، والادعاء أننا من أتباعه.
إن الإسلام الذي ندعو إلى التمسك به، والسير على هديه، ليس كما يفهمه خصومه الملحدون، أو محاربوه الجامدون، وإنما هو الإسلام الذي أتى به القرآن، والذي كان العامل الفعال المؤثر في حياة الأمة العربية وغيرها من الأمم، يدفعها دائما إلى جلائل الأعمال، ويهذب نفوسها ويدعوها للعمل واستخدام ما وهبها الله من عقل وتفكير فيما يعود بالخير على العباد.
 إننا نرى من واجب الأمانة لهذا الشعب النبيل وملكه العظيم أن نرجو من جلالتكم باعتباركم أمير المؤمنين، وراعيها الأمين أن تلتفتوا التفاتة خاصة لهذه الناحية التي تتطلب الإصلاح والتوجيه، فتضيفوا حسنة تضاف لحسناتكم التي تلقون جزاءها عند ربكم، ويشعر الجميع أن هذا القطر قطر مسلم قولا وعملا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن تأمروا أمركم المطاع بوضع تصميم يكون من شأنه تثبيت أركان الإسلام وعقائده بهذه الديار وتوجيهها توجيها إسلاميا صحيحا يقضي على الإلحاد والزندقة من جهة، وعلى الجمود والتخريف من جهة أخرى ويركز الوازع الديني في النفوس وينشئ الجيل الجديد تنشئة إسلامية صحيحة.
 إننا لا نحتاج إلى تأكيد ما يفعله الوازع الديني في النفوس من حب للخير، وابتعاد عن الشر، وتعلق بالمبادئ المثلى، ونضال في سبيل السعادة الإنسانية وخير المجموع، فإن العظماء الذين خبروا الحياة وامتحنوها وأقاموا الدول وأسسوها، قدروا ما للعامل الديني من أهمية في تكوين الشعوب وتماسكها وضمان تقدمها، ويكفي للتدليل على ما نقول الإتيان بكلمة فاه بها مؤسس الدولة الأمريكية العظيمة جورج واشنطن في خطابه الوداعي حيث قال:"إذا نظرنا إلى الميول والعادات التي تقود إلى النجاح السياسي، وجدنا الدين والأخلاق أكبرها شأنا، وأشدها لزوما، لذلك النجاح. وإنه لا يستحق أن يوصف بوصف الوطنية من يحاول أن يهدم هذه القمة العظيمة للسعادة الإنسانية، هذه الدعائم التي تسند سلطان الواجبات بين الناس والمواطنين، فالسياسي والرجل الصالح كلاهما ينبغي أن يحترم هذه الدعائم ويحافظ عليها..إلى أن يقول: أين يوجد الضمان للناس في ملكهم وسيرتهم وحياتهم إذا اختفى روح الوازع الديني من الإيمان التي هي أدوات البحث في محاكم العدالة؟ وهنا سمحنا لأنفسنا أن نفترض أنه يمكن المحافظة على الأخلاق من غير الدين، فمهما يكن تأثير التربية التثقيفية على بعض العقول فإن المنطق والتجربة يمنعاننا أن ننتظر أن يسود سلطان الأخلاقية القومية بدون المبادئ الدينية"
هذا ما يقول جورج واشنطون في الدين المسيحي، فكيف نقول في الدين الإسلامي الذي اعترف الجميع أنه أكثر مرونة ومسايرة للحياة، كما أنه صالح لكل زمان ومكان.
 لقد لاحظت يا مولاي أثناء زيارتي لبعض الأقطار الأوروبية أن القوم مهتمون أشد الاهتمام بقضايا دينهم، عاملون على تثبيت قواعده وأصوله، رغم ما نسمعه عنهم من تعال عن الاشتغال بقضايا فات وقتها. وآخر ما رأيته أثناء زيارتي لروما تنظيم مؤتمر للشبيبة المسيحية شاركت فيه فتيات وفتيان ممثلة لكل الهيئات المسيحية في العالم، ولقد درست في هذا المؤتمر قضية مواجهة الأفكار الإلحادية وما تتطلبه المسيحية من تجديد وإصلاح للمحافظة على روحها ودرء الأخطار المهددة لها، هذا في الوقت الذي تنظم فيه الدعاية الاستعمارية ضد الإسلام بدعوى أنه لم يبق صالحا لركب الحضارة العصرية، وأن التقدم والتطور يتطلبان الانسلاخ النهائي من أفكاره الرجعية العتيقة.
 إن الإسلام يا مولاي يعتبركم راعيه الأمين بهذه الديار وإننا نعتقد مخلصين أنكم أحد أولئك المجددين المخلصين الذين أشار إليهم جدك في حديث صحيح من أن الله يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها، فسيروا أيها الإمام العظيم في نهجكم وسيرتكم المثلى وبلغوا الرسالة التي حملكم الله إياها من التمسك بشريعة جدكم الأعلى، واعتقدوا أن الله الذي عودكم النصر والتوفيق سيكون أكبر عون لكم في أداء رسالتكم وسيكون معكم ولن يتركم أعمالكم.
 إنني أقترح على سيدنا المنصور أن يغتنم فرصة هذا المولد الشريف فيلقي خطابا يذكر فيه شعبه بأمجاده ويدعوه إلى اتباع سنن أسلافه، ويحض شباب هذا البلد بنوع خاص على دراسة الإسلام والتعرف إلى أسراره، كما يأمر العمال والنواب وكل المسؤولين بالسير في النهج القويم والضرب على أيدي المخالفين والمستهترين، وأن يأمر بتأسيس مجلس يضم خيرة من الشباب المثقف المسلم الغيور يكون تابعا لوزارة الأوقاف مثلا، وتكون مهمة هذا المجلس موجهة ومرشدة من جهة ومتتبعة لكل المخالفات والمصادمات التي تقع ضد الإسلام من جهة أخرى، كما تدرس الوسائل التي من شأنها أن تنهض بالروح الإسلامية بهذه الديار وتبلغ الجميع لسيدنا المنصور ليأخذ فيه رأيه ويعمل فيه واجبه باعتباره الراعي الأول لهذه الأمة المحفوظة بوجوده حفظه الله ونصره.
إن سيدنا إذا فعل، سيكون قد احتاط للأمانة التي طوقه الله إياها، وسيقضي إن شاء الله على كل مظاهر الانحلال الخلقي، ويجعل من أمته أمة صالحة وسطا، يباهي بها الأمم الصديقة وغيرها وتمتاز عن غيرها بأنها استطاعت بوجوده أن تحافظ على مقوماتها، وتعمل لدينها كما تعمل لدنياها، وما ذلك على همة ملك مخلص مؤمن بعزيز.
وفق الله مولانا الإمام وحفظه في ولي عهده الشهم الهمام وجميع أنجاله الكرام وعلى تمام الطاعة والولاء والسلام.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here