islamaumaroc

فكرة الخلاص في الأدب الفرنسي

  دعوة الحق

114 العدد


إن القارئ للأدب الفرنسي من غير المسيحيين، ستثيره من غير شك ظاهرة تمسيح هذا الأدب، وإعطائه الصفة الدينية المحضة، وجعله قالبا وأداة شكلية تتضمن مادة ضخمة، هي في جوهرها مبادئ دينية مسيحية، إن ظاهرة التمسيح يمكن أن نلمسها في أدب ما قبل لقرن العشرين، ثم في هذا القرن بالذات، نقرأ لقصاص ثائر مثل غوستاف فلوبير، قصاص لا يحترم العادات ولا يحترم التقليد، لا يعترف بالمعهود والمألوف، فنجد أن هذه الثورة في نفسه ما هي إلا ثورة إنسانية على القبيح والرديء والرذيل، من أجل الجميل والحسن والفاضل، ثورة إنسان طيب على عالم شرير.
نقرأ في قصته المغمورة "قلب بسيط "Un cœur simple" قصة فتاة كلها إنسانية، كلها خير، تحدب على الجميع ولا تكره أحدا، تتمنى الموت لنفسها والمرض إذا ما حل موت أو مرض بفرد من الأسرة التي تعمل لديها. أنها لا تعتقد مع نفسها أن سيدتها أو أبناءها يمكن أن يصيبهم مكروه من دونها، أن للقصة أخلاقا مسيحية، فهي مليئة بالحب والإيثار، وقصته الأخرى "خرافة القديس جوليان المضياف La légende de St Julien l’Hospitalité
هي قصة – أن شئنا – مسيحية مائة بالمائة، فهي قصة ذلك القديس جوليان الذي يقتل أباه وأمه دون قصد (وجدت الحكاية مكتوبة في كنيسة ما.) وتحت وطأة الذنب غير المقصود يدفع حياته ثمنا وفدية، أنه كبطلة قصة "قلب بسيط" يحب كل شيء. فهو في نهاية القصة يعانق رجلا مريضا حتى الموت. وهو قبل ذلك يحاول أن ينقل الناس على ظهر مركبه الرمزي إلى شاطئ النجاة. ومثلما نقرأ عن هذه الروح الإنسانية لدى فلوبير نقرأها لدى هوجو في أشعاره، ولدى شارل بيغي Ch Péguy من بعده. كما نقرأها لدى كلوديل وفرانسوا مورياك. فكثيرون هم الذين يحاولون تمسيح الأدب، وبالتالي ألسنته. أو بمعنى أصح، أن أدبهم يريد أن يقول: "المسيحية إنسانية" (هكذا وبصورة مباشرة جدا.) أن المرء ليستطيع أن يقف ذاهلا أمام عبقرية شعرية خلاقة لدى قراءة قصيدة "الحطاب Le Bûcheron" الطويلة لبيغي أو قراءة قصيدته الأخرى "الليل La nuit"
وأنك وأنت تقرأ القصيدتين اللتين تستغرقان الصفحات لتشعر بالرهبة أمام الملكوت الأعلى. فالكلمة المجنحة تطير بك فوق بساط سحري إلى عالم سحري. أنت حطاب، ومع ذلك فأنت تملك كل شيء. الغابة لك رغم أنها لا تملكها. لك فأسك والفاس من الغابة. لك جسدك والجسد يتغذى من الغابة (والغابة في نهاية الأمر هي لله.)... أترك لك أبناء من بعدك وأعطهم أخلاقا من عندك، أخلاقا إنسانية مسيحية (موروثة). لأن الناس بعد موتك سيقولون هؤلاء أبناؤك وأنت أبوهم فنعم الأب ونعم الأولاد. وأحمد ربك على ما في حوزتك لأنه مقدورك، واعتمد على نفسك قبل أن تعتمد على غيرك لأن من اعتمد على غيره وجد في ذلك هلاكه، ولا تثق بأحد في هذه الدنيا كما يقول الكتاب: "بئس هو الإنسان الذي يضع ثقته في الإنسان." أن الأدب، وأن الكلمة الملونة تستطيع لدى فلوبير أن تقول الكثير والأهم، وهي لدى بيغي تستطيع أن تقول القليل والأهم. أنها فيكل ذلك تعبر عما يراد التعبير عنه، وتؤدي مدلولها الإنساني بثقة وإخلاص تؤديه في نقاء وصفاء، وبروح نقية طاهرة مخلصة. أن الكلمة إذا وقعت أداة في يد متمرنة حولتها هذه الأخيرة إلى شكل صالح ومفيد. سيكون بإمكانها أن تحمل أي مدلول يراد لها، وهي تفعل ذلك ببساطة، دون هرج أو مرج... لنقرأ كلوديل مثل في مسرحيته المعروفة "حصة نصف النهار" Partage de Midi فخلف المعنى الشعري، وخلف الشطحات السحرية للغة، يسكب الكاتب في أرواحنا إرادته الطيبة وهدفه من الكتابة، بمعنى أن يبسط لنا الموقف بشكل مريح لا يتطلب إجهادا أو عسرا في الهضم (هنا أسلوب المباشرة). وسنفهم بسهولة أن هدف المسرحية ما هو إلا معالجة موضوع بسيط، موضوع إنساني ملح. موضوع هو في المبادئ المسيحية جدير بالعلاج: "الجد يرغب في ما يرغب فيه العقل، والعقل يرغب في ما يرغب فيه الجسد." هذا هو الصراع الأزلي الذي سيدوم بدوام الإنسان على الأرض، وهو صراع أليم... يستطيع أن يعالج كلوديل الموضوع بهدوء وببرودة أعصاب، ثم أن بإمكانه أن لا يقول ما قاله الآخرون بصدده، أنه لن يضيف شيئا بالطبع. فالحل موجود، وكل ما في الأمر أنه يرشدنا إليه. ومن خلال الصراع الدامي، صراع الغرائز وطغيان الملذات تتولد الدراما: مأساة الإنسان على الأرض. ولكي يجد الخلاص فهو في الأخلاق المسيحية يلتمس الموت بين يدي الله. إذ كما يقول باسكال: "سعداء هم الذين يموتون، بشرط أن يموتوا في سبيل الله. أو كما يقول القديس أوغسطين St Augustin  في الاعترافات "لقد خلقتنا من أجلك، وستظل قلوبنا في حيرة إلى أن نستريح بين يديك". هذا هو الخلاص، وهذا هو المبدأ. نقرأه لدى فلوبير ونقرأه لدى هيجو ولدى بيغي ولدى كلوديل. ثم نقرأه – ليس عند هؤلاء فقط – ولكن أيضا عند أندريه جيد. لنفتح كتابه "الباب الضيق La porte étroite" فهذه الرواية ليست في واقع الأمر قصة حب بسيطة: رجل وامرأة يتحابان، ولكنها تحملنا إلى الملكوت الأعلى. تنقل حبنا من الحسية والحيوانية إلى ما فوق، حيث لا شيء هنا، في هذا العالم، أروع من هناك. وسوف نرى هذا بوضوح لدى إليزا، إحدى بطلات القصة التي يحبها جيروم، البطل الرئيسي في الرواية، ما أن نبدأ في قراءة القصة إلا ويحدد لنا أندريه جيد اتجاهه، فكان مصير الأبطال موقوف على المصير الذي اختاره لهم الكاتب، كان جيروم في بداية القصة يستمع في الكنيسة إلى الأب يقرأ: "أجهدوا أنفسكم للدخول من الباب إلى الضلال. وكثيرون هم الذين يمرون من هناك، لكن الباب والسبيل اللذين يؤديان إلى الحياة ضيقان، وقليلون هم الذين يعثرون عليهما..." كانت هذه الكلمات بمثابة الحافز لجيروم كي ينهج في حياته سلوكا معينا، في الرواية آلى على نفسه الدخول من الباب الضيق إلى الحياة. فقد أباه وهو صغير. وكان عمه وأمه هما السندين الرئيسيين له في حياته. أما عمته (وهي امرأة تغلب فيها نداء الجسد على نداء الروح). فلم تكن بذات قيمة في حياته. إن القصة كما قلت قصة حب... جيروم يحب إليزا حتى العبادة، وهو يخشى أن يكون حبه عبثا. لكن في نهاية القصة يكتشف القارئ أن إليزا تحبه بدورها حتى العبادة، ويصادف أن أختها جولييت هي الأخرى تحب جيروم، بطل القصة، وعندما تعلم أنه لم يعد في إمكانها أن تمتلكه تسقط في إغماءة. إنه حب عنيف، حب قوي ورهيب، تحاول إليزا مع ذلك – شاعرة بمعاناة أختها – أن تضحي بنفسها وحبها من أجلها. لكن جولييت تتزوج، وحب جيروم وإليزا يفشل... يموت العم، تموت العمة، ثم إليزا... جولييت تلد خمسة أطفال. جيروم دخل إلى الحياة من باب ضيق كلفه كثيرا.
إن ما يثيرنا في رواية أندريه جيد هذه هي شخصية إليزا بالذات، أن الكاتب أكسبها أخلاقا باسكالية. إنها مشبعة بالأخلاق المسيحية، فحبها لله لا يحد ولا يقدر، واتحادها به هو أملها الذي تعيش عليه حتى نهاية حياتها.
لنقرأ هذا الحوار الذي يدور بين جيروم وبينها. قال جيروم:
- إن ما سأصبح عليه في المستقبل، لك وحدك أريده
- ولكن، يا جيروم، فأنا أيضا أستطيع أن أهجرك
- أما أنا فلن أهجرك أبدا.
- ألست بمستطيع السير وحدك؟ إن كلا منا سيلاقي الله على انفراد
- ولكن أنت التي سترينني الطريق
- لماذا تبحث عن دليل آخر غير المسيح؟ (1)
ومثلما نقرأ هذا عن إليزا البطلة نقرأه عن جيروم البطل الرئيسي في الرواية. "لقد وجهت نظراتي نحو الله، نحو هذا الذي تصدر عنه المؤاساة الحق، وكل رحمة وكل عطاء." (2) لكن فما قلت، فشخصية إليزا هي الشخصية الوحيدة المثيرة في الرواية، إن أخلاقها المسيحية تثير الإعجاب والاندهاش. إنها تضحي من أجل الكل، وسعادتها في سعادة الآخر، إن حبها الأرضي، لن يعادل – طبيعة الحال – حبا إلهيا أسمى، فهي في ابتهالاتها أقرب إلى الصوفية: "فإذا كانت روحي تنتحب لفقدانه، أليس من أجل ملاقاتك (يا رب) عما قريب" (3). سوف تظل إليزا امرأة محيرة إلى نهاية القصة، حيث نتعرف على شخصيتها، لقد ملأ أندريه جيد روحها بحب لا بوصف، حب لله، ورفض لسواه، فهي تدعو الله أن ينقذها من حي جيروم، تدعوه وتبتهل إليه... لعله يحقق رجاءها. كل ذلك لتتفرغ لحبه وحده، وفي النهاية للقائه،إذ أن كل واحد سوف يلاقيه على انفراد. يذهب باسكال في "الخواطر" إلى أنه يجب ألا نتحاب بحيث نتعلق ببعضنا. لأن كل واحد منا سيشغل الآخر، وسيسرق منه أغلى شيء في هذا العالم وهو الله الذي يحب أن يملأ كل قلب. ليس معنى هذا أن نتنكر للإنسان، ولكن الولاء لله هو الأولى، ونجد في هذا المعنى أن إليزا تكتب في مذكراتها بأن عليها أن تنفصل عن جيروم وأن تضحي بحبها، لأنها إذا بقيت متصلة به، فستكون "الصنم" الوحيد الذي يستغله عن محبة الله ويبعده عن كل فضيلة. وهكذا فإن حياة إليزا إنما هي حياة المرأة – الإمكان، كما يقول كلوديل "أنها إمكان حدوث شيء فالقصة هي قصة مشبعة بالمبادئ المسيحية، إنها قصة مكملة لخواطر باسكال، لإشعار بيجي، وهي لا تختلف عن مبادئ كلوديل ومورياك. إنها نزعة صادقة إلى تمسيح الأدب، لن أتحدث عن الشكل الفني للقصة، ولكن جيد ككاتب عالمي يستطيع أن يبهرنا بهذا الشكل الذي ليس فيه خلل، والكلمة لديه رائعة سلسة، وفي الختام، فإن الباب الضيق رواية مسيحية موفقة، رواية تسجل بصدق مأساة الإنسان على الأرض قبل لقائه بالله، هذا اللقاء الذي يمثل خلاصا ليس بعده خلاص، إن الرواية تسجل، مع ذلك، - لا أقول نقطة انطلاق – في الأدب المسيحي، ولكن خطأ امتداديا أفقيا. ومن الواضح أنها صورة نابعة من عقلية مجتمع ما، لا تبتعد قليلا أو كثيرا عن تيار أدبي، سار فيه الثائرون على العادات والتقاليد والزيف (فلوبير) وسار فيه المتدينون المؤمنون أمثال مورياك وكلوديل وتيلار دو شاردان وشارل بيغي وغيرهم. وستظل فكرة الخلاص هي النهاية المستهدفة لأبطال قصصهم، كما أنها ستظل المعاني الخلفية لقصائدهم. إنها ظاهرة تستحق الاهتمام، بعيدا عن جميع الاعتبارات الخاصة للناقد والدارس للعمل الفني والأدبي، لأنها تعكس قضية مصيرية، ولأنها من ناحية أخرى أثارت اهتمام الكتاب أنفسهم، بوصفهم المعبرين عن قضايا الملايين متدينين كانوا أو غير متدينين.

1 – ص 34 – 35، طبعة كتاب الغد، أرتيم فأيار 1956 (الأصل الفرنسي)
2 – نفس الطبعة. ص 88.
3 – ص 169
4 – مقدمة مسرحية Partage de Midi الطبعة الشعبية Le Livre de Poche

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here