islamaumaroc

في تاريخ المغرب الديبلوماسي

  دعوة الحق

116 العدد

لقد أشرت في حديثي الذي نشرته مشكورة كتابة الدولة في الشبيبة و الرياضة بعنوان " جولة في تاريخ المغرب الدبلوماسي" أشرت إلى بعض الترتيبات التي أصبحت منذ فجر الدولة العلوية من عادات المغرب المتبعة بمناسبة ورود سفراء الدول، فلقد كانوا يقصدون المغرب في الغالب عن طريق مدينة طنجة بعد الاستئذان في النزول بالتراب المغربي، و هناك تجري الاحتفالات الأولى بإطلاق المدافع على نحو ما كان العرف عليه في تحية الدول ذات السيادة في البحار، ثم  تطير الأخبار إلى سيد البلاد سواء كان مقيما بمكناس أو فاس أو مراكش، و ترحل البعثة تحت رعاية الحكومة المغربية  و بعنايتها إلى حين يتم الاستقبال الملكي... و قد كان الترجمان يقف عن يمين السلطان على مقربة منه، بينما يقف أعضاء الحكومة عن يساره، و عندما يحضر السفير إلى الردهة الملكية بين أصداء الموسيقى المعروفة باسم" الخمسة و الخمسين"، يقدمه قائد مشهور باسمه و اسم الدولة التي اعتمدته سفيرا لها، هنا يتقدم السفير بخطوات وئيده نحو جلالة  الملك مؤيدا التحية الأولى تم الثانية ثم الثالثة بثلاث إيماءات… عندها يقف في المكان المحدد أمام الملك ليؤدي الرسالة التي جاء من أجلها…

وقد أحببت أن أخصص حديثي اليوم لوصف بعض الاستقبالات التي تمت في القصور الملكية، وسوف لا أتحدث عن أيام السلطان المولى الحسن الأول رحمه الله، فقد عرفت المصادر التاريخية الحديث عن مراسيمها بإسهاب منذ نزول السفير بالساحل المغربي إلى وصوله للعاصمة، من مظاهر الحفاوة والتكريم، إلى يوم الملاقاة.
كما ولا نتحدث عن أيام السلطان سيدي محمد ابن عبد الرحمن الذي تحتفظ الأرشيفات الوطنية في أوربا بلوحات لبعض استقبالاته..
وسوف لا نعطي تفصيلات عن سفير ملك فرنسا لويس فيليب الذي استقبل يوم22 مارس 1832 من قبل السلطان مولاي عبد الرحمن، فقد تحدثت  المراجع التاريخية عنها بل أخذ المصورون لها لوحات فريدة.. كذلك سوف نختصر الحديث عن أيام السلطان سيدي محمد بن عبد الله الذي عرفت أيامه بأنها الأيام الدبلوماسية للمغرب، لأن الكلام عنها أيضا مما تحدثت به المصادر الأجنبية، فقد استقبل عشرات السفراء: السويد عام 1763 و البندقية عام1767و البرتغال عام 1773 و روسيا1778 و الطوسكان عام 1778 وصقيلة عام 1782 و النمسا عام1783 و الولايات المتحدة الأمريكية 1786 والدنمرك عام 1787 والعثمانيين.... و إمارة ليبيا عام 1790. لكنني أوثر أن أرقى مباشرة إلى أيام الإمبراطور العظيم المولى إسماعيل، إلى ما قبل ثلاثة قرون من الزمن عندما استقبل بقصوره في مكناس سفراء عدد من الدول الأوروبية..
لقد كانت مدينة مكناس كأي عاصمة في الدنيا معروفة لدى قادة العالم بقصورها المتعددة و مبانيها العظيمة و بساتينها الفسيحة و ترتيبها المتقن، تحدث عن هذا سائر الذين تمكنوا من زيارتها و المقام بها حديثا و  صفيا وأعطوا صورة صادقة للكيفية التي كان يتم بها استقبال السفراء الأجانب، ونذكر على سبيل المثال الاحتفال الذي أقيم لاستقبال السفير الفرنسي سان أولون سنة 1662.
لكن أهم من أعطى وصفا دقيقا لإحدى الحفلات التي تم فيها استقبال السفير البريطاني شارلس ستيوارت في بداية القرن الثامن عشر هو ( جون و ينداس) الذي كان مرافقا للسفير البريطاني الوارد على العاصمة: مكناس، من أجل مهمة خاصة: تصفية قضية الأسرى الإنجليز الذين كانوا في قبضة السلطان المولى إسماعيل بعد الحملة المغربية ضد الوجود البريطاني في طنجة، و كذلك الأسرى المغاربة الذين وقعوا في قبضة البحارة البريطانيين.
عندما وصل سفير صاحب الجلالة جورج الأول ملك بريطانيا إلى جبل طارق اتصل بالباشا السيد أحمد بن علي الريفي عامل مدينة تطوان ليلتمس منه استئذان صاحب الجلالة إسماعيل في دخول الديار المغربية والالتحاق بعاصمة العلويين. وبعد إيفاد رجال البريد الذين يعرفون في المغرب باسم الرقاصة بعد إيفادهم لمكناسة الزيتون أعطى العاهل المغربي و فاقه لمئول السفير البريطاني بين يديه، و هكذا بعث عامل تطوان بخبر السفير ستيوارت بالترحيب به في بلاط المولى إسماعيل، و حينا أبحر الدبلوماسي البريطاني من جبل طارق رحل  بتطوان يوم الثلاثاء 9 رجب سنة 1133 هـ ( 6ماي 1721). و هنا أقام في ضيافه رجال السلطة المعظم، حيث تمت بالضبط معرفة أهداف السفارة و درست الإمكانيات المتوفرة لإرضاء مطالبها..و في عصر يوم الجمعة 17 شعبان من السنة (3 يونيه 1721) ودع السفير مدينة تطوان متجها إلى مكناسة يصحبه علاوة على حاشيته وعلى الخصوص سكرتيره الخاص( جون و ينداس)- علاوة على ذلك ـ موكب هام من كبار الموظفين على رأسهم عامل المدينة مع جريدة من الخيل وكوكبة من الحرس. و كانت تهيأ لهم أفخر الخيام و أحسن البيوت عندما تدركهم المراحل في الليل، تكريما لهم باعتبارهم سفراء لجلالة الملك جورج الأول. ولم تزل السفارة توالي سيرها إلى أن حلت القافلة مدينة مكناس قبيل شروق شمس يوم الإثنين8 رمضان 1133 ( 3 يوليو 1721) هناك و جدوا عامل مدينة تطوان ـ الذي كان قد سبق الموكب عند المرحلة الأخيرة ـ في استقبال السفير وحاشيته..و هناك تشكل و فد هام على أحسن ترتيب و قصدوا دار الاستراحة التي كانت بالذات البيت الخاص لعامل تطوان..
ولما كان الملك المعظم يدرك حاجيات السفراء الأجانب الذين  نشأوا عادة في بيئات خاصة تتطلب نوعا من الحياة قد لا يتوفر عادة في الاستراحة الريفية، لما كان ذلك أصدر تعليمات رحمه الله بانتقال السفير البريطاني إلى دار أخرى للضيافة لأنها كانت أوفق للسفارة و أضمن لراحتها، تلك هي دار أحد تراجمة البلاط الإسماعيلي وأحد أمنائه في الوقت نفسه ابن عطار الذي كان على خبرة تامة بالوسط الانجليزي وحالته الاجتماعية و الذي قام بعدة أسفار إلى أوربا وخاصة بريطانيا.

لقد كان السفير البريطاني أشعر بأن استقباله سيتم صباح يوم حادي عشر من رمضان ( 6 بوليه) و هكذا كان السفير على أتم استعداد هو و أعضاء السفارة هذا الصباح..
وكانت العادة تقتضي منذ ذلك التاريخ المبكر أن يأتي الحرس الخاص لمحل إقامة السفير لمرافقته إلى رحاب الملك، وفعلا توجه السفير بمن في معيته ممن وردوا معه. و يذكر (جون و ينداس) أن الموكب الدبلوماسي الذي كان يمتطي جميعه عتاق الخيل و أجود المراكب، كان يتقدمه رجلان من الحرس الملكي في بزتهم الرسمية الجميلة بالإضافة إلى لفيف من الفرقة الموسيقية العسكرية تصدع بنغماتها في أجواء شوارع مكناس المؤيدة إلى باب السفراء (باب منصور العلج) حيث يترجل السفراء لدخول  القصور الملكية، ويتبع الجوقة الموسيقية مباشرة سعادة السفير الذي كان سيرتدي اللباس الرسمي و قد أحدق به رجال حاشيته و أتى من بعدهم من جاء في رفقته من الخدم و الحشم.
كان موكبا رائعا وقف لمشاهدته الناس من بعيد إذ كانت التعليمات الصارمة تتقصي افساح الطريق حرة في وجه السفراء المعتمدين لدى جلالة الملك. ولم يسمح لأحد بالقرب من الموكب باستثناء رئيس بعثة الشرف باشا تطوان، و من الطريف أن نسمع عن نوع من المجاملة أو نوع من التعبير عن الحالةالحسنة التي  يعامل بها الأسرى البريطانيون، ذلك أن الملك أمر بأن يسير في مؤخرة موكب  السفير البريطاني جميع الأسرى البريطانيين الذين كانوا بالحضرة المكناسية راجلين حتى يعطي البرهان على أنهم يتمتعون بأكثر ما يمكن أن يتمتع به الأسرى على ذلك العهد.
 و لما وصلوا إلى ( باب منصور العلج) ترجل السفير و سائر من كان بمعيته من الركبان، و بعد أن أديت لهم التحية بالباب المذكور تقدموا داخل المشور و بعد أن مروا على بضع براحات جلسوا على دكة كانت لهم في انتظار طلعة الملك، و بعد ردح من الزمن سمع السفير أصداء " التحية الملكية" التي اعتاد الحراس تأديتها و التي ما تزال إلى الآن  التعبير المحبب عن الإخلاص و الولاء... و هذه التحية الطاهرة هي " الله يبارك في عر سيدي" يهتف بها جماعيا.. سمع السفير تلك الأصداء و بعد برهة صدر إذن للسفارة بمقابلة  الملك المعظم، و صحبته التشريفات إلى الردهة الكبرى  حيث يستقبل السفراء الأجانب، وقد لمحت البعثة الدبلوماسية جلالة الملك ممتطيا صهوة جواده وعلى رأسه مظلته التقليدية يحملها ويسبرها ببراعة فارس من الوصفان الأقوياء النشيطين كان يتتبع الجواد حيثما مال لكي لا  تنال الشمس من الملك الهمام، ووراء جلالة الملك  كبار الحراس و قد اصطفوا على صورة هلال في نصف دائرة، وعلى كل واحد منهم بندقيته و سلاحه يحملونه على أكتافهم رؤوسها إلى السماء  وهم ملتزمون مكانهم كانوا نبتوا هنالك.. و إلى جانب هذا المشهد الرائع و الجميل كذلك وقف أرباب  الدولة و أعضاء الحكومة مصطفين في ترتيب محكم صفان عن يمينه، و صفان عن شماله. و الجميع بلبس الزي الرسمي تنبعث  من هنا و هنالك لمزيج من الآلات الموسيقية تردد أصداءها جنبات القصر الفسيح..
ظل السفير يشاهد و يسمع طيلة اختراقه ممرات القصر نحو الرحاب الملكية، و لما لم يبق بينه و بين الملك إلا نحو من سبعين مترا، صدرت إشارة لهم بالوقوف كما صدرت إشارة للجوق الموسيقى بالسكوت، و هنا نزع السفير قبعته و تبعه أعضاء السفارة، إذ ذلك نزل السلطان عن فرسه بخفة و لياقة أثارت انتباه الضيوف البريطانيين، لكن الأمر الذي لفت نظرهم أكثر هو أن الملك العظيم قبل أن يأذن لهم في الحديث توجه القبلة، فسجد سجود الشكر على ما أولاه الله من نصر و توفيق، ثم عاد فركب فرسا له أدهم لم يكن يبدي حراكا من تحته، لقد كان فعلا من أحسن الجياد و أكثرها أدبا و تربية.
وقد وقع إلى يمينه بعض الوصفان يلوحون في الهواء بالمنديل التقليدي الأبيض كأنما يكيفون الهواء من حوله، كل هذا و المظلة فوق رأسه لا يفارق ظلها ذات جلالة الملك على النحو الذي قدمناه.
لقد كان  عمر الملك فيما يظهر يتجاوز الثمانين  ومع ذلك فقد كان يحتفظ  بجميع أسنانه، و كان كامل النشاط بادي الحيوية، و كان يتقلد سيفا قد غشي بالذهب، بينما يلاحظ إلى يسار السرج كابوس مغشى،....... شيء رائع و عظيم حقا... ولما امتطى صهوة فرسه قدم الترجمان ابن عطار سفير بريطانيا إلى جلالة الملك بعد أن سماه باسمه " شارلس ستيوارت" ثم صففنا أمام السلطان على خط أفقي، يقول الدبلوماسي البريطاني: و أدينا التحية الملكية" الله يبارك في عمر سيدي" و أومأنا له برأسنا و قد رحب العاهل المغربي بالسفير البريطاني مرددا عابرات بونو بونوBono Bono
ثم تلطف جلالة الملك و أذن للسفير بأن يرد قبعته على رأسه، و يظهر أن السفير لم يبق بينه و بين العاهل إلا نحو من خطوة أو خطوتين لأن مؤرخ الرحلة أمكنه أن يشاهد أثر بعض التراب عالقا بجبهة المليك التقي العابد بعد أن أدى سجود الشكر لله...
وهنا و بعد تبادل العبارات الودية قدم السفير ستيوارت الرسالة التي بعث بها الملك جورج الأول إلى السلطان المولى إسماعيل و قد كانت ملفوفة في الحرير قائلا:" إن جلالة ملك بريطانيا العظمى شرفني بالسفارة لدى جلالتكم لأعبر لكم عن تحياته و متمنياته و لأعرب لكم عن رغبته الصادقة في مصادقتكم و ربط أواصر المحبة بين الدولتين.. مذكرا بأن جلالة ملك بريطانيا يكن الكثير من التقدير لجلالة إمبراطور المغرب و لذلك فإنني أرجوكم ـ يا صاحب الجلالة ـ أن تقبلوا الهدية التي بعثها جلالة ملك بريطانيا إلى جلالتكم كتعبير عما يتقصده من صداقتكم".
وقد أجابه العاهل المغربي مقدرا عواطف عاهل بريطانيا حياله، و مذكرا بأنه سيسعده أن يستقبل هدية صديقه جورج الأول. ثم أشار للسفير في عبارات رقيقة بأنه سيسعفه في الغرض الذي أتى من أجله".
و بعد تبادل الخطابين جرى حديث بين الجانبين المغربي و البريطاني حول الأسرى.. لقد أبدى العاهل المغربي اهتماما كبيرا بالأسرى المغاربة الذين ما يزالون في بريطانيا سائلا عن أحوالهم و ظروف عيشهم وقد اقترح بادئ الأمر أن يصنفوا صنفين: الضعاف و الأغنياء، أما الضعاف فإن الدولة المغربية تعديهم، و أما الأغنياء فيتم الاتصال بذويهم لاقتدائهم و لكن جلالة الملك استدرك على هذا بقوله موجها خطابه للسفير البريطاني و كأنه يوحي إليه بحل آخر فيه مثالية أكثر و فيه تعبير أقوى عن الصداقة المتحدث عنها... قال السلطان المولى إسماعيل ـ :" و لكننا نعلم أن الإنجليز لا يسمحون لأنفسهم بالبيع و الشراء في الأسرى" و هنا أفسح المجال للسفير البريطاني ليتمنى على جلالة الملك أن يفعل مثل هذا مع الأسرى البريطانيين و يمن عليهم بالرجوع إلى أوطانهم قائلا: إن ذلك منكم سيكون تكرما عظيما.. و بينما كان جو الحديث يسير نحو انفراج أكثر، و إذا بكلمة تنفذ من السفير – وكلام السفراء محسوب عليهم ! - " إن التماسنا للإفراج عن الأسرى البحرية ليس يهم ملك بريطانيا فإن باستطاعته أن  يهيئ مائة ألف بحري كل عام لكن الباعث للسفارة هو إزالته العار عن بريطانيا..."
ويحكي سكرتير السفارة أن الإمبراطور المغربي ربما كره تحول أسلوب السفير من باب المجاملة و المكارمة من المماحكة و المنافسة. و لهذا فإن السلطان أومأ للترجمان بضرب الصفح عما يقوله السفير حول هذا الموضوع.. و سرعان ما عادت المياه إلى مجاريها و استرجع السفير أنفاسه ليذكر المنهاج الذي كان عليه أن ينفذه في هذا اللقاء، و هكذا أخرج من حقيبته النصوص المقترحة للمعاهدة (المغربية البريطانية) قائلا إنها مصادق عليها سلفا من جلالة جورج الأول ملك بريطانيا. فأجاب العاهل المغربي:" إن قولنا كخط يدنا و لذلك إذا أعطينا كلمة  عملنا على إنجازها"..ثم وعده بدراسة الموضوع و أخبر السفير البريطاني بأن النية  متجهة إلى إرسال سفارة مغربية لدى الملك جورج لتكون بمثابة جواب على هذه السفارة، و بمنزلة رد للزيارة، و أن البعثة ستكون برئاسة السفير الحاج عبد القادر بيربس..
وقد كان من التقاليد تقديم الثمر والحليب إلى الضيوف السامين بيد أنه نظرا لمصادفة الوقت لأيام رمضان، فقد فضل العاهل المغربي أن يقدم مفاجأة لضيفه تعوض ذلك التكريم، ذلك أنه أذن لضيفه أن يختار تسعة من الأسرى البريطانيين يصحبهم معه منذ اللحظة.  و بعد تقديم آيات الشكر و الامتنان لجلالة الملك كان الوقت قد حان للانصراف، وهكذا استأذن السفير البريطاني، وحيث أن قواعد البلاد تمنع من استدبار السلطان فقد رجعنا ـ يقول جون وينداس ـ القهقرى مودعين الرحاب الملكية..

وبعد انتهاء هذه المقابلة أذن السلطان المولى إسماعيل أمينه وترجمانه ابن عطار بالقيام بجولة صحبة السفارة البريطانية في القصور السلطانية، فكانت جولة جد ممتعة للدبلوماسيين البريطانيين ليس فقط في قصور السكنى و لكن أيضا في مخازن السلاح، وقد دهشت البعثة من ترتيبها و صيانتها من أغشية خاصة بها حتى لا تتعرض للتلف... و قد كان أبرز ما لفت نظر السفير البريطاني ورفاقه عرض أبواب مدينة العرائش التي اقتحمتها جيوش السلطان المولى إسماعيل مطاردة القوات الإسبانية عنها... ومر الموكب بجوانب القبة الخضراء التي كانت تسكنها الأميرة الجليلة العالمة للا خناثة بنت بكار... ووقفوا على العربة التي يركبها الملك للتجول في حدائق القصور..
وعند رجوع الوفد من تجوله صادفوا العاهل المغربي و هو راكب على فرسه يتفقد مخزنا كبيرا للسلاح و الرماح يكفي أن نعرف عدد القيمين عليه ثمانية و عشرون، كانوا كلهم بالصدفة أسرى من أصل بريطاني .. ولما اقترب الوفد من موكب الملك المقدس حياهم بقوله " بونو ! بونو!" وسألهم عن انطباعاتهم حول القصور العلوية، و قد أشاد السفير البريطاني بعظمتها مؤكدا أنها من أحسن قصور بلاد الله، فقال الملك العظيم" الحمد لله" و بينما العاهل المغربي في حديثه الودي مع السفير البريطاني مر بجانبها فريق من القيمين المذكورين، و على العادة أدوا التحية الملكية المعهودة:" الله يبارك في عمر سيدي" فسألهم السلطان مولاي إسماعيل عن جنسيتهم فقالوا: أنهم إنجليز و كان السفير يسمع... فكانت التفاتة أخرى من الملك العظيم.. لقد من عليهم جميعا بالإفراج من الأسر و إذن لهم في مرافقة السفير على الفور.. فأدى السفير آيات الشكر للملك على مبادرته الطيبة.
وفي يوم16 رمضان من السنة 1133 ( 7 يولية 1721) بعث إليهم جلالة السلطان قائد المشور من أجل القيام بجولة ثانية للوقوف على معالم جديدة. لقد وصلوا عند الساعة التاسعة صباحا إلى معمل ضخم كان يزخر بالعملة من مختلف الأعمار. فيهم الرجال و فيهم الشباب و فيهم الأطفال كذلك. كان بعضهم منهمكا في صناعة السروج، وبعضهم في صناعة البنادق، والبعض الآخر في صناعة أغشية السكاكين والسيوف.. ثم بعد ذلك مروا ببناية عظيمة فخمة  ولكنها غير مزخرفة و على أبوابها عدد من الوصفان.. وهنا قدمت إليهم أصناف من الفواكه، فيها الطري و فيها المجفف و كان منها التمر والزبيب والتين..واعتذر الوصفان بأن شهر رمضان كان يحول دون إيقاد النار لأجل إحضار الطعام. ثم استأنفت السفارة جولتها فمروا بالخزينة المالية ثم بهري آخر للسلاح و الذروع والمجنات.. وفي هذه المعدات ما أخذ من جنود دون سباستيان في واقعة وادي المخازن و منها ما غنمه الجند في حملة السلطان المولى إسماعيل ضد جيوش  الاحتلال التي كانت بالأمس  تربط على السواحل المغربية.. ثم زار الضيوف المكتبة الملكية التي كانت تتوفر على عدد مهم من المخطوطات في مختلف الفنون، ثم قاموا بزيارة لبعض القباب الداخلية حيث شاهدوا سقفها ـ كما يحكي و بنداس ـ و قد اكتسى كله لونا أزرق و طرز بصور النجوم و الكواكب بما في ذلك قرص الشمس حتى ليخيل إليك أنك أمام أفق السماء... و قد تطعم كل هذا بالذهب، الأمر الذي كان بحق شاهدا على المهارة والعظمة و قد وضعت في جوانب بعض القباب طائفة من العربات التي أهديت للإمبراطور من ملوك أوربا... و قد ارتاح السفير جدا عندما وقف على ( ثريا البلور) الفخمة التي كان قدمها بالأمس هدية من جورج الأول، رآها و قد علقت في إحدى القباب..
هذا و في إثناء المفاوضات حول الموضوع الذي ورد السفير من أجله للملكة  المغربية حدث أن استهدفت المحادثات لبعض الصعوبات الأمر الذي كاد يقضي إلى فشل المهمة لولا التجاء السفير البريطاني لأمين السلطان و ترجمانه الذي أشار عليه بأن يتوسل بالأميرة العالمة خناثة على جانب كبيرة من الثقافة السياسية... و هكذا حرر رسالة للأميرة يشرح فيها الأمر. وكان أن توسطت الأميرة لدى زوجها السلطان المولى إسماعيل ثم كتبت الأميرة للسفير شارلس سنيورات رسالة تبشره فيها بأنها رفعت الأمر لمولانا أمير المؤمنين.. و قد تم يوم 28 رمضان (23 يوليه) استقبال كان كبيرا للسفير البريطاني بمناسبة استئذانه بالسفر و قد تمت المقابلة على نحو ما كان في المرة الأولى من ترتيب و تقليد.. و قد طلب العاهل المغربي من السفير إبلاغ سلامه إلى جلالة الملك جورج الأول.
وقد كانت العادة الملكية أن تهيأ للسفير طائفة من الهدايا الرفيعة تقدم له بمناسبة استئذانه بالسفر تكون بمثابة وسام و تقديرا له على ما بذله من مجهود، و يخص جانب من الهدايا من الإنتاج المغربي: أقمشة رفيعة صباغة رائعة أو جياد عتاق.. و في بعض الأحيان كانت هدايا المملكة أسدا و ربما أيا قطيعا من النعام، و هي في بعض الحالات كان السفراء الواردون يوعزون برغبتهم في نوع معين من الهدايا..
ولكن هل كانت التقاليد تعفي السفير بالقيام بزيارات المجاملة لبعض الأمراء و الوزراء؟ لقد كان على المبعوثين الدبلوماسين أن يتعرفوا على أكثر عدد ممن من كبار رجال القصر  الملكي، و من رجالات الدولة، و هكذا نرى السفير شارلس ستيوارت يقوم بزيارة للأمير مولاي عبد الله في قصره ضاحية مكناس حيث قضى معه وقتا غير قصير كان يقوم فيه بدور الترجمة و التعريب إحدى الأسرى البريطانية الذين تحرروا منذ بضعة أيام من لدن السلطان المولى إسماعيل.. و قد تحدث بعض المصادر البريطانية عن انطباع ستيوارت ورفيقه حول هذه الزيارة، التي أدخت على  الضيوف كثيرا من السرور حيث تمكنوا من الحديث مع الأمير الشاب الكريم السخي وهو يتفرج على سبع كان عنده في حديقته.. لقد صادفت هذه الزيارة،  يوم عيد الفطر 25 يوليه 1721 و بهذه المناسبة فقد تناول السفير ستيوارت ما لذ و طاب من المشروبات و الحلويات...
وبعد زيارة الأمير مولاي عبد الله كان على موعد مع الأمير المولى علي الذي كان أعد احتفالا شيقا توديعا للضيف البريطاني... و قد طاب المجلس الذي كانت تتخلله نوبات شجية من الآلة و حضر وقت العشاء فتناول الدبلوماسيون مختلف أشكال الطعام التي بلغت على حد تعبير شاهد العيان أزيد من عشرين نوعا من مختلف ضروب اللحوم و ضروب الطيور...
و إلى جانب الأمراء كانت تنظم للسفير حفلات تكريم على شرف السفير قبل عودته لبلاده و لم يغفل أحد من السفراء الذين ترددوا على المغرب الكلام عن المائدة المغربية الشهية، و لكثر ما كان الوزراء و القواد يتبارون في تكريم الضيوف كان هؤلاء يلاحظون أن المائدة المغربية  دسمة باستمرار، و أنه لا يوجد فرق بين الأكل عند هذا أو ذاك.. البسطيلة، المشوي، و الدجاج، و الكسكس، هو أكل كل البيوت في كل يوم..
 و بعد فذاك هو مغرب الأمس بأصالته و أمجاده و أعرافه، و هو نفس المغرب اليوم لم يتأثر بالعواصف التي مرت من حواليه، و لا بالزوابع التي ذهبت بكثير من معالم الآخرين و ذلك هو السر الذي آثر الله به بلاد المغرب الذي تحدثت عنه الوثائق الأجنبية في تقدير وإكبار و تحدثت عنه المصادر الوطنية في فخر و اعتزاز.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here