islamaumaroc

إشراقة أولى من تاريخ الدولة العلوية

  دعوة الحق

116 العدد

ينبع النخل
نبع و نخيل.. !تلك مقومات حياة  لأمة غيرت مجرى التاريخ القديم و قررت مصير دول و حضارات و ديانات..
  إن العربي الذي اندفع بعقيدته إلى الصين شرقا و ما وراء البرانس غربا لم يكن إلا ربيب هذه البيئة الأصيلة، بيئة النبع و النخل..فأعطى الدنيا فيضا من الصفاء.. ورق النخل العربي متساقطا رطبا جنيا على كل مكان وصل إليه الفاتح المسلم..
 وهنا، في المغرب، و في أقصى الجنوب منه، تفجر النبع و أخرج النخل طلعه النضيد..
 كان امتدادا لذلك الإيمان الذي حمله الرعيل الأول من المسلمين وهو في منطلقهم إلى مجاهل الأرض ينشرون العدل و السلام..
 كان المسرى من ينبع النحل في الحجاز ... و كانت اللقيا بسلجماسة من أرض المغرب الأقصى..
 فكيف كان المسرى و كيف كان اللقاء..؟
هنا تتدفق الذكريات لتغمر الحاضر بفيض من الحقائق ممزوجة بكرامات..
ففي كل الأحداث الكبرى كرامات و لمسات من السماء..
 و في كل عمل بطولي خيال مجنح و شيء من المعجزات.
 إنها هالات إعجاب وإكبار تواكب الأحداث فتتمزج فيها الحقائق بالأساطير.. فكأن هذه الاهتزازات النفسية لا تجد انعكاسا إلا في خوارق العادة ترسلها  هيئة لينة تعبيرا منها عن أثر الأحداث في أعماقها.. وقصة المسرى واللقيا من هذه الأحداث التي هزت الكيان المغربي..بل هي إرهاصة من تلك الإرهاصات التي تجدد الأمم و تمنحها الخلود..
 وتصل إلينا الأصداء عبر حفظها لنا التاريخ، فلندع التاريخ يحكي:
حكاية تقول:
" ضنت سجلماسة بخيرها وشحت بثمارها على أهلها فذهب بعض قومها إلى أرض الحجاز، فأتوا برجل من أهل البيت تبركا و تيمنا.. فحقق الله الرجاء وأصلح الثمار حتى عادت بلادهم هجر المغرب.."
 وحكاية أخرى تقول:
" لم يكن ببلاد سجلماسة أحد من آل البيت الكريم فأجمع رأي كبرائهم و أعيانهم أن يأتوا بمن يتبركون به من آل ذلك النسب الشريف، فقيل: إن الذهب يطلب من معدنه و الياقوت يجلب من موطنه، إن بلاد الحجاز في مقر الإشراف. فذهبوا إلى الحجاز.. و جاؤوا بالملوى الحسن.. فأشرقت شمس البيت النبوي على سجلماسة و أضاءت أرجاؤها و ظللتها من الشجرة الطيبة ظلالها و أفياؤها.."

 و تمضي الروايات قائلة:
" إن أهل سجلماسة لما طلبوا من المولى قاسم بن محمد أن يبعث معهم أحد أولاده.. و كان يومئذ أكبر من شرفاء الحجاز ديانة ووجاهة اختبر من أولاده من يصلح لذلك، و كان له على ما قيل ثمانية من  الولد.. فكان يسأل الواحد منهم بعد الواحد و يقول له: من فعل معك الخير فما تفعل منه أنت؟ فيقول: الخبر. و من فعل معك الشر؟ فيقول الشر. فيقول له اجلس. إلى أن انتهى إلى المولى حسن الداخل فقال له كما قال لإخوته فقال: من فعل معي الشر افعل معه الخير.قال:  فيعود ذلك بالشر؟قال: فأعود بالخير إلى أن يغلب خيري على شره. فاستنار وجه المولى قاسم و داخلته أريحة هاشمية و دعا له بالبركة فيه و في عقبه فأجاب الله دعوته.."

وعن إقامته تقول حكاية أخرى:
"ولما استقر المولى الحسن بسجلماسة و اطمأنت به الدار زوجه الشيخ أبو إبراهيم ابنته و سكن بموضع يقال له المصلح.."
 وهكذا تمضي الروايات تستقي من معين لا ينضب..
 وسواء أكانت كلها حقيقة أم بعضها، فالصحيح أن الأيام أبانت عن أصالة هذه الأرومة و عن عبقريتها في صنع التاريخ المجيد..
 تلك قصة المسري و اللقاء.. و أنه للقاء له ما بعده...

 حسن الداخل
على مشارف الصحراء وقف وقفة التاريخ..
نداء أزلي من سجلماسة دعاه لوعد صادق في الغيب مكنون..
سعى من ينبع النخل كشعاع من نور لف تافيلالت ثم انبثق بين شعاعها لينظم الوطن كله.
ذلك هو حسن الداخل" الصالح الناسك العام" جد الأسرة المالكة بالمغرب.
 أطمأنت بحسن الداخل سجلماسة فاب منها إلى أهل و عشيرة.. و تعانق الشرق المسلم مع الغرب المسلم في ذريته و بنيه..
وجاء أبناؤه من بعده، فساروا على سيرته الطيبة وحملوا أمانة الإصلاح بإخلاص.. فأدوا الرسالة فأحسنوا الأداء..
فهذا حفيده المولى علي، كان من الذين صدقوا الله.. فحملتهم و قدتهم الدينية إلى بلاد الأندلس فأقام بها مجاهدا في سبيل الله.. و أبلى البلاء الحسن.. وعن المسؤولية حق الوعي.. مسؤولية المؤمن الصادق الذي لا تثنيه حدود عن الجهاد في سبيل الله..  و كان وعيه هذا مما جعل أهل الأندلس يكاتبونه بالحاج و بتضرع لقبول بيعتهم بعدما عز المجير وشغرت بلادهم عن القائد الأمين.. و لكنه أبى الملك، عزوفا عن الدنيا و زهدا فيها..
وتمر الأيام و تمضي.. و يتعاقب على هذا العرش العلوي ملوك أنجاد يتوارثون بدرة الصلاح و النسك و العلم- خصال أبيهم الجد- بجانب خصال الملك الذي أوتوه..
سمات نتجلى فيهم واحدا بعد واحد حتى تبلغ في بعضهم حد القداسة.

محمد بن الشريف
في سكون الصحراء العميق و جلال الليل الرهيب .. اتخذ الأمير محمد بن الشريف مكانه عند جذع النخلة.. و رنا إلى الأفق البعيد.. و ملأ مسمعه أصداء آتية من بعيد..
إن أخبارا مريبة تتوارد على الإقليم وفي طيها أحداث خطيرة تنذر بشر مستطير.. وأن فتنة عارمة لتجتاح البلاد..

وأخذت الأحداث تمر أمامه كالشريط:
بالأمس.........مجد الإسلام بسقوط غرناطة- يا للجرح الغائر الذي لا يندمل- فتقلص ظله عن أرض عاش بها ثمانية قرون أو تزيد.. و أن المحنة لم تنته بعد، بل هي في امتداد.. فهذه مدن شواطئ المغرب تتساقط واحدة تلو الأخرى:
العرائش، طنجة ، المعمورة، أصيلا، البريجة، سبتة، مليلية كلها اليوم في حوزة الأعداء المتربصين..فهل ستتكرر المأساة..؟
والسعديون- يا للمجد الشامخ كيف هوى
 فمنذ وفاة المنصور والسعد فارق دولتهم.. ان أبناء زيدان ليتقاتلون على الملك.. و يصل بهم القتال إلى حد استصراخ العدو.. ليعدوا بذلك حكاية ملوك الطوائف.. و اقتسم المغرب في أيام أولاد زيدان بن المنصور فكان حاله كحال الأندلس أيام طوائفها.."
 وضياع الزمام منهم..أدى إلى ظهور هذه الإمارات المنبتة في جوانب شتى من البلاد.. امارات قامت على أساس الجهاد و درء الخطر الأجنبي عن البلاد من جهة.. و يحارب بعضها بعضا من جهة أخرى..
 أمارات تعددت و تكاثرت
ورؤوس فتنة اينعت في كل مكان
ومصير البلاد مهدد بل هو على جرف الانهيار..
وانفض الأمير انتفاضة المحموم
وتنفس الفجر.. و مع جلوة الفجر آيات اليقظة و الانبعاث
 و مع بشائر الصبح، سيصدع بالحق قبل فوات الأوان..
منطلق الأمير
الا بوركت الصحراء.. فما زالت مهدا للأبطال، ومنبتا للرجال الذين استرخصوا أرواحهم في سبيل الله فوهبوا وطنهم الخلود.
من لهيب رمضائها كانت الانطلاقات  الكبرى التي كتبنا بها آيات الحضارة الإنسانية في كل العهود..
عهود تلو العهود.. و البدايات.. بداية الزحف المقدس من هنالك  و ألوية النصر عقدت على الدوام لإبطال الصحراء..
 ومن هذه الصحراء الضارية في الآماد كان منطلق الأمير محمد بن الشريف. و كانت سجلماسة شجرة الرضوان..ففيها تمت البيعة و استحكمت فكان المولى محمد أول ملك مفتتح لملك العلويين .. سنة  1050هـ بداية هذا الملك العريض.
وسرى الخبر ترجعه الركبان..
ولفح ذكر هذه البيعة البارقة في الجنوب أمراء الطوائف فقالوا: ملك مشيد على الرمال.. إن هي إلا أسطورة من تهاويل الخيال..
 وابتدأ الزحف الصحراوي الملتهب..

 الرشيد
 إني لأقف مبهورة مأخوذة أمام شخصية الرشيد..
وقف في خضم الأحداث و قد تكالبت عليه عوامل الفتن، داخلية و خارجية.. فاستطاع بدهائه و شخصيته أن يهزمها كلها.. ثم ينصرف بعد ذلك إلى التشييد و البناء في ظرف لا يتعدى ست سنوات..
 ست سنوات .. استقرت فيها قواعد الملك، و تمهدت فيها أمور الدولة.. ووضحت معالم الطريق..طريق المجد الذي سار عليه بعد ذلك الملوك: إسماعيل العظيم، و سيدي محمد بن عبد الله، والمولى سليمان، والمولى عبد الرحمن، والحسن الأول، وسيد الملوك محمد الخامس، والحسن الثاني العلق النفيس من هذه السلسلة الذهبية المباركة..
 استوعب الرشيد الموقف، فقد كانت الأحداث تجري وجريانها يصك الآذان.. فأخذ يهيئ لليوم الموعود.

وابتدأت الجولة..
جولات استطلاعية و تمهيدية في مختلف أقاليم البلاد.. اختبر فيها الأوضاع.. وجس النبض..
وأدى به المطاف إلى أحواز تازا، عند الشيخ أبي عبد الله اللواني أكرمه و أنزله منزل التبجيل..
وهناك، وهو عند الشيخ مقيم، تداعت إلى سمعه أنباء أفضت مضجعه.. هناك يهودي متطاول بجبروت المال و المتاع.. فاستباح الحمى و أهان الدين و جعل أهله أذلة..
 إنه ابن مشعل قد أمر أمره.
ورأى الرشيد من أمره ما رأى.. و حققت الرؤية ما تهامس به الناس.. فقرر، وقراره نافذ، أن يقطع دابر هذا الطاغية مهما كان الثمن..

 وكان الرشيد عند وعده.
 فقد تمكن من ابن مشعل، فوضع حدا لذلك الإقطاعي المتمرد.. و جعل أمواله لصالح المواطنين.. فانهارت بذلك قلعة من قلاع البغي... وكان عمله هذا أول صيحة من صيحات الانتصار التي توالت بعد ذلك باستمرار..
وكان لهذا الحدث الجريء أثره العميق في النفوس.. فالتفتت قبائل بني يزناسن- مسرح هذه الأحداث- حول الأمير المغوار.. وبعد الالتفاف و الإكبار.. تمت البيعة العامة..
فكان النصر و كان التمكين..
 وواجه المواقف العصبية التي كانت تضطرم بها البلاد.. فكان جذيلها المحكك.. و انطلق كالإعصار الهادر يقوض معاقل الفتنة و ينسف حصون النوار..
وأتته البيعات يثرى بعضها بعض..
واندحرت أمام زحفه فلول المشاغبين.. و تصدى للإمارات فتساقطت أمامه كأوراق الخريف.. و توالت  الانتصارات:
 "توجه الرشيد إلى الريف فاستسلم له الرئيس أبو محمد أعراس بعد وقعات..
فتح فاس واستقام أمرها.. وفر أميرها أبو عبد الله الدريدي..
قضى على الخضر غيلان وهزمه بأصيلا..
غزا أحواز مكناسة وقضى على ايت و اللال من البربر شيعة محمد الدلائي..
مال إلى تطاوين فقبض على رئيسها أبي العباس النقسيس.
غزا زاوية أهل الدلاء.. و انهزم الدلائيون ببطن الرمان بفازاز.. و قبض على أبي عبد الله الحاج. وطمس معالم الزاوية.
 فتح مراكش و أنهى قصة " الشبانات" بنهاية رئيسها أبي بكر بن عبد الكريم الشباني.
 وانثنى بعد ذلك إلى بلاد سوس فاستولى على تارودانت، و انضمت إليه إمارة السملاليين.."
" وتابع غزوانه.. إلى أن دانت له البلاد بالطاعة والولاء.. فعفا عن الناس وبسط على السكان جناح الرحمة و أغدق عليهم من فضل اله.. فانتشر الأمن .. وعم الرخاء..
 وهكذا، في ظرف وجيز، استطاع أن يضع حدا لثورات استشرت أيام الفراغ الرهيب.. فأعاد للبلاد وحدتها و أخضعها برمتها لسلطة مركزية واحدة.
 والتفت بعد ذلك إلى الخطر الرابض على الشواطئ..
فكون من شراقة  نواة الجيش المغربي.. وبدأ حملة الجهاد لاسترجاع طنجة وبقية المدن الأسيرة.
 وانصرف بعد ذلك إلى التشييد والبناء.. فاهتم بناء القناطر والأسوار، وتأسيس المدارس، و حفر الآبار، وسك النقود وتشجيع التجارة..
وشغف بالعلم، فكان مولعا بمجالسة العلماء متواضعا معهم.. وشهدت مجالس العلم بالقرويين حضور الرشيد. وقدر العلم حق  التقدير.. و لا أدل على ذلك من السنة الحميدة التي كرم بها الطلبة و تركها في عقبه.. و سارت تقام كل سنة كمهرجان طلابي و كتقليد جامعي انفرد به المغرب.
يحتفل الطلبة بهذه السنة، سنة" سلطان الطلبة" فيكونون دولة صغيرة طلابية بسلطانها ووزرائها و بكامل هيئتها لمدة معلومة تقدم إليهم خلالها الهدايا السنية.. و يتقابل سلطان البلاد مع سلطان الطلبة في محفل رسمي.. و يغدق عليهم النعم و المنح و ينفذ رغبات سلطان الطلبة.
وعلا ذلك الرشيد، و تضوعت مآثره، فقصده الناس من كل مكان، وشد إليه أهل المشرق المطايا..

حصيلة أعمال مذهلة.. تمت في ستة أعوام.. !
فهو الصورة الواضحة لمؤسس الدولة العلوية المجيدة.. و النموذج الفذ الذي حدا حدوه الملوك بعد ذلك. شيد ملكه على دعائم من الحق و العدل و الدين .. فبارك الله في ملكه، و بقي راسخا رسوخ الرواسي الثابتات.. و جعل على كل فترة من فتراته ملكا مصلحا يجدد شباب الدولة، و يصل حلقات أمجادها، و يعيدها سيرتها الأولى..
 ويتساءلون اليوم عن سر هذه المسحة الدينية العميقة المتجلية في ملك لا يزال في نضارة الشباب، وقد عزت هذه المسحة عند الشباب..؟
ويقبل بعضهم على بعض يناجون عن هذه المجالس الدينية العلمية التي ذكر بها مجالس الإسلام في عصوره الذهبية..؟
 هي البذرة الطيبة الصالحة التي أنبتت الدوحة العلوية الشماء واستظل بظلها مغرب الأمس و اليوم والغد..

 و اليوم، و الذكرى تقام..
 ذكرى وصل الحاضر بالماضي.. ذكرى اعتلاء الحسن الثاني عرش أسلافه الميامين.. أتطلع إلى  هذا العرش المكين.. فأجد فيه نفس المعاني التي وجدتها فيه و أنا أتتبع ذكريات التأسيس الأولى..
 فهو بالنسبة إلينا—معشر المغاربة- الرمز الخالد و الضمانة الكبرى لوحدة هذه الأمة و استقرارها. والحافظ الأمين لكيانها ووجودها.
 وكل ذكرى.. و جلالة الملك ترعاه أفئدة الشعب و تكلأه عين الله التي لا تنام..

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here