islamaumaroc

محمد بن محمد الشريف في قوته وارتياحه للأدب

  دعوة الحق

116 العدد

الدولة العلوية 
قامت دولتنا العلوية الشريفة - على حماية البيضة الإسلامية - بهذه الديار المغربية - بعدما كادت أيدي العبث تجعلها في خبر كان - من جراء ما عرا دولة السعديين من الضعف والانحلال منذ غاب بطلها (المنصور) عن الرقعة، وسقط المغرب في أحضان خلف ضعيف مثل أدوارا دموية داخل البلاد ارتكزت على أس النفاسة المنهار، وأصبح كل فرد من أفراد الدولة يرتجي وصلا لسلمى - والدخلاء يسبحون في تلك الفوضى الداهمة بدعوى الإنقاذ والأخذ بضبعي المغرب - والأجانب وقتئذ في ثغوره وأطرافه يهتبلون الغرة ويلعبون أدوارها الاستعمارية دافعة أبناء الوطن إلى حيث القضاء النهائي.
في هذا الظرف الضيق، والمسارب المهولة - اضطر الأحرار من أبنائه للإستغاثة هنا وهناك (داخل نطاق التراب) رغبة في الاحتفاظ بالبقية الباقية من رمقه.
والنيات الحسنة، والطوايا الطيبة لا تلبث (طال الزمان أم قصر) تدرك ما تصبو إليه من مقاصد، وترمي إليه من غايات.

امحمد بن محمد الشريف:
ذلك أن الله تعالى أتى بالدولة الحسنية السجلماسية، وعلى رأسها امحمد بن محمد الشريف ابن علي الحسني السجلماسي - مؤسس الدولة - كان أبوه أمير سجلماسة في أواخر أيام السعديين واعتقله أبو حسون السملالي (صاحب درعة والسوس) - في قلعة بالسوس - قريبا من سنة 1045-762.
في هذا الوقت نهض ابنه البطل المولى امحمد فاستمال إليه جمعا من أهل سجلماسة ( أو كنز البركة) حسب اسمها القديم(1) إذ كانت( قاعدة تافيلالت)، فبايعوه سنة 1050هـ - 1640م، وقاتل بهم السملالي فتغلب عليه، واستولى على درعة وأعمالها، وأغار على مدينة "فاس الجديد" فافتتحها وبايعه أهلها وأهل "فاس القديم" سنة 1060 هـ - 1650م، ثم أخرج منها فانصرف إلى مدن الصحراء وشرق المغرب فبايعته عدة قبائل، واستولى على العاصمة الشريفة ( وجدة الحبيبة )، وجعل مقره بها تارة وبسجلماسة تارة أخرى، وأقام ينظم عمائر الصحراء. في هذه الأثناء توفي والده الشريف محمد (سنة 1069) فجددت له البيعة، ثم توجه للقضاء على حركة الدلائيين واصطدم برئيسهم الحاج الدلائي ودارت بينهما المناوشات انتهت أخيرا بالصلح.

قوة امحمد بن الشريف:
كان المولى امحمد يتوفر على قوة جسمانية وبسطة بدنية خولتاه الوصول إلى أغراضه ومطامحه سياسيا واجتماعيا.
إنها خصلة كريمة تخلق من رجلها بالطبع - الكائن القدير على جذب القلوب وإمالة النفوس عن طواعية واطمئنان - فترتاح الصدور لسياسته وقيادته - وتسير القافلة سيرا مرضيا يحدوه الأمل والأمل القوي في الفوز والانتصار - ولا أدل على هذا مما لمحنا إليه آنفا.
أضف إلى هذا ما حكي عنه وهو يحاصر" بني الزبير" ( بتابوعصامت) إذ جعل يده في بعض ثقب الحصى وصعد عليها ما لا يحصى من الناس حتى كأنها خشبة منصوبة، ولبنة مضروبة، شيء أذكرنا بقول الأصمعي:" لم ير أحد أعرض زندا من الحسن البصري فكان عرضه شبرا" (2)، فالرجل كان شجاعا بطبعه، مقداما لا يكترث للعظائم ولا يدور بخلده الوهن والرهب ، بل لا يدري ما هي النكبات والأوجال - ظاهرة لا تعتم تحفز الجند - والأتباع للاقتداء خاصة برئيس دولة، وشريف أرومة يتيمن به حتى ولو فقدت تلك الصفات البطولية وعرق النبوة.
وهنا نرى منافسيه بل أعداءه الدلائيين يقولون عنه في صراحة: الأجدل الذي لا تؤوده هموم الليالي، ولا مكايد الطبيعة والدواهي، عقاب أشهب على قمة كل عقبة، ولا يقنعه المال دون حسم الرقبة، لا يقاوم في الصراع، ولا يزاول في الدفاع.
صفات يجب أن تتوفر في الراعي - الاستعداد الفطري في المنزلة الأولى - وبسطة الجسم وكمال قواه المستلزمة لصحة الفكر، ومن حكم الأمثال: "العقل السليم في الجسم السليم". ونرى هذا المعنى الكريم واضحا ومتبلورا في قوله تعالى: ?قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ? (3).
فمقال إحدى البنات من جوامع الكلم والحكمة، فمتى اجتمعت هاتان الخصلتان: الأمانة والكفاية تكلل السعي بالظفر طبعا.
تلكم خصال تعد بحق دروسا عملية تبعث على ترسم خطاها، ونقل الأقدام على سوى مستواها، فيندفع الإفريقي بطابع فطرته للاقتباس من كثب4) حيث تنطوي تلك الجولات الحربية على مغازي نبيلة تكتسب من ورائها صنوف من الاستماتة والصمود، وألوان من الرياضات البدنية - كرا وفرا وأخذا وردا، عمليات تدرب كلا من الماشي والفارس على أساليب الإقدام والإحجام داخل الميدان عن بينة ويقظة يضمنان السلامة والظفر في النهاية.
والتاريخ لا يفنى أنه ذو سلسلة فولاذية الحلقات، أصيلة الجاذبية، لا تبرح متصلة الالتئام والالتحام مدى الزمان.
وهاك ذكرا "والشيء بالشيء يذكر". بعض غزوات المولى إدريس بن إدريس للخوارج الصفرية من البربر ( وهم قوة مضاعفة متكاملة)، إذ ركب فرسه وتقدم للمعمعة يخوض أطرافها ضاربا في هذا الجانب مرة، ثم في الجانب الآخر مرة أخرى - واستمر يدافع وينافح حتى ارتفع النهار - فرجع إلى رايته ووقف إزاءها والجند يقاتلون، وهو تحت ظلال البنود يحرض ويشجع، إنها بحق خليقة نشأ عليها رجال الخلافة وملوك السلام الأول، وفي مختلف عهود الإشراق والنور تجدهم وقد انطلقوا وانشرحوا وقوفا جنبا إلى جنب مع آخر جندي، تشخيصا منها لروح الديمقراطية الحق وذوبان في الأوساط الشعبية دون أن تأخذهم عزة الولاية أو يعرفوا للارستقراطية الميز مدلولا يصرفهم عن الاتصال بالرعية - مما يفسح المجال لهم عن إيمان واطمئنان للاقتداء والعمل في جد بروح مؤمنة بالصالح العام، والسعي البناء في جهد صادق وإخلاص تعلوه مسحة الاستماتة إلى النهاية، والنهاية الحميدة العقبى، وفعلا لم تمض غير فترة حتى أصبحوا جندا مدربا قويا مؤمنا برسالته عاملا على السير قدما في الخطة العملية التي رسمت له، وكان بطبيعته على استعداد لتلقيها.
 إنها وأيم الحق المدرسة، يجب أن تكون في صف المعاهد التكوينية والتطبيقية على الأخص، بل النموذج الحي الجدير اليوم وفي قرن العشرين - أن يعطي المثالية العالية في الموضوع ضرورة، إنها أغلت في ظرف قريب وأعطت نتائج ملموسة في الظفر والانتصار، إنها مدرسة المولى امحمد بن محمد الشريف العلوي طيب الله ثراه.
 وحتى أن أخاه المولى الرشيد قدس الله روحه عقب الشجار والطعان الواقع بينهما وكان المترجم ضحيته - ندم على فقده أشد الندم، إذ ضاع ردء قوي لا يعوض. رحم الله الجميع.

تشجيعه للأدب والثقافة:
 إن همة العاهل امحمد بن الشريف لم تقف عند القوة والمصارعة بل تناولت نواحي أخرى في مقدمتها المعرفة وتشجيع رجالها إيمانا منه بمكانة التغذية الروحية، وما يمكنها أن تلعب من أدوار في تحريك النفوس وتحوليها من تحجر وجمود إلى انطلاق ولين، وأخيرا إلى تقدير المسؤوليات واعتبار الواجبات الملقاة على عائق المواطنين في شتى الجوانب على اختلاف ألوانها ماديا وأدبيا.
وهذا نموذج مصغر يعرب لنا عن هذه الحقيقة الثابتة التي لا أغالي إن قلت عنها إنها علت على ما كان يقدمه الخلفاء والملوك في بلاطاتهم من صلات علمية وأدبية - وها هو ذا يصل الأديب الشهير المتقدم في صناعة الشعر المعرب والملحون - أبا عثمان سعيد التلمساني صاحب القصيدة العقيقية وغيرها نحوا من خمسة وعشرين رطلا من خالص الذهب جائزة له على بعض أمداحه.
إنها جائزة ( كما قلت) مشرفة ومشرفة أكثر أربت على ما عرف من الصلات وتحدث به التاريخ - خمسة وعشرين رطلا من خالص الذهب - نضار يقدر بنحو ثلاثة عشر كيلوغراما ذهبا خالصا، بخ بخ (و عن الملوك فلا تسل)، فكم لهذا القدر وكم له مما سجل ومما لم يسجل.
 تلك ظاهرة نادرة تبرهن في جلاء على أريحية المترجم العلوي، وما كان يوليه عن عناية للأدب والأدباء ورجال الأقلام الثقافية على اختلاف ألوانها. فرحمك الله يا أبا عبد الله.
والتاريخ صادق أمين لا يلبث يحافظ على هذه المكارم والمحامد ويحيطها بعنايته المألوفة رباطا منه لتلك السلسلة المحكمة الحلقات.
 إنها وربنا مكرمة خالدة نلمسها حتى اليوم في عاهلنا المفدى الحسن الثاني أيده الله. ونحن نحتفل بذكراه الثامنة لجلوسه على عرش أسلافه المنعمين. فيعطي أعزه الله بكلتا يديه عطاء من لا يخشى القل، ضاربا أروع المثل في السماح والبذل، مما يقصر القلم عن سرده وتعداده، وليس الخبر كالمعاينة(5). حفظ الله مولانا الملك، وكلأ ولي عهده سيدي محمد وباقي الأسرة.

(1) وقد صحفت كلمتها بما نشأ عنه كلمات ثلاث" سجلماسة": بيت، حلم ، أتيته. 
(2) من البيجوري على شمائل أبي عيسى الترمذي ص 22.
(3) الآية 26 من سورة القصص.
(4) من كثب - لا عن كثب كما يقع لأقلام الكتاب.
(5) في حديث رواه أحمد والطبراني وغيرهما عن ابن عباس وصححه ابن حيان والحاكم وغيرهما.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here