islamaumaroc

رحلة سفارية إلى اسبانيا في عهد المولى إسماعيل

  دعوة الحق

116 العدد

بويع المولى إسماعيل بعد موت أخيه المولى الرشيد سنة 1082 هـ. وقد حضر بيعته جماعة من العلماء الذين كان لهم نفوذ علمي في توجيه دواليب الحكم ببلاد المغرب، ومن أعظمهم شأنا وأقواهم جاها أبو علي اليوسي وأبو محمد عبد القادر الفاسي.
وبمجرد تحمل أعباء الحكم أصبح المولى إسماعيل يفكر في تمكين نفوذه بجميع أجزاء البلاد والعمل على نشر هيبة العلويين في مختلف الأصقاع لا فرق بين الجنوب والشمال أو الشرق والغرب.
ولقي عناء كبيرا في محاربة ابن أخيه أحمد بن محرز الذي أثار فتنا بالمغرب جعلت المولى إسماعيل يلاقي صعوبات في القضاء عليها كما عمل على القضاء على منافسيه من أصحاب الزاوية الدلائية الذين حاولوا الاستيلاء على الحكم والذين تغلبوا على تادلة وعلى ما يجاورها من البلدان.
ورأى المولى إسماعيل أن الدولة العلوية التي أصبحت مسؤولة عن تسيير البلاد المغربية لا يجوز لها أن تتساهل في أمر ضروري لحماية كيانها وحفظ وجودها وتحرير أرضها لذلك رأى أن تحرير الشواطئ المغربية من أيدي الأجانب داخلا في المخطط العام الذي تريد الدولة تحقيقه وتنفيذه.
إن المولى إسماعيل تيقن أن حكمه للمغرب لا يستقر له قرار ما دامت بعض الشواطئ المغربية تحت قبضة الأجانب الذين كانوا قد استولوا عليها وحاولوا بذلك أن يتغلبوا على البلاد وأن يستغلوا هذه الشواطئ لمصالحهم سواء فيما يتعلق بازدهار اقتصادهم وتأمين أسطولهم أو لاستغلالها لصيد الأسماك ولتهديد المواطنين ولقطع المواصلات بين المغرب والخارج حتى يصير المغرب منعزلا عن الجهاز الدولي فيتحكموا فيه متى شاؤوا.
وإذا كان المسلمون في أواخر الدولة السعدية قد شعروا بهذا الخطر فكانوا يعملون ما أمكنهم لتحرير الشواطئ المغربية فإن المولى إسماعيل رأى أن هذا الأمر لم يعد هينا ولا يمكن أن يبقى في أيدي جماعات لا تستند إلى قوة أو عصبية أو نظام إذ لا بد من أن يدخل أمر التحرير في تصميم الدولة العام وأن تتحمل الدولة جميع مسؤولياتها في ذلك وأن تعد له المال والرجال لتحقق النصر وتيسر لنفسها الغلبة على أعدائها.
وخير ما يقوم به العظماء من الملوك تحرير البلاد من الأعداء وتطهير جميع أجزائها من ربقة الاستعمار.
وبالفعل فإن المولى إسماعيل استطاع أن يحرر مدينة طنجة من يد الانجليز سنة 1095 هـ. بقيادة قائده أبي الحسن علي بن عبد الله الريفي كما حرر مدينة العرائش من يد الاسبانيين سنة 1101 هـ. بقيادة القائد أبي العباس أحمد بن حدو البطوني.
ولا شك أن هذه المواقف الحاسمة في تاريخنا جعلت للمغرب كيانا أمام أعدائه وأصبحوا ينظرون إليه نظرة الخائفين الهالعين إذ ليس هناك شيء يرفع من قيمة الدول أمام الرأي العالمي مثل الانتصارات المتوالية التي تدخل الرعب في نفوس الجاحدين والمعاندين.
حقيقة أن هذا الرعب الذي أحدثه المولى إسماعيل جعل كثيرا من الدول الأجنبية تود مسالمته وتتمنى مصالحته فسعى الفرنسيون في ربط العلاقات الودية بينهم وبين المغرب كما سعى الإسبانيون أيضا في التقرب إلى المغرب وتمنوا أن تحل المشاكل الموجودة بينهم وبيننا عن طريق المفاوضات.
وهنا وجد المولى إسماعيل الفرصة سانحة لأن  يبعث إلى اسبانيا سفيرا خبيرا بشؤون البلاد عالما بأحوالها مطلعا على مشاكلها ليطالب الاسبانيين بأمرين :
الأمر الأول : تحرير الأسارى المسلمين الذين هم بقبضتهم.
الأمر الثاني : المطالبة بالكتب الإسلامية الموجودة بالخزائن الاسبانية ومن المعلوم أن أغلب هاته الكتب استولى عليها الاسبانيون أيام السعديين فأوقفوها على مكتبة الاسكوريال.
وحيث أن الدولة العلوية أصبحت هي الدولة الرسمية ببلاد المغرب فإنها ترى حلول المشاكل التي خلفتها الدولة السابقة أصبحت داخلة تحت مسؤولياتها.
ووقع اختيار المولى إسماعيل على وزيره الأديب الشاعر أبي عبد الله محمد المدعو حمو بن عبد الوهاب الغساني الأندلسي الفاسي(1)
وكان هذا الوزير على ما يبدو من رحلته ذا ثقافة أدبية وخبرة بشؤون السياسة واطلاع على أحوال الحكم، وذا ذوق أدبي رقيق زيادة على أنه كان دقيق الملاحظة ينتبه إلى خبايا الأمور ويحاول أن يحافظ على الشخصية المغربية في سلوكه العام سواء بالنسبة إلى العقيدة الدينية أو إلى التقاليد الأخلاقية، وقد وقع عليه الاختيار بعد الانتصارات الحربية التي حققها المولى إسماعيل في حروبه الشاطئية وخرج من المغرب في أواسط محرم سنة 1102 هـ وقضى في رحلته هاته ما يزيد على ثمانية أشهر فهو حين هم بالرجوع خرج من مدريد في اليوم الأول من رمضان من نفس السنة التي توجه فيها إلى إسبانيا.
ويبدو في رحلته أنه ذو اطلاع أدبي يدل على أن زاد المغرب من الأدب في القرن الحادي عشر وأوائل القرن الثاني عشر لم يكن ضعيفا.
ففي هذه الحقيقة نجد أعلاما من الأدباء والعلماء والمؤرخين اشتهروا في مختلف العلوم وتزودوا بالفقه والأدب والتصوف والمنطق والقراءات والحديث والتفسير. وكان للزاوية الدلائية أثر في تكوينهم وتزويدهم بالثقافة العامة.
وإذا لم يكن الغساني يمثل هذه الطبقة في عمق ثقافته فإنه كان يمثلها في جمال أسلوبه الأدبي حينما يعبر عن عواطفه او انفعالاته كما كان يمثلها في التعرض لبعض المشاكل الدينية التي كانت تأخذ من الفكر المغربي الحظ الأوفر.
ويبدو من دراستنا لرحلة الغساني هاته التي سماها رحلة الوزير في افتكاك الأسير أنه كان مطلعا على تاريخ الأندلس وتاريخ فتحها وأدبها ولكنه رغم هذا الاطلاع فإنه قد حدثت له هفوات أو اضطرابات أفصح عن بعضها الأستاذ الفريد البستاني الذي صحح الرحلة ونشرها بمؤسسة الجنرال فرانكو سنة 1940 ميلادية. كما ستفصح عن بعضها في خلال العرض الذي تقوم به الآن.
إن الثقافة الأدبية العامة والاطلاع على الأدب الأندلسي والتزود من تاريخ الأندلس، إن كل ذلك جعل الغساني يتأثر بالمشاهد التي يراها ويتذكر بسببها الماضي الإسلامي في بلاد الأندلس فهو يقول(2) : "ولما أشرفنا على مدينة ايشكا(3) رأينا بها من حسن المنظر وبهائه ما ليس في غيرها من سائر مدن العدوة وهي في غور من الأرض على شفير الوادي المسمى بواد شنبل.
وشنبل هذا من حيث ابتداؤه عليه من المتنزهات والبساتين وحسن المنظر ما خامل عقول كثير من أدباء الأندلس وقد أكثروا فيه من قول الشعر على كل قافية ونظموا فيه من الأزجال والموشحات ما لا يحصى ولا يعد، وما يفوت الحصر والحد.
فمن ذلك ما علق بالحفظ من قول أثير الدين أبي حيان رحمه الله وهو في مصر يتشوق إلى وطنه بغرناطة ويصف منازله بها ويبث شوقه وأشجانه ويندب معاهده بها ومشاهده وهو قوله:
هل تدركين منازلا بالأحبل
        ومنازلا صفت بشطي شنبل
ومشاهدا ومعاهدا ومناظرا
         ومقاصرا للقاصرات الرفل
حيث الرياض تفتحت أزهارها
        فشممت أزكى من أريح المندل
والطير تشدو مفصحات بالغنا
        فوق الغصون الناعمات الميل
فتثير للمشتاق داء كامنا(4)
      وتديل صائر دمعه المتدلل
ويظهر للقارئ أن المؤلف في تقديمه لهذه الأبيات كان يملك رقة أدبية وأناقة في اللفظ والتعبير فاستعمل من السجع ما لا ينبو عنه الذوق ومن التوازن والموازاة ما جعل الأسلوب شقيا جذابا.
وأبو حيان هذا الذي استظهر المؤلف بعضا من أبياته كان له أثر فعال على الثقافة العربية كان شاعرا كبيرا ووشاحا رقيقا كما كان ذا اطلاع واسع على القراءات والحديث والفقه والتفسير زيادة على تبريره في النحو العربي.
وقد رحل من الأندلس إلى بلاد المشرق في القرن الثامن الهجري ويكفيه فخرا أنه لما توفي بالقاهرة سنة 745هـ. صلى عليه أهل الشام صلاة الغائب ومن أجمل شعره قوله :
عداتي لهم على لهم فضل علي ومنة
           فلا أذهب الرحمن عني إلا عاديا
هم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها
          وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
ولم يقتصر الغساني على استظهار أبيات أبي حيان فقد تحدث أيضا عن الشاعرة حمدة الأندلسية فقال : "ولقد ذكرني ما شاهدته من حسن هذا الوادي وبديع منظره وبهائه قول حمدة الأندلسية الشاعرة التي من وادي آثر:
أباح الدمع أسراري بواد
        له في الحسن آثار بوادي
فمن نهر يطوف بكل روض
       ومن روض يطوف بكل وادي
ومن بين الظباء مهاة رمل
       سبت لي وقد سلبت فؤادي
لها لحظ ترقده لأمر
       وذاك الأمر بمعنى رقادي
إذا سدلت ذواليها عليها
     رأيت البدر في جنح السواد
كان الصبح مات له شقيق
     فمن حزن تسربل بالحداد
ومن المعهود في علم الأدب أن الاختيار يدل على ذوق صاحبه فإن هذه الرقة التي توجد في الأبيات التي علقت بحفظه لدليل على أنه ذو رقة أدبية وروح شاعرية إلا أنني حينما قارنت هذه الأبيات بالمصادر الأصلية التي تتحدث عن حمدة الشاعرة وجدت فيها تغييرا(5) فعوضها بكلمات أخرى وحافظ في الوقت نفسه على المعنى والقالب، والغالب أنه لم يكن عالما بهذا التغيير وإنما جاء عفوا وأعانه عليه قدرته هو نفسه على الخلق والإبداع فقد كان الغساني يمتاز بشاعرية رقيقة يضيف إليها اهتماما بالمحسنات ويظهر ذلك في بيتين من الشعر جعلهما تضمينا لبيت من شعر الحريري فهو يقول في هذا الموضوع نفسه:
"وقد أنشدت حين أبصرت هذه المدينة وجميل منظرها متمثلا ببيت من الحريري وضمنته بيتين آخرين:
آليت إذا نظرت عيني محاسنها
    أن لا نظير لها في مطلق الصور
وهذان بيتا التضمين تدليلا:
فالله ينقذها حتى يدان بها
دين المهيمن محروسا من الكدر
بكف محتسب للأجر منتدب
لله منتسب لا فضل البشر
وهكذا نرى أن سفير المولى إسماعيل هاجت نفسه لرؤية البلاد الأندلسية بيد الاسبان وتذكر حكم المسلمين هناك وتمنى أن تعود إلى حكم المسلمين من جديد على يد المولى إسماعيل رحمه الله.
وهذه الأمنية كان يرددها شعراء المولى إسماعيل كثيرا لأن فتوحاته أحيت أملهم وجعلتهم يتذكرون أيام الزلاقة والأرك فمن ذلك مثلا قول الشاعر أبي محمد عبد الواحد بن محمد الشريف البوعناني(6)  :
أيا مولاي قم وانهض وشمر
     لأندلس فأنت لها الأمير
إن الغساني إذن يمثل الظاهرة التي كانت في عصره ويعبر عن الخواطر التي كان يكنها المغاربة ثم ابدوها للمولى إسماعيل صادقين حين رأوا فيه الأمل المنتظر وشخصوا فيه الشجاعة المثلى والقدرة على تحقيق الأمل الضائع واسترجاع الحق السليب.
وأغلب الظن أن المولى اسماعيل لو لم تضع كثير من قواه في تهدئة الحروب الداخلية لاستطاع تحقيق هذه الأماني التي كان يرددها الشعراء في عصره ويعبرون بها عن آمال المسلمين عامة.
ولم يكتف الغساني بتسجيل خواطره الأدبية وإظهار لوعته الروحية بل صار يسجل تلك الحفاوة الكبرى التي لقيها الوفد المغربي في بلاد الأندلس مدة إقامته هناك سواء من الشعب الإسباني أو من الملك كارلوص الثاني وحاشيته كما يصور ذلك التعلق الذي أبداه الأسارى المسلمون الذين كانوا يستقبلون الوفد بالترحيب والتعليل ويعلنون بلفظ الشهادة وبالدعوة بالنصر للمولى إسماعيل المنصور بالله.
ويظهر في رحلة الغساني أنه كان يرى أن الاعتزاز بالشخصية المغربية والإسلامية ضروري لتحقيق الغاية من سفارته لأنه كان يخشى إذا ما استهان بمقومات الشخصية المغربية في البلاد الأجنبية أن تتلاشى سطوته وتزول هيبته وتضيع الأغراض التي يهدف إليها من سفارته.
ويمكن أن نلاحظ أن هذا الاعتزاز في موقفين :
الموقف الأول حينما وصل إلى مدينة مانسنارس Manzanares قبل بلوغه إلى مدريد فإنه يقول : "فدخلنا دار الكليرك(7) المذكور ففرح بنا فرحا شديدا وارانا جميع ما عنده من الصور وما في معناها إذ كان معجبا بها وكثيرا ما تضرع ورغب في أن نساعفه في شرب شيء من الخمر أطنب في شكره وزعم أنه قديم وله سنين عديدة فقلنا أنه لا يحل ذلك في ديننا ولا يسوغ في ملتنا فجعل يشفق من شربنا الماء البارد صرفا".
وأما الموقف الثاني فيتجلى في إصراره على أن يكون السلام الذي يسلم به على الملك الاسباني موافقا للسلام الذي يسلم به على غير المسلم وهو السلام على من اتبع الهدى من غير زيادة عليها.
ولقد حدثنا الغساني أن المولى إسماعيل قد جعل في مرسومه إمكان الاستغناء عن الكتب إذا ما تعذر ذلك وتعويضها بتحرير أساري آخرين.
  ولما وجد ملك الاسبان هذه الرخصة استبشر بها لأنه تعذر عليه إعطاء الكتب وادعى أنها قد أحرقت ولكنه استجاب للتحرير فقبل الوفد المغربي ذلك.
وكان الغساني في رحلته إذا ما تحدث عن النصرانية ازدرى بالرهبان وسخر منهم ودعا عليهم بالبوار والتدمير وحرص على محاجتهم ومجادلتهم فهو يقول: (8) "ولقد وجدت بمدريد راهبا من رهبانهم ورد من البلاد المشرقية يتكلم باللسان العربي وله خبرة ببعض أديان المشارقة من المسلمين لمخالطته معهم وسكناه بين أظهرهم فتجاولنا في الكلام إلى أن قلت له : ما تقول في المسيح؟ ... فقال : أنه من الله ! .. فقلت : "من" هذه ان قلت أنه كالبعض من الكل جزأته والبارئ لا يتجزأ، وإن قلت أنه كالولد من الوالد أوجبت ثانيا من الأولاد وثالثا ورابعا إلى ما لا نهاية له، وإن قلت على سبيل الاستحالة أوجبت فسادا والبارئ جل شأنه لا يستحيل ولا ينتقل من حال إلى  حال فلم يبق إلى أن يكون على سبيل الخلق من الخالق وهو الحق الذي لا شك فيه. فصمم الكافر أخزاه الله على ما عليه اعتقادهم واعتقاد البابا دمرهم الله من اعتقادهم الاستحالة تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا".
وهكذا نجد أن الغساني في رحلته حينما تعرض إلى موضوع النصرانية والإسلام حاول أن يبرهن على سلامة العقيدة الإسلامية ولكنه سار في حديثه وحواره على منهاج كان معروفا عند كثير من المؤلفين في تلك الحقبة سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين الا وهو لعنة الطرف الآخر والدعوة عليه بالهلاك والبوار.
وفي رحلته هذه سخر من معتقد المسيحيين الذين كانوا يومنون بأن المسيح قد صلب وقتل واستدل بقوله تعالى : "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم، وأن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم، إلا اتباع الظن، وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله، وكان الله عزيزا حكيما"(9) .
ولقد تقدم لنا أن الغساني حدثت له بعض الهفوات حين التأليف ومن ذلك ما حصل له من الاضطراب حينما كان يتحدث عن جزيرة طريف وعن فتح طارق بن زياد للأندلس وهذا هو الذي أشار إليه الأستاذ الفريد الغساني مثلا حينما كان يتحدث عن جامع قرطبة فقد قال أن عبد الرحمن الداخل ابتاع موضع الجامع بقرطبة سنة تسع وتسعين ومائة(10) وهذا خطأ بين لأن عبد الرحمن الداخل توفي قبل هذا التاريخ بسبع وعشرين سنة فقد توفي سنة 172 هـ وهذا الشراء المذكور قد وقع سنة 168 هـ هذا زيادة على تحريف بعض الأسماء وبعض النصوص وهذا مما يدل على أن المؤلف حين تأليفه للرحلة كان يعتمد أحيانا على محفوظاته أكثر مما يعتمد على المصادر ومن ذلك تحريفه لاسم التابعي عبد الله بن يزيد الحبلي(11) الأنصاري فقد سماه أبا عبد الرحمن عبد الله بن يزيد الحبلي(12). وتحريفه للقطعة التي تقدم لنا ذكرها من قبل.
وقد كان يحاول المؤلف أحيانا أن يتلافى هذا الخلل فكان يكتفي بذكر الحوادث دون ذكر تاريخها ويشير إلى ذلك بعبارة تدل على عدم يقينه فيقول مثلا : وفي سنة كذا أما إذا وجد الفرصة التحقيق ولم يتعذر عليه استحضار المصادر فإنه كان يعتمد عليها ومن مصادره التي اعتمدها كتاب الرايات للرازي وكتاب نزهة المشتاق للإدريسي.
ورغم أن النصوص التي اخترناها من الرحلة تصور جانب التعبير العربي العادي فإن الرحلة لم تسر على هذا النسق في جميع مراحلها بل استعمل المؤلف كلمات متداولة في الدارجة المغربية كما استعمل كلمات اسبانية ألحقها بمدلولاتها العربية.
وبذلك يمكننا أن نلاحظ واقعية الغساني في رحلته فإنه حينما كان يعبر عن ارتساماته كان يجد نفسه مضطرا إلى الاستعانة في التعبير بالكلمات الاسبانية الأصلية لما لها من إيحاء في الموضوع ثم يترجمها ترجمة دقيقة أو يشرحها شرحا وافيا وبذلك كان موقفه شبيها بموقف المترجمين الذين يشيرون أحيانا بعد الترجمة أو الشرح إلى الكلمة الأصلية المرادة ويكتبونها بحروفها اللاتينية مثلا ليدرك القارئ المقصود من ذلك. وأغلب ما يحدث هذا في ترجمة المصطلحات الدينية والعسكرية والعلمية والفنية والمراسيم الديوانية.
ولقد وفق مصحح الرحلة السيد البستاني في وضع فهرس للألفاظ والتعابير المغربية والاسبانية التي استعملها المؤلف في كتابه وأضاف إليها ترجمة الأعلام الإسلامية والاسبانية فكان بذلك خير معين للقراء على معرفة مضمون الرحلة.
ولقد استمرت هذه الرحلة ثمانية أشهر كان الوفد المغربي فيها يتمتع بالاحترام والتقدير.
وكانت هذه الرحلة أولى الرحلات المغربية في عهد العلويين الأمجاد إلى اسبانيا وقد مهدت السبيل إلى رحلات أخرى كرحلة الغزال ورحلة محمد بن عثمان المكناسي في عهد المولى محمد ابن عبد الله(13)
وقد اعتنى المؤرخون بدراسة هذه الرحلات لأنهم وجدوها من أهم المصادر التي يطلعون بها على العلاقات السياسية والروابط العامة بين المغرب واسبانيا أيام الدولة العلوية الشريفة زيادة على أنها تصور جانبا مهما من جوانب النهضة الأدبية والعلمية في بلادنا وتدلنا على الأسلوب العام الذي كان يستعمله كتابنا في عهد العلويين الأمجاد. فما على أدبائنا ونقادنا ومؤرخينا الا أن يعملوا ما في مستطاعهم للتعليق على هذه الرحلات وتقديمها للقراء حتى يتسنى لنا التعرف على ماضينا المجيد. والاطلاع على ظاهرة من ظواهر الأدب العام في بلادنا.
 
(1) – توجد ترجمته بسلوة الأنفاس للكتاني، وينشر المتاني للقادري. وتوفي بفاس سنة 1119 هـ وهو محمد بن عبد الوهاب. وقد وقع خطأ مطبعي في مجلة البيئة العدد السادس من السنة الأولى في مقال للوزير السيد محمد الفاسي عن الرحلات السفارية المغربية فقالت عنه أنه محمد بن عبد الواحد عوض محمد بن عبد الوهاب.
(2) – الصفحة الخامسة عشر من "رحلة الوزير في افتكاك الأسير"
(3) – في فهرست المدن والقرى والأماكن الواردة بهذه الرحلة ومقابلها باللغة الاسبانية نجد ما يلي : ايسكا (ازيخة)  Ecija ونجد ويسكا (ويشكا) Huesca
(4) – كتب هذا الشطر في الرحلة منحرفا فصححناه على هذه الصيغة
(5) -  توجد هذه الأبيات بكتاب نفح الطيب ج 6 صفحة 23 وفي بعضها تغيير عما هي عليه في الرحلة.
(6) – الاستقصا في تاريخ دول المغرب الأقصى للشيخ أحمد الناصري ج 4 صفحة 35، وهذا البيت مأخوذ من قصيدة رائعة مدح بها المولى إسماعيل بعد فتح العرائش وتحريرها من يد الاسبان.
(7) – فسر الغساني الكليرك بأنه رجل ديني عند النصارى يقرأ علومهم ويخدم في المساجد الة الموسيقى ويقرأ كتب صلواتهم بألحان واصوات منتقاة، ومن المعلوم أن المراد به كما دون ذلك البستاني في فهارسه Clérigo
(8) – الرحلة نفسها ص 93.
(9) – سورة النساء 157 و158 لقد أخطأ مصحح الرحلة حينما رقم الآيتين ب 155 و156.
(10) – الرحلة صفحة 19.
(11) – كذا في نفح الطيب وقد جاء في تعليق الأستاذ محمد محيي الدين عبد الحميد أن الخزرجي قال : "عبد الله بن يزيد المعافري الحبلي يضم المهملة والموحدة أبو عبد الرحمن المصري، توفي سنة مائة، الجزء الأول صفحة 260.
(12) – الرحلة ص 111.
(13) – يمكن الاطلاع على بعض هذه الرحلات في مقال السيد الوزير محمد الفاسي بالبينة العدد السادس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here