islamaumaroc

على هامش رسائل الحسن اليوسي إلى مولاي إسماعيل

  دعوة الحق

116 العدد

لسنا هنا بصدد كتابة ترجمة مفصلة للمولى إسماعيل رحمه الله، و لا بصدد كتابة ترجمة مفصلة لمعاصرة العلامة الكبير الحسن اليوسي، فقد يكون لكل ذلك مجال آخر غير هذا المجال.
 وإنما نحن هنا بصدد الحديث عن بعض رسائل الحسن اليوسي إلى المولى إسماعيل، ومع ذلك، فإن المقام يقتضينا أن نسطر هنا بعض الخطوط العريضة في حياة كل من الرجلين، وبعض الصفات أو الأحداث التي تساعدنا في إلقاء بعض الأضواء على ما ورد في الرسائل التي نريد أن نخصها بهذا الحديث.
                                                   ***
لقد عمر المولى إسماعيل ثلاثا و ثمانين سنة، قضى منها في مركز السلطة و المسؤولية أربعا وستين سنة، منها سبع سنين قضاها عاملا لأخيه المولى الرشيد على إقليم، و منها سبع و خمسون سنة قضاها ملكا مستقلا بالحكم، منفردا بالسلطان.
ونحن لا نشك في أن هذا العمر المديد الذي كتبه الله لهذا الملك العظيم، و هذه المدة الطويلة التي قضاها في الحكم، و خصوصا منها مدة ملكه، وهي سبع و خمسون سنة، كل ذلك ـ إلى جانب مواهبه الذاتية ـ كان من العوامل المساعدة له على انجاز الأعمال العظيمة التي أنجزها ، سواء في ميدان العمارة و التشييد، أو في ميدان السياسة و الحكم، أو في ميدان العمل من أجل تحقيق الوحدة الوطنية من جهة، و من أجل تحرير الثغور المغربية من جهة أخرى.
إن المولى إسماعيل، هو الذي وطد بحق، أركان الدولة العلوية الشريفة و أرسى دعائمها، و قضى على كل منافسة لها في الداخل، و فرض احترامها و هيبتها في الخارج.
ومن شأن الرجال الذين تنتدبهم الأقدار للقيام بمثل هذه المهمات التاريخية، أن يكونوا على جانب كبير من العزم و الحزم، و من شدة المراس.
وقد كان المولى إسماعيل كذلك بالفعل، و لعل هذا هو الانطباع الأول الذي تتركه قراءة سيرة حياته، في أي كتاب من كتب التاريخ.
                                                      *
و لكن المولى إسماعيل كان إلى جانب كل ذلك، يمتاز بصفات أخرى، قد تكشف تجليتها على جوانب أخرى من شخصيته.
 و لعظامة عادة تتعدد جوانب شخصياتهم، و يصدر عنهم من الأعمال و التصرفات أو يقفون من المواقف، ما قد يبدو متناقضا لأول وهلة، و ليس في الأمر من تناقض، و إنما هنالك تعدد لجوانب الشخصية، يطفي جانب منها في موقف، و يطغى جانب آخر منها في موقف آخر.
                                                      *
من ذلك أن المولى إسماعيل رحمه الله، كان يخفض جناحه للعلماء، و يترفق بهم، و يستشيرهم في أموره، ويعترف لهم بالفضل، و يقبل منعهم النصح، و لو جاء هذا النصح أحيانا في صورة شديدة، كما هو الشأن بالنسبة لبعض رسائل الحسن اليوسي إليه، تلك الرسائل التي نعقد من أجلها هذا الفصل.
صحيح أن المولى إسماعيل قد أمتحن بعض علماء عصره، و لكننا عند النظر في ذلك سنجده يتعلق بعامل أساسي في سياسة الدولة، كتكوين جيش عبيد البخاري، ذلك الجيش الذي كان يراه المولى إسماعيل ضروريا على الصورة التي تم عليها تكوينه، ليتاح له بذلك أن يستغني عن الاستنصار بالقبائل، و بالتالي أن يجردها  من السلاح، لما كان يرى في ذلك من ضمان للوحدة الوطنية، و لاستثبات الأمن و سيادة النظام.
ثم إنها قضية قد ينفسح فيها الباب لاجتهاد، و للأخذ و الرد، و لعل المولى إسماعيل بعد أن تم له الاقتناع بصواب مسلكه في ذلك، حمل موقف العلماء الذين خالفوه فيه، على أنه  مجرد معارضة على تستند إلى أساس قوي غير قابل لمناقشة، خصوصا بعد أن وافقه على ذلك بعض العلماء، و سكت عنه بعضهم الآخر، فلم يؤيد و لو يعارض.
وفيما عدا هذه الحالة أو شبيهاتها، فإن المولى إسماعيل، كان على  ما ذكرناه من خفض الجناح للعلماء، والترفق بهم، و استشارتهم، و الاعتراف لهم بالفضل، و قبول النصح منهم، و سنسوق فيما يلي بعض مواقفه التي تؤيد ذلك، و تكشف عن هذا الجانب الآخر من جوانب شخصيته.
                                                      *
من ذلك، ما كان يردده من بعد، السلطان العالم مولاي سليمان." وهو أن المولى إسماعيل لما أيقن بالموت دعا وزيره و عالم حضرته، الكاتب أبا العباس اليحمدي و قال له :" اني في آخر يوم من أيام الدنيا، فأحببت أن تشير علي بمن أقلده هذا الأمر من ولدي، لأنك أعرف مني بأحوالهم" فقال له:" يا مولاي لقد كلفتني أمرا عظيما، وانا أقول الحق، أنه لا ولد لك تقلده أمر المسلمين، كان لك ثلاثة، المولى محرز، و المولى المأمون، و المولى محمد، فقبضهم الله إليه" فقال له السلطان:" جزاك الله خيرا" وودعه و انصرف، و لم يعهد لأحد".
وعلى ذكر أبي العباس أحمد اليحمدي هذا، نذكر أن أحد أبناء المولى إسماعيل، حاول مرة أن يفسد بينه وبين والده، فمضى إلى المولى إسماعيل يقول له:" يا مولانا، إن اليحمدي ينتقصك، و يزعم أنه هو الذي علمك دينك" فقال له المولى إسماعيل " و الله ـ إن كان قال ذلك ـ أنه لصادق، فإنه هو الذي علمني ديني، و عرفني بربي".
ويعلق بعض المؤرخين المغاربة على ذلك قائلا: " و هي منقبة فخيمة للمولى إسماعيل. في الخضوع للحق، و الاعتراف به. رحم الله الجميع".
                                                      *
ومما يذكر في هذا الباب. أن المولى اسماعيل كان في البداية يسيئ الظن بالشيخ أحمد بن محمد بن ناصر الدرعي. وكان من أعلام عصره علما وعملا، فاستدعاه إلى مكناس، فلما كان الشيخ أحمد بظاهر مكناس، قدم إليه المولى اسماعيل بنفسه، وصافحه واختلى به ساعة، خرج بعدها من عنده، وهو يقني عليه، ويرفع صوته بالنداء في الناس يدعوهم إلى زيارته.
                                                      *
ولعل مما يتصل بهذا الباب أيضا، باب احترام العلم، و تقديس السنة، و الخضوع لها ، ما هو معروف من سبب تسمية جيش عبيد البخاري بهذا الاسم، و ذلك أن المولى إسماعيل عندما تم له تكوين هذا الجيش، جمع ضباطه و رؤساءه، و أحضر نسخة من صحيح البخاري، و قال لهم:" أنا و أنتم عبيد  سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و شرعه المجموع في  هذا الكتاب، فكل ما أمر به نفعله، و كل ما نهى عنه نتركه، و عليه نقاتل".
                                                      *
و لا ينبغي أن ننسى هنا أن المولى إسماعيل كانت له زوجة أثيرة لديه، هي السيدة خناثة بنت بكار أم ولده مولاي عبد الله، و جدة المولى محمد بن عبد الله، و كانت كما يقول عنها المؤرخ المغربي أبو عبد الله أكنسوس:" صالحة عابدة عالمة، حصلت العلوم في كفالة والدها الشيخ بكار".
وقد ذكر أكنسوس نفسه،أنه رأى خطها على هامش نسخة من الإصابة لابن حجر.
ووصفها صاحب الاستقصا، فقال عنها: انها كانت فقيهة أديبة..
وذكرها الأستاذ عبد الله كنون في كتاب " النبوغ" فقال عنها:" كانت فقيهة عالمة. بارعة  أديبة، خيرة دينة، لها كتابة  على الإصابة في معرفة الصحابة لابن حجر، و كان لها كلام ورأي و تدبير مع السلطان ومشاوره في بعض أمور الرعية، فإنها كانت له وزيرة صدق و بطانة خير كما قال الوزير الإسحاقي في رحلته.."
ونحن لا نكاد نشك في أن هذه السيدة العالمة الفاضلة، كان لها دور مهم في حياة المولى إسماعيل فيما نحن بصدده ، فإن من سعادة المرء و حسن توفيقه أن يرزق بزوجة صالحة مثلها، تكون له وزيرة صدق و بطانة خير.
                                                      *
و يتصل بهذا الباب أيضا أن الحسن اليوسي في ختام رسالته "ندب الملوك إلى العدل" يتحدث عن المولى إسماعيل وان لم يصرح باسمه، فيقول :" وقد  حمدنا الله تعالى إذ كنا في دولة سلطان هاشمي علوي فاطمي، يستمع الحق، ويطلبه، ولا يأنف منه، ولا يستفره كبرياء، و لا أشر ، و لا بطر، فهذا من فضل الله علينا و منته لدينا".
وهي شهادة على جانب عظيم من الأهمية، لأن الشخص الذي صدرت عنه، وهو الحسن اليوسي، لم يكن سهل الانقياد، و لم يكن منافقا كذابا، و لم يكن من الذين يبيعون دينهم بدنياهم، بل كان على العكس من ذلك، رجلا شديدا في الحق، صريحا إلى أبعد حدود الصراحة، لا يتأخر عن أن يقول كل ما في نفسه، و أن يقول بطريقة واضحة لا غموض فيها و لا ابهام ولا التواء، و في مراسلاته مع المولى إسماعيل نفسه، ما يشهد بذلك و يؤيده و يؤكده.
ونحن نعتقد أن الحسن اليوسي إنما قال ذلك في حق المولى إسماعيل، بناء على تجاربه الشخصية معه، وبناء على ما رآه و سمعه من المواقف و الأخبار المؤيدة لذلك والدالة عليه.
                                                   *
هذا ما دعت الحاجة إلى إيراده هنا من أحوال المولى إسماعيل، فماذا عن الحسن اليوسي؟
يرتبط اسم الحسن اليوسي ارتباطا كبيرا بالزاوية الدلائية، و هي ذلك المركز العلمي الكبير، الذي كان  قائما بناحية تادلا، إلى أن استصفاه ـ لأسباب سياسية ـ و رحل القائمين عليه، المولى الرشيد، أخو المولى إسماعيل، و سلفه المباشر على العرش.
لم يكن الحسن اليوسي  من أبناء الزاوية الدلائية و لكنه كان من أشهر و أذكى و أنبغ تلامذتها و علمائها، و أكثرهم وفاء لها.
وقد رحل إليها في الواقع، وهو على جانب مهم من العلم، يؤهله للمناظرة، و لمناقشة قطاحل العلماء فاستكمل بها دراسته، و مكث بها نحوا من عشرين سنة، طابا أولا، ثم أستاذا من أساتذتها الأعلام بعد ذلك.
وعندما استصفى المولى الرشيد هذه الزاوية كما أشرنا إلى ذلك، كان اليوسي من علمائها الذين نقلهم إلى فاس.
ولم يلبث اليوسي إلا مدة بصيرة لفاس، حتى لمع اسمع ، كعالم كبير، و أستاذا متضلع، و مؤلف مكثر.
                                                      *
 و كان اليوسي موضع حفاوة كبيرة من المولى الرشيد، الذي يذكر عنه ، أنه كان يحضر بنفسه أحيانا مجالسه العلمية بجامعة القرويين.
وتوفي المولى الرشيد، فخلفه على العرش اخوه المولى إسماعيل، و قد حرص المؤرخون على أن يثبتوا اسم اليوسي في قائمة علماء الذين بايعوه  على إثر وفاة أخيه.
وقد ظل اليوسي موضع حفاوة و احترام من المولى إسماعيل كما كان شأنه مع أخيه من قبل، إلى أن توفي اليوسي سنة 1102 هجرية، في أواسط عهد المولى إسماعيل.
                                                      *
وقد خلف لنا اليوسي مؤلفات كثيرة، معظمها لا يزال مخطوطا، والبعض منها سبق أن طبع بالمطبعة الحجرية القديمة بفاس، و لعله لم يطبع منها طباعة عصرية إلا قصيدته الدالية في مدح الشيخ محمد بن ناصر، و شرحه هو نفسه عليها، و قد سماه:" نيل الأماني في شرح التهاني".
 و قد أحصى الأستاذ محمد حجي في كتابه عن " الزاوية الدلائية" مؤلفات اليوسي، فبلغت في هذا الإحصاء سبعة و أربعين مؤلفا، دل عليها كلها، فذكر أرقام المخططات منها في الخزانة الملكية أو الخزانة العامة، و ذكر تواريخ و أمكنة طبع ما طبع منها حتى الآن، ووضع علامات استفهام أمام ما يزال منها مجهولا، يعرف بالاسم فقط، و لا يعرف بالعين.
                                                      *
وقد أطنب العلماء والمؤرخون في الثناء على الحسن اليوسي، و التنويه بعلمه و فضله، حتى قال فيه معاصره العلامة أبو سالم العياشي.
 من فاته الحسن البصري يصحبه
                  فليصحب الحسن اليوسي يكفيه
وقال فيه الناصري:" كان رضي الله عنه غزالي وقته علما و تحقيقا و زهدا وورعا".
ثم قال فيه بعد ذلك:" و بالجملة، فهو آخر العلماء الراسخين، بل خاتمة الفحول من الرجال المحققين، حتى كان بعض الشيوخ يقول:" هو المجدد على رأس هذه المائدة" لما اجتمع فيه من العلم والعمل، بحيث صار أمام وقته و عابد زمانه، رحمه الله و رضي عنه".
وقال عنه الأستاذ عبد الله كنون في الترجمة التي عقدها له في كتاب" النبوغ" أثناء الحديث عن الحركة العلمية في عهد الدولة العلوية:" نابغة علماء هذا العصر، ومن أفضل المتحققين بالعلوم العقلية و النقلية على سبيل العموم".
 ثم قال عنه بعد ذلك:" و كان أبو علي ـ الحسن اليوسي ـ أدبيا عبقريا، راوية للشعر، يستحضر ديوان المتنبي و أبي تمام و المعري، و قصائد كثيرة لغيرهم، كل ذلك على طرف لسانه، وهو نفسه شاعر مجيد مكثر..."
ولعله لا موجب للاسترسال أكثر من ذلك، في الاستدلال على فضل اليوسي من كلام العلماء والمؤرخين، ففيما أوردناه من ذلك كفاية، و في كتبه التي خلفها لنا خير ثناء عليه.
                                                      *
 ولكنا نريد أن ننوه هنا، بصورة خاصة، بخصلة من خصال الحسن اليوسي، لم يحدث عنها كثيرا مؤرخوه و المترجمون له، تلك هي خصلة " الشجاعة الأدبية" التي كان اليوسي يتمتع بنصيب وافر منها، كما تدل على ذلك رسائله إلى المولى إسماعيل.
وتبادر فنقول: إن هذه الرسائل إن كانت تدل من جهة على مدى ما كان يتمتع به الحسن اليوسي من شجاعة أدبية، و من مقدرة على الجهر بالحق، و على أداء النصيحة و لو كانت مرة، فإنها تدل من جهة أخرى على مدى ما كان يتمتع به المولى إسماعيل  من استعداد لسماع صوت الحق، و قبول النصيحة و لو كانت مرة، ما دامت مجردة من شوائب الهوى و الغرض، و ما دام من تصدر عنه لا يقصد بها إلا وجه الله.
وقد رأينا أن الحسن اليوسي نفسه وصف المولى إسماعيل بذلك، فقال عنه:" إنه يستمع الحق، و يطلبه ، و لا يأنف منه، و لا يستنفره كبرياء، و لا أشر و لا بطر".
                                                      *
تأتي في مقدمة هذه الرسائل، الرسالة التي نقلها بنصها الكامل، الناصري في الاستقصا و ذلك في الجزء السابع منه، من صفحة 82 إلى صفحة86.
وقد قمنا بمقابلة بنص هذه الرسالة الوارد عند الناصري، مع نصها الوارد مخطوطا مستقلا على حدة، بقسم الوثائق بالخزانة العامة بالرباط، تحت رقم "1611د" فتبين لنا أن الخلاف بين النصين يسير جدا، لا يعدو ما يكون عادة من الاختلاف بين المخطوطات في بضع الكلمات أو التعابير أو ما إلى ذلك، بل تبين لنا أن النص الوارد عند الناصري أكثر صحة، وأقرب إلى الصواب في موطن الخلاف، لذلك آثرنا أن نعتمده، و أن ندل عليه من تهمه قراءة هذه الرسالة في نصها الكامل، إذ أن المقام هنا لا يتسع بطبيعة الحال لا يراده بكامله.
و يبدو أن اليوسي قد حرر هذه الرسالة، في أعقاب ما كان المولى إسماعيل قد أقدم عليه من تجريد القبائل من السلاح و العدة الحربية، بما في ذلك الخيل، و ذلك بعد أن تم له تكوين جيش قوي عنيد، و بعد أن اقتنع اقتناعا كليا بمقدرة هذا الجيش على ضمان الوحدة الوطنية، وعلى حماية الحدود و الثغور، وعلى خوض الحروب من أجل تحرير بعض المدن الساحلية المحتلة من طرف الأجانب، كالعرائش و أصيلا وطنجة و ما إلى ذلك.
ولسنا ندري على وجه التحقيق، ما إذا كان الذي حرك اليوسي لكتابة هذه الرسالة، هو عدم استساغته لتجريد القبائل من الخيل والسلاح، و خوفه أن يكون في ذلك أضعاف للمسلمين أمام ما قد يتعرضون له من الغزو الخارجي، باعتبار ما كان سائدا من أن المسلمين جميعا مسؤولون عن الدفاع عن حوزة الإسلام، أم أنها مجرد رسالة عامة، لا ترتبط بحادثة معينة، أو بسبب محدد بالذات.
وقد تباينت في ذلك آراء بعض المؤرخين الذين تحدثوا عن هذه الرسالة، فرأى اكنسوس أن الذي حرك اليوسي لكتابتها إنما هو عدم فهمه للمصلحة الحقيقية التي تنطوي عليها عمل المولى إسماعيل، و بعد أن شرح أكنسوس هذه المصلحة، قال :" وهذا القدر الذي اعتذرنا به عن السلطان ظاهر غاية الظهور، ولعله خفي على الشيخ اليوسي، حتى كتب إليه برسالته المشهورة".
ولكن الناصري في الاستقصا يرد على أكنسوس، فيقول:" إن ما فعله السلطان المولى إسماعيل رحمه الله من ذلك، ظاهر المصلحة، لا يخفى على أحد وجه استحسانه، و قوله أن ذلك الاعتذار على اليوسي ليس على ما ينبغي ، لأن الشيخ اليوسي رحمه الله ، ما تكلم مع السلطان في أمر أولئك القبائل و من في معناهم، و إنما كلامه معه أمور ثلاثة:
- الأول، في جباية المال من وجهه و صرفه في وجهه.
-الثاني: في إقامة رسم الجهاد، و شحن الثغور كلها بالمقاتلة و السلاح.
-الثالث: في الانتصاف من الظالم للمظلوم، و كف اليد العادية عن الرعية".
ثم أورد الناصري  بعد هذا الكلام النص الكامل للرسالة.
ومهما يكن، فإن الذي يبدو من قراءة نص الرسالة، هو أن كلام اليوسي في حض المولى إسماعيل على الإبقاء للقبائل على سلاحها و خيلها، لا يشمل جميع القبائل، و إنما يتعلق بصورة خاصة بسكان الثغور والسواحل البحرية.
و في ذلك يقول اليوسي في صلب هذه الرسالة: " فعلى سيدنا أن يتفقد السواحل كلها من قلعية إلى ماسة، و يحرضهم على الجهاد و الحراسة، بعد أن يحسن إليهم، و يعفيهم مما يكلف به غيرهم، و يترك لهم خيلهم وعدتهم، فهم حماة بيضة الإسلام، و يتحرى فيمن يوليه تلك النواحي، ان يكون أشد الناس رغبة في الجهاد، و نجده في المضايق، و غيرة على الإسلام، و لا يولي فيها من همته ملء بطنه، و الاتكاء على أريكته ، و الله الموفق".
 و يستشهد اليوسي في رسالته هذه، على وجه الصواب في الإبقاء لسكان السواحل و الثغور على سلاحهم و خيلهم و عدتهم الحربية، ببعض سماعاته و مشاهداته، فيقول:" و قد حضرت بمدينة تطاوين أيام مولانا الرشيد رحمه الله، فكانوا إذا سمعوا الصريخ تهتز الأرض خيلا و رماة، و قد بلغني اليوم أنهم سمعوا صريخا من جانب البحر ذات يوم. فخرجوا يسعون على أرجلهم، بأيديهم العصي و المقاليع و هذا و هن في الدين، و غرر على المسلمين، و إنما جاءهم الضعف من المغارم الثقيلة، و تكليفهم الحركات و إعطاء العدة كسائر الناس".
وغير خفي أن هذه العبارة الأخيرة، و هي: " و إعطاء العدة" تعني، كما نقول نحن بلغة العصر " تسليم السلاح".
لقد أشرنا من قبل إلى أننا لا نستطيع هنا  نأتي بالنص الكامل لهذه الرسالة، و دللنا عليها في موضعها من كتاب الاستقصا ليرجع إليها من شاء، ونكتفي هنا بايراد فقرات اخرى منها، لعلها تكفي مع ما سبق لإعطاء فكرة عنها.
يقول  اليوسي بعد التحميد و الديباجة:" و كنا كثيرا ما نرى من سيدنا التشوق إلى الموعظة و النصح والرغبة في استفتاح أبواب الربح و النجح، فأردنا أن نرسل إلى سيدنا ما ان وفق إلى النهوض إليه، رجونا له ربح الدنيا و الآخرة، و الارتقاء إلى الدرجات الفاخرة، و رجونا و ان لم نكن أهلا لأن نعظ، أن يكون سيدنا أهلا لأن يتعظ، و أن يحتمي من جميع المذام و يحتفظ. فليعلم سيدنا أن الأرض و ما فيها ملك لله لا شريك له، والناس عبيد الله سبحانه و اماء له، و سيدنا واحد من عبيد الله، و قد ملكه الله تعالى عبيده ابتلاء و امتحانا، فإن قام عليهم بالعدل و الرحمة و الإنصاف و الإخلاص، فهو خليفة الله في أرضه، وظل الله على عبيده، و له الدرجة العالية عند الله تعالى، و ان قام بالجور و العنف و الكبرياء و الطغيان و الإفساد ، فهو متجاسر على مولاه في مملكته، ومتسلط و متكبر في الأرض بغير الحق، و متعرض لعقوبة مولاه الشديدة و سخطه".
وبعد ذلك يدخل اليوسي في التفاصيل، متحدثا أولا بأول عن نقط الرسالة الثلاثة التي سبقت الإشارة إليها، ثم يختم رسالته بعد أن ينكر الخلفاء الراشدين بقوله:" فعلى سيدنا أن يقتدي بهؤلاء الفضلاء، و لا يقتدي بأهل الأهواء، و ليسأل من معه من الفقهاء الثقات.. الذين يتقون الله، و لا يخافون في الله لومة لائم، فما أمروه به مما ذكرناه و مما لم نذكره فعله، و ما نهوه عنه انتهى، هذه طريقة النجاة إن شاء الله تعالى".
تلك نماذج من هذه الرسالة، و هي لا تغني في الواقع عن قراءتها كاملة.
 و إذا كنا لا نملك إلا أن نعجب بشجاعة اليوسي و نحن نقرأ هذه الرسالة، فإن إعجابنا لا يقل عن ذلك، بسماحة المولى إسماعيل المتوجه إليه بها. و رحابة صدره، و استعداده الكبير لقبول النصح ممن هو أهل لإسدائه، من العلماء العاملين بعلمهم، و رجال الدين المخلصين الذين لا يبتغون إلا وجه الله.
                                                      *
و ننتقل الآن إلى الحديث عن رسالة أخرى كان قد وجهها اليوسي المولى إسماعيل.
ذلك أن اليوسي أثر في أواخر حياته، أن يترك المدينة إلى البادية، وأن يعود إلى مسقط رأسه بالأطلس المتوسط، حيث يقضي بقية عمره، متفرغا للعبادة و التدريس.
وقد أقدم على تنفيذ ذلك بالفعل، و لكن المولى إسماعيل كلف كتابه أن يكتبوا إليه باسمه، يدعونه إلى العودة إلى فاس.
وقد كتب الكتاب بذلك تنفيذا لأمر السلطان، فكتب اليوسي جوابا مطولا إلى المولى إسماعيل، يعتذر فيه عن ذلك، و يناقش كتابه فيما ورد في رسائلهم إليه، و لعله، تعمد هذا الأسلوب تأدبا، حتى لا يدخل في مناقشة مع الملك نفسه.
يوجد نص هذه الرسالة مخطوطا يقسم الوثائق بالخزانة العامة، في مجموعين، الأول تحت رقم "1348" ابتداء من صفحة 13 و الثاني تحت رقم "849ج" من صفحة 1 إلى الصفحة 146.
 ونسوق فيما يلي فقرات متفرقة من هذه الرسالة، معتمدين النص الوارد في مخطوط الخزانة العامة تحت رقم 849 ج.
يقول اليوسي:
" وأما قول الكتاب:" ومن قديم الزمان لا تعرف العلماء إلا مع الملوك.. الخ" فأقول: لا شك أنه لم تدخل مملكة بحمد اله تعالى من علماء، ينفع الله بهم من هداه لطاعته، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه سلم، حيث قال: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خالفهم".
" قال الأئمة: وهم أهل العلم، لأن أول الحديث وهو قوله صلى الله عليه و سلم:" من يرد به الله خيرا يفقهه في الدين" دال على ذلك".
وقال صلى الله عليه و سلم:" يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين".
"أما صحبة الملوك، و ملازمة أبوابهم.. فليس في العلماء على العموم و لا اللزوم، بل لم يزالوا تختلف أحوالهم في ذلك، فمنهم من يسارع إلى أبواب الملوك و هم الأقل، و منهم من يتجافى عن ذلك وهو الأكثر".
" فأما المنقبض، فقد يكون انقباضه لشغل له في حال بينه و بين الله تعالى،أو شغل آخر في معاش أو علم، أو لكونه نفور الطبع عن تلط الأبواب، أو لكونه لا يصلح لها، أو لكونه لم يجد إليها سبيلا، أو نحو ذلك".
والذي يجب إعلام السلطان به، نصحا ينصح به نفسه و غيره من المؤمنين أن أكثر انتفاع الطلبة و أهل المسائل من العامة و الخاصة، إنما هو من " العالم" المنقبض، الجالس في داره، أو في بيت من بيوت الله، بحيث إذا جاء متعلم أو سائل وجده، و يصل إليه المسكين و العجوز، و يباحثه الطلبة، حتى يقفوا على التحقيق، و لا يرهبونه و لا يستنكرونه و لا  يتهمونه".
"و لا شك أنه يجوز أن يكون في صحبه الملوك من هو صحيح الدين، و أقف عنده، ينفع الله به، ولكن ذلك أعز من الكبريت الأحمر".
"فإذا علم السلطان هذا كله، فلا ينبغي له أن يلزم العلماء كلهم ملازمة مجلسه دائما، فإنه يتعطل بذلك غالب النفع العام على المسلمين".
 هذه فقرات متفرقة من هذه الرسالة التي يعتذر فيها الحسن اليوسي للمولى إسماعيل عن الرجوع إلى فاس كما طلب منه، و هي طويلة جدا كما رأينا من قبل، شحنها اليوسي ـ على عادته ـ بالاستشهاد بكثير من الوقائع التاريخية، و تحدث فيها عن أصناف من العلماء المخادعين حديثا صريحا واضحا، يكشف عن حقائقهم، و يفضح زيفهم، و يظهرهم العيان على حقيقتهم.
                                                     *
ونشير في الأخير إلى رسالة أخرى للحسن اليوسي سبقت الإشارة إليها من قبل، و هي الرسالة المعروفة بعنوان " ندب الملوك إلى العدل " أو " في آداب الملوك" و يوجد نصها مخطوطا في مجموع بقسم الوثائق بالخزانة العامة، تحت رقم "364 د" و ذلك ابتداء من صفحة 221 من هذا المجموع إلى صفحة 228 منه.
وقد رجعنا إلى نص هذه الرسالة، فتبين لنا أنها ليست موجهة للمولى إسماعيل، و إنما هي رسالة عامة، يشرح فيها اليوسي واجب الملوك بصفى عامة في تحري العدل، وواجب العلماء في النصيحة إليهم بذلك، ويضرب أمثلة متعددة من التاريخ على ذلك.
و قد رأينا من قبل، أن اليوسي ختم هذه الرسالة بذكر المولى إسماعيل، و الثناء عليه بكونه "يستمع الحق ويطلبه، و لا يأنف منه و لا يستفزه كبرياء و لا أشر و لا لابطر".
ونؤكد هنا ما سبق أن ذكرناه، من أننا نعتبر ذلك شهادة ذات أهمية خاصة في حق المولى إسماعيل لصدورها عن عالم معروف بالصدق و الإخلاص، و بالشجاعة الأدبية، و بالصراحة في الحق إلى أبعد حدود الصراحة.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here