islamaumaroc

الحسنيان الملك والحكمة

  دعوة الحق

116 العدد

إن علاقتي بالفلسفة (هواية وهوى واحترافا) أكسبتني حساسية خاصة بلوينات الإنتاج الفكري المختلفة، أكثر من طاقة الانفعال بالقطاعات المنتجة الأخرى.
فتقديرنا للحسن الثاني ينبثق من إعجابي بالرائد الذي يضيء الممشى الثقافي والروحي لمغرب اليوم. لقد أتاه الله "الملك والحكمة"، وعلمه من تأويل الأحاديث، مما بوأه الصدارة في النبوغ المغربي. لقد أظهر جلالته، في الأحاديث الرمضانية، أصالة واتساع معرفة وعمقا. فإذا كان ذلك موضوع إجلال، فالتقدير الأضخم يذهب إلى الحسن الثاني المفكر الإسلامي الذي أبى إلا أن يجند ثقافته، بازدواجيتها، لأنه "إذا فتح الله قلب الإنسان وبصيرته مكنه أن يدلي ولو بنصيب قليل في تعريف الإسلام وفي تفهيم الإسلام بطريقة عصرية واضحة(1)".
ذاك هدفه نصره الله. أما المنهج، فهو "الاجتهاد" على منوال السلف الصالح، كما هو جدير بكل مفكر إسلامي أصيل، يدعو إلى الصراط القويم : "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله، على بصيرة، أنا ومن اتبعني" (قرآن: 12، 108)، وهل البصيرة إلا الدليل الواضح بطريقة واضحة؟ فالعالم الحق هو كما يعرفه صاحب الجلالة "من يحاول أن يستنبط من أحاديث النبي (ص) ومن آيات  كتاب الله الفوائد العصرية الفقهية التي من شأنها أن تجعل من مجتمعنا مثلا للحضارة يقدم تلك الحضارة، لا مجتمعا راكدا". ف "الاجتهاد"، إذن مبدأ ومنهج يفتحان الآفاق على التقدم الحثيث، إذ "لا خير في فقيه إذا لم يعرف أسباب التشريع وإذا لم يعلم بروح المشرع ونية المشرع". فالاجتهاد، كما في هذا المعنى، التزام، فكريا وأخلاقيا.
                                                ***
الهجرة بداية تاريخ الإسلام ورمزه. إنها تعني، أصلا الانتقال من وسط لآخر، ("وسط" هنا في معنى أوسع من محيط جغرافي) . الهجرة استبدال مواطنة معنوية وروحية بأخرى. "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى : فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه" (حديث).
يريد الحسن الثاني مهاجرين في مسيرة المصير المزدوج، المصير المعنوي، داخل عالم يبحث عن سبيله في معمعة المشاغل التقنية عساه يبلور معايير وقيما جديدة، والمصير الحضاري الذي يزحف على  التخلف، ليتغلب عليه الإنسان المغربي فيكون خلفا  لله في الأرض : "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم" (قرآن : 24، 55). فهل من "إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ..."
تمجيد للإنسان الواعي لإنسانيته أعظم من أن يكون خليفة الله في الكون؟ نعم، استخلفنا الله في الأرض، إلا أن "منا من أحسن الاستخلاف، ومنا من أساء. ومن الدول التي سبقتنا من أحسنت الاستخلاف، ومنها من أساءت".
يريدنا الحسن الثاني مؤمنين ب "الأمانة" وأهلا لتحملها، تلك الأمانة التي عرضها الله "على السماوات، والأرض، والجبال، فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان" (قرءان : 33، 72).
                                                ***
إنه لم يعصمنا اليوم من أمور العصر وكوارثه إلا "الاجتهاد"، أي الجهد المزدوج الذي عبر عنه نبي الإسلام "اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا، واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا".
هذه الثنائية لا تكتمل إلا بتألفها مع عامل ثالث هو الذوق أو القلب. بهذا الثالوث (العقل والروح والقلب) تتلاحم وتتناغم البنيات (التحتية والفوقية) داخل المجتمع الصالح(2) ، في عصر أصبح مشكل القلق الأكبر، بالنسبة لمجموع شعوب الدنيا (وعلى الخصوص العالم الثالث) هو ما عبر عنه (هامليط): "أن تكون، أو لا تكون، ذاك هو المشكل" !
وما القلق إلا "ما بين السيف وغمده، ما بين السرج وجسد الفارس"(3) : أنه بالنسبة للفرد، عدم الانسجام، داخل المجتمع. بيد أن هناك مصدرا لقلق أكبر وأشمل، هو التواجد الشكلي بين شعوب متخلفة (فكريا واقتصاديا) مع أمم صناعية كبرى، في هذا الثلث الأخير من القرن العشرين الجبار، حيث اكتسح العلم الزهراء والقمر. فالوسيلة الناجعة هي أن نومن ب "الاجتهاد" وإلا بقينا نفكر في عالم مضى و "نعيش" (حضورا ولكن غير مساهمين) في عالم يتجدد بلا انقطاع. وبالمقابل، ودون انقطاع كذلك، تنتاب شعوبنا المتخلفة غصة فظيعة، تقلصهم في غربة ساحقة. فالعصاب ليس مرضا خاصا بالفرد، بل قد يصيب كذلك الشعوب، إذا هي رضيت بحياة مفككة الأوصال بين مطامح تتناقض مع الإمكانيات الضحلة، العاجزة.
قديما تحدث الحكماء عن مدينة السعادة، وعن المدينة الفاضلة، وعن مدينة الشمس ..فصاح آخرون : "تلك أحلام ! نعم ، ولكن أحلام أمس قد أخذت اليوم طريقها نحو التحقق فلا بد من "الاجتهاد" الذي هو سلاح في "الجهاد" ضد التخلف، إذ به سنذهب، توا، نحو تحقيق أهداف العصر بالوسائل التي يفرضها الوضع. إن الاجتهاد جهاد، في ميدان الدين وفي ميدان الدنيا: "لكل أمة رهبانية، ورهبانية هذه الأمة الجهاد" (حديث). فالجامع بين الجهاد والاجتهاد هو الجهد المنظم والمنظم الذي يهيمن على مجموع فعاليات الكائن البشري – الكل ذي الأبعاد المادية والمعنوية والروحية: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد النفس" (حديث). حقا، لا رهبانية في الإسلام ولكن لا تشتت في المغامرات المادية: "ورهبانية ابتدعوها، ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها" (قرآن : 27، 57)
                                             ***
قلنا أن "الهجرة" رمز لـ "بنية" من بنيات هيكل الإسلام، ونشير إلى بنية ثانية، هي "الوسطية"، إن صح هذا التعبير، يصرح القرآن، مخاطبا المسلمين: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس" (قرآن : 2، 143) و "الوسط" بمعنى العدل والتعادل، فالأمة الإسلامية بين الشرق والغرب، بين الإفراط والتفريط في كل المواقف، بين عقلانية ثلجية لا ترحم برودتها، وانفعالية انطوائية تجر إلى الزهد والقطيعة مع الحياة اليومية، بين فكر مثقب محلل يسانده حدس مشع، وبين حياة الفشر والتبذير، بين بخل مقيت، أو زهد مرضي يعطل الوجود الطبيعي السوي، وبين اندفاع جموحي وراء إشباع الغرائز.
وتتجلى "الوسطية" في الحاح الإسلام على الالتزام، داخل التاريخ العام، رفضا للحياة الهامشية: "لتكونوا شهداء على الناس"، والشاهد ملزم بمعرفة دقائق القضايا، وبمحبة الحقيقة واحترام الواقع. هذا الالتزام، هو ما يسميه الحسن الثاني ب "المسؤولية"، يؤكد جلالته على جانبها الالتزامي الواقعي، بقوله: فمسؤوليتنا ليست المسؤولية الميتافيزيقية التي نسمع عنها ولا نراها، بل هي مسؤولية مجسمة لا يمكن أن يتهرب منها أي أحد، اللهم إلا إذا كان مجنونا. أما إذا كان الإنسان عاقلا ويستطيع التفكير إلا وبإمكانه، بل من واجبه، أن يحفظ، في الحين، بمسؤوليته الخاصة، ثم بمسؤوليته العامة".
وتقع المسؤولية، بنوعيها، تحت مراقبة الله، ما دام الله تعالى طرفا في عملية الشهادة، إذ هو الحكم الأعلى الذي لا استئناف عليه : "لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا"، والنبي الرسول شهيد، طبقا لوحي من الله ومعايير وقيم.
تلك الوسطية تلزمنا بأن نحدد أبعاد "علم كلام" جديد ينغمس في تاريخ الحضارة الإنسانية، تفهما وإسهاما، مع وعي للصيرورة. فنقطة التلاقي بين البعيد والقريب هي الـ "هنا"، و "الهنا" ليس ظرفا، بل تأليف متحرك يضم المكان إلى الزمان، فعندما ننطق بهذه القضية مثلا : " الإنسان يحيا"، نقصد أن الإنسان يسبح بين الماضي والمستقبل معا، في وقت واحد، إن الإنسان حيوان وأكثر : إنه يعي الزمان، كبعد من أبعاد الحياة البشرية، تتابع أنماطه دونما انقطاع. فمنذ (اينشطاين) تغيرت النظرة العلمية إلى الزمان، فلم يعد زمانا خطيا.
إن مسؤولية المسلم تتجدر في صميمية كينونته، إذ يجد نفسه ملتزما لارتباطه الطبيعي بالنوع البشري، طبقا لمعاهدة بين الله وآدم، أبي البشر: "و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم درياتهم، وأشهدهم على أنفسهم: ألست بربكم؟ قالوا : بلى ! (قرءان : 7، 172).
                                             ***
تلك مجرد إيحاءات من درس الحسن الثاني، الملك الذي يشرف الفكر الإسلامي المعاصر، بالاجتهاد والواقعية. إنه منهج قويم "يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام" (قرءان : 5، 16).
نصر الله ملكنا المفكر المجتهد، ووفقه في خدمة العروبة والملة الإسلامية.

(1) – الاستشهادات من درس صاحب الجلالة في رمضان 1388-1968.
(2) – البنية : في مقابل اللفظة العلمية المستعملة اليوم Structure.
(3) – لسان العرب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here