islamaumaroc

صلاح الدين الأيوبي ويعقوب المنصور -2

  عبد القادر الصحراوي

2 العدد

 استعرضنا في الفصل السابق بعض ما أمكننا الوصول إليه من النصوص التاريخية الواردة في موضوع استنجاد صلاح الدين الأيوبي بيعقوب المنصور، وهي تتلخص في أن صلاح الدين في غمرة الحروب الصليبية، وعندما كان محاصرا للإفرنج الذين كانوا بدورهم محاصرين للمسلمين في عكا، استنجد بالملك المغربي يعقوب المنصور، فلم ينجده، لأن صلاح الدين لم يخاطبه في كتابه بأمير المؤمنين، ووعدنا أن نعود إلى الوراء قليلا لنشرح ظروف هذه الحادثة التاريخية، وملابستها، ولنلقي عليها ضوءا أكثر ولنقول رأينا في هذه الحروب التي عرفت في التاريخ باسم الحروب الصليبية :

فلنعد إلى الوراء إذن، ولنبدأ الرحلة من حيث كان يجب أن تبدأ، من مدينة كليرمونت في الجنوب الشرقي من فرنسا، وفي اليوم السادس والعشرين من شهر نونبر عام 1095 ميلادية.
نحن الآن في مدينة كليرمونت، نستمع إلى أعظم خطبة في تاريخ الإنسانية، خطبة يلقيها رجل من رجال الدين لا ليدعو الناس إلى السلام، ولا ليدلهم على الطريق إلى الله، ولكن ليعلن بها رسميا مولد حرب عالمية عاتية، تستمر مائة وستا وتسعين سنة، من سنة 1095 إلى سنة 1291.

ذلك الرجل هو البابا أربانوس أو [أوربانوس] الثاني، وهؤلاء القوم المحيطون به، يستمعون إلى خطبته، فيصمتون أحيانا كأنما على رؤوسهم الطير، ويتشنج بعضهم بالبكاء، ويغلي حماس بعضهم الآخر، فيرفع عقيرته بالهتاف والوعيد والإنذار، هؤلاء القوم هم خليط من السوقة، والأشراف، والأمراء الإقطاعيين، يحلم بعضهم بالمغفرة، ويحلم بعضهم بالغنى والفتح، ويحلم بعضهم الآخر بمغامرات ينسى فيها بؤسه وفقره ومشاكله، فلنستمع مع هذا الخليط إلى البابا أربانوس ولنتخذ من خطبته هذه نقطة انطلاق لموضوعنا الذي نريد أن نعالجه :
(أيها الجند المسيحيون، لقد كنتم دائما تحاولون من غير جدوى إثارة نيران الحروب والفتن فيما بينكم، أفيقوا فقد وجدتم اليوم داعيا حقيقيا للحرب.
لقد كنتم سبب انزعاج مواطنيكم وقتا ما، فاذهبوا الآن وأزعجوا البرابرة، اذهبوا وخلصوا البلاد المقدسة من أيدي الكفار.
أيها الجند، أنتم الذين كنتم سلع الشرور والفتن، ألا هبوا وقدموا قواكم وسواعدكم ثمنا لإيمانكم.
إنكم إن انتصرتم على عدوكم كانت لكم ممالك الشرق ميراثا، وإن أنتم خذلتم فستموتون حيث مات اليسوع، فلا ينساكم الرب رحمته، فيحلكم محل أوليائه.
هذا هو الوقت الذي تبرهنون فيه على أن فيكم قوة وعزما وبطشا وشجاعة، هذا هو الوقت الذي تظهرون فيه شجاعتكم التي طالما أظهرتموها في وقت السلم، فإذا كان من المحتم أن تثأروا لأنفسكم، فاذهبوا الآن واغسلوا أيديكم بدماء أولئك الكفار.

يا قوم إذا دعاكم الرب اليسوع إلى مساعدته، فلا تتواروا في بيوتكم متقاعدين، ولا تفكروا في شيء إلا فيما وقع فيه إخوانكم المسيحيون من الذل والهوان والمسكنة، ولا تستمعوا إلا إلى القدس وزفراته، واذكروا جيدا ما قاله لكم المسيح: ليس مني من يحب أباه وأمه أكثر من محبته إياي، أما الذي يترك بيته ووطنه وأمه وأباه وزوجه وأولاده وممتلكاته ومقتنياته حبا في، ومن أجلي، فسيخلد في النعيم، وسيجزيه الله الجزاء الأوفى).

هذه فقرات من الخطبة التي وصفها غير واحد من المؤرخين، بأنها كانت أعظم خطبة في تاريخ الإنسانية، ولعلنا لا نجد في ذلك مبالغة إذا أدخلنا في اعتبارنا النتائج الهائلة التي نتجت عنها.

لقد كانت هذه الخطبة إعلانا رسميا للحروب المعروفة في التاريخ باسم الحروب الصليبية، لأن المشاركين فيها من المسيحيين كانوا يحملون على أذرعهم صلبنا، وقد استمرت هذه الحروب قرنين من الزمان، كانت تتخللها فترات من الهدوء والهدنة، لكنها لم تكن في الحقيقة إلا فترات استجمام واستعداد، يشحذ فيها كل فريق سلاحه، ويدبر أمره، ويهيئ نفسه للمعركة المقبلة.

وبقطع النظر عن المعنى الحقيقي الكبير لهذه الحروب، وعن عدد الضحايا الذين سقطوا فيها من المعسكرين، وعن عدد الدول التي اشتركت فيها، فقد كانت لها إلى جانب كل ذلك نتائج لا تقل أهمية، لقد كانت أكبر احتكاك تاريخي بين الشرق المسلم والغرب المسيحي، وكانت طريقا من الطرق الرئيسية، إن لم تكن أكبرها جميعا، لنقل حضارة الشرق وعلومه ومعارفه إلى الغرب.

فهل كانت هذه الحروب دينية، كما يضفي عليها ذلك اسمها الذي عرفت به في التاريخ، وكما يضفيه عليها أيضا كون دعاتها كانوا هم رجال الكنيسة، وأن الأساس الذي كانوا يستندون عليه في إثارة حماس الجماهير، هو الرغبة في تخليص قبر السيد المسيح من أيدي الكفار والبرابرة ؟؟
نحن لا نستطيع أن ننكر العامل الديني في هذه الحروب، ولا نستطيع أن ننكر أيضا أن الخليفة الفاطمي الحاكم بأمره، في إحدى نزواته التي لم يسلم منها المسلمون ولا النصارى ولا اليهود على السواء، قد أقدم فيما أقدم عليه، على هدم كنيسة القيامة، وقد ألحق بعض الأضرار بالحجاج النصارى الذين كانوا يقصدون قبر السيد المسيح عليه السلام، ومع ذلك، أي ومع اعتبار السيد المسيح عليه السلام، ومع ذلك، أي ومع اعتبارنا للعامل الديني في هذه الحروب، فإننا لا نستطيع أن ننظر إليه في ضوء الحقائق التاريخية، إلا على أنه عامل ثانوي أحسن استغلاله، أما الحروب الصليبية فلم تكن في الحقيقة - كما يقول المؤرخ الإنجليزي استيفن سن - إلا حملات عسكرية لتأسيس إمارات لاتينية في سورية وفلسطين. أي أنها كانت حربا استعمارية، لا تختلف في بواعثها ولا في أهدافها عن الحملات العسكرية الغربية التي جردت في أواخر القرن الماضي وأوائل القرن الحالي على مصر وسورية والعراق وبلاد المغرب العربي.
كانت حربا استعمارية توسعية، تحمل معها منذ البداية بذور انحلالها وانهزامها، فبالرغم من الظفر المؤقت الذي أحرزته، لم يكد يستتب الأمر للأمراء اللاتينيين في الشرق، وتتم لهم الغلبة، حتى شرعوا يتطاحنون فيما بينهم على العروش والتيجان والممالك والمستعمرات ويكيد بعضهم لبعض، ويخون بعضهم بعضا، بل يستعين عليه بالتحالف مع الأمراء المسلمين.

وهذا مؤرخ آخر، هو الدكتور فليب حتي، يذهب إلى أبعد من ذلك فيقول:
(إذا نظرنا إلى الحروب الصليبية في وضعها الصحيح وجدناها فصلا متوسطا بين فصول تلك القصة الطويلة، قصة التفاعل بين الشرق والغرب، مبتدئة بحروب طروادة وفارس في الأزمنة الغابرة، ومنتهية بالتوسع الاستعماري الأوربي في عصرنا هذا).

ومالنا نذهب بعيدا، وهذا الجنرال أللنبي الذي كان مفوضا ساميا لإنجلترا في مصر، والمعروف بقيادته لحملة الحلفاء على فلسطين في الحرب العالمية الأولى، يؤثر عنه أنه قال عند استيلائه على بيت المقدس كلمته التاريخية المشهورة: (الآن فقط انتهت الحروب الصليبية).

نحن لا نستطيع أن نؤكد أن الجنرال أللنبي كان مسيحيا مؤمنا إلى الحد الذي توحي به كلمته هذه، ولكن الذي نستطيع أن نؤكده منها أنه يعتبر انتصاره على الأتراك في فلسطين خاتمة للحروب الصليبية، فإذا كان ذلك صحيحا فقد كانت الحروب الصليبية، في فهم الجنرال اللنبي نفسه، حربا استعمارية توسعية مائة في المائة، لا تشوبها شائبة من قريب ولا بعيد، وذلك لأن خاتمتها التي هي انتصار الجنرال أللنبي في فلسطين لم تكن دينية، ولا ما يشبه أن يجعلها دينية، وإنما كانت توسعية استعمارية كما لا يستطيع هو نفسه ولا غيره من الناس أن ينكر.

لقد كان على الجنرال أللنبي - لكي يعبر عن حقيقة شعوره - أن يقول: الآن فقط انتهت الحروب التوسعية التي أعلنت في مدينة كليرمونت بفرنسا عام 1095.

لكن تعبيره على ما هو عليه كان أجود، وإن لم يكن أصح، وهو الذي أعطى لكلمته تلك النصاعة التي ضمنت لها أن يحفظها التاريخ، وأن يرددها الناس.

نحن إذن، أمام حرب استعمارية توسعية، لا أمام حرب دينية كما يوحي بذلك لفظ الصليب الذي نسبت إليه، أما كون الدعاة إليها كانوا هم رجال الكنيسة، فإنما كان ذلك، لأن غيرهم لم يكن يملك في ذلك الوقت أن يدعو إلى حرب عالمية كهذه، فقد كانوا هم وحدهم أصحاب السلطة الدينية والمدنية، يطردون من شاؤوا من رحمة الله، ويحكمون عليه باللعنة، نعم كان يوجد إلى جانب رجال الكنيسة بعض الأمراء الإقطاعيين، لكن سلطتهم كانت محدودة جدا، وكانت تستمد وجودها إلى حد كبير من تأييد الكنيسة المعنوي، وكان على الأمير الإقطاعي لكي يضمن وجوده واستمراره أن يعيش دائما تحت السلاح، يقاتل غيره من الأمراء، أو يدافع عن نفسه ضدهم، كانت أوربا تعيش في حرب دائمة، وكان لابد من تصدير هذا الاستعداد الحربي إلى الخارج حتى يمكن أن يستعمل استعمالا يدعم نفوذ الكنيسة من جهة، ويحقق أطماع الأمراء جميعا من جهة أخرى، ويصرفهم عن إهدار استعدادهم للحرب في قتال بعضهم لبعض، ولعل كل ذلك واضح من نص الفقرات التي أوردناها من خطاب البابا أربانوس الثاني في صدر هذا الكلام.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here