islamaumaroc

شعبية محمد الخامس طيب الله ثراه

  دعوة الحق

116 العدد

إن مظاهر شعبية الملك الراحل جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه أكثر من أن تحصيها مقالة متواضعة، أو حديث قاصر، لم يكتب له التشرف بالاتصال لجلالته إلا في مناسبات معدودة، ولكني أرى أنه من باب وجوب شكر المنعم على ما أسدى من معروف، عملا بالحديث الشريف "من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تستطيعوا ذلك فادعوا إليه" سأسرد بعض ما بقي عالقا بذهني من صور من شعبية نادرة المثال، امتاز بها الملك المغفور له محمد الخامس، وربى عليها ولي العهد البار جلالة الحسن الثاني نصره الله، وباقي الأمراء والأميرات، وكل من كانت تضمه حاشيته، أو يتصل به من قريب أو بعيد.
نعم اذكر وأنا لا زلت في ريعان الشباب مواقف جليلة، كان يقفها محمد الخامس، حيث يخترق جميع الحواجز والسدود من أجل مخالطة أبناء شعبه سراءهم وضراءهم، حتى أنه كان يغتنم بعض المواسم والحفلات الرسمية وغير الرسمية، فلا يشعر الجمهور وهو في غمرة الاحتفالات إلا وصاحب الجلالة قد انغمر معه، وصار يشاركه، فلا يتمالك أبناء الشعب الوفي إلا ويظهرون من الحفاوة والإجلال ما يقتضيه مقام الجلالة والمهابة، ولكن محمد الخامس طيب الله ثراه، لم يكن يعبأ بالرسميات في مثل هاته المواقف، لأنه كان يقصد من ذلك ما هو أسمى وأعلى من مجرد ترتيبات ومراسيم يستوجبها الأدب الرسمي، وتقتضيها ظروف الملك.
وأن أنس فلن أنسى تكلم الزيارة الفريدة من نوعها التي قام بها لمدينة فاس خلال سنة 1934 أو 1935 – لا أذكر بالضبط- حيث التحم الشعب بالعرش في منظر لم يوجد له مثيل من قبل، ورغم ما بينه الاستعمار، وما قام به من جهود لتلافي مثل ذلك لأنه كان يعتبره بمثابة مسامير تدق في نعشه، وهو آئل إلى الاضمحلال – لا محالة – وقد اندس في صفوف الجمع بإيعاز من المستعمرين بعض الذين حاولوا تشويه حقيقة الأعراب عن حب الشعب لملكه المتفاني في مصلحته، فقاموا ببعض الأعمال التي تخل بالأدب الرسمي، ولا سيما مع روح الشعب وقائده العظيم، ولكنه رضي الله عنه كان يقظا بكل ما في الكلمة من معنى، وأعلى وأسمى من أن يتأثر بما يلفقه الاستعمار ويشنه من دعايات فارغة، القصد منها محاولة قطع ما بين العرش والشعب من علاقات روحية نتيجة عهود عريقة أملتها تقاليد دينية وسلالية لا يستطيع أحد مهما بلغ من القوة والإمكانيات فصمها.
ومنذ هاته الزيارة الملكية الكريمة والعلاقات بالعرش والشعب تزداد متانة وتتخطى جميع الحواجز والأشواك وقد تبلورت سنة 1937 حيث احتضن جلالته طيب الله تراه التعليم الديني والتعليم الحر نظرا لصبغتهما الشعبية من جهة ولكونهما كانا يقومان بغرس الأخلاق الفاضلة والشيم النبيلة في نفوس النشء المغربي، بالإضافة إلى التعليم الصحيح المرتكز على روح القومية والإخلاص لله، والوطن،  والملك هذا الثالوث : (الله، الوطن، الملك) الذي ظل قسما يقسم به وشعارا للوطنية وعقيدة تدين بها الجماهير الشعبية رغم اختلاف طبقاتها وتعدد عناصرها، ولطالما يعجبك الجرمر (الكشاف الصغير)  وهو مرتد بذلته الأنيقة، وعلة وجهه تباشير الحماسة والنشاط والأمل في المستقبل المشرق الوضاء، وهو يردد : الله – الوطن- الملك، هاته الكلمات التي كانت تتبلور في سلوك قويم ومحبة صادقة، لم تكن نتيجة مصادفة أو عمل بأيد، ولكنها استمرار لتاريخ مجيد، عملت على نصاعته همم عالية تلين دونها الصخور وتندك لها الرواسي.
والحقيقة أنني كنت ممتزجا بالشعب نظرا لظروفي المهنية والوطنية، وكنت أشهد مواقف ومواقف، أحمد الله تعالى على أن شرفني بها مثلما شرف كثيرا وكثيرا من أبناء وطني العزيز، لم يكن محمد الخامس طيب الله تراه يريد أن تقتصر حفلاته وحتى العائلية منها على شخصيات لها وزنها وقيمتها الرسمية والعلمية فقط بل كان يريدها مزيجا من أبناء الشعب، حتى يأتي الجمع بالخير العميم والنفع الكثير، وسنعود عائدته على البلاد والعباد، وكأنه رضي الله عنه كان ينشد مع الشاعر العربي :
فلا هطلت علي ولا بأرض
         سحائب ليست تنتظم البلاد
واذكر في هذا المقام مناسبة إحراز ولي عهده البار جلالة الحسن الثاني نصره الله على شهادة الباكالوريا، وأنا إذ ذاك مدير (مدرسة التقدم) بفاس وقد أمر أعزه الله الأستاذ عبد السلام الفاسي بأن يكتسي هذا الحفل صبغة شعبية أيضا، فيحضره بعض المتفوقين من تلاميذ المدارس الحرة التي كان يرعاها ويتعهدها دائما، وهكذا كتب لي أيضا حضور هذا الحفل مع ثلة من تلاميذ المدرسة صاحبوني إلى القصر الملكي العامر، وكانت حفلة زاخرة زاهرة صارت بذكرها الركبان ..
وتأتي سنة 1943 م وهي السنة التي اجتمع فيها جلالته بأقطاب الحلفاء، وصدر فيها شريط (الأطلنتيك) المشهور وفيها قام جلالته بزيارة أخرى إلى مدينة فاس، ولكنها لم تكن كسابقاتها.فقد كان رضي الله عنه يغشى المجتمعات والأماكن المحتشدة بأبناء الشعب، ويقوم بتفتيش الإدارات الرسمية والحكومية، مخفيا ليطلع على سير الأمور ويقوم برفع المظالم عن أبناء شعبه الوفي، وقد تركت هاته الزيارة آمالا كبيرة في نفوس الشعب المغربي، وامتلأ بها قلب الاستعمار البغيض غيظا وحنقا، إضافة إلى سلسلات وسلسلات من النكايات التي كان يلقاها من المجاهد الأكبر، محمد الخامس، والحقيقة أن كل نكاية للعدو تعتبر جهادا في العرف الديني، وقد جاء في القرآن الكريم " ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح، إن الله لا يضيع أجر المحسنين".
أما سنة 1944 التي تعتبر سنة الإشراق والإعراب عن الوجود والذاتية في المجال الرسمي والدولي بعد تخطي كل الحواجز وتكسير جميع العراقيل فقد برزت منها شعبية محمد الخامس بشكل آخر وبمظهر جديد لفت جميع أنظار العالم  وبخر كل الدعاوي والترهات التي كان يلفقها دهافين الاستعمار محاولين بذلك التغطية عن المخازي وإظهار الشعب والعرش بالمظهرين الغير اللائقين بهما. وتعتبر سنة 1944 سنة المطالبة  بالاستقلال سنة الإجماع الشعبي والالتفاف الكامل نحو رائد البلاد ومحررها جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه حيث العرائض تترى والأصوات تنطلق من كل جانب محبذة خطة الإمام الأعظم ومبرهنة بكل صراحة  وفصاحة عن إخلاصها لشخصه وعرشه وحبها العميق لعائلته الطاهرة الكريمة وهنا يبرز مثال آخر جديد انصع وأقوى من الأمثلة السابقة الدالة على شعبية شاملة كاملة إذ يجلس الملك والشعب ففي حلقة واحدة ويعبر كل منهما للآخر عما يكنه من عبارات تخرج من القلب وتقع في القلب وهنا برهن محمد الخامس أنه يعتبر أن له عرشا حقيقيا كاملا يوم يحرز شعبه على الاستقلال ويوم تنفك عنه القيود التي كان يشعر أنها تخنق أنفاسه وتحول دون ما كان يريده من خير لشعبه وأمته. وإذا كانت سنة 1944 تعتبر بهاته المثابة فإن سنة 1947 لها رنة أخرى ولون جديدا أزرى بجميع الألوان والأشكال حيث كان الخطاب التاريخي بطنجة في المجال الدولي وعلى مسمع ومرأى من جميع أمم العالم بدون تخصيص وهنا يؤكد بعض الحاضرين أنه رأى بعض قواد الجنوب الذين كانوا مشهورين بولائهم التام ومساندتهم الغير المشروطة للاستعمار وهو يذرف دموعا تنهمر على وجهه وقد عمه الخشوع وتملكه العطف ودخلته الوطنية من كل جانب ولعل هاته السنة في عرف القانون الدولي تعتبر هي سنة استقلال المغرب وحريته الكاملة وتأييد هذا الاستقلال من جميع طبقات الشعب وان كل ما أعقبها من تمويهات وتأويلات لمواقف بعض قواد "... والآن وقد تجلت أهدافنا يجب عليكم أن تتمسكوا بحبل الإخاء، وتتجنبوا ما يؤدي إلى التفرقة والبغضاء، إذ لا نجاح يرجى إلا بصفاء القلوب، وتوحيد الصفوف حتى نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا".
المغرب إنما هو عمل أبتر غير مشروع فكل التصريحات التي دونت سواء عن طريق الإذاعة أو الصحافة أو في مجال الحفلات الرسمية والحرة إنما تكتسي صبغة خاصة وليست له قوة كقوة الإجماع الشعبي الذي ظهر سنة 1947 في مدينة طنجة (الدولية) في ذلك الوقت.
وتأتي سنوات 50- 51- 52 حيث تتجدد العهود وتحكم المواثيق بين العرش والشعب وتتقوى مقاومة الاستعمار البغيض ويقوى الحماس الشعبي ويزداد التحام عناصر الأمة واتحادها تحت الراية الحمراء وفي حضيرة العرش العلوي العتيد وتحت قيادة الملك العظيم أبي النهضة المغربية جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله تراه. وقد شهد جوان وايريك لايون وكيوم وبواي دولاطور وكرانفال وهم مقيمون عامون لفرنسا بالمغرب – سابقا شهدوا جميعهم من مظاهر تعلق العرش والشعب ومن أمثلة شعبية محمد الخامس ما جعلهم يتحققون أن الاستعمار بالمغرب آيل إلى الزوال وأن الشعب المغربي أراد الحياة ولا بد أن يستجيب  له القدر ..
وقد أصبح الأمر واضحا لدى الاستعمار بعد أن ضاق ذرعا بالأمثلة والبراهين القاطعة على تعلق الشعب المغربي بعرش محمد الخامس الأب الحنون المخلص فصار يحوك الدسائس والمؤامرات من أنواع متعددة ومنها العمل على التفرقة بين العرش وقادة الحزب المتزعم للحركة الوطنية تحت قيادة الملك الرشيدة حيث وقع الضغط من طرف الاستعمار على محمد الخامس ليتبرأ من حزب الاستقلال ومن قادة الحركة الوطنية ولكنه بما عهد فيه من حكمة وحنكة ودهاء سياسي وتوفيق رباني استطاع أن يعرف القوم وأن يغشيهم وهم لا يعملون. وهنا عزم المستعمرون على اتخاذ وسائل القوة والإرهاب بعد أن أعيتهم جميع الوسائل ولكنهم لم يزيدوا النار إلا اشتعالا حيث وقف الملك ومن ورائه شعبه الوفي موقف المومنين الصابرين في البأساء والضراء وحين البأس، وصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وما بدلوا تبديلا، وإزاء ذلك نفذ المستعمرون قرارهم الشنيع بنفي محمد الخامس زعما منهم بأنه إذا نفي وأبعد استطاعوا أن يقوموا بأي عمل مهما كان نوعه ولكنه طيب لله تراه كان عالما بكل ذلك واتخذ لكل حال لبوسها ونظم مع الوطنيين المخلصين تشكيلات المقاومة المسلحة ووقتها بأوقاتها حتى لا يقع تهور ولا تدهور في الموقف المتصلب المشعب المغربي تحت قيادة ملكه الهمام.
وقد كان نفي محمد الخامس بمثابة انفجار البركان الذي ظل يغلي زهاء نصف قرن رغم الرماد المتكاثف الذي يدره عليه أعداء البلاد وعناصر السوء، نعم كان نفي محمد الخامس طيب الله ثراه ختاما لمسرحية الاستعمار البغيض وإيذانا بأن ساعة خلاص الشعب قد دقت ومثلا حيا آخر من أمثلة الشعبية الحقة ولم يمر أكثر من سنتين حتى خسر الاستعمار كل شيء وانكسر أمام المقاومة الوطنية المنظمة ورجع محمد الخامس حاملا معه الاستقلال الذي ضحى هو وشعبه من أجله وابتدأت مرحلة البناء بعد مراحل الكفاح القاسي. وإذا كان الشعب رأى ملكه في القمر ولم تمر بعض الليالي على نفيه وإنما ذلك لكون حبه مغروسا في القلوب وفي شغافها بل أصبح جزءا لا يتجزأ منها وهنا أتذكر بعض الصوفيين الذين كانوا غارقين في شهود الحق فلا يرون إلا الله في جميع حركاتهم وسكناتهم وتلك نتيجة الحب الخالص والإخلاص الذي لا يشوبه أي شيء.
إن شعبية الملك الراحل محمد الخامس طيب الله ثراه – كما ذكرنا- بحر زاخر لا يستطيع أحد الإتيان عليه من جميع نواحيه وأطرافه وكل واحد يغرف منه بقدر إمكانيته ووسائله وفي حدود اختصاصاته. وقد كان الحسن الثاني نصره الله يعمل مع والده المنعم على تعميق هاته الشعبية حتى تبقى مستمرة في العرش العلوي إلى الأبد يمتاز بها بين العروش العالمية الأخرى، ولطالما تحدثت عنها الصحف العالمية في كثير من المناسبات ولطالما نعتها الشعراء والأدباء وذوو الأقلام السياسية بأكبر النعوت وأشرفها.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here