islamaumaroc

المولى محمد بن عبد الله العلوي: العالم المفكر مفخرة المغرب

  دعوة الحق

116 العدد

إن تاريخ الأمم في الواقع هو تاريخ عظمائها وأبطالها والمصلحين فيها، وقد تحصل غفوة أمة من الأمم فتطول مدة الغفوة أو تقصر، وما مدة غفوتها إلا رهينة في حياتها بنابغ ينبغ فيها أو عظيم يحول مجرى تاريخها فتجدد حياتها وتصير في برهة وجيزة غيرها بالأمس القريب.
وان حياة أمير المؤمنين المولى محمد بن عبد الله ابن إسماعيل العلوي قدس الله روحه في طليعة هذا الرعيل العظيم جدد الأمة المغربية من الناحية العسكرية والاقتصادية والأدبية والدينية على السواء فأخرجها من الفوضى إلى النظام، ومن الاضطراب في الإنتاج والمحصول إلى الاستقرار، ومن العقم الأدبي إلى الإنتاج والخصب الفكري ومن البلبلة الاعتقادية وتعدد المذاهب والبدع إلى وحدة العقيدة السلفية ومن المناقشات البيزنطية العقيمة النتيجة ومن تعدد النظريات في المعاملات إلى طريقة عملية تكفل المساواة بين جميع الطبقات مع مراعاة الاحتياط لحقوق الضعفاء والمعوزين.

كيف أهلته نشأته وتربيته الفذة لهذه المهام
إن طيب الأعراق وأصالة البيت الطاهر ومشاهدة القدوة الصالحة جدير كل هذا بتنمية المواهب ورفع مستوى الهمم إلى المقام الأرفع وهذا ما حصل للمولى محمد بن عبد الله رضي الله عنه فقد ولد سنة 1133 ثم تربى في أحضان الفقيهة الصالحة السيدة خناتة بنت الشيخ بكار المغفري جدته رحمها الله ورافقها وهو ابن عشرة أعوام في رحلتها إلى حج بيت الله الحرام حيث كان لحجها دوي في المشرق والمغرب إذ صحبت معها من التحف والهدايا ما يجل عن الوصف كما رافقها فطاحل من جلة العلماء والكتاب وسجلت هذه الرحلة بأسلوب شيق حيث أمر السلطان كاتبه الاسحاقي بتدوين أخبار هذه الرحلة فكتب في ذلك ما خلد ذكراها وأبقى على الأيام شذاها (كما قال محدث المغرب المرحوم سيدي المدني بن الحسني) فكان لانطباعات هذه الرحلة أثر كبير في نفس عظيم المغرب المولى محمد بن عبد الله.
ولعل فقه وصلاح السيدة خناثة مع سمو البيت العلوي اقترنا فأنتجا هذه العبقرية الفذة التي تجلت في حفيدها المولى محمد بن عبد الله فقد كانت لبني مقفر صلة كبيرة بالبيت العلوي منذ عهد المولى إسماعيل وكان قاضي البراكنة عبد الله صديقا حميما للمولى محمد بن إسماعيل المعروف بمحمد العالم يرد عليه إلى مكناسة الزيتون كثيرا حتى قال مرحبا به :  
مكناسة الزيتون فخرا أصبحت
      تزهو وترفل في ملاء أخضر
فرحا بعبد الله نجل محمد
     قاضي القضاة ومن دؤابة مغفر
قال في كتاب الوسيط وبنو مغفر قبيلة كبيرة في نواحي فاس وهم أخوال ملوك المغرب إذ أمهم أي ملوك المغرب السيدة خناثة بنت الشيخ بكار العالمة المشهورة ذكرها صاحب "الاستقصا في تاريخ المغرب الأقصى" وذكر أن لها حواشي في هامش نسخة من كتاب الإصابة لابن حجر بخطها انتهى.
وقد كان مكوثه الطويل في الملك ثلاث وثلاثين سنة مما ساعده على تنفيذ كل المشاريع التي رسمها للنهضة بالمغرب فكان له في جميع المجالات مفاخر ومكارم. وإذا كان المفكرون يقولون أن من يطالع التاريخ يضيف أعمارا كثيرة إلى عمره لأن الحياة تجارب والمطلع على كثرتها كأنه عاش ضمن أبطالها فإن المولى محمد بن عبد الله قرأ كثيرا وطالع كثيرا واكتسب خبرة عملية في الحياة مع مباشرته لمسؤوليات جسام قبل اضطلاع بالملك فصادف تحمله لأعباء الملك شخصية فذة هامت بالمثل العليا الإسلامية فأتى في حياته المثلى بنتائج تلفت النظر إلى ما تأتي به الشريعة الإسلامية في حياة الأمة إذا وقع تطبيقها لا فرق بين الصدر الأولى من حياة المسلمين وبين غيره.
وسأقتصر في كلمة اليوم عن جانب من ناحيته العلمية والاعتقادية.
ومما تجدر الإشارة إليه تنبيه الدارسين بدار الحديث الحسنية إلى حياة المولى محمد بن عبد الله جديرة بأن تكتب حولها الأطروحات فقد توجه البعض من هؤلاء إلى بحث نواح في أطروحاتهم دون هذا المستوى بكثير.

عقيدته السلفية :
من المعلوم أن عقيدة الإمام أبي الحسن الأشعري وطريقته في الرد على المعتزلة شاعت في المغرب منذ قرون قبل مجيء الدولة العلوية وكان المرشد المعين الذي سار على نهج الاشاعرة شائعا في المغرب مثل أم البراهين للسوسي وغيره إلى جانب رسالة الإمام ابن أبي زيد القيرواني، إلا أن إمام المغرب محمد بن عبد الله اختار الاقتصار على عقيدة الرسالة وسجل مختارات منها في كتابه الذي سماه "الفتح الرباني فيما اقتطفته من مساند الأئمة وفقه الإمام الحطاب ورسالة ابن أبي زيد القيرواني" وإذا كان اختيار المرء قطعة من عقله كما يقال فإن المولى محمد بن عبد الله في تآليفه الحديثية والفقهية له اختيارات من النوعين واجتهاد في أحيان أخرى ورد على الفقهاء فيما لا دليل عليه من الكتاب والسنة وعمل الأئمة.
ويظهر أن تآليفه كان يحصل عليها إقبال لأن الناس على دين ملوكهم كما قيل، زيادة على وسائل شيوعها وانتشارها بواسطة السلطة والوسائل الأخرى.
ولنستمع إلى ما يقوله عن انتشار كتابه "بغية ذوي البصائر والألباب في الدرر المنتخبة من تآليف الإمام الحطاب" قال رحمه الله لما برز جوهره النفيس للعيان، وسارت به في الآفاق الركبان، وانتفع الناس به ولله الحمد في سائر الأقطار والبلدان، أمعنا فيه نظرنا بعد مرور سنة من تأليفه كل الإمعان فرأينا الغرض إنما يكمل بإتمام الكلام على قواعد الإسلام الخ ..
وذكر رحمه الله في آخر تآليفه الفتوحات الالاهية فصلا في بيان قوله المالكي مذهبا الحنبلي اعتقادا ليلا يفهمه بعض الناس على غير وجهه فقال أن الإمام أحمد "ثبت الله المسلمين بنبوته" سد طريق الخوض في علم الكلام، قال : ولا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا ترى أحدا ينظر في علم الكلام إلا وفي قلبه مرض ثم ذكر هجران الإمام أحمد للحارث المحاسبي لتصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة. وقال المولى محمد بن عبد الله وإلى ذلك ذهب الشافعي ومالك وسفيان وأهل الحديث قاطبة..
ويقول وألزموا الناس السكوت عن علم الكلام إلى أن نبغ الإمام الأشعري فاشتغل يرد على المعتزلة أقوالهم الفاسدة فاتبعه المالكية على ذلك وسموه ناصر السنة وهو ومن اتبعه على صواب في اعتقادهم السنة والكتاب لا في الخوض مع الخائضين والتصدي لذكر شبه المبطلين وتخليدها في الأوراق إلى يوم الدين.
وأما الحنابلة فأنكروا ذلك عليه، وقالوا له : كان ينبغي أن تسكت كما سكت الأئمة قبلك الخ ..
وعلى هذا فهو يرى اعتقاد الأشعري وأتباعه في السنة والكتاب صوابا، وخوضهم في علم الكلام نهجا معابا، لا يريد بأي حال أن يتبعهم على ذلك.
ومن جهة أخرى يذكر تعظيم أتباع الأئمة الأربعة وأن كل فريق يرى فضل إمامه وترجيحه على غيره ثم يعقب على ذلك بقوله : "وأنا أقول قد صدق الجميع في أئمة الهدى المذكورين أعاشنا الله على هديهم وطريقهم بجاه النبي وآله في كلمة واحدة وهي كلمة الترجيح لأن اعتقادي في الأئمة الأربعة أنهم على هدى وكلهم على التساوي لا يرجح أحدهم على الآخر" (انتهى).
ويقول رحمه الله في كتابه (الفتح الرباني): "وأنا في نفسي اتبع الأئمة الأربعة في أبواب العبادات لا غير ولا نفرق بين أحد منهم فيها وأما في غير أبواب العبادات كالنكاح والطلاق والبيوع والحبس والهبة والعتق وغير ذلك فلا أتبع إلا مذهب الإمام مالك لأنني مالكي المذهب حنبلي الاعتقاد مع أني موقن بأن الإمام أحمد على اعتقاد الأئمة الثلاثة وأنهم كلهم على هدى من ربهم ثم تابع كلامه بقوله قال مؤلفه رضي الله عنه : ومن ارتكب رخصة في أبواب العبادة قد أفتى فيها بعض العلماء الذين يعتمد عليهم لأجل ضرر به فلا تلحقه تهمة في ذلك، إذ أبواب العبادة هي لله فلا تهمة فيها وغيرها فيه حقوق المسلمين فمن ارتكب رخصة في مسألة قد رخص فيها بعض الأئمة الأربعة في غير أبواب العبادة مثل الطلاق والنكاح والبيوعات وغيرها من حقوق العباد فإنه دخل بابا من أبواب التهم وربما نسب لغرض فيه شهوة نفسه فلا ينبغي لمن كان على مذهب أن يتخطاه لغيره من المسائل التي فيها حقوق العباد. وإن نزلت بنا مسألة مستوية الطرفين في حقوق العباد انتقل عنها وأتركها إلى المسألة التي وقع فيها الاتفاق والإجماع وهذا اعتقادنا والحمد لله" (انتهى) وكان رحمه الله يحتاط لحقوق العباد إتباعا لما ورد في الأحاديث فيحمل أحاديث واردة في الفضائل وتكفير الذنوب على غير الكبائر وعلى غير حقوق العباد فقد نقل في كتاب الفتح الرباني قاعدة كل مأمور يشق على العباد فعله سقط الأمر به، وكل منهى يشق عليهم اجتنابه سقط النهي عنه، ثم قال : وهذا فيما كان من حقوق المخلوق فلا يسقط النهي وإن كان فيه أعظم مشقة ثم ذكر تفصيل المشاق عند الفقهاء وعقب على ذلك بقوله، ثم اعلم أن القاعدة المذكورة صدرها مسلم لقوله صلى الله عليه وسلم إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم وأما عجزها وهو فعل المنهي إذا كان في تركه مشقة فلا بد من تقييدها بما إذا كان ذلك في حق الله تعالى وأما في حق المخلوق فلا يسقط النهي وإن كان فيه أعظم مشقة، قال مؤلفه رضي الله عنه فإن حق المخلوق لا بد من أدائه في يوم القيامة. وإن كنت فقيها لبيبا من أهل الحديث فنفطن لما أذكره لك، انظر بعض الأدعية، "اللهم ما كان لك فاغفره وما كان لخلقك فتحمله عني"، وهذه المسألة تتحير فيها أفكار دهاة العلماء، انظر إلى قوله عليه السلام: "حتى تقتص الشاة الجماء من الشاة القرناء يوم القيامة"، وانظر إلى قوله تبارك وتعالى : (ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد)، هذا قوله. ثم ساق رحمه الله معنى الحديث الوارد في هذا الموضوع حيث قال: والدواوين الثلاثة: ديوان لا يغفر لصاحبه والعياذ بالله وهو الشرك، وديوان لا يترك منه شيء وهو حقوق العباد بعضهم لبعض، وديوان فيما بين الآدمي وربنا تبارك وتعالى هو في مشيئة الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. وهذا ملخص ما حضرنا في المسألة ومن أراد مراجعة المسألة فليراجعها في كتب الأقدمين" (انتهى).
ولا بأس بملاحظة على صدر القاعدة التي نقلها أيضا وهو أن بعض المشقات لا تسقط ولو كانت في المرتبة العليا وذلك كبذل الجنود نفوسهم في سبيل الله وفي سبيل حماية الدين والدفاع عنه.
وكذلك يقيد المؤلف الحديث الذي أخرجه الإمام مالك في تكفير الوضوء للخطايا جريا على ما تقدم فيقول في تكفير الوضوء لما تبطشه اليد قال مؤلفه رضي الله عنه ما لم تكن يداه بطنت كبيرة من الكبائر، فإن كانت فيما بينه وبين الله فلا يكفرها على التوبة، وإن كانت من حقوق العباد فلا يكفرها إلا القصاص أو العفو كما تقدم. (انتهى).

تحرياته في المعاملات واحتياطاته لحقوق الضعفاء
وللمولى محمد بن عبد الله اختيارات أملاها عليه الاحتياط لحقوق الضعفاء من جهة والرغبة في صيانة الأموال وتقليل الخصومات من جهة أخرى منها كما ذكر الحافظ المدني بن الحسني منع توكيل المرأة لزوجها وجعل الحكم عند تساوي القولين بما يثبت.
الحق للمسكين خوفا من الميل إلى الأقوياء ومنع من البيع على الغائب والمحجور ثم جوز ذلك على أن تشتري الأحباس أو بيت المال المبيع ليمكن للمبيع عليه استرداده وأمر بجعل الصداق ناجزا كله وحصره في أربعين مثقالا تسهيلا للزواج واشترط بحث القاضي بنفسه عن الملك المراد شراؤه وتسليمه لملكيته وسلامته من نزاع الشركاء والشفعاء والمستحقين والجوار وأداء الثمن بمحضره كما منع من الإفتاء والحكم بشراح مختصر خليل المتأخرين وألزم القضاة بكتب أحكامهم والإشهاد عليها.

تضلعه في العلم وإقباله على التأليف
أما تضلعه في العلم وإقباله على التأليف فقد ذكر في مقدمة كتابه "الفتوحات الالاهية" قوله : فحين شرعت في المقصود يسر الله تعالى في مسندات الأئمة الثلاثة وردت علينا من الحرم الشريف والحمد لله مسند الإمام أبي حنيفة ومسند الإمام الشافعي ومسند الإمام أحمد والحال أن المسانيد الثلاثة المذكورة لم تدخل المغرب قط حتى كان دخولها على أيدينا والحمد لله شرعنا في مسند الإمام أبي حنيفة حتى ختمناه والحمد لله وأخذنا منها ما قدرنا على حمله من الدرر النفيسة.
ثم أخذنا من درر موطأ الإمام مالك أيضا مثل ذلك ثم أخذنا ما اتفق عليه الإمامان البخاري ومسلم وأضفنا الدرر المذكورة بعضها إلى بعض ثم سقناها على هذا النسق الإبداع والنظام الأرفع الخ..
وعلى هذا فكتاب الفتوحات الالاهية بذل فيه المولى عبد الله دراسات وافية ومجهودا كبيرا من الوقت رغم قيامه بأعباء الملك وتنظيم مهام الدولة في مختلف الميادين وعاكس تيار علماء الكلام في وقته باختياره للمذهب الحنبلي في العقيدة مع اختيارات أخرى في الأحكام ونزعات اجتهادية رفعه إليها نبوغه وكثرة اطلاعه وعمق تفكيره ورغبته الصادقة في الإصلاح الديني والاجتماعي مما يجعله في طليعة العظماء والمفكرين رحمه الله وأنابه

ملاحظة على غفوة:
ذكر بعض الباحثين المتخصصين في ترجمة المولى محمد بن عبد الله أن كتب الحديث الرائجة في المغرب يومئذ هي صحيح البخاري ومسلم وموطأ مالك، أما الكتب الأخرى فلم تكن معروفة، لأن المغاربة قبل سيدي محمد بن عبد الله كانوا لا يعرفون من كتب السنة إلا هذه الثلاثة فلما تولى سيدي محمد بن عبد الله الإمامة العظمى بدأ يجلب كتب الحديث الموجودة في المشرق فذكر المسانيد الثلاثة للائمة أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل، وهذا الكلام من الباحث الجليل سبق قلم قطعا وفي الكتب المتداولة ما يبين أن التاريخ العلمي للحديث النبوي في المغرب كان له شأن فقد ذكر المؤرخ عبد الواحد المراكشي في كتابه المعجب في ترجمة يعقوب الموحدي عنايته بكتب السنة فقال رحمه الله : "وأمر جماعة ممن عنده من العلماء المحدثين بجمع أحاديث من المصنفات العشرة الصحيحين والترمذي والموطأ وسنن أبي داود وسنن النسائي وسنن البراز ومسند ابن أبي شيبة وسنن الدارقطني وسنن البهيقي في الصلاة وما يتعلق بها على نحو الأحاديث التي جمعها محمد بن تومرت في الطهارة فأجابوه إلى ذلك وجمعوا ما أمرهم بجمعه فكان يمليه بنفسه على الناس ويأخذهم لحفظه، وانتشر هذا المجموع في جميع المغرب وحفظه الناس من العوام والخاصة فكان يجعل لمن حفظه الجعل السني من الكسا والأموال" (انتهى بنصه)
فهذا ما صنعه أبو يوسف يعقوب الموحدي بالمصنفات العشرة الضخمة في السنة النبوية وهو ما يشرف تاريخ نشر السنن النبوية في المغرب وما نظن الباحث المنصف الكريم إلا موافقا على هذه الملاحظة حفظه الله.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here