islamaumaroc

الإصلاحات العسكرية في عهد الملك المصلح مولاي الحسن

  دعوة الحق

116 العدد

أبدى السلطان المقدس مولاي الحسن الأول عناية فائقة بالجيش المغربي، فسهر جلالته بنفسه على " تقويته وتدريبه وتسليحه بأسلحة عصرية حتى أصبح جيشه يحتل الصف الأول مع جيوش بعض الدول الأوروبية التي كانت تتحين الفرص لتجعل من المغرب – البلد الغني - طعمة سائغة لها ".
 وكيف لا وهو" البطل الشجاع والليث الضرغام الذي من هيبة صولته سجدت الأسود ولدعوته لبت الرايات وأجابت البنود ولسطوة كلمته المطاعة جمعت العساكر والجنود"
كانت عناصر الجيش الحسني تتألف من رجال دكالة والشاوية ومن قبائل الدير، وكانت وحداته هي الرماة والفرسان والطبجية الذين كانوا يعملون تحت إمرة وزير الحربية العلاف السيد محمد الصغير الجامعي.
وكانت أركان حرب هذا الجيش العتيد تتكون من وزير الحربية وخليفته وكاتبه ومن قائد رحى البخاري وقائد رحى شراكة وقائد الرحى الشراردة وقائد رحى الوداية وقائد رحى أهل سوس وقائد رحى أولاد دليم وقائد رحى رحامنة. وكان لكل قائد من من هؤلاء القواد قائد خليفة وقواد للمئين ومقدمون يرتفع عددهم أو ينقص حسب عدد المشاة أو الفرسان الذين يعملون تحت إمرته.
وقد عمل جلالة السلطان القائد الأعلى على تجهيز جنوده بالعتاد العسكري: فزود فرقة الطبجية بعشرين بطارية وبالرشاشات، وفرقة الفرسان بالرماح والخناجر والسيوف والمسدسات، وعزز أسطوله البحري بباخرة حربية اشتراها من الدولة الإيطالية سنة 1899م وسماها:" بشير الإسلام بخوافق الأعلام"
 ثم أسند إلى بعثة من الخبراء الفرنسيين مهمة تدريب فيلق الرماة بمراكش سنة 1877م. وأناط بضباط إيطاليين إدارة مصنع الأسلحة بفاس أي" دار السلاح" أو " المكينة" التي تولى تخطيطها المهندس الإيطالي" نوطيرا". وكان يديرها الكولونيل الإيطالي" كافيني"، وكان يصنع فيها الفنيون المغاربة المتخرجون من بعض المعاهد الحربية الأوروبية البندقيات من نوع " مرتيني هودي" و" شنيدر" و" مكسيم" وكذلك الرشاشات.
ويقول المؤرخ مولاي عبد الرحمن بن زيدان في كتابه" الدرر الفاخرة": إن مولاي الحسن أودع في معمل السلاح هذا آلافا من المكاحل والمدافع والمهاريس والسيوف. وقد وصف أحد الرحالة الإنجليز هذا المعمل بقوله: توجهنا لمشاهدة دار السلاح فرأينا هنالك عددا كبيرا من السلاح المخزون في الصناديق وثلاثة أسطر من السروج... مع عدد كبير من السيوف.
وكان يحرس تلك الدار عشرون بحريا من أسرى الإنجليز. وهنالك بيوت عظيمة مملوءة بالبنادق وفي وسطها رمح كان أهداه أحد ملوك الهند. ورأينا هناك أنوعا كثيرة من أسلحة أخرى منها:" قرابيلات" من نحاس ودروع غنمت من الجنود الاسبانيين والبرتغاليين.
والجدير بالذكر أنه كان بالمعمل أيضا مدافع دنماركية استوردها مولاي يزيد بن سيدي محمد بن عبد الله.
وقد كلف مولاي الحسن أيضا الضابط الإنجليزي "هاري مكلين" المدعو " الحراب" لقيادة فليق طنجة، ثم استدعاه بعد ذلك لقيادة جيش " الحرابة" بالبلاط المكي. ثم فارق الجندية بعد حين. ولما مر جلالة السلطان الحسن الأول بمدينة طنجة سنة 1880 أخذ يبحث عن بعض الضباط الأوروبيين السابقين لاستقدامهم إلى المغرب قصد تنظيم مشاة الجيش المغربي، فرشح له "ماكلين" فكلفه المولى الحسن بتدريب الحرابة فأدى مهمته بكل جد وحزم فرقاه جلالة السلطان إلى رتبة " كرونيل" أي كولونيل. وكان ماكلين هو الذي ينظم الجيوش ويستعرضها في الأعياد وحفلات الاستقبال ويتقدمها على جواده ماشقا سيفه. وكان يشتري لجنوده السلاح من مختلف مصانعه بأوربا، ويلقن جنود الحرس السلطاني استعمال الأسلحة المهداة من طرف السفراء الأجانب إلى جلالة السلطان.
كما كلف - أيضا - مولاي الحسن الأول البلجيكي " كرنيارد" بالسهر على صناعة الرصاصات بمدينة مراكش. وأمر أخيرا "بجعل كل فريق من المعسكر في ديوان، كل نفر باسمه وقبيلته ووصفه ولونه ومحل سكناه وحرفته ليمكن البحث عنه بسرعة وفي كل آن". وأسس ما يشبه مدرسة مركزية للمدفعية بمدينة الجديدة.
وكان للسلطان المقدس - يقول مولاي عبد الرحمن في كتابه إتحاف أعلام الناس - اعتناء عظيم بتحصين الثغور وبناء أبراجها، وجلب لذلك مهرة المهندسين الأجانب من ألمان وإنجليز. فقد بنى المهندس الألمانيRotten Bourg البرج الرباطي ثم عزز بمدفعين من نوع "كروب"، وبنى المهندس الإنجليزي برج طنجة، ومدافعه هي من نوع Amstrong، كما بنى المهندس الفرنسي Cornut برج أكادير. ولا يخفى أن الأبراج الأخرى الموجودة في الموانئ منها ما هو اسباني ومنها ما هو برتغالي.
وقه اهتم المولى الحسن بمدينة طنجة - لما لها من موقع استراتيجي هام - اهتماما عظيما حيث اشترى لها ستة من كبار المدافع من معامل ( أرم سطرونك) بإنجلترا، وأمر بإصلاح جميع أبراجها وجلب لها ما تحتاج إليه من المقومات الحربية من بارود وكور.
وقد أصدر السلطان لجنوده أن يمارسوا المناورات العسكرية أربعة أيام في الأسبوع "إما في أرباط المدينة كأرباط مدينة فاس وإما داخل القلاع العسكرية كما كان الأمر في مدينة طنجة". وفي يوم كل اثنين كان جلالة السلطان القائد الأعلى يحضر بنفسه في تمارين المدفعية، وفي كل يوم الأربعاء يستعرض جنوده بنفسه لمراقبة عدتهم وعددهم. وقد ضمن جلالته لجنوده الكماة مرتباتهم، وخصص لهم مواد غذائية تعطى لهم في أيام الأعياد. ويعد السلطان المقدس مولاي الحسن الأول أنه أول سلطان أوفد البعثات العسكرية إلى المدارس العسكرية الأجنبية للتدريب على بناء الخنادق والتحصينات وعلى التمارين النارية وغير ذلك.
فتوجهت بعثة إلى المدرسة الحربية (شاطم) الإنجليزية التي كانت تصنع فيها المدرعات يومئذ، وتوجهت أخرى إلى فرنسا لتدرس بمدرسة "مونبيلي". ولما وصل أعضاء البعثة إلى القلعة العسكرية الفرنسية تكبطوا على الطراز المغربي واحتفظوا بالطربوش. وقد كانوا يدرسون العلوم النظرية في الصباح والتطبيقية في المساء (كالتمارين النارية والتحصينات وبناء الخنادق وأجهزة الدفاع وضرب الأخبية وتركيب آلات الحصار). وقد تلقى اثنان منهم دروسا في التلغراف الجوي. وأرسل مولاي الحسن بعثات أخرى إلى جبل طارق صحبة ماكلين ليتلقوا تكوينا حربيا صحيحا وسليما بالمدرسة الإنجليزية الموجودة هناك. كما أوفد جلالته إلى المدرسة الدولية "بطورين" بإيطاليا بعثة تتركب من24 فردا لتتلقى دروسا في تربية الجنود ولتتعلم علوم البحر ولتتدرب على صناعة السلاح، ووجه جلالته بعثات أخرى إلى كل من اسبانيا وألمانيا للتدرب على فنون الحرب وعلومها والاطلاع على الأسلحة الجديدة. وقد عاد أعضاء هذه البعثات إلى أرض الوطن وعملوا بإخلاص في صفوف الجيشين الحسني والعزيزي.
فكان إذن للمملكة المغربية في عهد السلطان المقدس مولاي الحسن الأول جيش عتيد مسلح بأحدث الأسلحة وذو إطار فني قوي ومدرب أحسن ما يكون التدريب. فكان بذلك حصنا منيعا أمام كل دخيل غاصب، ومقاوما عنيدا لكل من سولت له نفسه أن يمس بسوء سواء استقلال البلاد ووحدتها أو الجالس على عرشها المكين.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here