islamaumaroc

ذكريات ومشاعر

  دعوة الحق

116 العدد

كلما توالت الأيام، وتتابعت الأعوام، و طلعت من جديد ذكرى عيد العرش، إلا وتجددت المشاعر، وتقوت العزائم، وانبعثت الأماني، وأوحت بأفكار ملهمة هادية، وذكريات عزيزة غالية، لأن هذه  الذكرى هي في الواقع ذكرى تاريخ موصول متماسك الحلقات، كله  كفاح ونضال، وجلاد و صراع، يجسم ـ في أجلى صورة ـ التحام الشعب بالعرش، و انسجامه مع الجالس عليه، و تفانيه في حبه والإخلاص له.
و قد اعتاد الشعب المغربي الكريم، أن يتخذ ـ في اهتبال عظيم، و فرح شامل ـ من يوم عيد العرش عيدا قوميا يقيم فيه احتفالات فخمة، ومهرجانات  وطنية ضخمة، منتظمة في مواكب شعبية، وتجمعات وطنية، تنبسط معها المشاعر ، وتنطلق فيها الحناجر، وتنغمر القلوب في فيض من المرح والبهجة، والغبطة و الانشراح، هازجة بأغاريد العيد، و أناشيد الاستقلال  الخالص السعيد، في جو طليق، مشبع بريا العطر، و حميا الطرب، و أريج المحبة و الولاء..
                                                   ***
ولقد أتى على المغرب حين من الدهر، كان فيه الشعب المغربي ـ و ما يزال ـ يجد  في العرش المغربي ملجأ و ملاذا لتحقيق الوحدة، و توثيق العقدة، و تأليف القلوب، و جمع الشتات، كما كان هذا العرش ـ و ما يزال إلى أن يرث الله الأرض و من عليها ـ رمز للحيوية الثائرة، و الوطنية القويمة، والتضحية المومنة، والإرادة الحكيمة، والاستبسال الشجاع، في درء الأخطار المهددة للوطن، ودفع المكاره الكالحة التي ترمي إلى  عرقلة سيره، و تعويق حركته، وشل نشاطه، مما كان يأخذ بالألباب و يثير الدهش و الإعجاب.
فمنذ أن ألقى الله مقاليد هذه البلاد في يد الدولة العلوية الأمينة، و قيض لها عرشا وطيدا مرفوع القواعد، ثابت الأس، شامخ الذري، و هي لا تألوا جهدا في آن يحتل هذا الشعب الوفي مقاما أسنى  يسنمه رابية الشرف  وقمة المجد، و يبوؤه مكانا عليا بين الأمم والشعوب...
إن ملوكنا العلويين ـ سقى الله ثراهم بالرحمن و الرضوان ـ قدموا لهذه البلاد العزيزة أجل الخدمات، وأسمى العوارف، و أسنى المنجزات و المشاريع، مما ساعد على امتداد السلطان، واستبحار العمران، واستتباب الأمن فلم تشغلهم قصور تطاول السماء، ورياض مؤنقة تنافس الجنة، و ضياع ممرعة خصبة نامية، ولم تلههم تجارة و لا بيع عن ذكر الله  و إقام الصلاة، بل صدقوا الجهاد، و أخلصوا النية، وأحسنوا العمل فسلكوا منهاج الأئمة، و نهجوا طريق السلف، و اتبعوا سبيل المؤمنين، وتجهزوا بجهاز العصر، وكانوا لله عابدين..
نهضوا بالعبء الفادح، و البلاد في فتوتها، وقاموا الاستعمار الكافر في جبروته و طغيانه، ولم يغفلوا المواظبة والمراقبة، ولم يهملوا المراجعة و المحاسبة، ولم يتخلوا ـ يوما ـ عن رسالتهم المقدسة، و مبادئهم الدينية، بل ساروا في طريق لاحب، ممتد الأفق، رحب الجنبات، وقادوا الأمة ـ في حزم الربان الماهر، والرائد المحنك البصير ـ إلى الدرب القاصد الذي تنكشف معه الحقيقة سافرة كفلق الصبح، فأقروا السلام في الأرض، واحكموا النظام في المجتمع، فتعاطفت النفوس، وتكاثفت الجهود، وتعاونت القوى وتضامنت الأمة، فكانت..نعم الأمة..
كانوا إذا اشتد البأس، وأربد الأفق، واحمرت الحدق، وادلهم الخطب، تقدموا أمام الصفوف، وثبتوا لبوارق السيوف، وفجروا حماس الشعب، وعمقوا وعيه بالحكمة و التوجيه، وألهبوا شعوره بالشجاعة و البطولة ضد من أرادوا أن يخدعوه، ويوقعوا به.. فكانوا مصدر الحربة، ومنبت العزة والكرامة..
                                                   ***
وقد وجهوا عنايتهم ورعايتهم للحركة الفكرية والعلمية التي يخضب في ظلها العقل، وتتفتح الملكات، وتسمو الإنسانية، وأقاموا قواعدها على التشجيع و العون، والرعاية والتنويه، فازدهرت الحضارة، وأينعت ثمارها، وانتشرت الثقافة، وأخصبت مرابعها، فتقوت المدارك، وتهذبت العادات، وأصبح الشعب متآلفا متكالفا، متماسك البناء، متضامن الأعضاء يقطع حياته الراضية رأفها لا يمسه فيها نصب ولا يمسه فيها لغوب.
                                                   ***
فإذا احتفلنا في هذا اليوم الأغر الأبلج الذي تومض فيه العيون بالغبطة، وتفيض القلوب بالبشر والسرور، فإنما نحتفل بعرش طالما أسدى لهذه الأمة كل خير، وحقق لها آمالها العذاب، وبواها مقاما كريما بين الأمم والشعوب أصبحت معه حرة  الإرادة، مطلقة السيادة، تواصل سعيها ـ وهي مؤمنة ـ لتحقيق باقية صافية تموت فيها المطامع، و تفنى الأحقاد، و تشفى الصدور من الغل و الوهن..
إننا نحتفل اليوم بالذكرى الثامنة لجلوس صاحب الجلالة و المهابة سيد البلاد، و مناط الأمل، و رجاء المستقبل مولانا الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين الذي أتته الخلافة منقادة، وكانت معه على قدر في هذا العصر الذي امتاز بالعلم و التقنية و السرعة و التسابق، و يحتاج فيه إلى الحزم و العزم، والإرادة والصلابة.. فلا غرو إذا تلفت له الدهر وهو يتعجب من أعماله المثمرة، ومنجزاته الناجحة، و مشاريعه  الهادفة التي كثر معها العمل، و اشتغلت الأيدي، واستدت السواعد، وزكا الريع و الإنتاج...
لقد وهب الله لهذا الملك الهمام كل مزايا الفضل و النبل، وحباه بسجايا التوفيق و الرشد و علمه ـ بإحسان منه و توفيق ـ كيف يقود هذا الشعب الكريم الذي يحمل له حبا صادقا، و قلبا مخلصا، وولاء مكينا..
 وقد ورث حفظه الله هذه المزايا و تلك السجايا من جلالة والده العظيم المرحوم مولانا محمد الخامس رضي الله عنه، و من آبائه الصيد، وأجداده الغر الميامين  الذين ميزهم الله بالجوهر الحر، فعرفوا بالخلق الصريح، و الرأي  النجيح، واتصفوا بما يرضي الله والرسول، فآتاهم ما لم يوت أحدا من العالمين، فكان ـ أيده الله ـ في سليم طبعه، وسمو تواضعه، و ظرف شمائله - واسطة العقد النضيد في جيد دولة ملوكنا العلويين الأمجاد..
و بجانب هذه الصفات الحميدة، والمعاني الإنسانية السامية خصه الله بغزارة علم، وقوة إدارك، وبعد نظر، وحدة فطنة، وسعة أفق، وصفاء ملكة، وسديد التوجيه..
لقد أحيا معاهد العلم، فنفقت سوقها،وشجع العلماء، فازدهرت أيامه بالمعارف و العلوم، و تقدم صفوفهم في سبيل بعث حركة الإصلاح والتجديد، فوقفوا وراء صفا واحدا، ورأيا جامعا، و عزيمة صادقة، وجدد أساليب الكتاتيب القرآنية، وأنعش وجودها، وقوى برامجها، حتى يبقى حبل هذا الدين موصولا، و خلافة الله قائمة، ودستوره نافذا، فكان موقف المسعى، مسدد الخطى، وملهما بالصواب...
و في عهده الزاهر عادت المجالس العلمية السلطانية إلى غضارة شبابها، ونضارة بهجتها، وروعة جلالها، فأصبحت مجالا رحب الحدود يتبارى حوله أقطاب العلم، ورجال الفكر، ودعاة النظر في ميادين العلوم النقلية و العقلية، و المعارف الحديثة العصرية التي تشمل شؤون الدين، وعلوم الفلسفة، و ضروب المعرفة و ثقافة العصر...
                                                   ***
 مولاي أمير المؤمنين..
من وحي هذه المعاني السامية، و المشاعر الفياضة المتجددة التي تلهمها ذكرى جلوسهم على عرش أسلافكم المنعمين أصدرت وزارتكم لعموم الاوقاف والشؤون الإسلامية عددا خاصا من مجلة " دعوة الحق" استقطبت حوله نخبة واعية من علماء بلدك، و طبقة متنورة من أبناء شعبك،  وأدباء عصرك لتقدم إلى مقامكم العالي بالله هذه الباقة الفواحة من العواطف المشبوبة، والمشاعر الجياشة نحو العرش، والجالس عليه، مصوغة في دراسات تاريخية تسجل جهاد آبائكم الأمجاد، ونضالهم في سبيل الكرامة والعزة، والمناعة والتحرر، وسيبقى هذا العدد – يا مولاي - سجلا خالدا ـ أدامكم الله و أبقاكم ـ  لأدباء عهدك، وعلما هاديا لعلماء جيلك، شاهدا على تعلقهم بك، ووفائهم لك، وتفانيهم فيك..
 وها هم الآن، يا مولاي، وأنتم مطمح بصره، و حديث أمانيه، يمدون إليك  اليد، ويجددون لك العهد، ويؤكدون لك الميثاق وهم  يبايعونك في المنشط و المكره و يدعون لك ولولي عهدك و أسرتك وشعبك في أن يحقق الله على يدك ما تريده لأمتك و شعبك من وجود أبدي، و كمال مطلق.
           

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here