islamaumaroc

أيام في المغرب

  دعوة الحق

116 العدد

كانت زيارة المغرب أمنية تراود النفس منذ سنين. لا سيما بعد أن قيض الله لي زيارة أغلب الأقطار الأوروبية. و لم استطاع زيارة قطر واحد من أقطار المغرب.. و لكن الظروف لم تسمح بتحقيق هذه الأمنية، وذات يوم من أيام رمضان المبارك تفضل بزيارتي الأستاذ عبد الخالق إبراهيم القائم بأعمال السفارة المغربية ( الذي نقل من بغداد حديثا) حاملا إلى دعوة ملكية لزيارة المغرب و المشاركة في الدروس الرمضانية فشكرته على ذلك. وما هي إلا ثلاثة أيام حتى أكملت إجراءات السفر ووجدت نفسي  في طائرة شركة الشرق الأوسط من نوع ( كرافيل). و يعد أكثر من ساعة بقليل في مطار بيروت.. وأمضينا استراحة قصيرة ركبنا بعدها متن طائرة أخرى نقلتنا إلى روما.. و كان علي أن أمكث ست ساعات في هذه المدينة بانتظار طائرة أخرى.. و لما كنت قد شاهدتها سابقا و أمضيت فيها بضعة أيام لذلك فضلت البقاء في المطار لأنه يبعد عن المدينة ساعة أو نحوها في السيارة.. كان الجو باردا، والسماء ممطرة جلست ارتب المسافرين و هم بين غاد و رائح.. أزياء مختلفة، ووجهات متباينة: هذا مسافر إلى الشرق، و ذلك إلى المغرب.. و هذه الطائرة إلى  الشمال، و تلك إلى الجنوب.. إن مطار روما حركة دائبة.. لا يودع طائرة حتى يستقبل أخرى.. كما تمنيت على الله سبحانه أن يكون في مطارات البلاد العربية ما هذا المطار و أمثاله من النشاط و الحركة.. و خطر ببالي خاطرة أخرى: أنا قاصد إلى الرباط فما الذي يأتي بي إلى روما؟
ولاشك في أن الإجابة ترتبط ارتباطا وثيقا بالحالة الاقتصادية التي تعيشها البلاد العربية.. فليست هنالك تجارة واسعة أو نشاط يساعد على إنشاء الخطوط المباشرة بين هذه العواصم النائية المتعددة.. و كان مع هذه الخاطرة و الإجابة أسى.. ودعاء من الأعماق..
وبينما أنا جالس أعد الساعات إذ تقدم نحوي رجل وسيم خطى العقد الخامس من سني حياته، يبدو عليه الوقار وألقى علي بتحية الإسلام بالعربية، و لم يستطع أن يتم حديثه إلا باللغة الإنكليزية: قال: إنه طبيب مسلم يسكن روما وقد لفت نظره شعاري الذي ارتدته في رأسي وعرف منه أنني مسلم و لذلك رغب في محادثتي فشكرته على تحيته ولطفه ولبثنا غير قليل من الوقت، ثم ودعني و انصرف بعد أن ترك لي عنوانه و طلب مني مكاتبته و شكرت الله سبحانه أن جعل من المؤمنين إخوة أينما كانوا.
حان وقت الطائرة الإسبانية فركبتها إلى مدريد فبلغناها حوالي الساعة العاشرة ليلا ثم ذهبت إلى فندق في وسط المدينة و قضيت فيه ما بقي  من تلك الليلة، و في اليوم التالي ركبت طائرة من طائرات الخطوط الجوية الملكية المغربية من نوع ( كرافيل) أيضا، فنزلت بنا في مطار طنجة و بعد استراحة قصيرة حلقت مرة أخرى في الفضاء، ثم حطت رحلها بعد مدة قصيرة في مطار الدار البيضاء..وفي المطار رحب بي الأستاذ عبد اللطيف الجاي ناظر الأوقاف هناك. و هيأ لي سيارة خاصة أقلتني إلى الرباط. و قضيت ساعة أو أكثر قليلا في أجمل طريق من طرق العالم، حيث الأشجار الباسقة على الجانبين، والنظام البديع، والتبليط الفاخر الذي يضاهي ( أتوبان) أوربا، بل يمتاز عليه بأنك إذ نظرت إلى شمالك رأيت زرقة المحيط الأطلنطي تحاكي زرقة السماء بل تسابقها، فإذا كانت الشمس طالعة رأيتها ترسل ضفائرها الصفراء العسجدية على أشجار الزيتون الكثيرة الممتدة على ضفتي الطريق، وفي السهول الخضراء القسيحة فتحيل تلك الخضرة إلى لون خلاب.
وصلت الرباط قبيل الغروب بلحظات وهي مدينة جميلة جدا، تقع على ساحل البحر الأطلنتي، غنية بآثارها ومساجدها التاريخية وزخرفتها، وفيها محطة لقطار تحت الأرض، ويبلغ تعدادها نصف مليون نسمة تقريبا و هي عاصمة المغرب في الوقت الحاضر.
 كان السائق مأمورا أن يوصلني إلى فندق ـ صومعة حسان ـ وهو من أفخم الفنادق.. و فور وصولي إليه استقبلني موظف من وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية فرحب بي، و أخبرني أن السيد الوزير مدعو الآن إلى وليمة إفطار و قد كان في انتظاري حتى أدرك الوقت فانصرف.. فشكرته و سررت من تحيته و خجلت من اعتذاره.
ودلفنا في مطمع الفندق و تناولنا طعام الإفطار و لاشك أن هذا كله  ان دل على شيء فإنما يدل على كرم إخواننا المغاربة و عظيم أخلاقهم، و عميم فضلهم.
وفي الليلة التالية توجهت إلى ضريح ـ مولاي الحسن الأول ـ حيث الدروس الرمضانية، و هذا الضريح يقع في ناحية من القصر الملكي، و يضم ثلاثة ملوك عظماء: محمد بن عبد الله، مولاي الحسن الأول محمد الخامس رحمهم الله تعالى.
وبجانب هذا الضريح قاعة صغيرة مربعة الشكل يتوجه جلالة الملك الحسن الثاني ـ و فقه الله  إلى خدمة الإسلام ـ إلى هذه القاعدة كل ليلة من ليالي رمضان بعد صلاة العشاء فيجلس في صدرها، ويجلس عن يمينه أخوه الأمير عبد الله و السادة سفراء الدول الإسلامية، و يجلس عن شماله السادة الوزراء و أمام جلالته يجلس كبار  علماء المغرب، و كبار رجال الدولة و الضيوف و ما ان يأخذ مجلسه حتى يأذن ببدء الدرس بإشارة منه، فيتلو السيد الحسناوي ـ وهو من الفقهاء ـ الحديث الشريف الذي سيشرحه  المحاضر في تلك الليلة، و لا يذكر اسم المحاضر، و لا يقدمه على اعتبار أنه معروف للجمهور ثم يبدأ المحاضر بإلقاء الدرس و يستغرق عادة ساعة و نصف الساعة و بعد الانتهاء يصافح جلالة الملك السادة السفراء و المحاضر ثم ينصرف.
وهذه الدروس الرمضانية تنقل عن طريق الإذاعة والتلفزيون، ولا شك أن فوائدها أعظم من أن تحصى، ففيها حفز للهمم، و حث على تعلم العلوم الدينية، و احترام للعلماء، و تشجيع لطلاب العلم، و هي تذكرنا بالخلفاء العباسيين يوم كانوا يقربون العلماء، و يعقدون المناظرات العلمية في مجالسهم.
ويبدأ الموسم عادة في اليوم الثاني أو الثالث من أيام رمضان المبارك من كل عام. و ينتهي في منتصف الشهر وفي آخر يوم يلقى جلالة الملك نفسه الدرس. ومنذ سنوات قلائل رغب أن يدعو من البلاد الإسلامية من يشارك في هذه الدروس أيضا، وقد أخبرني معالي وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ أحمد بركاش أن منهاج كل موسم يقترن بمصادفة جلالة الملك قبل حلول رمضان، ثم لا يجري عليه أي تعديل إلا بموافقة جلالته.
يبلغ تعداد الشعب المغربي أربعة عشر مليونا تقريبا.. و هو يحب العراقيين حبا جما، و مر ذلك إلى ما بين الشعبين من تشابه في العادات و التقاليد و في اللغة إلى حد بعيد، و لم تكن أخلاق هذا الشعب غريبة علي، فقد كان لي زملاء مغاربة في جامعة الأزهر عرفت عن طريقهم أن المغربي فيه شدة و لكنها شدة مغلقة بأدب جم، و تواضع كبير، و خلق عظيم، و لقد لمسنا الاحترام التام و التفاني في الخدمة.. و الرقة في الحديث، أينما ذهبنا و حيثما حللنا.
إن المغاربة عرب قبل كل شيء، ثم إنهم مسلمون دخلوا الإسلام و اعتنقوه عن يقين، و كان لهم معه شأن وأي شأن، فقد خدموه خدمة جلى، و حملوا تعاليمه ـ مع من حملها ـ و عبروا بها البحر، و فتحوا بعض الأقطار الأروبية ثم كتب عليهم أن يعيشوا تحت الحكم الفرنسي ، و أن يختلطوا بالفرنسيين و قد أفادوا من كل ذلك:أفادوا من تعاليم الإسلام ، و مثله العليا و أخلاقه  الفاضلة. و أفادوا مما لدى الفرنسيين من خير و بقيت فيهم شهامة العرب، و شدة بأسهم و قوة شكيمتهم، صفات كريمة متأصلة، فإذا أخذت ـ أيها القارئ الكريم ـ تعاليم الإسلام و شدة العرب، ورقة الفرنسيين، و مزجت ذلك كله كان الناتج: أخلاق الشعب المغربي. وعلماء المغرب أشهر من أن يعرفوا، أو يكتب عنهم فقد شاهدنا أفذاذا فطاحل يحفظون  القرآن الكريم و يحفظون الحديث الشريف بسنده و لا يكتفون بالمتن فقط، يتكلمون الفصحى بذلاقة و طلاقة، ويروون التاريخ البعيد، كأنه الأمس القريب، يستظهرون آراء المذاهب الإسلامية، مع اعتزازهم بمذهب إمامهم مالك رحمه اله تعالى المنتشر هنالك.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here