islamaumaroc

زيارة الوفد المغربي للاتحاد السوفياتي -3-

  دعوة الحق

114 العدد


تمتاز مدينة طشقند عاصمة الجمهورية الأوزبكية بحركة علمية واسعة، ونشاط ثقافي رائع، وتقدم تقني ممتاز، بلحظة الزائر في كل مكان، ومعاهدة علمية للدراسات الاستشراقية، وقد كشف النقاب أخيرا عن وجود خمسة عشر ألف مجلد من المخطوطات العربية تحتوي على ثمانين ألفا من المؤلفات القديمة المدونة باللغات العربية والفارسية والأوزيكية واللغات الشرقية الأخرى تضمها مكتبة الاستشراق في طشقند، وأن المخطوطات التي صدرت مؤخرا في هذه المدينة العظيمة تقع في أربع مجلدات، احتوت على وصف جميع المخطوطات الموجودة في مكتبة أوزبكستان وأن سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية تميزت بتوفر عدد كبير من العلماء الشبان على الدراسات العربية، إذ هناك خمس عشرة رسالة علمية لنيل الدكتورة قد نوقشت خلال السنوات الأخيرة في الاتحاد السوفياتي تناولت دراسة علمية وأدبية واسعة لمؤلفات عدد كبير من الأدباء العرب.
وقد وافق أخيرا مجلس وزراء أوزبكستان على مشروع بناء لاتحاد الكتاب والرسامين والمهندسين والصحفيين والملحنين في طشقند حيث بلغت مساحة هذا النادي الضخم 000 17 متر مربع سيكون عبارة عن مجموعة من المراكز المخصصة لعمل الاتحادات على اختلافها.
كما أصدرت أكاديمية العلوم في أوزبكستان كتابا مهما حول الفرابي ودوره في تاريخ الفلسفة حيث تحدث الفيلسوف مظفر كيروليفومو من طشقند في هذا الكتاب عن دور الفرابي في تطوير الفلسفة والعلوم الاجتماعية العربية، ومكانة أفكار هذا المفكر في الفلسفة العالمية...
وقد زرنا في يومنا الأول لدى أقامتنا بمدينة طشقند مكتبة الإدارة الدينية المصافية للمركز الإسلامي صحية الشيخ الجليل المفتي السيد ضياء الدين بياخانوف وهذه المكتبة أسست في عام 1944 حيث كانت لا تحتوي، إذ ذاك، إلا على شيء قليل من الكتب، وهي تضم اليوم ما يربو على عشرين ألف مجلد من بينها نحو الألفين من المخطوطات التي لا توجد إلا في هذه المدينة.
وهي ملك للإدارة الدينية، وأكثر كتبها يتعلق بالشؤون الإسلامية كالقرآن والتفسير والحديث والتاريخ والحضارة الإسلامية وعدة كتب بمختلف اللغات الإسلامية.
وفيها من الآثار النفسية والأعلاق الثمينة نسخة فوتوغرافية من مصحف عثمان رضي الله عنه، وهو يعتبر من الآثار التي قدمتها الدولة السوفياتية إلى المسلمين حيث اهتمت الحكومة بأن تعيد إلى المسلمين مقدساتهم وذخائرهم الدينية...
ففي سنة 1868، أي بعد استيلاء القوات القيصرية على سمرقند بوقت قصير عثر حاكم تركستان العسكري على هذا المخطوط القديم القيم في مسجد "خواجه أحرار" وأرسله إلى "المكتبة الإمبراطورية" ببطرسبورغ...
قالوا، وبإيعاز من لتين أعادت السلطة السوفياتية على الفور إلى المسلمين هذه الذخيرة القومية التي يحترمونها احتراما عميقا...
وهكذا أصبح في طشقند، وفي خزانة الإدارة الدينية مصحف عثمان الذي أصبح من جديد الممتلكات القومية للشعب الأوزبكي...
وقد أبدى فضيلة الأستاذ سيدي عبد الله كنون شكه في نسبة هذا المصحف الشريف إلى سيدنا عثمان، لأن الفن الدقيق الذي كتب به، وإبعاد الحروف الهندسية الجميلة للكلمات، كل ذلك كان بعيدا عن شكل الكتابة المتداولة في عهد سيدنا عثمان رضي الله عنه حيث كانت رسوم الكلمات إذ ذاك غير مستحكمة في الإجادة.
وتقع المكتبة في موقع جميل تحفه الرياض والغياض، وتجوس المياه خلال دياره، ويحيط به النور من جميع جهاته، كما نظمت رفوفها تنظيما يدل على رهافة الذوق، وشعور قوي بالجمال، وعناية بالغة من الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى وقازاغستان بشؤون الفكر والثقافة والعلوم الإنسانية والإسلامية.
وفي الأيام الأخيرة أصدرت هذه المكتبة مجلة شهرية مخصصة لحياة مسلمي شرق الاتحاد السوفياتي باللغة الأوزبكية من مالها الخاص كما أنها طبعت نسخا من المصحف الشريف طبعة أنيقة...
أما إدارتها فهي تحت إشراف الشاب الفاضل الأستاذ السيد أو تراب ابن يونس الذي تخرج في السنوات الأخيرة من كلية القرويين بالمغرب.
وقد وجدنا أثناء إقامتنا بمدينة طشقند مفكري هذه المدينة يستعدون استعدادا كبيرا للاحتفال بذكرى مرور 525 عاما على ولادة لشاعر الأوزبكي السيد عليشر نافوي، حيث توافد إلى طشقند في الخريف الماضي عدة ضيوف لحضور الاحتفالات التي أقيمت في الاتحاد السوفياتي بمناسبة ذكرى ميلاد هذا الشاعر الفذ الذي يعتبر موهبة متعددة الجوانب. اشتهر كفيلسوف ومؤرخ ومرب، وموسيقي ورسام ودبلوماسي ولغوي... كما وجدنا علماء أوزبكستان – كما أسلفنا آنفا – يهتمون بقوائم مؤلفات عليشر نافوي الموجودة بالخارج... وقد عاد رجل العلوم في جمهورية أوربكستان البروفسور الدكتور في العلوم اللغوية السيد حميد سليمان من باريس وقد اطلع على كنوز المكتبة الوطنية، حيث ساعده الفرنسيون على إعداد نسخ مصورة، وأفلام عن أهم مؤلفات نافوي وإرسالها إلى متحف نافوي الأدبي الذي افتتح أخيرا في مدينة طشقند التي يوجد بها أكثر من ألف قائمة بمؤلفات نافوي...
ولعل عظمة هذا الرجل الذي يحتفل به احتالا شيقا في هذه السنة بمدينة طشقند ترجع إلى الدور العظيم الخطير في تطوير اللغة الأدبية الأوزبكية... ففي مؤلفه اللغوي الشهير "محاكاة اللغتين" بين أن اللغة الأوزبكي التي هي من أقدم لغات الشرق تملك إمكانيات واسعة. فيفضل عنى المفردات، والبنيات الغراما طيقي، ودقة التلاوين يمكنها أن تكون وسيلة سليمية رائعة للإعراب عن أي فكرة كانت، وقد كان إبداع عليشر نافوي برهانا ساطعا على ذلك، فإبداع هذا الشاعر يمثل مرحلة هامة في نهضة الشعر الكلاسيكي في الشرق.
ويعتبر تراث نافوي الأدبي اليوم مدرسة للتربية الخلقية والجمالية لأجيال عديدة في مختلف البلدان، قد رعى نافوي في عصره القاسي العلم والفن والأدب، وناصر في شعره ونثره العقل وحرية الإنسان والوجدان، وتغنى بالحب الحقيقي، والصداقة الطاهرة...
ولهذا الشاعر خمسة دواوين شعرية تربو على 56 ألف بيت، وست قصائد من أكثر من 58 ألف بيت، ومنها لوحات شعرية رائعة مثل "الكواكب السبعة" و"سد الاسكندر" و"لغة الطيور"، وله أيضا: أبحاث كثيرة علمية وفلسفية ولغوية وتاريخية...

وفي الشهور الأخيرة عثر معهد الاستشراق بأكاديمية العلوم الأوزبكية على ديوان هذا الشاعر الذي لم يكن معروفا حتى الآن، وكان الكتاب موجودا في مكتبة خاصة في طشقند، وهو يحتوي على أكثر من ستة آلاف سطر، نسخه الكاتب الشخصي للشاعر بخط يده عندما كان حيا، ويعتبر العثور على هذا الكتاب بمثابة العثور على نسخة بقلم الكاتب نفسه.
وقد ولد نافوي في أواسط القرن الخامس عشر، في مدينة هراة عاصمة خراسان، وأمضى عهد طفولته وشبابه في بلاط التيموريين، وتعلم في سمرقند وعاد إلى هراة، وصار كبير وزراء السلطان حسين، وحامل أختامه، كما اشترك في تصريف الدولة.
مأدبة غذاء مع علماء الإسلام بمدينة طشقند:
أقام فضيلة الشيخ المفتي السيد ضياء الدين حفلة غذاء للوفد المغربي كبرى مناوحة لمكتبه وإدارته.
وقد تناول طعام الغذاء على مائدة مسلمي هذه المدينة الحافلة بما لذ وطاب، من أنواع الطعام والشراب، عليه القوم، وأعيان البلد، وكبار الشخصيات العلمية والإسلامية تم فيها تعارف متين بين أعضاء الوفد المغربي وبين إخوانه المسلمين في تلك الأقطار...
وعقب الانتهاء من هذا الحفل الكريم الرائع الذي تم عن تقدير مكين، واهتمام بالغ بالوفد المغربي قام السيد ضياء الدين بباخانوف فألقى كلمة رقيقة باسم مسلمي آسيا الوسطى رحب فيها بالوفد المغربي...
وللعواطف الرقيقة، والمشاعر النبيلة التي تضمنتها كلمة سيادته فإننا نثبتها للقارئ الكريم ليقف بنفسه على الروح الإسلامية، والمشاعر الجياشة، والأخوة الصادقة التي أظهرها المسلمون في آسيا الوسطى بالاتحاد السوفياتي لإخوانهم المسلمين بالمملكة المغربية. قال سيادته:
الحمد لله الذي أعزنا بالإسلام، وجعل الأخوة الإسلامية عظم رابطة إلى سبل السلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيئين ما انقشعت به في العالم كله ظلمات الكفر والأوهام، وعلى آله وصحبه الذين سعدوا بكل خدمة للإسلام، والإيمان إلى يوم القيام.
أما بعد، فيسرنا في هذه اللحظة المباركة أن نرحب بقدوم الوفد الكريم الميمون، في مدينة طشقند، هذه المدينة القديمة التاريخية، عاصمة أوزبيكستان، وقلوبنا مفعمة بعواطف الأخوة الإسلامية التي تكرمتم بها، ونعتبرها أتمن ما نملك في هذه الحياة، ومن فضل الله علينا، أنه قد أقيمت في هذه الآونة الراهنة العلاقات الدولية على أساس الأخوة والصداقة بين الدول العربية وبين الاتحاد السوفياتي على العموم وبين المملكة المغربية وبينه على الخصوص التي قامت بزرعها وسقيها وبهذه المشاعر نرحب بكم نيابة عن مسلمي آسيا الوسطى وقازاغستان فأهلا بكم وسهلا ومرحبا.
ومما نعتز به اليوم، ونفتخر به، أن جمهورية أوزبيكستان قد كسبت شرفا عظيما، بأن تشرف في رحابها وفد كريم من المملكة المغربية الصديقة زبدة أفاضل العصر، ونخبة فطاحل المغرب، وعلى رأسهم معالي الوزير السيد أحمد بركاش وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية وبرفقة سعادة السفير المغربي بموسكو ورجال العلم، وقادة الرأي، من شتى البلاد المغربية الإسلامية، ونحن أعضاء الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى نتقدم إليكم بأحر التهاني، وأكمل التحيات، لقبولكم الدعوة التي وجهت من قبل هذه الإدارة الدينية لمسلمي آسيا الوسطى قازاغستان،ونعرب عن ارتياحنا البالغ وتشكراتنا العميقة لما لقيتم من مشقة السفر التي أخذتكم في طريقكم إلى أرض الاتحاد السوفياتي فجزاكم الله عنا وعن الإسلام خير الجزاء.
وإن العالم كله، وخصوصا العالم الإسلامي، صار مبتلي بأزمات خطيرة على أيدي القوى الاستعمارية، والدوائر الظالمة، ولا يزال سماء العالم الإسلامي ملبدا بسحب الأخطار الجسيمة والتحديات الخطيرة، وهذه مرحلة من أحرج مراحل التاريخ، والمسلمون فيها أحوج مما كانوا إلى الاستمساك بالقرآن والاستناد إليه، وإن الله يرفع بهذا القرآن أقواما، ويضع به آخرين والقرآن يدعونا اليوم إلى أن نعي ما أودع الله فيه من النواميس والتعاليم، أن الأزمات الماثلة أمام أعيننا، وجبهات المؤامرات، والجروح الدامية التي أصيبت بها الأقطار الإسلامية العربية على أيدي الاستعمار والصهاينة، والقوى العدوانية في الفترة الأخيرة لا تزال آلامها تتفاعل في القلوب، إن الكارثة قد أدمت قلب كل نفر من المسلمين.

أصحاب السماحة والفضيلة
نرى من الواجب علينا أن ننقل إليكم شعور المسلمين في آسيا الوسطى وقازاغستان، أن طريق البقاء والسلام هو ليس إلا طريق التضامن والتكافل على أسس الأخوة وأواصر الصداقة، ويسرنا جدا أن تزداد هذه الصداقة التي ترضى كلا الطرفين.
وختاما: فإنني أشكر من صميم قلبي قبولكم دعوتنا إلى بلاد أخوانكم ليقوى التعارف الذي أمرنا الله به بين الشعوب، كما أشكر جلالة الملك المعظم عاهل المملكة المغربية الحسن الثاني حفظه الله لسماحه بتلبيتكم لهذا التعارف بيننا، راجيا من المولى العليم أن يقوي التعارف والتعاون الفعلي بين البلدين مع كل من يعمل لإقرار السلام في الأرض، نكرر إبداء ابتهاجنا بلقاء وجوهكم الباسمة المتهللة، أبقاكم الله ذخرا لخدمة الإسلام، وإنشاء الروابط بين البلاد.
والسلام عليكم ورحمة الله.
وقد أجابه رئيس الوفد المغربي معالي الوزير الأستاذ السيد أحمد بركاش بكلمة مرتجلة جامعة جاء فيها:
"سماحة المفتي، حضرات السادة: أنه لشرف عظيم حظينا به في هذه الأيام السعيدة للاتصال بإخواننا المسلمين بآسيا الوسطى وأن مولانا صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله وأيده لم يتردد في قبول الدعوة الموجهة إلى حكومته للقيام بزيارة وفد من مملكته الشريفة إلى الاتحاد السوفياتي وآسيا الوسطى.
لقد كان الفضل الأكبر في هذا اللقاء يرجع إلى سماحة المفتي ضياء الدين بباخانوف ذلك الرجل الفذ الذي يعمل على نصرة الإسلام، وتقريب المسافات الفاصلة بين المسلمين، وأنني بهذه المناسبة لأبلغ إلى مسلمي آسيا الوسطى والاتحاد السوفياتي تحيات صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأيده وتحيات الشعب المغربي المتطلع إلى أحوال إخوانه المسلمين في الدين والعقيدة.
أما ما ذكره سماحة المفتي من أن العالم يتخبط في كوارث دامية، سببها الصهاينة والقوى العدوانية في الآونة الأخيرة فإنني أحيط شريف علم إخواني الكرام بأن صاحب الجلالة نصره الله وأيده كان أول من استجاب للدفاع عن الكيان العربي والإسلامي، فبعث الجيوش والعتاد وأرسل الأموال والمساعدات، وكان حفظه الله أول من دعا إلى عقد مؤتمر للقمة تجتمع حوله كلمة الإسلام، ويستقطب رؤساء العرب والمسلمين لصد العدوان، ومحاربة الظلم والطغيان".
وقبل أن نغادر مكان الاحتفال قدم السيد الوزير لإمام المسجد نسخة كريمة من مصحف الحسن الثاني وكسوة مغربية خاصة كما أهديت لخزانة المكتبة والمسجد عدة كتب أنجزتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية...
في مدينة تشرشق:
في صبيحة يوم الأحد 26 – 5 – 1968 توجهنا إلى مدينة تشرشق التي تعتبر مدينة حديثة أنشئت في عام 1934. وتضم اليوم هذه المدينة نحو مائة ألف نسمة، وتبعد عن العاصمة، طشقند، بنحو ثلاثين كيلومترا.
وقد استقبلنا بحفاوة بالغة، وتكريم جم، والي المدينة الصغيرة عند مدخلها، فتوجهنا، توا، إلى زيارة المسرح القومي الذي يضم ستة عشر فرقة أهلية تقدم مسرحيات غنائية موسيقية فضلا عن الأغاني الشعبة التي وضعت على أسس جديدة عصرية.
أن مدينة تشرشق عدة مؤسسات اجتماعية ما بين ورياضية يبلغ عددها نحو السبعين مؤسسة، وقد زرنا إحدى المحطات الكهربائية، وخزان الماء العظيم الذي ينبع من سفح الجبال بغزارة عظيمة. إلا أن إدارة المدينة قد نظمته تنظيما محكما أتوماتيكيا بحيث لا تضيع منه أثناء سيره في مجاريه أي نقطة واحدة...
ويسير إدارة هذه المدينة وأجهزتها مسلمون أكفاء، تخرجوا من أعظم وأرقى الجامعات بموسكو والشرق العربي، وقد عرفوا باللطف والظرف، ودماثة الأخلاق، وحسن السمت، وجمال التواضع الجم حيث استقبلونا ببالغ الإكرام، وجميل الحفاوة، وكريم القرى...
وفي مسجد "بيت فورغان" الواقع في الطريق إلى طشقند تلونا مع جماعة المؤمنين آيات بينات من سورة "طه"، وسورة "يس" تخللها درس جامع لعض الآيات البينات من طرف الأستاذ السيد عبد الرحمان الدكالي الكاتب العام لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ختمه بالدعاء الصالح لجماعة المسلمين، وصالحي المؤمنين، ولمولانا المؤيد بالله في جو خاشع مؤثر يغمره الطهر والصفاء.
وقد انثال على هذا المسجد سكان القرية، وأظهروا من الفرح والابتهاج ما يعجز عنه الوصف والبيان...
وقد تناولنا طعام الغذاء على ترعة جميلة في قرية نموذجية للري الجماعي، شاهدنا خلالها مؤسسات ثقافية ومعيشية في الكولكوز الذي يعتبر نظاما بموجبه ينتقل المزارعون تدريجيا إلى نظام الشيوعية، فقبل سنة 1927 كانت الملكية الزراعية في الاتحاد السوفياتي مجزاة ومثبتة، وكانت في سنة 1920 تجمع على قرابة 22 مليون استغلالية زراعية وقع التوفيق في وضعها في النظام المعروف بالكولخوز.
ففي هذا النظام الكولخوزي يعمل المزارعون عملا جماعيا، ويتقاضون أجرا بقدر ما يقدمون من أعمال، فتقدم المنح للمنتجين، وبعكس ذلك تفرض العقوبات على عديمي الإنتاج وهي طريقة تؤدي إلى الرفع من مداخيل المزارعين على أساس زيادة إنتاجية عملهم.
ويتمتع كل عضو من أعضاء الكولخوز بضيعة عائلية ذات هكتار أو هكتارين ملاصقة لمحل سكناه، كما له الحق في تربية قطيع يكفي لعائلته.
وقد حضر معنا في هذه القرية النموذجية مهندسون فنيون وكلهم مسلمون مؤمنون تلقى جلهم دراسته الفلاحية بمعاهد موسكو ومصر وغيرهما من الأقطار.
... إلى سمرقند:
لقد تعمدت الهيئة المترفة على رحلتنا أن يكون السفر إلى مدينة سمرقند بواسطة السيارات حتى يتسنى لنا أن نقف على المنجزات الضخمة التي تقوم بها إدارة الجمهورية الأزبكية في الميدان الفلاحي...
وسمرقند تبعد عن العاصمة، طشقند، بنحو أربعين وثلاثمائة كيلومتر، زرنا أثناءها محطة مكنكة وكهربة الزراعة التي تتوفر على أحدث الآلات لجني القطن وتصفيته مما لا يتوفر وجوده في مكان آخر فلاحي...
وفي وقدة الحر، وحمارة القيظ حيث الشمس اللاهبة تلفح الوجوه، قطعنا مسافة طويلة كانت قبل اليوم عبارة عن صحراء فقراء، وصخور جرداء، ورمال وعساء، وأرض ميتة، وعطش وجوع أصبحت اليوم بعد عمليات التشجير والتعمير والتطوير، ومنذ سنة 1934، عبارة عن جنات معروشات، وحائق غلبا، وبساتين مغروسات، وأرقة الظلام، دانية الثمار ذات ريع عميق، وماء ثر دافق، وعيون وكنوز ومقام كريم.
وقد قابلنا في قرية نموذجية ب"سهب الجوع" السيد خان لظروف رئيس استصلاح الأراضي، فقدم لنا بيانات مدققة عن المراحل التي قطعها "سهب الجوع" وفي تطوير العمران وتعميره مبينا لنا كل ذلك على خريطة توضح لنا المناطق المجدية، والأراضي الماحلة التي أصبحت بفضل السواعد المفتولة، والأعضاء المجدولة، توتي أكلها كل حين بإذن ربها...
و"سهب الجوع" هذا يوجد على الضفة اليسرى لسير داريا Syr Daria – الذي يعد من أنهار الكبرى بآسيا الوسطى، ومساحة هذا السهب يقدر بمليون ومائتي ألف هكتار، ثلثاها توجد بأرضي أوزبكستان، وتنتج أكثر من نصف مليون قطن، أي نفس ما كانت تنتجه تقريبا أوزبكستان كلها قبيل الحرب العالمية الثانية بيد أن القطن ليس هو الكنز الوحيد الذي يستخرج اليوم من "سهب الجوع" فهناك فواكه وعنب، وحبوب وخضر توتي أكلها شهيا مريئا...
وما فتئت الدولة الأوزبكستانية تنفق أموالا طائلة لتحويل هذه الصحراء القاحلة الجرداء إلى جنان خضر، وحدائق ناضرة يانعة، كما تخصص لها آلات عصرية من أحدث طراز، وقد أنشأت قاعدة مهمة لصناعة أدوات البناء، ووسعت المصانع والمعامل، ومدت السكك الحديدية، وعبدت طرقا شاسعة... فالخطوط الكهربائية، والهاتفية وقنوات الماء والغاز دخلت إلى السهب والرمال التي كانت قبل اليوم محرومة من الحياة.
لقد بني في "سهب الجوع" سد أتشاردين الذين تبلغ طاقته 5،7 مليار متر مكعب "ألف كلم تقريبا من قنوات السقي وأزيد من 1300 كلم أخرى من القنوات تحت الضغط" كل هذه التدابير تمكن جمهوريات آسيا الوسطى وخاصة جمهورية أوزبكستان من تأدية مهمة غزو السهب والنواحي المحيطة به في السنوات العشر المقبلة بحيث قد يصل إنتاج القطن السنوي مليون و300 ألف طن، ومضاعفة إنتاج الأرز والفواكه، والعنب...
ف"سهب الجوع" يكون مخبرا عظيما من الأراضي المسقية، حيث المشاكل العويصة تجد حلها، ومنطقة سقوية تعكس المستقبل الباسم الذي سيقود إلى حياة أفضل، وعيشة راضية.
لقد أنشئ في بداية الأمر خمسة عشر كلخوزا صغيرا، على أن المزارعين قرروا جمع تلك المنشآت الصغيرة إلى كلخوز واحد كبير بعد مشاورة فيما بينهم...
ويعد الكلخوز اليوم بمثابة مدينة صغيرة تحتوي على سبعمائة عائلة، عدد سكانها ستة آلاف نسمة، تقريبا، من مختلف الجمهوريات بات كلهم يكون عائلة واحدة...
وإذا تكلمنا عن المنجزات والمنشآت الزراعية والأراضي الخصبة، واستعمال التقنية الزراعية العصرية والنهضة الرائعة للكلخوز، فإن هناك عاملا أساسيا حقق بدون منازع، كل انتصار الكولخوزيين، ألا وهو اليد العاملة، وعملها الجدي... فالطبيعة كتاب يصعب على الفرد قراءته غير أن الرجال الأوزبكيين الأقوياء، الجادين، أحسنوا قراءته، وتمكنوا من فهمه، فحالفهم التوفيق والنجاح.
ولا غرو إذا رأينا الكولخوزيين يميلون بطبعهم إلى الثقافة والعلم، فالكبار يتعلمون، والعائلات تشترك في الجرائد والمجلات، كما أن جميع البيوت تحتوي على خزانات شخصية مما يساعد على تعميم الثقافة، وذيوع المعرفة، وكثرة الإقبال على الأفلام الجيدة، والسهرات الفنية التي يقيمها الفنانون الهواة...
ومن المعلوم أن الخطوة الأولى في حركة الإصلاح الزراعي هناك أن السلطات المركزية ألغت الملكيات الكبيرة، والأوقاف المربوطة على الشؤون الدينية !!!
والحقيقة أن الأعمال جارية في هذه المنطقة الشاسعة التي يتحدث عنها حكام الاتحاد السوفياتي على النظام الكولخوزي في كل مناسبة...
ومنذ كانت – قديما – بلاد ما وراء النهر، التي تشمل شرق نهر جيحون، وهي تمتاز بأرضها الكبيرة، ورقعتها الواسعة، ومواردها الغنية، وسكانها الكثيرين الذين تبدو عليهم علائم الرخاء، ويظهر على أهلها طابع النعمة حتى قال عنها البشاري:
"هذا الجانب أخصب بلاد الله تعالى، وأكثرها خيرا، وفقها، وعمارة، ورغبة في العلم، واستقامة في الدين، وأشد بأسا، وأغلظ رقابا، وأسلم صدرا، وأرغب في الجماعات مع يسار وعفة ومعروف وضيافة وتعظيم لمن يفهم"
وقد واصلنا السير طوال الطريق ونحن نلتقي بالعشرات من الشاحنات الضخمة، والمواسير ذات الحجم الكبير التي تنبئ بالجهود المضاعفة التي تبذل في هذه المقاطعة لإنعاشها اقتصاديا وعمرانيا إلى أن وقفنا، معتبرين، بالممر العظيم الذي زحف فيه "تيمور (*)" بجيوشه الجرارة الهائلة وسنابك خيوله إلى آسيا الصغرى والشرق الأقصى والذي تنحني الرؤوس أمامه خاشعة، وتعود إلى الذاكرة تلك الأمجاد العظيمة أيام كانت خيوله تذرع أراضي آسيا وأوربا وتستولي على الدهر فتي.
وبعد سفر طويل وشاق، أشرفنا على مدينة سمرقند الجميلة عاصمة الصفديين، ومركز تيمورلنك التي كتب في وصفها ماركو بولو فقال:
"إنها مدينة عظيمة ينطق كل حجر فيها بنيل محند سكانها، وفيها من الحدائق الغناء ما لا يصل إليه مدى البصر، وتحتوي من الفاكهة والزهور والرياحين كل ما يشتهيه الإنسان، وما تسر لمرآه الأعين" أمام ضريح الإمام البخاري

 (*) ولد تيمور عام 736 هـ. في بلدة كش جنوب سمرقند بنحو 50 ميلا، وقد عرف في التاريخ باسم تيمورلنك، ويقصد منها تيمور الأعرج.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here