islamaumaroc

الحياة الصوفية في العصر العلوي

  دعوة الحق

116 العدد

سطر المغرب في التصوف آيات بينات لا تقل روعة عن آيات الشرق، وإن كان هذا منبعها الأول وموردها الأصيل.
وكان من المسلم به بعد أن انتشرت الموجة التصوفية في طول البلاد وعرضها أن يكون للمغرب نصيب وافر في هذا الحقل الخصب يقوم به رجال انقطعوا لعبادة الله ومناجاته، وتجردوا عن الدنيا ليدلفوا عتبة الحضرة الإلهية، ويتسلقوا مرحلة الإشراق، والكشف ليفيض الله عليهم المعارف اللدنية، فيصبح عندهم الحب أس الوجود، وأنشودة الكون الواسع، وجلوة أنس في برزخ زكي يموج بالفيوض والإشراقات على غرار إخوانهم السابقين في الشرق أمثال الفضيل بن عياض المتوفى سنة  187 هـ وبشر الحافي المتوفى سنة 226 هـ وذي النون المصري المتوفى سنة 245 هـ وأبي يزيد البسطامي المتوفى سنة 261 هـ.
ويمكن القول أن البذور الأولى للحركة التصوفية في المغرب ترجع إلى أصحاب الانفتاح الروحي الأول الذين ظهروا على مسرح الحياة منذ عصر الأدارسة كالقاسم بن إدريس، وأبي سلهامة المصر الأرومة المتوفى في حدود سنة 345 هـ، وعصر المرابطين كأبي يعزى بلنور المتوفي سنة 572 هـ.
وباستقصاء حياة أولئك الرواد الأول من المتصوفين وغيرهم من الذين عرفوا بزهدهم ورياضتهم الروحية، وآرائهم التصوفية عبر العصور المغربية السياسية يتوفر لدينا بحث خاص مستقل بنفسه.
وفي عهد الدولة العلوية الشريفة امتدت الحركة العلمية امتدادا واسعا وتفرعت غصونها، وطابت ثمراتها، لما كان يوليها ملوكها من أهمية بالغة – منذ تقلدوا الحكم – لرعاية العلم وتشجيع العلماء، وتعبيد الطرق لهم، وتهيئة الجو المناسب ليفرغوا للتأليف والتدريس، وإفادة المتعطشين للمعرفة، ولذلك عاشت الأمة المغربية تنعم في ظل العرفان، وأن خير ما يبرز لنا هذا الجانب المشرق من حياة أمتنا انتشار العلماء في كل مدينة وقرية، والكتب التي ألفوها في شتى الفنون من تفسير وقراءات وحديث وفقه وطب، مما هو متعالم في المصادر التاريخية – قديمها وحديثها- التي تتحدث عن الفكر المغربي أيام الدولة العلوية، فليرجع إليها من أراد الوقوف على عين الحقيقة.
وقد كان الفن التصوفي من جملة تلك الفنون التي حظيت بالاهتمام، وليس هناك ما يبين لنا هذا الاهتمام ويفسره خير تفسير من الكتب العديدة التي ألفت في هذا المضمار، منها ما هو مطبوع متداول بين الأيدي، ومنها ما لا يزال رهين الظلمة في الخزائن الحكومية، والخزائن الخاصة بترقب من يبعث في شرايينها الحياة.
  وفي هذا الصدد أشير إلى بعض منها – وهو قل من كثر ووشل من بحر – مما يتناول التصوف وما يتصل بالتصوف في لحمته وسداه كبيان لحركة التأليف التصوفية في هذا العصر:
شرح الحكم العطائية للحمومي شرح دلائل الخيرات للمهدي الفاسي المتوفى سنة 1109 هـ، شرح الحزب الكبير لأحمد الوزير المتوفى سنة 1144 هـ، كتاب في حقائق التصوف لابن عجيبة المتوفى سنة 1124 هـ، شرح الحزب الكبير للشاذلي له، كتاب إيقاظ الهمم في شرح الحكم له، المزايا فيما حدث من البدع بأم الزوايا لابن عبد السلام الناصري المتوفى سنة 1239 هـ، رسالة الصوفي للصوفي لابن عزوز المراكشي المتوفى حوالي سنة 1295 هـ.
شرح المشيشية :  
المولى عبد السلام بن مشيش بالميم وقيل بشيش بالباء، وإبدال أحدهما من الأخرى لغة مازنية –ومعناه الخادم الحقيقي الحاذق- كما تقول في اطمئن اطبئن وفى بكر مكر على لغة هذه القبيلة، ينتسب الى الدوحة النبوية الشريفة، عرف بالصلاح والتقوى فكان قطبا من أقطاب التصوف المغربي خاصة والإسلامي عامة، عنه أخذ أبو الحسن الشاذلي فأسس الطريقة الشاذلية توفي رضي الله عنه حوالي سنة 625 هـ(1) شهيدا، بجبل العلم قتله اللعين ابن أبي الطواجين الساحر المدعي النبوة، ودفنت جثته الطاهرة بقنة الجبل السالف الذكر.
ولشهرة هذا العارف بالله التي غمرت آفاق الشرق والغرب، وصيته التي عمت السهول والجبال، وذكره الذي سار على كل لسان تسابق علماؤنا إلى استظهار صلاته المعروفة بالمشيشية، والتبرك بتلاوتها، واستمراء ما انطوت عليه من أسرار تصوفية، وإشارات ربانية وحقائق إشراقية، وما تميزت به من حلاوة في التركيب وروعة في البيان وفتنة في المضمون، ولم يقتصروا على ذلك فقط، بل أولوها كبير العناية وبالغ الاهتمام بشرحها وفك ما استغلق حمله على الإفهام، وبيان ما تضمنته من رموز، والحقيقة أن ما اطلعت عليه من شروح يختلف في منهجه وتحليله تبعا لاختلاف ثقافة الشخص العلمية والتصوفية، وتكوينه الذوقي.
والعلماء الذين اضطلعوا بشرحها هم : محمد بن علي الخروبي المتوفى سنة 963 هـ والزياني المتوفى سنة 1023 هـ والتحيبي المتوفى سنة 1030 هـ، وابن زكرى المتوفى سنة 1144 هـ، ومحمد الزرويلي المعروف بابن حيون – وعليه مدار الكلام-، وأحمد الوزير وابن عبد السلام بناني المتوفى سنة 1163 هـ، والحراق المتوفى سنة 1261 هـ، والحمومي، وابن عجيبة، والطيب بن كيران المتوفى سنة 1227، وعبد الكريم الورديغي المتوفى سنة 1313 هـ، ومحمد الكتاني الذي استشهد سنة 1327 هـ.
وقيل الحديث عن المخطوط أرى ضروريا أن أعرف بصاحبه ولو أن هذا التعريف ليس بشاف الغليل، ذلك لأنه من الشخصيات التي لا تزال غفلا تنتظر من يكشف عنها، وينقذها من هوة النسيان، وكم من نظرائه – وبخاصة علماء البادية – يعيش في ظلمة حالكة قاتمة يحن إلى الضوء ويهفو إلى الحياة.
وصاحب المخطوط هو محمد بن أحمد بن عيسى المعروف بابن حيون(2) الخمسي الزرويلي ويغلب عن الظن أنه درس بفاس على شيوخ الوقت، ينتسب إلى عبد الملك بن مروان الأموي.
توفي سنة 1180 هـ ودفن بحي "جنانات" الأشراف الريسونيين بتازروت، وقبره مقصد الزوار يتبركون به قصد الشفاء من الحمى، ولذلك عرف هنالك بسيد الحمى.
والمخطوط يحتوي على 16 ورقة (21× 15)، ولست أعلم له نسخة غير التي بقسم المخطوطات بالرباط تحت رقم (952 د)، ونسخة أخرى لدي كتبت بعد وفاة المؤلف بأربع وستين سنة، مما يؤكد أن هذه النسخة ليست بخط المؤلف، وأن النسخة الأصلية قد تكون موجودة عند أحفاده ببني زرويل، ذلك لأن تاريخ نسخها مؤرخ بعام 1244 ووفاة المؤلف كانت عام 1180 هـ كما سبق.
وهذه النسخة كتبت بخط مغربي لا بأس به، لكن الأرضة تآكلت بعض صفحاتها، ورغم ذلك فإن قراءتها ليست بالعسيرة، أما الشرح فقد كتب بالحبر الأسود والفقرات المراد شرحها من الصلاة المشيشية فقد ميزها الناسخ بالمداد الأحمر.
وقد استهل ابن حيون شرحه بمقدمة مسجوعة كعادة المؤلفين القدامى، وبالحمدلة والصلاة على النبي الكريم، وختمه – بما ختم به المولى عبد السلام صلاته – بالآية الكريمة "ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيء لنا من أمرنا رشدا".
وأما مصادره في الشرح فإن ابن حيون رحمه الله لم يعتمد الشروح الأخرى وإنما اقتصر على الإمام محمد علي الخروبي ليس الا وقد علل ذلك هو بقوله :
"ثم اعلم أني لم اطلع على شيء من شراحها غير شرح الإمام الخروبي الطرابلسي فرأيته رضي الله عنه يشرحها بما تقتضيه عقول العلماء الذين لم تشرق أنوار الحضرة الإلهية إلى قلوبهم، وما لم تتصل(3) إليه العقول ردها إليها بالتأويل".
وقد يكون سبب اعتماد المؤلف على شرح الخروبي فقط أنه لم يتسن له الاطلاع على الشروح التي وضعت قبله خاصة وأن المصادرة لم تكن ميسرة كما هي عليه اليوم، وهذا لا ينفي أن ابن حيون قد أعجب بشرح الخروبي، واستطاب ذوقه التصوفي وطريقة التحليل، وإن كان بعض الشروح الأخرى أشد عمقا، وأكثر انسجاما والجو الروحي الذي تدور في فلكه المشيشية.
وفيما يخص منهج ابن حيون في شرحه فإنه يمضي في تحليل المشيشية بلفظ سهل المأخذ، لا يلفه غموض، ولا تستبد به فلسفة تصوفية كما عند الخروبي وابن عبد السلام بناني، وذلك هو غرض المؤلف كما صرح هو نفسه في المقدمة عندما قال:
"وما وجدت من كلامه رضي الله عنه لا تصل إليه عقول علماء الشريعة جعلت له سلما من الكلام يرقى به من أرض الشريعة إلى سماء الحقيقة حتى يتبين إن شاء الله غاية البيان بعبارة وجيزة سهلة".
وقد يشير ابن حيون في بعض الأحايين إلى قضية نحوية تعين على الفهم من غير ما إسهاب أو افتئات على المعنى، لأنه لا ينساق وراء الصناعة النحوية التي قد يشطح أصحابها بعقولهم، فاستمع إليه عندما يحدثك بروح العالم الذي لا يهدف إلا إلى إبراز الحقائق :
"قوله وله تضاءت الفهوم فلم يدركه منا سابق ولا لاحق الذي أقول به أن اللام في قول الشيخ وله للتعليل والضمير المجرور به يعود على وصف به رسول الله صلى الله عليه وسلم من جميع ما سبق باعتبار ما ذكر، وفي كلامه رضي الله عنه حذف مجرور متعلق بتضاءلت تقديره عن إدراك حقيقته".
وكما يستعين بالنحو في تحليله، يستعين بالبلاغة إن اقتضت الضرورة، وذلك حينما يتعرض إلى الحديث عن قول المولى عبد السلام : "حياض الجبروت بفيض أنواره متدفقة" فيقول بعد كلام : "فحياض في كلام الشيخ استعارة أيضا واضافتها للجبروت بيانية واصل الكلام، والجبروت التي هي كالحياض وكذلك قوله رياض الملكوت أي الملكوت التي هي كالرياض فالرياض والحياض استعارة على حد قول الشاعر:
والريح تعبت وقد جرى
          ذهب الأصيل على لجين الماء(4)  
ولا يجزيء ابن حيون في شرحه بالتحليل فقط بل قد يدعم ذلك بآيات قرآنية كريمة، وأحاديث نبوية شريفة تضفي على كلامه روعة معذوذبة تتقبلها النفس في ارتياح، وقد يستشهد – عندما يرى ذلك مناسبا- ببعض شعر البصيري وكلام ابن عباد وابن عطاء الله وهاك نموذجا واحدا عن ذلك:
"وتنزلت علوم آدم معطوف على قوله ارتقت ومعناه عندي أن الشيخ رضي الله عنه وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن علوم آدم منه عليه السلام" إلى أن يقول "فعلم آدم الأسماء التي علمه الله إياها حين خلقه وهي التي أشار إليها سبحانه بقوله "وعلم آدم الأسماء كلها".
وأسلوب ابن حيون في التحليل لطيف لا يحتاج إلى كد الذهن في استخراج خبيئه، ويمتاز بوضوح الفكرة، عاطل من كل حلي، لا يلتزم فيه صاحبه السجعات على عادة المؤلفين القدماء إلا ما جاء عفو الخاطر من غير تصنع.

شخصية ابن حيون في الشرح :
يتجلى لنا من خلال مطالعتنا الشرح أن ابن حيون ليس من أولئك الذين يلقون الكلام على عواهنه أو ينساقون إلى الأطناب المخل، أو الاستطرادات المتعددة، بل أن كتابه يعطينا فكرة عامة عن شخصيته العلمية، ومكانته الفكرية، وليس أدل على ذلك من تلك الاعتراضات التي اعترض بها عن الإمام الخروبي، ومخالفته له في بعض شروحه للفقرات المشيشية، ولكي نتأكد من هذا يجدر بنا أن نسوق مثالا واحدا من تلك الاعتراضات قال : "وفيه ارتقت الحقائق) جوز الإمام الخروبي رضي الله عنه في لفظة الحقائق في كلام الشيخ هنا احتمالين : الحقائق المقابلة للشرائع وحقائق الأشياء، قلت والذي أراه أن الشيخ رضي الله عنه إنما أراد بالحقائق حقائق جميع الموجودات، لأن الحقائق التي تطلق في مقابلة الشرائع وهي ما يلقيه المولى في قلوب أوليائه من العلوم الدينية التي لا تخالف شيئا من ظاهر الشريعة قد دخلت في الأسرار".
وباستعراض القاريء للكتاب يمكن له أن يستخرج منه نظرات خاصة للمؤلف، ومقارنات شخصية تنم عن فهم جيد ووعي ممتاز للقضية التصوفية التي تبناها أقطابها من المفكرين التصوفيين.
والحق أنني صرفت وقتا معشوشبا جميلا في رياض التصرف، تمتعت فيه بالنفحات القدسية، واستشرقت آفاقا نقية، وأجواء بهية، ما أشد حاجة النفس إليها في ساعة من ساعات العمر، تخلد فيها إلى الراحة، وتستريح من العناء، لتستغرق في جمال الملكوت لحظة إشراقية تتطلع فيها إلى الحقيقة الأزلية العظمى ناحية الزمان والمكان.
   

(1) – وقيل سنة 622 أو سنة 624 هـ.
(2) – وتسمى عائلة ابن حيون بأولاد ابن حيون وهم يدعون الشرف انظر العز والصولة لابن زيدان ص 95 ج 2 المطبعة الملكية.
(3) – في الأصل "ما لم تتصل"
(4) – صدر البيت حذفت منه كلمة، ولعل ذلك راجع للناسخ، والبيت هكذا :
والريح تعبت بالغصون وقد جرى                ذهب الأصيل على لجين الماء
وقائله ابن خفاجة المتوفي سنة 533 هـ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here