islamaumaroc

سر التجارب

  دعوة الحق

116 العدد

قبل وفاة المرحوم السيد محمد الزغاري ببضع ساعات، قام بعيادته جلالة الحسن الثاني أمد الله في عمره.
كان الفقيد رحمه الله يعاني سكرات الموت، يقطع الألم الممض أحشاءه لا تخفف من بلوانه إلا غيبوبة كانت تعتريه من حين لآخر. منذ أيام كان موقنا بالمصير المحتوم، فأشاح بوجهه عن الدنيا الفانية وأقبل على الآخرة الباقية بنفس مطمئنة راضية شأن المؤمن الواثق بربه. ما كاد يشعر بأن ملك البلاد واقف على رأسه حتى أفاق من غيبوبته، وسرت البقية الباقية من الحياة في شرايينه، وأشرق وجهه ثم اندفع قائلا في صوت جهوري :
"أخوف ما كنت أخاف يا مولاي أن أموت دون أن أراك .. الحمد لله .. الحمد لله .. لقد شفيت الآن ..لقد برأت من كل مرض .. حفظك الله ورعاك.."
لشد ما اندهش الأطباء والأقارب لهذا المشهد، مشهد جسم هذه السقم وهو يصارع الموت، يهب فجأة كما لو بارحه الألم !  ..ثم تعاوده الغيبوبة التي انتهت بإسلام الروح إلى بارئها .. إلا ما كان من ومضات بين الفينة والأخرى، كان المرحوم أثناءها يجهد النفس للنطق بالشهادة محاولا إجابة الأحبة المحيطين به وهم يرتلون أي الذكر الحكيم في انكسار وخشوع.
انها لحظة من لحظات الإشراق التي يحق أن يقف عندها الإنسان ليجلي ما تبطنه من المعاني الخفية الدقيقة في هذا الظرف الذي تعز فيه المثل ويندر الوفاء وتضيع القيم. لحظة تشهد بما يمتاز به عاهل هذه البلاد من رعاية ونبل وبرور، وترمز إلى ما يكنه أحد خدامه المخلصين من محبة وإعزاز ووفاء ..حتى آخر رمق من الحياة.
أرى ما الذي دفع المرحوم أن يقول ما قال في الوقت الذي قضى وطره من الحياة، وهو يصعد آخر أنفاسه متوجها بوجدانه وكل مشاعره إلى ربه ؟ انها العروة الوثقى التي تربط بين سيد هذه البلاد وبين أحد النابهين من أبناء شعبه.. بل وعموم شعبه. انه الرباط الروحي الخفي الذي يؤلف بين راع وقف حياته لخدمة بلاده وإسعاد أمته وشعب يبادله المحبة والوفاء والإخلاص: "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم..". انه شعور يدق عن الوصف ويتحدى مل تحليل .. شعور تمتزج فيه أمجاد الماضي بكل وزنها وآمال المستقبل بكل ما تنبني عنه من إشراق ونور.
تجمعت في شخص الحسن الثاني ذكريات ملوك عظام أقاموا كيان الدولة على أعمدة راسخة متحدين المخاطر والمهالك والأزمات حتى أسلموا إلى الجيل الحاضر وهي أشد مناعة وأقوى مراسا، وتتمثل في شخص الحسن الثاني آمال جسام عقدها شعب بأكمله على شاب ... أتاه الله المعرفة والذكاء ونبل الشمائل. وبالتالي ترمز تلك اللحظة إلى ما اختص به الحسن الثاني من حكمة واستقامة وحسن سياسة أهلته ليكون أقوى ضمان للاستقرار الذي تتمتع به البلاد فتجعلها مضرب الأمثال.
لم يتفق لبلادنا –إلا في فترات قصيرة من تاريخها الطويل – أن نعمت بالاستقرار، مثلما تنعم به اليوم. وليس ذلك من قبيل الصدف، ولا من نتائج الغلبة والقهر كما هو الشأن اليوم في غير ما بلد في طور النمو. لكنه ثمرة ذكاء سياسي يستميل القلوب باللبن والإقناع بدل العنف والإكراه، وبالحلم عند المقدرة، وبالموعظة الحسنة مقابل الجفاء، دون ما تهاون في المبدأ أو ضعف في الدفاع عن الحق.
اعترت بلادنا زوابع على غرار ما انتاب الأقطار المتحررة التواقة إلى استبدال حالة التخلف بمصير أسعد، وهبت رياح الثورة من الشرق والغرب تغري بكثير من الأماني الكريمة، لكنها تبطن قدرا كبيرا من الحقد والعداء والشقاق في صفوف الأمة الواحدة، وبينها وبين أمم أخرى تم تصنيفها حسب مذاهب دخيلة مفتعلة. فوقف الحسن الثاني ثابت الجنان وسط الزوابع يبشر بوحدة الصف ويدعو إلى الوئام بين كافة الدول والشعوب على اختلاف نظمها، مما أكسبه محبة شعبه وفائق تقدير سائر الدول لجهوده الرامية لنشر الوفاق والوئام. لا بني في إنجاز ثورته الناصعة البياض القائمة على اتحاد طبقات الأمة وتعبئتها نحو النماء والتقدم والرفاه، وتهيئ فرص متكافئة للجميع، لا فرق بين غني وفقير، رفيع ووضيع.
ترتكز هذه الخطة –فوق كل شيء- على أصالة الشخصية المغربية ومتانة القيم المعنوية وعلى الطبيعة التي فطرت عليها النفس البشرية والتي لا محيد عن أخذها بعين الاعتبار في كل إصلاح يرتجى، أما الركيزة الثانية التي تستند إليها خطة العاهل فهي الإرادة الحازمة في مواكبة التقدم الحضاري للأخذ بأكبر نصيب من التطور في كافة الميادين بالسرعة اللازمة، وعلى قدر الإمكانات التي تتيحها موارد البلاد بغية اللحاق بقافلة الدول المتقدمة، مع الحرص الشديد على السيادة الوطنية وعدم التنازل قلامة ظفر عن أي مظهر من مظاهرها لقاء منافع مهما كانت درجة إغرائها.
وهذا ما جعل المغرب طليق اليدين يقرر في قضاياه المصيرية بكامل الحرية، ويتعاون مع أشقائه وجيرانه بإخلاص ونزاهة، ويفصح بصراحة عن رأيه في القضايا التي تمس مصالحه من قريب أو من بعيد، ويحجم عن الخوض في المشكلات التي لا تعنيه وتتصارع في شأنها الكتل المتطاحنة على النفوذ والسيطرة، إلا ما كان من الدعوة إلى الوئام والإشارة باسلم الحلول. مما جعله صديقا لهذا المعسكر وذاك، ما دام يدا كريمة للجميع قصد التعاون والتآزر.
إنها بعض معالم الخطة التي ينهجها الحسن الثاني في تسيير دفة الحكم داخلا وخارجا، إنها نتاج ملك أنبل.، وتربية قويمة في أحضان عاهل عظيم، وذكاء خارق ممزوج بإدراك سليم وإحساس مرهف. ان المواهب تتجلى أكثر مما تتجلى في المحن والشدائد. وقد برهنت الأحداث في غير ما موقف أن العاهل الكريم يظل في أحلك الظروف شامخا كالطود، لا تلين قناته ولا يطير لبه، بل ينتصر عليها. "وما النصر إلا من عند الله".
على هذا وذاك، يتصف العاهل الكريم بالأوصاف التي طبعت أجداده كابرا عن كابر : معرفة لأقدار الناس مع وفاء للأقارب والأباعد، فضل وحلم متناهيان إلى غيرهما من مكارم الأخلاق، مما جمع شعبا بكامله على إعزازه ومحبته "ولو كنت فظا غليظ القلب  لانفضوا من حولك".
إنه السر في التجاوب الموجود بين العاهل وأمته، وفي الإجماع نشهده حول الحسن الثاني. وهو ما أنطق لسان المرحوم السيد محمد الزغاري بما نطق به حين كان يلفظ النفس الأخير. وهو في الحقيقة تعبير عن ضمير الذين حظوا بشرف العمل تحت ظل العاهل الكريم فخبروا أوصافه وخلقه العظيم، أطال الله بقاءه وأبلغه مناه.
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here