islamaumaroc

تطور الأدب المغربي في عصوره المتأخرة

  دعوة الحق

116 العدد

ليست الكلمة الأدبية إلا أداة التعبير عن الفكرة. تحمل طاقة عقلية ونفسية أيضا، و كلما كانت صادقة منبعثة عن إيمان ووعي، كانت حافزة على تأريت الحماس و إيقاد الوعي و تاريخ الوضع بصدق و أمانة.. تغزو القلوب فتحرك العواطف و تثير العقول فتبين الحجة، و بذلك تحرك في النفس عوامل النضال الشريف لتحقيق الحرية و التحرر و الدخول للتاريخ من بابه الواسع.
ولهذا فالأدباء و الشعراء و الكتاب و الفنانون كانوا روادا لحركتنا التحررية المغربية في مطلع هذا القرن، فهم الذين أعلنوا الخطر الذي دق ناقوسه قبل بداية القرن العشرين، ودعوا إلى التعبئة النفسية و الفكرية لمقاومة خصوم المغرب العربي المسلم، وألهبوا حماس المواطنين أجمعين لمواجهة خطر معركة الشرق و الغرب، ليكون العالم العربي متماسك الأطراف. كما كان أدباء المغرب يحملون عبء الأمانة و يقاومون ما وسعتهم المقاومة.. فانذروا الأمة بما يحرك لها في الظلام من مؤامرات المستعمرين، حتى إذا داهم الخطب كان أغلبهم في طليعة المعركة يدعو للمقاومة المسلحة و الحرب المستمرة التي لا تحفل بمراحل انتصارات الخصوم... و إذا فإن الأدب المغربي ظل حيا مؤمنا برسالته، وظل قويا يحقق الأهداف الإنسانية المثلى، مخلصا للمواطنين لا يستميت إلا في الدفاع عن العقيدة و الخير و الجمال، كما ظل في المعركة يلهب القلوب لتسيل دماء الأحرار و تخضب أرض الوطن العزيز ! فإذا كان لا يوجد في بلادنا شبر لم ترو تربته دماء الأحرار فلان أمجاده سجلتها ملحمة الشاعر المغوار فتعانق السيف و البراع، واللسان و السنان. في كل  معاركنا ضد الاستعمار.. لقد كان أدبنا جزءا من أدب الأمة العربية المسلمة، ولكنه أدب له ذاتيته، و طابعه الخاص وهو مهما يكن جزءا من الأدب العربي فمن السهل أن نتعرف على ملامح شخصيته..
و الواقع أن الأدب العربي أدب أمة واحدة، يتشابه في المقومات و الأسلوب و بواعث الإنتاج و لكنه يتأقلم في كل بيئة حسب معطياتها وذاتيتها، شأنه شأن الفنون الأخرى التي مهما تتشابه فإنها تتفارق افتراق التكامل، فاختلاف الملامح هو أساس الوحدة الأدبية في الأمة العربية لأنه اختلاف التكامل لا غير.
وبما أن المغرب العربي كانت حركته الأدبية من أقوى آداب بلاد إفريقيا لأنه كان مركز التقاط الأشعة المتوهجة المنبعثة من الشرق و الغرب كما كان مركز إرسال إلى إفريقيا الجنوبية و الأندلس العربية، فقد تبلورت فيه الثقافة العربية الإسلامية حتى أصبح بحق مركزا مهما من مراكزها، و لعل هذا يرجع لعاملين اثنين ( الأول) صلة الجنس و الدم بين سكان المغرب و سكان البلاد العربية الأخرى ( الثاني) اعتزاز المغربي بعروبته نتيجة البعد الجغرافي عن البلد الأم. و الأمم التي تنأى عن مهدها الأول يقوى حديثها عليه و جنينها إليه (والثالث) تمسكه بالقيم الإسلامية التي خلدها القرآن العربي، و يخيل إلى أننا كلما تساهلنا في تحديد الوحدة الأدبية إلا كان الأدب  المغربي جزءا من أدب  البلاد العربية الأخرى لا نجد لذلك فرقا واضحا، كما أننا كلما حاولنا أن نضيف المفاهيم و التحديدات إلا و كان الأدب المغربي له ذاتيته المتكاملة مع الآداب العربية الأخرى، و قد يعسر أن نضيف هذه التحديدات إذا نظرنا إلى الأدب الأندلسي على أنه أدب مستقل عن الأدب المغربي فالأندلس لم تكن بآدابها إلا جزءا من الأدب المغربي عندما يتوحد الحكم فيجتمعان و عندما  تنشب الخلافات بين الأمراء فتتجزء الأندلس إلى أجزاء قد تصل إلى طوائف متعددة و يبقى الأدب أكمل عامل الوحدة و الائتلاف بل تظل الوحدة الأدبية قوية في الأندلس و المغرب عندما تفرق السياسة و الأهواء و الإقطاعية بينهما  !و أيا ما كان فإننا نستطيع في كثير من اليسر أن نتفق على دقائق الوحدة الأدبية و الثقافية بين الآداب المغربية و الأندلسية و لا يشق علينا أن نستجلي هذه الوحدة في باقي الميادين الحيوية الأخرى من اقتصاد و فن و غيرهما.
 و إذا كانت التطورات السياسية البعيدة المدى في البلاد العربية و الإسلامية أثرت على الأدب العربي كله، فإن الأدب المغربي تأثر بها إلى حد بعيد و أثر فيها أيضا. و إذا حاولنا نقد أدبنا في الحقبة الأخيرة من تاريخنا الأدبي فإن المراحل السياسية كانت أعظم مؤثر في إنتاج أدب القرن العشرين و ما قبله بقليل، ومن السهل لنفهم الموضوع أن نقسم أدب هذه الحقبة أعني أدب القرن العشرين و ما قبله  بقليل إلى ثلاث مراحل ( أدب مرحلة ما قبل الاستعمار)  و ( أدب مرحلة الاستعمار و ( أدب الاستقلال)كان الأدب المغربي في المرحلة الأولى مرهفا شديد الحساسية يتطلع إلى إيديولوجية وطينية و يعبر في صدق و تلهف عما يختلج  في قلوب المواطنين من آلام و آمال و خوف من  الإرهاصات المتوالية التي تسبق العاصفة، بل كان كالأم المستغيثة التي توشك أن تلتهم النيران وحيدها. فلم يكن أدب نضال، و لكنه كان أدب قلق و حيرة و إحساس.. فقد رأى الشاعر تساقط المدن المغربية أمام جحافل معادين أقوياء و شاهد تكالب المنتهزين على مخالفة أعداء البلاد، و كان التجربة التاريخية القاسية من عوامل النزع بل توحي باستسلام فلم يكن المغرب يجابه لأول مرة عدوه بل إنه كان في امتداد معركة تاريخه ضد حركة التعصب التي بدأت في الأندلس، ثم انقضت على الشاطئ المغربي فروعت الآمنين، وساندها الطغاة في العالم الظالم و الغريب أن أدب هذه الحقبة كان التزاما يشايع المعركة فلم تتلهى لهاة الشعراء في الغالب بعواطف رومانتيكية بل كانوا السنة نضال تساند أسنة القتال، كانوا شعراء و كتاب داعين إلى وحدة الرأي و مقاومة المستعمر و كانت النكبات التي تتوالى على البلاد الإسلامية منبعا فتفجرت عنه عبقرية الأدباء و الكتاب و الشعراء فانطلقوا جميعا من بين صفوف الشعب يهتفون في طليعة بحياة العزة و الكرامة و يمزقون ألفاف التأخر  ويحطمون كل ما يحول دون التحرر و الانطلاق، ولم يكن الكتاب و الشعراء إلا جماعة من رواد الإصلاح يلتفون حول زعماء اليقظة الفكرية الذين جسموا ما أصاب البلاد من ضعف و انحلال وما يسودها من فرقة و تخاذل وفقدان وعي، فكان أدب هذه الحقبة تصويرا لهذا المجتمع و تعبيرا عن هذه الحركة الإصلاحية، كما كان ثورة عارمة ضد الضعف و الاستكانة و التخاذل. بل نستطيع القول غير متهيبين أن الوطنية المغربية أنشأها أدب هذه الحقبة.
وأمام المكيدة والدس والمؤامرة والخداع والسلاح العتيد استسلم الشعب المغربي أمام قوة أعدائه فظل الأدب يومئذ الجذوة الملتهبة يورث الحماس و يقوي الوعي القومي، و يلهب الشعور، أداة تعبيره اللغة العربية الفصحى تارة و باللغة العامة الشعبية تارة أخرى، و كانت الطبقة المثقفة تستعمل لغة القرآن ذات التأثير و الفهم التلقائي بينما كانت الطبقة الأمية تستعمل تعبيرا دارجيا في موضوعاتها، فكانت تصور وتعبر بصدق و بلغة فنية رقيقة، لأن لغتها كانت سهلة و لم تكن معجمية، و إنما هي مقدودة من الوقع ينتزعها من معركة الحياة و ينحتها في صميم الميدان، ثم  ينسجها في كلماته التعبيرية الصادقة.
 و إذا كانت مزية الأدب الكلاسيكي المغربي  في إحياء مجد العروبة  و إقرار الإيمان بها و العمل على إنضاج الوعي الوطني فإن مزية الأدب الشعبي كانت صدق التصوير و عمق التعبير عن الألم و قوة الصلة بينه و بين حوادث بيئته و مجتمعه و لعل الخصائص الأولى التي تميز أدب القرن العشرين في المغرب هي إن هذا الأدب أصبح حضريا،  و تركز في أهم عواصم المغرب كفاس و مكناس و الرباط ومراكش بعد أن انهارت المراكز العلمية التي كانت  تزاحم هذه المدن، غير أن هذا لم يمنع من ازدهار أدب عربي في شنجيط و في بلاد السوس الأقصى، و إن كان إنتاجا قد تحجر في أسلوب معجمي ينقص بعضه الطبع و السليفة باستثناء شعراء كبار كالتمسنارتي و المرغيثي و التركزي مثلا.
 كما أن من خصائص أدب هذه الحقبة شدة ترقبه لأدب البلاد الشرقية و ثقافتها حتى أصبح من الضروري أن يستكمل الأديب ثقافته و اطلاعه في بلاد الشرق كما فعل محمد ابن الطيب العلمي الذي كان أول قصاص مغربي، و أحمد الهلالي، و الشاعر التركزي الذي زار الاستانة و أنشد قصائده في مؤتمر المستشرقين في السويد.
 وتأثر هؤلاء بالأدباء الذين سبقوهم كالعياشي و اليوسي و أحمد ابن ناصر، كما امتاز أدب هذه الحقبة  بالتزامه الأدبي ونشاطه السياسي وتأثر بالنزعة الشعرية الجاهلية، وساعدتهم المناصب على التخصص في الميدان الأدبي، و قد كان الملوك المتأخرون قبل عصر الحماية يختارون السفارة و الوزارة والكتابة أدباء البلاد و شعراءها، من هؤلاء السفير الزياني و الوزير ابن إدريس  والأديب غربط  والشاعر ابن المواز و يرى المستشرق ليفي برفنصال أن الحركة الأدبية في العهد العلوي كانت محصورة على وجه التقريب في دائرة الكتاب المخزنيين إذ الواقع أن بجانب هؤلاء الموظفين الأدباء كثير من الشعراء  والكتاب الذين ابتعدوا عن الحكم.. و المهم أن هذا الأدب حلق في الرومانطيقية التي تخلقها الوطنية والحنين إلى مسقط الرأس و مرابع الصبا. و لذلك لا تكاد تجد شاعرا إلا وفي نفحات شعره هذه الظاهرة الصادقة.
وقد نبغ مآت الشعراء في القرن التاسع عشر في فن التعبير عن الوطنيات و تصوير آلام الشعب المقاوم، و دحض آراء الاستعماريين و أنصارهم و من نماذج هؤلاء عبد السلام القادري و ابن ريحة الريفي وعبد السلام بن حمدون جسوس، و كتاب نشر المثاني لمحمد القادري مادة خصبة لإنتاج هؤلاء الشعراء وأدبهم الوطني.
ولقد كان هؤلاء رواد الحركة الأدبية التي ازدهرت فيما بعد على يد الشاعر السليماني و غريط و القري وأبو جندار و عبد الله القباج و ابن اليميني الناصري و حجي و غيرهم ثم جاء رعيل آخر قاد مشعل الشعر لقديم تحدث عنهم كثيرا الأستاذ عبد الله كنون في كتابه عن أدب المغرب المعاصر.. و قد تأثر هؤلاء بسلفهم إذ أن شعراء القرن التاسع عشر في المغرب نهضوا نهضا قويما.
وحاول شعراء هذا العصر أن يجدوا لأنفسهم طريقة تعبيرية  جديدة و لذلك بقول محمد بن العربي الشرقي وهو من رواد الشعر في أوائل القرن العشرين ( إن اسم الشاعر لا يطلق إلا على من وقف في حرم المعاني بكل المشاعر،  أما في من سلك طريقة واحدة، فآراؤه فاسدة، و بناؤه على غير قاعدة).
واحتفظت آخر جالية من الموريسكو الأندلسيين التي استوطنت الرباط على طرائف أدب أجدادها فواصلت بعناية بالأدب على الطريقة الأندلسية المهتمة بالمحتوى الأنيق و المعنى الرشيق المعرب عن ألم الذكرى ومرارة الفراق و لم تنس عندما تآمر المستعمرون على بلادنا أن توقظ الذكريات المريرة يوم غادروا فردوسهم المفقود بعد أن نكلت بهم محاكم التفتيش فكان أدبهم يتصل  اتصالا وثيقا بأدب أجدادهم كما كان حافزا على ربط الحاضر بالماضي، و قد شغف معظمهم بمعارضة فحول الشعراء الأندلسيين و ذكروا من هؤلاء الشاعر بسير الرباطي و ابن عمرو، و الشكلنطي و في كتاب الاغتباط لأبي جندار و مقدمة سوق المهر تراجم وافية و قطع شعرية لمعظم هؤلاء الأدباء الذين امتاز إنتاجهم بعمق الإحساس وصدق التعبير و جمال الأداء أما عن إنتاج عهد الحجر و الحماية  فقد كان عهدها بغيضا صودرت فيه حركة الأدب وأكرهت الألسنة على الصمت و لكنها تكملت ملتهبة صادقة فكان أدبها معبرا عن ألم مكبوت و شعور فيه زفرة شعب مسلوب الحرية متألم بالحديد و النار، كما كان ملحمة دامية تصور قسوة الاستعمار و الحسرة على الاستقلال و التلهف على الحرية، و خاض هذا الأدب جميع الفنون و عبر عن عواطفه بمختلف أدوات التعبير بالقصيدة و الملحمة و المسرحية و الملهاة و المأساة و الأدب الصحاف و الأدب الإذاعي. ومن أبرز شعراء هذه الحقبة المختار السوسي، و القرى و البلغيتي.
وسار بجانب هذا الأدب الفصيح أدب عامي  شعبي، فكان أدبا قويا مشحونا بالمفاهم الوطنية الجديدة المعبرة عن أدق خلجات الأمة المنكوية، وكان هذا الأدب الملحون يردد في أغاني شعبية و أهازيج وطنية كما كان بجانب هذا الإنتاج المغربي الصميم أدب مغربي في لغة فرنسية أنتجه أدباء لم يحرموا الوطنية الصادقة و لكنهم حرموا الألسنة العربية المفصحة فجاء إنتاجهم فرنسيا في لغته عربيا في فحواه و مضمونه، و مع الأسف فإن حصيلة هذا الإنتاج لن تدخل تاريخ الأدب المغربي، و لو عن طريق الترجمة لأن كل ترجمة تفسد الأدب رواءه و قوة بيانه، و من أبرز هؤلاء الصفريوي، و الشرايبي.. أما أدب الاستقلال فقد استقبل عهدا جديدا مليئا بالتجارب الإنسانية و أمس الحاجات إلى أدب معبر عن تجربة هذا الجيل الجديد ليشعره بقيمة الأدب و مسؤولية رجاله و الأجيال الصاعدة  في آكد الحاجة إلى تربية سليمة و نماذج مثالية بناءة فلذلك فهي محتاجة إلى أدب ملتزم مبدئيا و أخلاقيا.. و تطلع أدباء يكسرون جهودهم للنضال و الكفاح وللهدم و البناء هدم الأوهام العتيقة و التماثيل المزيفة و بناء المجتمع المغربي المثالي المتعطش إلى المساواة و الحرية و الكرامة في غير مسخ و لا تشويه. و من أبرز هؤلاء الشعراء الحلوي- و الجاي- والمعداوي- و عبد الكريم بن ثابت.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here